عملية تعبئة النشطاء السوريين: دراسة في طبيعة العلاقة الاعتمادية بين تقنيات الاتصالات الحديثة والثقافة السياسية

05 تموز/يوليو 2017
 
ترجمة: محمود صلاح عبدالحفيظ

الملخص:
 
تعمل هذه الدراسة على إجراء مقابلات متعمقة مع نشطاء سوريين إضافةً إلى تعقب مسار الاحتجاجات السلمية منذ بدايتها؛ وتحاول الدراسة العمل على اكتشاف الأساليب التعبوية التي تبناها المحتجون عبر أربع مراحل مميزة للاحتجاجات السورية حتى أغسطس 2011. ويكشف التحليل النهائي للدراسة عن أن تأسيس علاقات الثقة والانتماء والتفاعل النشط والتواصل الشخصي بين المحتجين كانت أسرع وأكثر كفاءةً في تعبئة المحتجين من التعاطي مع المؤثرات والمصادر الإعلامية التفاعلية المختلفة؛ خاصةً تلك المرتبطة بالفيسبوك؛ ولكن دون شك وجَب التأكيد على أنه بالمراحل الأخيرة والأكثر نضجاً من الاحتجاجات السلمية فإن مزيداً من المحتجين كانوا قد تدربوا على الاحتجاج؛ وكان العديد منهم قد استفاد من الإمكانيات التي توفرها تقنيات الإتصالات والمعلومات.
 وكان العديد من الباحثين الذين اهتموا  بالأدوار التي تلعبها تلك التقنيات التواصلية الحديثة قد حاولوا توضيح نتيجة مهمة تقوم على أن استخدام الناس لتلك التقنيات – وليس تلك التقنيات في حد ذاتها -  من شأنه أن يؤثر ويعيد صياغة العمليات الاجتماعية الجارية في المجتمع؛ ولكن دراستنا الراهنة تتعامل مع هذه الفرضية بطريقة نقدية وبما يؤسس لنتيجة أن استخدام التقنيات الحديثة ينبغي النظر إليه باعتباره متغيراً تابعاً، بحيث يتوقف تحققه وتأثيره بالنظر إلى حال الثقافية السياسية لكل مجتمع على حِدة.

مقدمة:

في مارس من العام 2011 – وبعد أن أظهر المجتمع السوري تحملاً واضحاً لنظام حكم الأسد لسنوات طويلة – فإن سوريا كانت على موعد مع التاريخ؛ فقد شهدت سوريا أضخم وأوسع التحركات الاحتجاجية في تاريخها.

وتبدأ سردية الانتفاضة السورية عند حكاية أطفال درعا، عندما رسموا على جدران مدرستهم عبارات مسيئة وساخرة من بشار الأسد ونظامه؛ ذلك النظام الذي وجه أجهزته للتنكيل بهؤلاء التلاميذ؛ حيث تم اقتلاع أظافرهم بوحشية واضحة، وذلك في الوقت الذي هاجم فيه ممثلون ونواب محليون آباء أولئك الأطفال بأقصى عبارات الإهانة واتهامهم بأنهم مُثيرو فتن قد تتسبب في حدوث استقطابات بين عشائر وسكان المدينة.

ولم تمض إلا أياماً قليلة حتى نزل أهالي درعا إلى الشارع؛ وبينما كانوا في بدايات احتجاجاتهم قُتل العديد منهم؛ ومع استمرار عمليات قتل المحتجين تأججت الاحتجاجات في كل أنحاء سوريا؛ وبالأساس فإن السوريين كانوا - مثل نظرائهم المصريين والتونسيين – يبتغون حريتهم التي سلبهم إياها نظام استبدادي يعتمد على سيطرة المخابرات على المجتمع؛ إلاأنه كان واضحاً في بداية الاحتجاجات القدرة الفائقة للنظام في قمع المحتجين وتفتيت وحدتهم من خلال الإعلام الحكومي الموجه، وبشكل عام فإن الأمر قد تطور في اتجاهات مختلفة ووصل إلى درجة لجوء العديد لحمل السلاح من أجل حماية المحتجين؛ أو الجماعات المعارضة للنظام من أية اعمال انتقامية قد يتعرضون لها.

وخلال أربع سنوات – فقط – تحولت الانتفاضة السورية إلى معركة واسعة النطاق بين أطراف دولية ومحلية متعددة، بين المعارضة وقوات موالية لبشار الأسد، وقوات وعناصر مدعومة من دول الجوار، وجماعات متشددة (“Syria: The Story of the Conflict,” 2015)؛ وبحلول أغسطس 2014 كانت الأمم المتحدة قد رصدت مقتل ما يزيد عن 191,000  مدني جرّاء الصراع الدموي ودعت إلى تدخل دولي عاجل.

وتختلف الانتفاضة السورية عن نظيرتها المصرية أو التونسية من حيث عمليات التعبئة التي جرت في كلِ بلدٍ على حدة، فلم يكن للإنترنت دوراً محورياً في تعبئة السوريين، وهو ما أظهره بجلاء العديد من المعلقين الذين أكدوا أن تحليل دور تقنيات الإتصالات والمعلومات في التعبئة الاحتجاجية يتطلب منا أن نأخذ بالإعتبار الحالة السياسية والاجتماعية وبنية الإتصالات الخاصة بكل مجتمع والتي تكون ملائمة لكل بلد عربي وقد لا تكون ملائمة للأخرى ( (Anderson 2011; Castells, 2012; Howard & Hussain, 2011; Khamis, Paul, & Vaughn, 2012). Khamis et al. (2012))، وعلى سبيل المثال فإن المقارنة بين الأدوار التي لعبها نشطاء الانتفاضتين المصرية والسورية ستكشف عن أن ثمة عوامل سياسية واجتماعية مناسبة لحالة كل بلد على حدة؛ وبما يؤثر في عمليات الاحتجاج، مثل درجة قمع الدولة للمحتجين؛ ومستوى التدخل الدولي المحتمل؛ إضافةً إلى السلوك المتوقع من الجيش في حالة استدعائه لقمع المتظاهرين، ومن ناحية أخرى فقد كان للتباين في بنية وسائل الإعلام في كل من مصر وسوريا دوراً مهماً فى تحديد آلية التواصل بين المحتجين؛ حيث تختلف سوريا عن مصر من حيث التغطية المحدودة للأحداث في سوريا حتى تلك التي يقوم بها مراسلون اجانب وإن كان ثمة بعض الاستثناءات النادرة (Khamis et al., 2012).

إن الهدف الذي ينبغي لهذه الدراسة تحقيقه ليس مجرد الإحاطة بالعوامل البنائية المميزة للحالة السورية عن غيرها من البلدان العربية؛ ولكن المضي قُدماً من أجل فهم أي من تلك العوامل يؤثر في استخدام وتأثير تقنيات الإتصالات والمعلومات أثناء الاحتجاجات؛ وما الدور الذي لعبته تلك العوامل فى الاحتجاجات واسعة النطاق في سوريا.

وكان أنجيليس  2011 Angelis قد كشف عن دور الشبكات الاجتماعية السورية في أحداث 2011؛ حيث أوضح أن المساحة التي حظي بها استخدام شبكة الانترنت في سوريا تمت بعد اندلاع الاحتجاجات السورية؛ فمصر كان بها مجتمع انترنت جيد بخلاف الوضع فى سوريا قبل 2011، وإن تبنىَ ذلك الدور - في سوريا- نشطاء جدد إلا أن الدور الأبرز كان لنشطاء فاعلون خارج سوريا، وبالتالي فإن نشطاء الانترنت لم يكونوا قادرين على قيادة الاحتجاجات على الأرض؛ أو صياغة قاعدة ومَنّصة يمكن لقوى المعارضة الإلتقاء عليها في هيئة جبهة معارضة سياسية موحدة.

ومن ثم فإن الدراسة التي بين أيدينا تحاول أن تطور مقولة أنجيليس السابقة؛ وذلك من خلال عمل مقابلات متعمقة مع القائمين على صفحة "الثورة السورية" 2011؛ بالإضافة إلى نشطاء سوريين على الأرض، وقد كشفت تلك المقابلات عن التقنيات التي استخدمها النشطاء لتعبئة المحتجين، وبدا واضحاً من تلك المقابلات كيف ولماذا كان لطموحات وتقنيات محددة صدىً وتأثيراً في البيئات المحلية – السورية - المختلفة.

ولعل من أبرز النتائج المهمة التي نلقي عليها الضوء كذلك الدور الذي لعبته الثقافة السياسية السورية بشكل واضح في تحديد تأثير تقنيات الإتصالات والمعلومات على الاحتجاج؛ فلا بد من الإشارة إلى أهمية التعرف على الثقافة السياسية لسوريا قبل احتجاجات 2011 باعتباره أمراً حيوياً في عملية فهم علاقة الثقافة السياسية باستخدام تقنيات الإتصالات والمعلومات؛ وإذا درسنا الاضطرابات في سوريا منذ الاستقلال فإننا سنكتشف اتجاهاً عاماً من السوريين ينأى بنفسه  عن النشاطات السياسية التي من شأنها أن تقود إلى الفوضى وعدم الاستقرار(Lesch 2012) ، وهنا يتبين كيف اجتهد النظام في خلق آليات ثقافية للسيطرة على المجتمع، حيث تم فرض تقديس الزعيم؛ وبما عمل على إعادة تشكيل الثقافة السياسية السورية (Weeden, 1999).

وبالرغم من أن كثيراً من السوريين لم يكونوا بالضرورة يعتقدون حقاً في الخداع الذي يروج له النظام إلا إنه كان مطلوباً منهم الطاعة والإذعان (Crisis Group, 2011).

وفي عقدي التسعينيات والألفية الجديدة لعبت شبكة الانترنت والمحطات الفضائية دوراً إعلامياً مهماً في المجتمع السوري؛ مما أتاح نمو مجال سياسي أكثر تفاعليةً وقبولاً للانخراط (Lynch, 2006; Shaery-Eisenlohr, 2011)، وكان أندرسون قد قام بعمل دراسة إثنوجرافية فى مدينة حلب في الفترة الممتدة من 2008-2009 وتوصل إلى أن الآليات الثقافية لسيطرة الدولة لم تعد فعالة؛ فالناس الذين التقى بهم الباحث أظهروا صوراً من التذمر حيال الفساد القائم، والنموذج الأبوي السلطوي في الحكم، وكيف أن النظام السياسي يمتهن تطلعات المواطنين ويحتقرهم، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل وصل إلى إدراك أن الرموز السياسية ينفذون سياسات فاشلة (Anderson, 2013).

وعلى الرغم من نمو حالة الوعي السياسي للشعب السوري فإن ثقافة الإذعان ظلت حاضرة ومهيمنة إلى حين إندلاع احتجاجات 2011؛ وقد كشفت نتائج دراستنا الراهنة عن أن السوريين قد انتهجوا تلك الممارسة لافتقادهم بشكل أساسي أية خبرات احتجاجية سابقة نظراً لنجاح أجهزة الأمن السورية في الحيلولة دون حدوثها بالأساس؛ وعلى سبيل المثال فإن كارولين أيوب – وهي الناشطة المسيحية السورية في مجال المجنمع المدني والتي أوقفها نظام الأسد في 2012—كانت قد ذكرت : " أنه قبيل الثورة المصرية كان متاحا للناس في مصر أن يتواصلوا معاً ويتجمعوا، وكان ثمة أحزاب وجماعات سياسية مصرية قائمة، ومن ثم فقد كان المصريون أكثر تعرضاً وتفاعلاً مع الحياة السياسية؛ وهو ما كنا نفتقده في سوريا حيث كنا بمنأى عن السياسة وعالمها؛ وقد اعتاد آبائنا على التنبيه علينا أن لا نتحدث مع أي شخص في السياسة أو الدين".

ويمكن القول إن  محدودية المجال السياسي السوري وطبيعة الثقافة السياسية - والتي تَتَشربها عملية التنشئة في الأسرة السورية – تتجه إلى تقييد إمكانيات وتطلعات الاحتجاج عند الشباب؛ وحتى بالنسبة لأولئك الذين اتسموا بناشطية سياسية قبل الاحتجاجات الواسعة في 2011 - وغالبيتهم من نشطاء المجتمع المدني – فإن التحدي الأساسي تمثل في افتقاد خبرة تنظيم حركة احتجاجية متماسكة وعلاوة على ذلك فإن النظام قد حظر مجرد الاحتجاج من أجل قضايا دولية وهو ما ساهم في تقليص خبرة الاحتجاج إلى حد كبير.

ومنذ انقضاء عقد الثمانينيات لم تشهد سوريا احتجاجات تُذكر باستثناء تلك التي شهدتها بعض المناطق في سوريا التي يعيش فيها الأكراد العام  2004 ، وكان النظام قد قمع بشدة ملحوظة حركة المجتمع المدني التي برزت في عقد الألفية الجديدة ،مما سمح له بلعب دور مثير للجدل في الهيمنة على الثقافة السياسية للسوريين(Cooke, 2007)..

ومن أجل تغيير ثقافة الإذعان فكان من الأهمية بمكان، العمل بجدية على خلق علاقات الثقة بين المشاركين المتوقع منهم الانخراط في الاحتجاجات، ومن ثم تأسيس شعور الانتماء والترابط؛ وهو ما يعني مباشرة أن مسئولي صفحة "الثورة السورية" على الفيسبوك لم يكونوا قادرين على غرس تلك الأفكار والممارسات خلال أسبوعين فقط من الإعداد، ومن ثم فقد تألفت متغيرات متعددة معاً من أدوات الإتصالات القديمة، والنشطاء ذوي الروابط والعلاقات مع الشرائح المختلفة من الجمهور السوري؛ وبما يبني بشكل سريع وفعال علاقات الثقة بين المشاركين في الاحتجاجات، وكانت تلك هي النتيجة الثانية من دراستنا الراهنة والتي أشارت إلى أن اندلاع الاحتجاجات في الدولة السلطوية من شأنه أن يثير تحولاً من ثقافة الإذعان القسري إلى ثقافة سياسية جديدة تقوم على الاستقلالية في مواجهة السلطة؛ والمطالبة بالمشاركة وليس مجرد الرضا بتوفير الدولة الأمن لهم (Welzel & Inglehart, 2008)، وكانت مصر قد  مرت بذلك التحول وهو ما تمت ترجمته في انتفاضة مصر 2011 (Colla, 2012; Tufekci, 2014)..

وعلى الرغم من حصول محاولات جادة لمثقفين ونشطاء سوريين من أجل إحداث ذلك التحول في أوقات مبكرة بعد العام 2000 إلا أن التحول الفعلي تم أغلبه في العام 2011؛ اذ نلاحظ بشكل واضح أن كثيراً من الناس قد بدأوا يكتسبون ثقافة الاحتجاج، وأن الكثيرين منهم قد تمكنوا من الاستفادة من وسائل الإعلام التفاعلي؛ وبناء شبكات عابرة للقومية  لإيصال رسالة المحتجين إلى العالم.

 وفي سبيل الوصول إلى مدخل تحليلي أكثر دقة حول دور تقنيات الإتصالات والمعلومات في الانتفاضة السورية فإن هذه الدراسة تسعى -

أولاً - التعرض إلى نظريات الفعل الجمعي التي تناولها منظرو الحركات الاجتماعية لفترة طويلة، حيث توضح مراجعة التراث النظري ما الذي يتطلبه الفعل الاحتجاجي  الجمعي، وإذا ما كانت تقنيات الإتصالات والمعلومات تستطيع تلبية تلك الاحتياجات، ومن ثم فإننا سنقوم بمعرفة وتحديد الدور الحقيقي لتقنيات الإتصالات والمعلومات في احتجاجات الربيع العربي.
ثانياً - تقديم خلفية مختصرة عن منهجية الدراسة الراهنة، وأخيراً تقديم وعرض مقابلات مع نشطاء سوريين؛ وذلك من أجل تتبع مسار الاحتجاجات السلمية وتقديم تحليل لتفاصيل استخدام تقنيات الإتصالات والمعلومات في أربع مراحل مختلفة من الانتفاضة السورية

دور تقنيات الإتصالات والمعلومات في الفعل الاحتجاجي الجمعي:
 
لقد دأب منظرو الحركات الاجتماعية - لفترة طويلة – على محاولة فهم كيف ينخرط الأفراد في الأفعال الاحتجاجية الجمعية، وكانت نظرية تعبئة الموارد في طليعة المساهمين، فقد قدم أولسونOlson  رؤيته عن الخيار العقلاني؛ عندما أوضح أن المحتجين يسلكون بطريقة عقلانية في تقييم التكلفة والمنافع جرّاء الإقدام على المشاركة في الفعل الجمعي، وبما يضمن حل مشكلة الراكب بالمجان. حيث اقترح أولسون ضرورة أن يعمل قادة الحركات الاحتجاجية على معاقبة أولئك الذين يمتنعون عن المشاركة معهم؛ أو العمل على تقديم منافع وحوافز لمن يعملون على الدفاع عن مصلحة الجماعة المُحتجة (Olson, 2002)؛ وعلى النقيض من تلك الرؤية فقد عمل منظرو العملية السياسية أمثال تيلي وتارو Tilly and Tarrowعلى تأكيد الدور الذي تلعبه الفرص السياسية  والقيود أو المعوقات في ظهور الصراعات الاحتجاجية؛ ووفقاً لتارو Tarrow فإن تلك الصراعات تنمو بحدة عندما يحصل المحتجون على موارد من خارج حركتهم تمكنهم من الاحتجاج، إضافةً إلى اكتشافهم الفرص اللازمة لاستخدام تلك الموارد الجديدة، وبالرغم من أن تلك النظرية تشرح لنا العوامل التي تثير الفعل الاحتجاجي الجمعي إلا أنها وبشكل عام لا توضح لنا كيف تتمكن الحركة ذاتها من الاستمرار لفترات طويلة (McCaughey and Ayers, 2003).

وكان مُنظّرو الحركات الاجتماعية الجديدة ميلوشي وتايلور ووايتر  Melucci, Taylor and Whittier  قد أكدوا على أهمية الفاعلين والهوية الجمعية إضافةً إلى بنية من الشبكات الاجتماعية المرنة والفضفاضة اللازمة لاستدامة الاحتجاجات وحركاته، وتشير رؤية تلك النظرية لمفهوم الهوية الجمعية  collective identity  على أساس أنه يُمَكّن الفاعلين الاجتماعيين من التصرف بطريقة موحدة ومتسقة معاً، فالهوية الجمعية يتم تعريفها باعتبارها تعبر عن كلٍ من الفعل والفكرة أو الرؤية المشتركة (Melucci, 1996, pp. 72–73) ؛ ويشير ذلك التعريف إلى:

أولاً- أنه يُمَكّن الفاعلين الاجتماعيين من الفعل والتصرف بطريقة موحدة؛
وثانياً- أنه يساعدهم في بناء الرؤية المشتركة للتفاعلية والانتماء بينهم، وبالتالي فإن المشاركين سيشعرون أنهم يسعون بجدية نحو تحقيق هدف مشترك؛ وفي ذات الوقت فإنهم سيمتلكون القدرة على تحديد خصومهم وبما يضمن لهم تشربهم معاً أيديولوجية الحركة التي ينتمون لها (McCaughey & Ayers, 2003; Melucci, 1996)).
 
وقد فَنّدَ العديد من الباحثين نظريات الفعل الجمعي بشكل عام، حيث أوضح بيمبر وفلانجين وستوهل (Bimber ,Flanagin, and Stohl,) أن الاستخدام الحديث لتقنيات الإتصالات والمعلومات يتعارض مع نظرية الحركات الجديدة، فظهور تلك التقنيات - الأيسر استخداماً والأقل تكلفة – يجعل عملية الإتصالات أسهل وأسرع، ولم تعد محدودة بالقدرات المعرفية الخاصة بالأفراد المستقبلين والمتفاعلين (Bimber, Flanagin, & Stohl, 2005)، ومن ثم فإن التدفق السريع للرسالة من مُرِسل إلى ملايين المتفاعلين يعكس مدخلاً جديداً لعمليات الإتصالات، وبما يقلل دور كل من قيادات وتنظيمات الحركات الاجتماعية في عملية التعبئة للاحتجاج.

ووفقاً لكاسلز Castells فإن شبكات التواصل عابرة الحدود تمثل حلاً مهما، لأنها تساعد على توسيع الروابط الاجتماعية من خلال التأكيد على إمكانية استغلال الروابط الضعيفة مع الغرباء كمصدر من مصادر عملية التعبئة؛ حيث تمثل تلك الروابط قنوات لوصول الفعل الاحتجاجي الجمعي إلى أعداد لاحصر لها من الناس الذين يعيشون ويتنقلون عبر مسافات اجتماعية بعيدة (Granovetter, 1973)، وكما تلعب تلك الروابط – أيضاً – دوراً مهماً  في خلق مشاعر مثل التآذر معاً؛ وبما يدعم نمو مجتمع شبكي متين (Castells, 2010, p. 348). وكان جيربدو Gerbaudo قد طور نظرية المجتمع الشبكي؛ حيث رأى أن مشاعر التآذر  تلك لا تنشأ عبر التواصل التلقائي على شبكة الانترنت؛ ولكن تتم من خلال استغلالها من جانب القيادات الناعمة أو مصممو الرقصات choreographers (النشطاء والمدونون ) والذين يعملون إلكترونياً من أجل خلق الاحتجاج على الأرض؛ وبالرغم من تلك النتائج فإن التساؤل مازال مطروحاً عن أهمية تقنيات الإتصالات والمعلومات، وإذا ما كانت – حقاً – تدعم الفعل الاحتجاجي الجمعي وبما يخلق مشاعر التآذر بين مستخدمي الانترنت؛ أو إذا ما كانت تعمل على زيادة وسعة القدرات السياسية للناس؛ تحتاج الإجابة على ذلك التساؤل التطرق إلى تحليل سياقات اجتماعية مختلفة.

حتى الآن كانت استجابات الباحثين تجاه تلك التساؤلات متنوعة فالمتفائلون بمستقبل التواصل الإلكتروني أمثال Garrett (2006), Rheingold (2002) and Shirk (2009) يُقَدّرون تقنيات الإتصالات والمعلومات لمساهمتها في إنجاز الفعل الاحتجاجي من خلال إزالة الحواجز التي تعيق تفاعل وسلوك الجماعة المحتجة معاً.

بينما يحذر المتشائمون - بمستقبل التواصل الإلكتروني - أمثال Morozov (2011) من مخاطر استخدام تقنيات الاتصالات والمعلومات في بناء الفعل الاحتجاجي الجمعي، حيث يرى موروزوف أن وسائل التواصل الاجتماعي اُستخدمت في الحقيقة لتدعم الحكام المستبدين في الوقت الذي تهدد فيه المحتجين.

 ففي أعقاب ثورات الربيع العربي فإن النقاشات قد زادت بشكل ملحوظ حول دور تقنيات الإتصالات والمعلومات في عمليات التعبئة اللازمة للتغيير الاجتماعي والسياسي .(Papadopoulos & Pantti, 2013)

وللوهلة الاولى فإن هذه التقنيات بدت وكأنها تلعب دوراً رئيسياً في تسهيل التغيرات السياسية الجارية آنذاك؛ حيث حظيت تلك التقنيات باهتمام واسع باعتبارها مصدراً جديداً وغزيراً للمعلومات وبما لا يدع للنظام السياسي فرصة يسيرة للسيطرة عليها (Niekerk, Pillay, & Maharaj, 2011).

وبالنظر إلى مسوح ميدانية قام بإجرائها كل من Tufekci and Wilson (2012)على محتجين مصريين؛ فقد ثبت أن تقنيات الإتصالات والمعلومات قد شكلت بطريقة إيجابية القرارات الفردية للمواطنين الذين شاركوا في عدد من الاحتجاجات؛ وبالرغم من ذلك فإن هذه الدراسة وغيرها قد واجهت انتقادات حادة لعدم تقديرها للأدوار المختلفة التي يمكن أن تلعبها التقنيات الإعلامية؛ علاوةً على مبالغتها في تقييم الدور الذي تلعبه تلك التقنيات على المحتجين، كما أن العديد من الباحثين الذين عقدوا مقابلات مع محتجين بدأوا في القول بأن المجال الافتراضي النشط ما هو إلا أداة لحشد المحتجين غير المتصلين بالعالم الافتراضي أو بتقنيات الإتصالات والمعلومات (Aouragh & Alexander, 2011)، ويؤكد البعض أن ما قاد إلى النجاح ليس تلك التقنيات ذاتها ، بل كان خلف ذلك النجاح الفاعلون السياسيون (Khamis et al., 2012)، وفي سبيل التكييف النظري للحالة المصرية فقد وجد كل من Eltantawy and Wiest (2011) أن عملية تعبئة النشطاء السوريين من خلال تقنيات الإتصالات والمعلومات تعتمد على التأثير في المحددات الخارجية وكفاءة الفاعلين في استخدام الموارد المتاحة لتحقيق أهدافهم، بينما النشطاء المصريين قد تمكنوا من استخدام تقنيات الإتصالات والمعلومات بكفاءة؛ ومن ثم فقد عاونهم الانترنت في استقبال ونشر المعلومات، وبما مكنهم من بناء روابط قوية بين المحتجين، وزيادة التفاعل بين النشطاء.

إن العديد من الدراسات التي أُجريت على احتجاجات الربيع العربي قد أظهرت ما هو أكثر من دور تقنيات الإتصالات والمعلومات أثناء الاحتجاجات؛ وهو الأمر الذي دفع ببعض الباحثين – على سبيل المثال Hofheinz (2011)- إلى نقد التركيز الضيق لتراث الربيع العربي على مفهوم الثورات الإعلامية، والذي يدفع البعض لفحص الآثار الاجتماعية والثقافية - طويلة الأجل – لتقنيات الإتصالات والمعلومات من أجل العمل على تقييم مشاركتها وحجمها في تشكيل الحركة الاحتجاجية.

وقد أجرى كل من Howard and Hussain (2013)  دراسة لتقييم الآثار الاجتماعية والثقافية لتقنيات الإتصالات والمعلومات على الاحتجاجات التونسية والمصرية؛ وقد توصلا إلى أن النشطاء الذين يُشيدون شبكات للتضامن معاً يعملون على استخدام تقنيات الاتصالات والمعلومات لتحديد الهويات والأهداف الجمعية في مرحلة الإعداد للاحتجاجات، وبشكل مشابه عمل Herrera (2014) على عقد مقابلات لتحليل ودراسة نشطاء الانترنت الشبان، وقد توصلت الدراسة أن الشباب المصري قد تفاعلوا مع بعضهم البعض من خلال التواصل والتواجد على شبكة الانترنت؛ فقد أظهر هؤلاء الشبان ذكاءً عملياً من خلال تجاوز القواعد والأفكار الجامدة، وتحرير عقولهم من أية سيطرة تعيق دعوتهم للاحتجاج، وبالتالي فإن استخدام الانترنت في مصر قد فتح آفاقاً ثقافيةً جديدة بما يتجاوز القيود القائمة والمحظورات السياسية (ibid).

بالرغم من ذلك فإن كلاً من Rinke and Roder (2011) قد أشارا إلى أن الاستخدام اليومي لتقنيات الإتصالات والمعلومات يختلف من مجتمع إلى آخر وفقاً لطبيعة السياقات الثقافية؛ حيث تلعب القوى الثقافية دوراً مهماً في تمكين أو تعطيل قدرة وحضور أي دور لتقنيات الإتصالات والمعلومات.

وبالعودة إلى التركيز على عملية التعبئة في سوريا فإن هذه الدراسة سوف تعتمد على اسهامات الدراسات السابقة – التي تم عرض نتائجها سالفاً – والتي تخلُص إلى ضرورة النظر بعين الاعتبار إلى العلاقة التلازمية بين تقنيات الاتصالات والمعلومات والثقافة السياسية.

إن دراستنا الراهنة تحاول أن تبرز حقيقة أن استخدام الانترنت كما يؤثر على ثقافة مجتمع ما فإنه وبنفس الوقت تؤثر الثقافة السياسية لذات المجتمع أيضاً على الطريقة التي يتم بها استدعاء الإنترنت في التعبئة للفعل الاحتجاجي الجمعي، فالشيء المهم الذي يجب ذكره أن الثقافة السياسية لمجتمع ما قد تعطل خلق الروابط السائلة الضرورية لنمو مجتمع نشطاء الإنترنت.

منهجية الدراسة:
 
إن الحاجة المُلحة إلى تحليل وفهم خبرات المحتجين من خلال متابعتهم في حال نشاطهم الإلكتروني أو ابتعادهم عن التفاعل الإلكتروني، وقدرتهم الذاتية على تنظيم وتعبئة الاحتجاجات؛ إضافةً إلى تحليل الطريقة التي يستخدمون بها تقنيات الإتصالات الحديثة وهو الأمر الذي يتطلب ضرورة عقد مقابلات شبه مقننة مع نشطاء الحركات الاحتجاجية لتسليط الضوء على عملية التعبئة للفعل الاحتجاجي الجمعي في سوريا.

وتتبنى الدراسة الراهنة منهجاً مقارباً لما استخدمه Papadopoulos and Pantti (2013) عندما قاما بدراسة عشرة نشطاء سوريين في الشتات من أجل محاولة فهم ممارساتهم الإعلامية؛ وهو ما تسير دراستنا على حذوه بعقد مقابلات شبه مقننة مع 21 ناشط احتجاجي من الذين قاموا بتنظيم احتجاجات – سواء تم ذلك في فترة ما قبل الانتفاضة، أو أثناء مرحلة التعبئة - إضافةً إلى ثلاثة صحفيين عملوا على تغطية أحداث الانتفاضة السورية.

وقد تم عقد المقابلات في اسطنبول ولندن والقاهرة في الفترة من 2013 إلى 2014، وقد استغرقت كل مقابلة ما يقارب من 60 إلى 90 دقيقة، وقد رُوعي أن تمثل حالات الدراسة التنوع العرقي للمعارضة السورية، ذلك التنوع الذي يظهر جلياً خلفيات وتكوينات المدن التي شاركت في الاحتجاجات السلمية في العام 2011: داريا، ودرعا، ودمشق، وطرطوس، واللاذقية، وحمص، وحماة، وإدلب، وسراقب، ودير الزور.

وحرصت الباحثة على عدم الكشف عن اسم العائلة لكل مبحوث حرصاً على سلامتهم الشخصية؛ بينما طلب اثنان من عينة الدراسة أن يتم استخدام أسماء مستعارة عند الإشارة إليهما، وقد دارت المقابلة للنشطاء حول ستة تساؤلات:
  • هل امتلك النشطاء خبرة احتجاجية سابقة؟
  • كيف علم النشطاء بأمر الاحتجاجات وكيف انخرطوا فيها؟
  • ما هدفهم الرئيسي من انخراطهم في الاحتجاجات؟
  • كيف عملوا على تنظيم أو تعبئة المحتجين؟
  • كيف حصلوا على الأخبار الخاصة بالاحتجاجات أثناء مشاركتهم أو متابعتهم للأحداث؟
  • كيف استخدموا الإنترنت أو وسائل التواصل الأخرى، مثل التواصل المباشر وجهاً لوجه أو التواصل عبر الهواتف الخلوية؟

وفي سبيل إثراء البيانات المستقاة من المقابلات الميدانية وبما يُظهر حالات الدراسة في إطار أوسع فإن تلك الدراسة تعمل على الإشارة إلى المصادر الثانوية التي تم الحصول عليها من المصادر الإعلامية والأخبار الواردة عن سوريا، ومتابعة تقارير إخبارية عبر الانترنت، وتقارير أكاديمية منشورة عن الثورة السورية، وتقارير منظمات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى شهادات كتبها مواطنون سوريون، والمواقع الإلكترونية الخاصة بالمعارضة (على سبيل المثال موقع لجان التنسيق المحلية)، وقد كشفت عملية تتبع مسار الاحتجاجات وإجراء المقابلات الميدانية عن أربع مراحل أساسية لتطور الاحتجاجات السلمية للانتفاضة السورية:
  • المرحلة التجريبية: والتي تم من خلالها محاولة القائمين على صفحة "الثورة السورية SRFPعلى الفيسبوك" إشعال فتيل الاحتجاجات على نطاق واسع مستخدمين في ذلك تقنيات الإتصالات والمعلومات وبعض المحطات التليفزيونية
  • مرحلة الاحتجاجات المحلية: حيث لعبت بعض السياقات القائمة في بعض المحافظات مثل حضور نشطاء من ذوي الخبرة، وشبكات اجتماعية، وثقافة سياسية تحض على الاحتجاج، وتوفر رؤية موحدة حول المظالم المشتركة وهي جمعيها الأمور التي عملت على تعزيز الشعور المشترك بالتضامن.
  • مرحلة الانتشار: حيث انطلقت التعبئة على المستوى الوطني، وانطلاقاً من مواقع وحيازات جديدة للاحتجاج مثل المساجد من خلال تواجد ومعاونة شبكات اجتماعية تتألف من نشطاء ذوي خبرات سابقة.حم
  • مرحلة الفعل الاحتجاجي الجمعي المنظم: وهي المرحلة التي شهدت تحول ثقافة الاحتجاجات الوليدة إلى قيادة عملية تشكيل شبكات - عابرة للحدود الوطنية – داعمة للانتفاضة السورية

أولاً: المرحلة التجريبية
:

تميزت المرحلة التجريبية بحضور وقيادة مسؤولي صفحات الفيسبوك، تماماً كما حدث في الانتفاضة المصرية؛ حيث تم غرس بذور الاحتجاجات السورية أولاً على شبكة الإنترنت، واستلهاماً من الانتفاضتين التونسية والمصرية فإن ثلاثةً من المحتجين – من المقيمين خارج البلاد – كانوا قد قرروا المشاركة من أجل سوريا في تأسيس صفحة " الثورة السورية 2011"، ولم يكن أولئك النشطاء بحاجة إلى إبراز هويتهم، وإلى اليوم وعلى مدار أربع سنوات منذ إندلاع الانتفاضة السورية فإن أحد منسقي تلك الصفحة – ويحمل اسماً مستعاراً (محمود) - مازال يفضل عدم ذكر اسمه الحقيقي إلى اليوم، وقد ذكر محمود في المقابلة " أنه لأسباب أمنية يفضل عدم التصريح باسمه؛ وذلك ليس فقط بسبب المخابرات السورية الداخلية ولكن تحسباً من أية أجهزة مخابرات أخرى حول العالم والتي قد ترفض السماح لك بالإقامة في بلادهم إن علمت نشاطه في المعارضة السورية؛ خاصة أن العديد من السوريين قد تم ترحيلهم لذلك السبب، ومن ثم فإننا نحمي أنفسنا بهذا الإجراء".

 وباستثناء حالة واحدة هي ل "فداء الدين طريف السيد"؛ فإن المسئولين الآخرين عن الموقع قد قرروا تبني ذات النهج الذي اتخذه محمود؛ فسوريا باتت بيئة غير آمنة، وصار الإنترنت المنصة الوحيدة الباقية والتي يمكن من خلالها معارضة الدولة بصورة لا تكشف عن الهوية، فهي منصة جديدة يتمكن من خلالها رواد الفيسبوك، وكما أشارت الناشطة السورية سهير أتاسي فإن سوريا كانت لفترة طويلة مملكة الصمت Wikstrom, 2011 ؛ ففي ظل غياب أية بدائل سياسية أو اجتماعية لحزب البعث فإن بعض النشطاء  قد عملوا على تفعيل مَنصة الإنترنت ليتمكنوا من مواجهة ثقافة الخوف.

لقد لعبت صفحة "الثورة السورية" على الفيسبوك دوراً إعلامياً مهماً، ونشرت معلومات مهمة عن وقت وحيز الاحتجاج المخطط له يوم 4 فبراير 2011 في سوريا، وقد أظهرت المقابلات الميدانية مع النشطاء أن الدعوة لذلك الحدث كانت عملاً شجاعاً بقدر ما كانت صادمةً لهم، وهو ما نجده في حالة المعارض السوري بلال والذي كان يعيش في دمشق – تم اعتقاله في العام 2011 بسبب بوستاته على الفيسبوك – حيث ذكر بلال " أنه قبل بداية الثورة في سوريا كان ثمة ثلاث محاكمات في فبراير، في نفس الوقت الذي ظهرت فيه الدعوة للاحتجاجات على صفحة الثورة السورية، وعندما رأيت بوست الدعوة لأول مرة كان ذلك صادماً لي، وكان أول ما قلته لعائلتي : أُنظروا إلى هذا الذي يجري وبعدها مباشرةً سادت لحظة صمت تام"، وتُعبر عبارات بلال – تلك – عن ثقافة الإذعان التي سادت سوريا لفترات زمنية طويلة، حيث الدعوة العلنية للاحتجاج وتحدي النظام بشكل مباشر أدهشت السوريين ولفتت انتباههم، وعمل التخوف المتوقع من الرد العنيف للنظام على تلك الدعوة على تأخير استجابتهم الفورية للدعوة، وكان العديد ممن تم إجراء مقابلات معهم قد أبدوا – مثل بلال – مشاعر الدهشة والصدمة حيال تلك الدعوة، والبعض الآخر مثل ندى - (اسم مستعار) وهي ناشطة من طرطوس وتعمل في إحدى محطات الراديو السورية المعارضة – قد عبرت عن مشاعر الشك عندما قالت : " عندما سمعت للمرة الأولى عن الدعوة للاحتجاجات اعتقدت أنها مدبرة من الأجهزة الأمنية وأن ذلك لا يمكن أن يكون حقيقياً".

وتظهر تلك الجملة وغيرها أنه بالرغم من إمكانية التخفي التي وفرها الفيسبوك لمنظمي تلك الدعوة إلا أنه في نفس الوقت حالت بينهم وبين اكتسابهم ثقة الجمهور، وهو الأمر الذي دفع بالعديد من السوريين المتشككين من تلك الدعوة إلى التردد في الاستجابة لتلك الدعوة.

 وقد أشار محمود – أحد القائمين على صفحة الثورة السورية – إلى أن التغطية الإعلامية - التي أحاطت بدعوة الصفحة للاحتجاج – كانت عاملاً رئيسياً في سعة انتشار الصفحة وزيادة أعضائها، وقد ذكر محمود :" أنه في الأسابيع الأولى للصفحة كنا نكتب " ساعدنا حتى نصل إلى العدد 5000، وظللنا نُعيد كتابة ذلك البوست على الصفحة إلى أن قام بعض المتابعين ذوي القلب الشجاع بدعوة أصدقائهم؛ هذا في الوقت الذي حصلنا فيه على تأييد ودعم من أصدقاء عرب كُثر، وعندما وصلنا غلى الرقم 5000 معجب ومتابع فإن العديد من وسائل الإعلام لاحظت صفحتنا وشرعت في الكتابة والحديث عنها، وبتنا مشهورين، وعرف بنا وبصفحتنا الكثير من الناس".

وتشرح عبارات محمود أهمية الدور الذي لعبته وسائل الإعلام التقليدي في الترويج وإقناع الناس بمصداقية وسائل التواصل الاجتماعي، فالمحطات التلفزيونية التي تعمل على معرفة ونشر الأحداث داخل سوريا صارت الوسيط بين الناس وبين القائمين على صفحة الثورة السورية.

وبالرغم من التطورات الحديثة في إمكانيات تقنيات الإتصالات والمعلومات إلا أنه وفي العام 2011 كانت البنية الأساسية لتقنيات الإتصالات السورية تُعَد الأدنى والأبطأ تطوراً ونمواً في المنطقة، فقد بلغت جملة مستخدمي شبكة الانترنت 23% من السكان على الرغم من أن انتشار الهاتف كان أعلى بشكل ملحوظ حيث بلغ 63% من السكان، في الوقت الذي بلغ فيه عدد مستخدمي تقنيات الجيل الثالث 80 ألف مستخدم – فقط – بنهاية العام 2010 (Freedom House, 2012)، وقد اعتمد منظمو الاحتجاجات – في سوريا – على المحطات التليفزيونية من أجل إيصال رسالتهم لغير مستخدمي شبكة الإنترنت، وتماماً كما حدث مع منظمة - من أجل بورما لحقوق الإنسان بالمملكة المتحدة – والتي يرجع الفضل في نموها واتساع دورها الحقوقي إلى قوة جماعة الفيسبوك وهيئة الإذاعة البريطانية – فإن الارتباط بين الإنترنت ووسائل الإعلام التقليدي في تشكيل وتطور صفحة الثورة السورية (Chadwick, 2013).

وعلى الرغم من الجهود المكثفة للقائمين على صفحة الثورة السورية فلم يتصدى لها أحد بشكل علني؛ من حيث  التعاطي مع دعوتها الأولى للاحتجاج، ولهذا الفشل عدة أسباب، ووفقاً لما ذكره ريبال الأسد فإن موعد الاحتجاج الذي اختاره القائمون على الصفحة؛ إضافةً إلى الصور المستخدمة بالصفحة خلق نوعاً من الشك في أذهان العامة، علاوةً على اختيار الصفحة موعد الاحتجاج ليتناسب مع التذكير بقمع احتجاجات الإخوان المسلمين في مدينة حماة عام 1982،  كما أن استخدام الصفحة لشعار مكون من قبضة يد مشدودة وممتزجة باللون الأحمر وبما يشبه الدماء، الأمر الذي بدا وكأنها بمثابة دعوة إلى حرب أهلية (Ribal Al Assad, in Lesch, 2012)، وزيادةً على ذلك فقد تصور البعض أن اللغة الدينية المستخدمة في بوستات مدوني صفحة الثورة السورية من شأنها أن تشعل فتنة طائفية (Nabki, 2011)، ولكن كما شرح محمود أحد القائمين على الصفحة أو كما قال: " لقد اعتدنا استخدام لغة دينية مجردة من أية صبغة أو وجهة طائفية، فقد كنا نريد أن نتواصل ونرتبط بلغة الحياة اليومية للشعب السوري، وقد عملنا – فيما بعد – على تأسيس لجنة استشارية حول محتوى ما ننشره على صفحتنا ولكنها كانت عملية صعبة فلم يكن الخبراء يستجيبون بسرعة كافية لتقييم ما يراد نشره".

وثمة سبب آخر لفقدان ثقة العامة في دعوة صفحة الثورة السورية للاحتجاج فحتى 18 يناير 2011 – وقبل أسابيع قليلة من اندلاع الاحتجاجات – لم تكن الصفحة قد بدأت نشاطها بعد، وهو الأمر الذي لم يكن كافياً من حيث الوقت اللازم لبناء الثقة تجاه منصة جديدة على الجمهور السوري؛ وهو الأمر الذي أكده أيضاً الناشط فداء، وبالتالي فقد ساهم كل من الاختيار غير الموفق لسردية اليوم المحدد للاحتجاج ؛ علاوةً على الفترة الزمنية المحدودة منذ صدور الدعوة على الفيسبوك، حتى أن القائمين على الصفحة كانوا لا يخفون مخاوفهم الأمنية والتي ساهمت بالفعل في المستوى المتدني للحضور والمشاركة.

إن التردد الواضح للمواطنين في الحضور والمشاركة بالاحتجاجات يدعم مقولات نظريات الانتشار، ودراسات الاتصال الجماهيري التي تدّعي أن الناس نادراً ما يتصرفون بناءً على معلومات مستمدة من وسائل الإعلام إذا لم تنتقل تلك المعلومات عبر روابط ومصادر شخصية (Katz & Lazarsfeld, 1955)، وهو الأمر الذي كان واضحاً في حالة القائمين على صفحة الثورة السورية والذين لم يؤسسوا لبناء روابط شخصية قوية مع مجتمعهم؛ ومن ثم فإن الإنترنت – في حد ذاته – لم يكن كافياً لإقناع الناس بالانخراط والمشاركة، وكما أوضح (Castells 2012) فإن التغلب على الخوف – من المشاركة الفردية بالاحتجاجات – يتطلب تأسيس آلية عاطفية للتضامن معاً، وهو الأمر الذي لم يتمكن القائمون على صفحة الثورة السورية من تحقيقه؛ فلم يبنوا روابطاً اجتماعية ضرورية لخلق تلك الآلية الشعبية في ذلك التوقيت المحدود ما بين بداية الإعداد للدعوة الاحتجاجية والموعد المرتقب لتلك الاحتجاجات، ويضاف إلى ذلك أن معظم السوريين من سكان مدينة دمشق كانوا يفتقدون إلى الخبرة الاحتجاجية، وهنا يمكن القول أنه من الضروري أن نتذكر أن منطق الفعل الاحتجاجي يتضمن أبنية علاقاتية أي يشترك فيها الفاعلون مع الظروف العامة ، وحضور آليات واضحة لصناعة القرار الاحتجاجي، وتحديد الأهداف، وتداول المعلومات، وحساب النتائج، وتراكم الخبرات، وأيضاً التعلم من الخبرات السابقة (Melucci 1996)، وقد افتقدت الاحتجاجات السورية مثل تلك المحددات، فلم يكن ثمةَ تراكماً للتجارب الاحتجاجية، أو دروساً سابقة يمكن التعلم منها أو البناء عليها، وهو الأمر الذي دفع بالسوريين إلى تفضيل الانتظار إلى حين بروز من يستطيع أن يتخذ الخطوة الأولى، وعلى سبيل المثال فقد قال لي الناشط والصحفي ابن مدينة حمص مازن غريبة :" لقد حاولت أنا وأصدقائي أن نذهب لنشهد الاحتجاجات المعلن عنها في صفحة الثورة السورية ولكن اثنان منهما قالا إن أحداً لن يذهب لأنه أمر بالغ الخطورة، لذا قررنا أيضاً عدم الذهاب"، وتُظهر كلمات مازن بجلاء غياب الخبرة المسبقة للسوريين عند تعرضهم لاتخاذ قرار حيال الدعوة للاحتجاج، فقد واجه النشطاء – خارج العالم الافتراضي – العديد من التحديات الميدانية؛ ففي ظل غياب جماعة أو حركة منظمة وموحدة - معاً حول معاني التآذر والانتماء - فإن المعارضين كانوا في حالة من الخوف والريبة من المخاطرة والمبادرة بالاحتجاج في مواجهة النظام القمعي للدولة السورية.

ويتمثل العامل الأخير – الذي عطّلَ شرارة الاحتجاج آنذاك – في غياب نشطاء لهم تجارب احتجاجية سابقة، ويتفق ذلك مع ما ذكره الناشط محمود "ما كان القائمون على الصفحة بحاجة ماسة إليه عند الدعوة لتنظيم احتجاجاتهم في وسط دمشق هو دعم ومعاونة من نشطاء ذوي خبرة احتجاجية"، وتوضح مقولة محمود تلك ما افتقده القائمون على الصفحة، وبما يكشف عن قدراتهم المحدودة في تنظيم عملية التعبئة الميدانية، فقد كان الخوف من أجهزة الأمن، وغياب معارضة ميدانية فاعلة الأمر الذي يعني عجز المنظمين الافتراضيين في الاعتماد على أدوات إعلامية متعددة عند تعبئة المحتجين، فلم يعمل المنظمون على إثارة الفعل الاحتجاجي الجمعي من خلال البحث عن قادة ونشطاء على الأرض.

ولقد أجبرت التجربة الأولى للتعبئة عبر الإنترنت – بنتائجها المخيبة والفاشلة – مُدوني صفحة الثورة السورية على اعتماد مناهج إضافية تعالج أوجه النقص في عُدة الاحتجاج؛ وكان تشارلز تيلي (Tilly 2006) قد قام بتعريف عُدة الاحتجاج باعتباره زُمرة أو مجموعة نوعية من التكتيكات التي يستغلها الناس في تقديم مطالبهم وشكواهم تجاه القوى التي يتصارعون معها، وبالتالي فهم استفادوا من الأساليب التقليدية مثل الاتصال وجهاً لوجه مع نشطاء من ذوي الخبرة المسبقة.

وكان الناشط محمود قد أعطى مثالاً على هذا التغير بقوله:" عندما قررنا الدعوة إلى تنظيم احتجاجات في يوم 15 مارس 2011 قلنا إننا لن نذهب لننتظر حضور شخص ما يستجيب للدعوة المنشورة على صفحة الفيسبوك؛ ومن ثم فقد بدأنا في التواصل مع غيرنا من النشطاء وقلنا لهم إنكم يجب أن تذهبوا، مع أنني شخصياً لم يتم اعتقالي في السجن قبل ذلك التاريخ ولو لساعة واحدة، ولا أستطيع تخيل نفسي معتقلاً، وبالتأكيد فإن النشطاء من ذوي الخبرات والتجارب السابقة لن يتملكهم - مثلي- هذا الخوف فبعضهم قد قضى في السجن 15 عاماً".

تظهر كلمات محمود بجلاء صلاحية نظرية أولسون Olson في الفعل الجمعي، فبينما نحتاج إلى ممارسة احتجاجية فإن المحتجين يعملون على تقدير الأمر بطريقة عقلانية لحساب المكاسب والتكاليف المترتبة على الفعل الاحتجاجي، ومن ثم فإن النشطاء -من ذوي الخبرة والتجارب السابقة – هم الأكثر مبادرةً من غيرهم، وأكثر استعداداً من غيرهم على التظاهر، وخير مثال على ذلك من الحالة السورية تمثل في احتجاجات 15 مارس 2011 والتي عمل على تنظيمها العاملون في صفحة الثورة السورية والنشطاء الميدانيين من ذوي الخبرة، وتُعَد تلك الاحتجاجات الأول والأكثر تنظيماً في مواجهة النظام السوري، ولم نشهد قبلها سوى احتجاجات عفوية وغير منظمة، وكانت احتجاجات 15 مارس قد طالبت بإصلاحات ديمقراطية وإطلاق سراح السجناء (“Syria Protests,” 2011).

وقد اهتمت العديد من وسائل الإعلام وخاصة المحطات الفضائية العالمية – مثل ال بي سي والجزيرة - بتغطية احتجاجات 15 مارس، إضافةً إلى نشر وتداول فيديوهات الاحتجاج على اليوتيوب، وتم كل ذلك على الرغم أن تحليل التظاهرة يُظهر أن أعداد الحاضرين لم تزد عن خمسين فرداً (“Protesters Stage Rare Demo,” 2011).

وإذا حاولنا أن نصف ونحدد الدور الذي لعبته صفحة الثورة السورية SRFP في التعبئة لاحتجاجات سوريا فإنه يمكن القول أنها كانت المنصة العامة الأولى التي شجعت الجمهور السوري على أن يتخذ موقفاً إيجابياً من الاحتجاج على النظام، وكانت مبادرة القائمين على الصفحة مثالاً بارزاً، ففي 16 مارس – أي في اليوم التالي – تجمع ما يقارب المائة وخمسون شخصاً - من النشطاء وأقارب المعتقلين سياسياً – أمام مقر وزارة الداخلية للمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين (“Middle East unrest,” 2011)، وهنا يمكن القول أن بذور الثورة قد زُرعت فعلاً.
 
ثانياً - مرحلة الاحتجاجات المحلية عبر شبكات التواصل الاجتماعي في درعا:
 
وبشكل مغاير لاحتجاجات 15 مارس فإن احتجاجات درعا – والتي بالرغم من أنها نجحت في حشد الملايين في الشوارع – لم يكن مخططاً لها، وهو الأمر الذي حاول Lenders2012، والذي عمل من خلال اهتمامه بتحليل المصادر الرقمية - والاتصال بالنشطاء على الأرض – على اكتشاف وتفسير الديناميات والشروط المحددة لاحتجاجات درعا؛ وذلك من أجل لفت الأنظار إلى أهمية الشبكات الاجتماعية الكثيفة في مدينة درعا؛ حيث يرى ليندرز Leenders إن العشائر وقوة العمل والهجرة والتحركات والتجارة عبر الحدود؛ بين درعا والأردن والجريمة قد أدت إلى خلق شبكات اجتماعية راسخة في درعا أثبتت أهميتها الحيوية في التعبئة الناجحة لانتفاضة درعا، ومن ثم يمكن القول أن حدوث الاحتجاجات في درعا لم يكن مصادفة، فالهوية الجمعية – والتي أكد عليها دارسو الحركات الاجتماعية مثل ميلوشي Melucci  باعتبارها عاملاً محركاً للاحتجاجات – كانت بارزةً وحاضرةً في درعا. (ترجمت على موقع معهد العالم للدراسات في وقت سابق – انظر الرابط)

وبصرف النظر عن الشبكات الاجتماعية المرتبطة بمدينة درعا فإنه يمكن القول أن  ثمة عاملان مميزان  لاحتجاجات درعا عن احتجاجات 15 مارس في دمشق، العامل الأول: يتمثل في الاشتعال التلقائي لاحتجاجات درعا ضد القمع الوحشي للنظام، وتم ذلك عبر تداخل الشبكات الاجتماعية التى تكاثفت ونشطت خلال سنوات عديدة، فلقد شاهد الناس كيف اعتقل النظام الأطفال وكيف قتلت قواته بدمٍ بارد المحتجين السلميين، وقد أثار عنف الدولة - وتهديدها لمن يحاول الاحتجاج – غضب الكثيرين الأمر الذي أفسح المجال أمام نشوب احتجاجات واسعة النطاق، وعلى النقيض من احتجاجات درعا فإن احتجاجات دمشق 15 مارس لم تكن رداً مباشراً على قيود سياسية محددة أو بسبب قمع أو تهديد جاري وقائم من جانب النظام، وكما أكد ذلك الأمر الباحث في الإعلام إنريكو دي أنجليس Enrico de Angelis من خلال قوله: " إن صفحة الثورة السورية على الفيسبوك لم تفعل شيئاً على الإطلاق؛ فهي لم تكن مخصصة لشخص محدد مثل صفحة كلنا خالد سعيد الخاصة بالثورة المصرية ".

وقد واجه القائمون على صفحة الثورة السورية صعوبةً بالغةً في إذكاء مشاعر الناس تجاه قضيتهم؛ خاصةً في ظل غياب شخصية مُلهمة أو حدث محدد يحمل قوة عاطفية مؤثرة وعميقة، الأمر الذي عبر عنه – في الثورة المصرية -  تعذيب وقتل الشاب خالد سعيد، أو التعذيب الوحشي لأطفال درعا (Herrera, 2014).

وقد تجسد التمييز الآخر - بين احتجاجات درعا واحتجاجات دمشق – في الخبرة المسبقة التي تمتع بها متظاهروا درعا؛ وعلى سبيل المثال فإن أسامة – ناشط يتمتع بخبرة سابقة فى الاحتجاجات – قد لفت الانتباه إلى أهمية ومغزى الدور الذي لعبته الحركات المدنية التي سبقت الثورة في تعبئة المحتجين، فقد كان أسامة من بين من تجمعوا يوم 16 مارس 2011 أمام وزارة الداخلية – في دمشق -  للمطالبة بإطلاق سراح السجناء؛ وعندما نشبت احتجاجات درعا عمل أسامة على تنظيم احتجاجات في مدينة داريا – مسقط رأسه – بالمشاركة مع شهيد المستقبل غياث مطر ( اُستشهد في سبتمبر من العام 2011) ؛ والذي كان معروفاً بتوزيعه للزهور على قوات الأمن والجنود، ومن ثم أصبح – غياث - فيما بعد رمزاً للاحتجاجات السلمية، وعندما سُئل أسامة عن كيفية نجاحه ورفاقه - من النشطاء – في كسر حاجز الخوف لدى الناس في مدينة داريا وكيفية النجاح في تعبئتهم؛ أجاب أسامة :" إن الموقف في داريا كان ملائماً جداً لنجاح التعبئة لأنه ومنذ العام 2003 كانت هناك حركة مدنية في داريا ضد الفساد وغزو العراق، ومن ثم فقد كان المناخ ملائماً، والناس في حالة من التهيؤ للتظاهر، وفي البداية فإن خمسين شاباً تقريباً قد توجهوا للاحتجاج، وما لبثت التظاهرة أن زاد حجمها شيئاً فشيئاً، وكان لدي في تلك التظاهرة العديد من الأصدقاء الذين تم اعتقالهم في العام 2003 وتم الإفراج عنهم بعد عامين ونصف العام، ولعب هؤلاء دوراً مهماً في تعبئة المحتجين طوال العام 2011."

وكان واضحاً من حديث أسامة أن الاحتجاجات الجمعية السابقة قد لعبت دوراً مهماً في احتجاجات 2011، فالحضور الفعلي لنشطاء من ذوي الخبرة - وبما يمتلكون من علاقات وشبكات اجتماعية كثيفة – قد ساعدهم على استدامة شعور جمعي موحد بالــــــ نحن بشكل متسارع وملحوظ (Earl & Kimport, 2011)؛ وقد شجع هذا الترابط على خلق علاقات واضحة من الثقة المتبادلة بين الناس الذين كانوا متفقين ومرتبطين بدوافع النشطاء والمبادرين بالمشاركة في الاحتجاجات.

ومع تكثيف حدة الدافع للاحتجاج فإن وتيرة عملية التعبئة للاحتجاج تصبح أكثر سرعة ونمواً (Granovetter,1973))، وعلى سبيل المثال عندما سُئل طبيب القلب السوري نصر الحريري – ممثل الحركة الثورية في مدينة حوران – حول ما الذي دفع بالناس إلى المشاركة في احتجاجات درعا؟ أجاب بالتأكيد على دور الروابط الوثيقة التي جمعت مواطني درعا معاً؛ حيث ذهب إلى القول بأن : " مدينة درعا كانت آخر المدن التي دخلها الاحتلال الفرنسي وأول المدن التي غادرها؛ ومن ثم فإن أهالي درعا يمتازون بثقافة وقيم محددة، فهم يرتبطون معاً بروابط وثيقة، ودائماً  كان الأهم عندهم أو كما كانوا يقولون : إنسانيتنا وكرامتنا وشرفنا أهم من أي شئ آخر".

وبناء على ذلك فإنه يمكن القول أن العوامل التي تيسر وتعجل من حدوث عملية الفعل الاحتجاجي الجمعي تتمثل في طبيعة عُدة الاحتجاج والشبكات الاجتماعية والأطر الثقافية والهوية الجمعية (Tarrow, 2011) وكل هذه العوامل كانت قائمةً بالفعل في مدينة درعا، وكانت هذه العوامل كفيلةً بخلق وشحن مشاعر الثقة بين المشاركين في الاحتجاجات، وعندما بلغت الممارسات القمعية للحكومة إلى مستويات غير محتملة لعبت تلك الشبكات الاجتماعية المميزة لأهالي درعا دوراً مهماً في التضامن مع آباء الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب الوحشي.
 
ثالثاً - مرحلة الانتشار: النشطاء ذوي الخبرة يقودون مسيرات يوم الجمعة

كانت بداية مرحلة الانتشار من مسيرات يوم الجمعة التي قادها ونظمها نشطاء مخضرمون بالتوازي مع احتجاجات مدينة درعا، وقد جرت تلك المسيرات والاحتجاجات بدايةً من يوم 18 مارس 2011 في ثلاث مدن سورية هي  دمشق و حمص و بانياس. (The New York Times, 2011)، إلا أنه يمكن القول أن لحظة انتشار الاحتجاجات ترجع إلى يوم 25 مارس 2011 أو ذلك اليوم الذي أطلق عليه مسؤولي صفحة الثورة السورية " جمعة العزة "، وقد أخرجت هذه الجمعة آلاف السوريين إلى الشوارع، وكان ذلك فيما لا يقل عن (12) مدينة، فقد تمت تلك الاحتجاجات بالتزامن في مدن حمص وحماه وجبلة واللاذقية، وكذلك الحال في المدن المحيطة بدرعا ودمشق (Free Syrian Translators 2012))، وقد تولى النشطاء البارزون في تلك المدن مبادرة تنظيم وتعبئة المحتجين، وباعتباره واحداً من النشطاء المخضرمين - في مدينة داريا – فقد كان أسامة ورفاقه من بين القادة الذين عملوا على تعبئة الاحتجاجات، وعندما سُئل أسامة حول ما الذي فعله ورفاقه في سبيل نجاح عملية التعبئة في درعا؟ أجاب أسامة :" كنا حذرين من قوات الأمن، ومن ثم فقد حرصنا على استخدام الهواتف الخلوية للتخطيط لعقد الاجتماعات، ولكن لم نناقش أية تفاصيل واضحة عبر تلك الهواتف؛ حيث حرصنا على الحديث وجهاً لوجه عندما نجتمع ونتقابل، ولقد عملنا على تشكيل مجموعات صغيرة على هيئة دوائر، وتتألف كل دائرة من خمسة أشخاص، وتسعى كل دائرة إلى تعبئة عدد مُعتَبر من الناس، وبعد النجاح في الوصول إلى عدد كبير من الناس فإننا كنا نحتشد في المساجد، وفي وقت لاحق كنا نخرج إلى الشوارع المحيطة ونبدأ في ترديد شعاراتنا، فيسير معنا الناس الذين يشاهدوننا، ولكن تبقى المجموعات الرئيسية - والتي تم تشكيلها سابقاً من دوائر صغيرة - بعيدة بعض الشيء وذلك لاعتبارات أمنية".

وتُظهر كلمات أسامة أن المساجد تخلصت من العقبات التنظيمية والمشكلات اللوجستية التي واجهتها تنظيمات الحركات الاجتماعية؛ فلم يكن سهلاً أن يضع المحتجون أنفسهم في مواجهة صريحة؛ أو مخاطرة الظهور بمفردهم في ساحة الاحتجاج، ومن ثم كانت بداية الاحتجاجات من المساجد الأمر الذي ساعد الناس في اكتشاف أنهم ليسوا وحدهم، وبما حَثهم على إدارة المخاطر والتعامل معها، ومن هنا يمكن القول أن المساجد صارت مواقع جديدة للاحتجاج حيث يتجمع الناس فيها ومن ثم بَزَغَ بينهم مشاعر راسخة من التضامن معاً.

وفي ذات الوقت كان العدد الهائل من العملاء والجواسيس التابعين لأجهزة الأمن – والمنتشرين في كل قطاعات المجتمع – مَدعاةً لتبني السوريين منهجيات جديدة وملائمة لضمان نجاح عملية التعبئة؛ مثل التجمع في مجموعات صغيرة، والتواصل مع أشخاص يعرفونهم بالفعل، وقد أوضح مزيان ظهور هذه المنهجية  – وهو ناشط سوري من حماة ويعمل أيضاً مهندس برمجيات في وسائل الإعلام التابعة للمجلس الوطني السوري – بقوله : " كان أغلب السوريين يخشون من الالتحاق بالتظاهرات مع أناسٍ لا يعرفونهم قد يكونوا عملاء لقوات الأمن، ومن ثم فقد قررنا أن نذهب للتظاهرات مع أشخاص نعرفهم".

وتماشياً مع نظرية جرانوفيتر Granovetter؛ والتي ترى أن المحتجين يطورون الروابط الضعيفة للعلاقات الاجتماعية بحيث تتحول إلى روابط قوية عندما يلتقوا بمعارف الأصدقاء، وقد أوضح جرانوفيتر أن الأشخاص الذين يفتقدون إلى إمكانية الاحتفاظ بروابط ضعيفة مع الآخرين فإنه سيكون من غير المحتمل أن يتمكنوا من التعبئة بفاعلية في الفعل الاحتجاجي الجمعي داخل مجتمعاتهم؛ فالروابط الضعيفة من شأنها أن تخلق المزيد من جسور التواصل بين الناس (Granovetter, 1973)، وفي سبيل بناء الروابط اللازمة فإن المجموعة الرئيسية تنقسم إلى مجموعات أصغر، حيث يعمل كل عضو في كل مجموعة صغيرة على جلب وتجنيد اصدقائه ومعارفه للمشاركة في الاحتجاجات، وستظهر النتيجة لاحقاً على هيئة كرة ثلج تزاد حجماً ونمواً الامر الذي خلق زيادة في حجم وأعداد المحتجين، وكانت الشبكات الاجتماعية التي وبلغت حداً ملحوظاً من النمو عبر سنوات، وخلال بعض مظاهر التمرد المحلي والتي لعبت دوراً مهماً في تحقيق عملية التعبئة، وكان المراسل الصحفي التركي Hediye Levent – والذي عمل في دمشق لسنوات – قد ضرب مثالاً لافتاً للنظر عندما تحدث عن كيفية نمو شبكات التواصل بين الناس قائلاً : " إن أفضل مصدر للأخبار والمعلومات كان من خلال الناس أنفسهم، فأنت بإمكانك أن تعرف ما حدث في حلب في نفس اليوم من سائق تاكسي في دمشق، وهذا بذاته دليلاً على نمو واتساع شبكات التواصل بين الناس ".

ومن ثم فإنه يمكن القول أن نقل العِبارات والجُمل التي تتم عبر التواصل الشفوي، وتكتيكات التعبئة عبر بناء ونمو كرة الثلج كانوا العُدة الرئيسية لاحتجاج السوريين، ففي ظل ثقافة الخوف والقمع فَضّلَ السوريون التعامل مع أساليب تقليدية وآمنة .

دور تقنيات الاتصالات والمعلومات في مرحلة الانتشار:

لم يكن لتقنيات الاتصالات والمعلومات دوراً كبيراً في عملية تنظيم الاحتجاجات؛ على الرغم من أنها كانت ضرورية من أجل إعلام العالم الخارجي بما يجري في مسار الثورة السورية والقمع الذي تواجهه، وقد كانت سرعة الانترنت بطيئة الأمر الذي أعاق المحتجين السوريين عن الاتصال المباشر بالعالم الخارجي؛ وقد كان الاتصال بشبكة الانترنت يتم بشكل أساسي عبر الاتصال الهاتفي، أو اشتراك الهاتف الثابت، وكان معظم مستخدمو الانترنت مُقَيدون بسرعة انترنت تساوي 256 كيلو بت في الثانية، مما يعيق تنزيل محتوى الوسائط المتعددة (Freedom House, 2012)، وقد لعب تواجد مواطنين سوريين خارج البلاد دوراً فعالاً في مرحلة نشر المعلومات وضمان وصول الأخبار إلى العالم (Papadopoulos & Pantti, 2013)، وقد ذكر العديد من المحتجين على الأرض أن استخدامهم للانترنت كان من أجل مناقشة الاستراتيجيات والتسهيلات اللازمة للاحتجاجات، وكان مازن غريبة – صحفي من مدينة حمص – قد قال في هذا الصدد : " لقد شرعنا في خلق مجموعات سرية على الفيسبوك وكنا نطلق عليها مجموعات المعلومات اللازمة للاحتجاجات“information groups for demonstrations.”، وكانت مجموعات خاصة وغير معلنة، وعلى صفحات هذه المجموعات كنا نعلن – مثلاً – أنه من المقرر تنظيم تظاهرة أمام مقر احد البنوك في موعدٍ محدد، وعليك أن تحاول أن تكون معنا، وكنا نضع تلك الأخبار المتعلقة بالتظاهرات - المزمع تنظيمها – وننشرها في دوائر آمنة في ذات اليوم، ونُعد أنفسنا للذهاب إلى حيز الاحتجاج، وهذا هو بالضبط ما تم في البداية ويشرح كيف بدأت مسيرة الاحتجاجات".

وقد أشارت عِبارات مازن إلى أساليب توظيف وسائل التواصل الاجتماعي من قِبل المحتجين، وبدلاً من  إطلاق صفحات مفتوحة للآخرين على الفيسبوك فإنهم اختاروا أن يتحركوا من خلال صفحات سرية على الفيسبوك وسكايب، وذلك في سبيل التفاعل مع الأصدقاء ومعارف الأصدقاء في هذه المجموعات الآمنة، وتعود الفكرة في استخدام هذه النشاطات السرية – بشكل جزئي – إلى ضعف خبرة النشطاء بالطبيعة التشاركية والتفاعلية لوسائل الإعلام الاجتماعي عبر الانترنت، وهو ما يمكن النظر إليه – أيضاً – في ضوء الرغبة في تجاوز قسوة وقمع النظام السوري؛ فبالمقارنة مع المدونين المصريين الذين ناقشوا وطرحوا مطالبهم بحرية على صفحات الفيسبوك وتويتر سنجد أن المدونين السوريين لم يكن لديهم القدرة على إعلان دعمهم لمطالب شعبهم علناً (Ghrer, 2013)، فقد كان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي محفوفاً بالمخاطر الأمنية، فالنشطاء  كانوا - أثناء استخدامهم للتقنيات الحديثة - يخشون أن تتم ملاحقتهم أو القبض عليهم بواسطة الشبيحة (ميليشيا مسلحة تدعم نظام حزب البعث الحاكم).

ولم يكن الموقف مختلفاً فيما يتعلق بالتواصل عبر الهواتف الخلوية، وقد ذكر بعضاً ممن أُجريت معهم مقابلات ميدانية أنهم  ومنذ بداية الاحتجاجات كانوا يحرصون على استخدام كلمات ورموز سرية عند الحديث إلى الأصدقاء عبر الهواتف، وكانت دينا – على سبيل المثال – وهي ناشطة من ضواحي دمشق تقول : " لقد اضطررت إلى الفرار من سوريا بسبب محادثة تليفونية - اعتبرها النظام غير قانونية – مع أحد الأصدقاء، لقد كنت في أحد مواقع الاحتجاج وحادثت صديقاً لي من حيز الاحتجاجات، وقد تم إلقاء القبض على صديقي بسبب تلك المحادثة الهاتفية، وعقب ذلك شرعت على الفور إلى مغادرة البلاد، فنحن عندما نهاتف أحداً من الحيز الاحتجاجي نعرضهم في الواقع لمخاطرة كبيرة". وتُظهر كلمات دينا بوضوح كيف أن المخابرات بقدرتها على التنصت على مكالمات النشطاء فإنها تتمكن بسهولة من القبض عليهم خلال ساعات محدودة.

وبالإضافة إلى وسائل التواصل المختلفة من قبيل التواصل الشفوي، والهواتف الخلوية، والتواصل عبر الانترنت فإن المحتجين غالباً ما كانوا يلجأون إلى التواصل التقليدي من خلال منصات التواصل التقليدي المتجسدة في المقاهي من أجل الإعداد والتنظيم للاحتجاجات.

وكان ميزيان – وهو أحد النشطاء البارزون من مدينة حماة – قد ذكر أنه في الفترة ما بين 18 و25  مارس 2011 قد التقى – أغلب الوقت – برفاقه من النشطاء في المقاهي أثناء النهار للتخطيط للاحتجاجات.

 وبدلاً من التواصل عبر الانترنت الذي يحول دون عقد مقابلات شخصية فإن كان من المتوقع أن التنظيمات الاحتجاجية ستنتهج – في القرن الحادي والعشرين – التحرك من خلال مَنابر لا الكترونية، وغير افتراضية وخاصةً في حالة دولة مثل سوريا.

وقد عمل كل من (Rinke and Roder 2011) على إبراز أن المساحات غير الافتراضية، والتواصل الشفوي يتسق مع الخصائص الثقافية للتواصل في المجتمعات العربية، فالتواصل الشفوي له أهمية مميزة في خلق مصادر الثقة اللازمة لحدوث الفعل الاحتجاجي الجمعي، وهو الأمر الذي أكدته المقابلات الميدانية حيث ثَبت أن النشطاء استخدموا التواصل وجهاً لوجه، ولكن ليس فقط بسبب الخصائص الثقافية ولكن أيضاً لاعتبارات أمنية.
 
رابعاً - مرحلة تنظيم الفعل الاحتجاجي الجمعي:
 
لقد أظهرت الاشتباكات القاتلة بين المتظاهرين والشرطة في الشهر الأول من الاحتجاجات أنه لكي تنجح الاحتجاجات وتتحول إلى حركة احتجاجية مستديمة ومتجددة فإن الأمر يتطلب المُضي قُدماً لتجاوز مجرد العمل المحلي المحدود؛ والتحرك باتجاه تدشين حملة – على المستوى الوطني – أكثر تنظيماً (Najm, 2011)، وسعياً نحو تحقيق هذا الهدف فقد تم توحيد المجموعات - التي تشكلت أساساً  لتنظيم وتوثيق النشاطات الثورية المحلية على الأرض – في هيئة لجان التنسيق المحلية، وكانت اللجنة الأولى قد ظهرت إلى الوجود في مدينة داريا – وهي إحدى ضواحي دمشق – (Shadid, 2011)، ويشرح لنا الناشط أسامة – وهو من العناصر الرائدة في احتجاجات مدينة داريا – كيف أن اللجان المحلية لتنظيم الاحتجاجات في داريا اندمجت مع لجان التنسيق المحلية؛ وذلك بقوله :" لقد كانت اللجنة التنسيقية المحلية لداريا فاعلةً جداً في تنظيم الاحتجاجات وغيرها من النشاطات السلمية، وفي الواقع لا بد من الإشارة  أن لجنة داريا قد أسسها عدد من النشطاء البارزين، وذلك قبل تأسيس اللجان التنسيقية المحلية على مستوى سوريا، وعندما أُعلن عن تأسيس تلك اللجان فإن لجنة داريا اختارت أن تنضم إليها، وبدت في حالة نشطة وفاعلة داخلها".

وفي مختلف مدن وأحياء سوريا كان هناك أشخاصاً - مثل أسامة - من الشخصيات البارزة والفاعلة في العمل على وحدة الحركة المعارضة للنظام، وعلى الرغم من أن لجنة التنسيق في مدينة داريا كانت قد حصلت على قوتها ونموها من حركة الشارع إلا أن منابر الانترنت كانت قد بلغت حداً ملحوظاً من النمو والاتجاه إلى التعبئة، وأيضاً في محاولات تدويل الدور الذي تلعبه لجان التنسيق المحلية وأعضائها الذين سعوا لتنظيم الاحتجاجات عبر مناطق متفرقة وواسعة من سوريا؛ مستخدمين في ذلك تلك التقنيات الحديثة (Shadid, 2011).، وكان مازن غريبة – أحد النشطاء الذين ساهموا في تنسيقية حمص – قد تحدث عن نشاطات الانترنت التي تقوم بها اللجان التنسيقية بقوله : " كنا نعقد اجتماعاتنا في أحد مقاهي الانترنت الخاصة بأحد الأصدقاء، وبجانب العمل على تنظيم الاحتجاجات كنا نعمل على تصميم الشعارات واللافتات؛ ورسم بعض الأعلام، وتجهيز الإسبراي - أو البخاخ - اللازم لرسم الشعارات والصور على الحوائط، وكنا في نفس الوقت نحتاج أن نعرف ما الذي كان يجري في المدن الاخرى، وكيف كان يتم تنظيمها؛ ومن ثم فقد شرعنا في تكوين مجموعات التنسيق على السكايب؛ وعلى سبيل المثال فقد قمنا بالتواصل مع لجان مدينة درعا؛ الذين أخبرونا بضرورة استخدام البَصل في حالة إطلاق الشرطة للغاز المسيل للدموع، كما استفدنا منهم من خبرة تكرار تنظيم الاحتجاجات من نفس المسجد أو تغييره ".

ويصف مازن كيف أن التنسيق بين مختلف اللجان المحلية قد شهد تطوراً ملحوظاً على الأرض؛ وكانت تلك اللجان التنسيقية المحلية قد بلغت 120 لجنة على مستوى الوطن السوري، واتفق ممثلو اللجان المحلية على الاجتماع مرة واحدة كل أسبوعان عبر السكايب لتنسيق النشاطات فيما بينهم؛ وعُهِدَ إلى اللجان ىالتنسيقية المحلية بمهمة إصدار تقارير عن الأخبار والتطورات على الأرض وتوزيعها على وسائل الإعلام الدولية، وهو الأمر الذي يُظهر الدور الهام الذي لعبته المكاتب الإعلامية التابعة للجان التنسيق المحلية في هذه المرحلة من الثورة السورية؛ سواء من حيث جمع وتدقيق وتقديم المعلومات لما يجري في الوقت الفعلي للحدث، كما عملت على تحديث مستمر لكل ما يُنشر على موقع اللجان التنسيقية أو صفحة اللجان على الفيسبوك (Carnegie Endowment for International Peace, 2012)..

وفي الوقت الذي أصبح فيه المحتجون أكثر تنظيماً، فقد صار استخدام تقنيات الاتصالات والمعلومات، ونشر التقارير الإعلامية أكثر إحكاماً ودقة وبشكل متزايد، وإلى حد ما فقد أدى التنسيق بين المحتجين والوكالات الإعلامية السورية الجديدة الناشئة خارج سوريا - مثل جمعية النشطاء الإخباريين والمجلس الوطني السوري للإعلام - إلى كسر التعتيم الإعلامي الرسمي على أحداث الثورة السورية، الأمر الذي أكده العاملون في المركز الإعلامي التابع للمجلس الوطني السوري عندما أوضحوا أنهم على اتصال بالنشطاء داخل سوريا عبر خدمة الإنترنت المتصل بالأقمار الصناعية، والتي حصل عليها النشطاء من المركز.

وبينما كان المجتمع السوري يُطور ثقافته السياسية كان ثمة زيادة ملحوظة في نمو وبروز المواطن الصحفي؛ والذي كان يتطوع بتوثيق الأحداث وإرسالها إلى وسائل الإعلام الدولي، والمواقع الالكترونية الجديدة التي أطلقها سوريون مستقلون، والصحف الالكترونية، ومحطات الراديو الموجودة على شبكة الانترنت، وكذلك المراكز الإعلامية المستقلة؛ وعلاوةً على صفحة الثورة السورية على الفيسبوك؛ فإن العديد من صفحات الفيسبوك قد ظهرت بعد اندلاع الاحتجاجات، وكان أبرزها أيام الغضب السورية، شبكة أخبار شام، ومعك سوريا، وكلنا الشهيد حمزة الخطيب (Almqvist, 2013)، وقد عملت كل هذه المجلات والمواقع والصفحات الالكترونية المعارضة - إضافةً إلى مجموعات التواصل الاجتماعي الالكتروني – على أن تمثل صوتاً للثوار؛ وأحد أهم أدواتها لتشكيل وصياغة سردية الثوار على الأرض (Harkin, 2013).، وهو ما أكدته – أيضاً – الناشطة سما؛ والتي كانت واحدة من مؤسسي صفحة كلنا الشهيد حمزة الخطيب، حيث قالت سما: "بدون الشبكات الاجتماعية (الالكترونية) فقد كان من الممكن أن يتم قتلهم (الشعب السوري) جميعاً من غير أن يلاحظ أي حد ما جرى لهم، وعندما شاهدت كيف أن النظام قام بتعذيب وقتل هذا الطفل البريء الذي كان يحاول المساعدة في إيصال الحليب والخبز لمدينة درعا المحاصرة؛ فقد شعرت أنه من الواجب علينا العمل على كشف هذه الجريمة وعرضها على الرأي العام العالمي".

ونتوصل مما سبق إلى أن مسئولي الصفحات الالكترونية كانوا يحاولون الحصول على دعم المجتمع الدولي من خلال إظهار التعذيب وغيره من الفظائع التي تحدث في سوريا، وكما أوضح Volkmer (2014)  فإن انتشار صحافة المواطن مَهّدَ الطريق من أجل إزالة التماهي في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وقد عمل Volkmer على تعريف عملية إزالة التماهي باعتبارها سمة من سمات تحول الجمهور الذي يخترق ويكسر حيز الاتصالات العامة الخاضع لهيمنة وسائط الإعلام الوطنية؛ وصولاً إلى الارتباط بالهياكل الالكترونية  المعقدة للشبكات عبر الوطنية التفاعلية.
 وعلى الرغم من أن تقنيات المعلومات والاتصالات لم تكن المصدر الرئيسي لتعبئة وتنظيم السوريين، إلا أنها كانت لاعباً فاعلاً في إنشاء شبكات تفاعلية عبر وطنية؛ تلك الشبكات التي أبلغت العالم بالاحتجاجات ورسالة المحتجين.
 
نتائج الدراسة:
 
إن تتبع نمو وتطور الاحتجاجات السلمية في سوريا يُظهر أن كل من الجماعات الفاعلة ووسائل الإعلام كانت حاضرة بوضوح في كل مرحلة من مراحل الاحتجاجات السورية، ففي المرحلة التجريبية فإن مسئولي صفحة الثورة السورية كانوا في طليعة الفاعلين الذين حاولوا التخفيف من شأن ثقافة الخوف من الاحتجاج القائمة لدى السوريين، وجنباً إلى جنب كان لكل من شبكة الانترنت ومحطات الإعلام التقليدي دوراً رئيسياً في تلك المرحلة الأولى، الأمر الذي زاد من أهمية صفحة الفيسبوك الناشئة ومصداقية مدوني الصفحة لدى الناس.

وتتأكد صحة هذه النتيجة السابقة من خلال ظهور بعض الدراسات الحديثة التي توصلت إلى أن النواة الأولية للفعل الاحتجاجي الجمعي تظهر عند صياغة وبناء النقاشات عبر العالم الافتراضي (Gerbaudo, 2012)، ولكن على الرغم من مبادرة المدونين للنقاش الحر على الانترنت - وبما أسس لحيز نفسي وعاطفي جديد مؤيد للنشطاء - فإن الاختيارات السيئة في سرديات الأحداث الثورية، والمخاوف الأمنية، والفترة الزمنية المحدودة قادت جمعيها إلى الفشل في خلق الشعور بالتآذر المجتمعي معاً؛ وبناء على ذلك فإن النشاطات الإعلامية التفاعلية المتعددة لم تكن كافية لإقناع أعداد كبيرة من الناس للانخراط في الفعل الاحتجاجي الجمعي، ويبدو أن تلك النتيجة تتعارض مع التعميمات الحديثة التي صدرت بشأن الثورات العربية؛ والتي توصلت إلى أن وسائل الإعلام الاجتماعي أسست وكَرّست لمشاعر التآذر معاً (Castells, 2012)، أو أنها تيسر التجمع معاً في حيز واقعي وغير افتراضي (Tufekci & Wilson 2012).

 لقد كان واضحاً أن الناس في النظم القمعية لا يثقون بشكل كاف في المصادر والمعلومات التي تبثها وسائل الإعلام؛ والتي لا تنتقل إليهم عبر الروابط والعلاقات الشخصية؛ وعلى سبيل المثال فقد أبرزت مرحلة الاحتجاجات التلقائية في مدينة درعا الحضور الواضح للشبكات الاجتماعية لمدينة درعا؛ إضافةً إلى وجود نشطاء ميدانيين من ذوي الخبرة السابقة؛ فالمظالم والتطلعات المشتركة داخل الحيز  - مدينة درعا - كانت ولاتزال مؤثرات مهمة  في صياغة واستدامة الهوية الجامعة اللازمة لظهور الفعل الاحتجاجي الجمعي المستمر.

إن بداية تنظيم الاحتجاجات يجب أن تُفهم بشكل جيد من خلال العودة إلى مسيرات يوم الجمعة، وقد توصلت دراستنا الراهنة إلى أن النشطاء البارزين في المدن السورية المختلفة كان لهم دور فعال في تعبئة الجماهير؛ فالتعبئة عبر بناء كرة الثلج قد تم بنجاح، حيث حشدت مجموعات التعبئة الصغيرة أصدقائهم وأقاربهم، وكان ذلك أبرز صور العُدة الرئيسية للاحتجاج، وكانت المساجد تيسر عملية التجمع، وخلق شعور جمعي بالـ نحن او التآذر معاً فى الحيز العام.

ويشير تحليل أساليب التواصل - بين المحتجين – إلى أن التواصل الشفوي؛ ووجهاً لوجه كانا من أبرز أدوات الاتصال؛ كما أن التواصل الشخصي عبر مجموعات سرية في الفيسبوك والسكايب عمل على تبادل المعلومات، وإعلام المجتمع الدولي عن الوضع الفعلي على الأرض؛ وبالرغم من ذلك فإنه لا يمكن قبول الفكرة القائلة بأن الانترنت يمكن أن يكون المحور التنظيمي الرئيسي للمحتجين.

وجدير بالذكر أنه تبين أن المرحلة الاخيرة من الاحتجاجات السلمية تدعم بوضوح فرضية الدراسة عن العلاقة الاعتمادية ([1]) بين الثقافة السياسية واستخدام تقنيات الاتصالات والمعلومات، فمع تمكن المحتجون من تطوير ثقافتهم السياسية تحولت احتجاجاتهم وفعالياتهم التلقائية – بشكل متسارع – لتصبح أكثر تنظيماً، وعملت اللجان المحلية في المدن والأحياء معاً؛ ومن ثم توحدت تحت مظلة عامة (اللجان التنسيقية المحلية)، وذلك على الرغم من أن المعارضة الشعبية - الأقل خبرة - فشلت في تحقيق التوافق بين القوى السياسية الأكثر تنظيماً (AlMonitor, 2013).

وقد نجحت تلك المعارضة – الأقل خبرة – بشكل فعال في بناء وتطوير ثقافة الاحتجاج في البلدات والمدن السورية، وذلك في الوقت الذي نجح فيه المحتجين من التغلب على ثقافة الخوف، واتجهوا إلى إخضاعها للثقافة الاحتجاجية الناشئة، وحرصوا في نفس الوقت على التواصل بحرية وبلا قيود من خلال شبكة الانترنت؛ في الوقت الذي زادت فيه حجم ظاهرة المواطن الصحفي.

وفي نهاية المطاف تمكن النشطاء والمحتجون من كسر وتجاوز التعتيم الإعلامي، والقيود النظامية المفروضة على استخدام الهواتف المتصلة بالأقمار الصناعية والانترنت، وهكذا تحسنت - بالفعل - النشاطات الإعلامية التفاعلية المختلفة للنشطاء والمحتجين، وتم ذلك بالتوازي مع نشاطات تغيير وتطوير الثقافة السياسية، وإزالة التماهي بين الدولة والمجتمع السوري.
 
مصادر الدراسة:

 

  1. Al-Monitor. (2013, March 5). Syria’s opposition still divided, mistrustful. Retrieved from Link.
  2. Almqvist, A. (2013). The Syrian uprising and the transnational public sphere. In C. Wieland, A. Almqvist, & H. Nassif (Eds.), The Syrian uprising: Dynamics of an insurgency (pp. 47–78). Fife, Scotland: St. Andrews Papers on Contemporary Syria
  3. Anderson, L. (2011, May–June). Demystifying the Arab Spring. Foreign Affairs. Retrieved from Link.
  4. Anderson, P. (2013, September). The politics of scorn in Syria and the agency of narrated involvement. Journal of the Royal Anthropological Institute, 19(3), 463–481. doi:10.1111/1467-9655.12045
  5. Angelis, E. (2011). The state of disarray of a networked revolution. Sociologica, 3, 1–24. doi: 10.2383/36423
  6. Aouragh, M., & Alexander, A. (2011). The Arab Spring: The Egyptian experience: Sense and nonsense of the Internet revolution. International Journal of Communication, 5, 1344–1358
  7. Bimber, B., Flanagin, A., & Stohl, C. (2005, November). Reconceptualizing collective action in the contemporary media environment. Communication Theory, 15(4). doi: 10.1111/j.1468- 2885.2005.tb00340.x
  8. Carnegie Endowment for International Peace. (2012). Local coordination committees of Syria. Retrieved from Link.
  9. Castells, M. (2010). The rise of the network society. Oxford, UK: Blackwell
  10. Castells, M. (2012). Networks of outrage and hope. Cambridge, UK: Polity Press
  11. Chadwick, A. (2013). The hybrid media system. New York, NY: Oxford University Press.
  12. Colla, E. (2012, Spring). The people want. Middle East Report, 263(42). Retrieved from Link.
  13. Cooke, M. (2007). Dissident Syria: Making oppositional arts official. Durham, NC: Duke University Press
  14. Crisis Group. (2011, July 6). Popular protest in North Africa and the Middle East (vi): The Syrian people’s slow motion revolution. Middle East/North Africa Report, 108. Retrieved from Link, Earl, J., & Kimport, K. (2011). Digitally enabled social change. Cambridge, MA: MIT Press.
  15. Eltantawy, N., & Wiest, J. (2011). Social media in the Egyptian revolution: Reconsidering resource mobilization theory. International Journal of Communication, 5, 1207–1224.
  16. Foreign Policy. (2011, March 18). The revolution reaches Damascus. Retrieved from Link.
  17. Free Syrian Translators. (2011, May 25). The Syrian revolution: A one-year summary [Web log message]. Retrieved from Link.
  18. Freedom House. (2012). Syria. Retrieved from Link.
  19. Garrett, R. K. (2006). Protest in an information society: A review of literature on social movements and new ICTs. Information, Communication & Society, 9(2), 202–224. doi:10.1080/13691180600630773
  20. Gerbaudo, P. (2012). Tweets and streets. New York, NY: Pluto Press.
  21. Ghrer, H. (2013, April). Social media and the Syrian revolution. Westminster Papers in Communication and Culture, 9(2), 115–122.
  22. Granovetter, M. (1973). The strength of weak ties. American Journal of Sociology, 78(6), 1360– 1380.Harkin, J. (2013, April). Is it possible to understand the Syrian revolution through the prism of social media? Westminster Papers in Communication and Culture, 9(2), 94–112.
  23. Herrera, L. (2014). Revolution in the age of social media. London, UK: Verso.
  24. Hofheinz, A. (2011). The Arab Spring nextopia? Beyond revolution 2.0. International Journal of Communication, 5, 1417–1434.
  25. Howard, P., & Hussain, M. (2011). The role of digital media. Journal of Democracy, 22(3), 35–48.
  26. Howard, P., & Hussain, M. (2013). Democracy’s fourth wave? Digital media and the Arab spring. New York, NY: Oxford University Press.
  27. Katz, E., & Lazarsfeld, P. (1955). Personal influence. New York, NY: The Free Press.
  28. Khamis, S., Paul, B., & Vaughn, K. (2012, Spring). Beyond Egypt’s “Facebook revolution” and Syria’s “YouTube uprising”: Comparing political contexts, actors and communication strategies. Arab Media & Society, 15. Retrieved from Link.
  29. (2009, December). The Al-Qamishli uprising: The beginning of a new era for Syrian Kurds. European Centre for Kurdish Studies, 4. Retrieved from Link.
  30. Leenders, R. (2012, December). Collective action and mobilization in Dar’a: An anatomy of the onset of Syria’s popular uprising. Mobilization, 17(4), 419–434.
  31. Lesch, D. (2012). Syria: The fall of the house of Assad. Cornwall, UK: TJ International.
  32. Lynch, M. (2006). Voices of the new Arab public: Iraq, Al Jazeera and Middle East politics today. Chichester, UK: Colombia University Press.
  33. McCaughey, M., & Ayers, M. D. (2003). Cyberactivism: Online activism in theory and practice. New York, NY: Routledge
  34. Melucci, A. (1996). Challenging code. Cambridge, UK: Cambridge University Press.
  35. Middle East unrest: Syria arrests Damascus protesters. (2011, March 16). BBC News. Retrieved from Link.
  36. More than 191,000 people killed in Syria with “no end in sight”—UN. (2011, August 22). UN News Centre. Retrieved from Link
  37. Morozov, E. (2011). The Net delusion. New York, NY: Public Affairs
  38. Nabki, Q. (2011, May 2). Talking about a revolution: An Interview with Camille Otrakji [Web log message]. Retrieved from Link.
  39. Najm, A. (2011, October 1). Syria’s coordination committees: A brief history. Alakhbar English. Retrieved from Link.
  40. The New York Times. (2011, March 18). In Syria, crackdown after protests. Retrieved from Link.
  41. Niekerk, B., Pillay, K., & Maharaj, M. (2011). Analyzing the role of ICTs in the Tunisian and Egyptian unrest from an information warfare perspective. International Journal of Communication, 5, 1406–1416.
  42. Olson, M. (2002). The logic of collective action. Cambridge, MA: Harvard University Press.
  43. Papadopoulos, K., & Pantti, M. (2013). The media work of Syrian diaspora activists. International Journal of Communication, 7, 2185–2206.
  44. Protesters stage rare demo in Syria. (2011, March 15). Al Jazeera. Retrieved from Link.
  45. Rheingold, H. (2002). Smart mobs: The next social revolution. Cambridge, MA: Perseus Books.
  46. Rinke, E., & Roder, M. (2011). Media ecologies, communication culture and temporal spatial unfolding: Three components in a communication model of the Egyptian regime change. International Journal of Communication, 5, 1273–1285.
  47. Shadid, A. (2011). Coalition of factions from the streets fuels a new opposition in Syria. The New York Times. Retrieved from Link.
  48. Shaery-Eisenlohr, R. (2011). From subjects to citizens: Civil society and the Internet in Syria. Middle East Critique, 20(2), 127–138. doi:10.1080/19436149.2011.572410
  49. Shirky, C. (2009, December 11). The Net advantage. Prospect. Retrieved from Link
  50. Syria protests: Homs city sit-in “dispersed by gunfire.” (2011, April 19). BBC News. Retrieved from Link.
  51. Syria: The story of the conflict. (2015, March 12). BBC News. Retrieved from Link.
  52. Tarrow, S. (2011). Power in movement: Social movements and contentious politics. New York, NY: Cambridge University Press.
  53. Taylor, T., & Whittier, N. (1999, February). Gender and social movements: Gender processes in women’s self-help movements. Gender & Society, 13, 8–33. doi:10.1177/089124399013001002
  54. Tilly, C. (2006). Regimes and repertoires. Chicago, IL: University of Chicago Press.
  55. Tufekci, Z. (2014, January 9). Capabilities of movements and affordances of digital media: Paradoxes of empowerment [Web log message]. Retrieved from Link.
  56. Tufekci, Z., & Wilson, C. (2012). Social media and the decision to participate in political protest: observations from Tahrir square. Journal of Communication, 62(2), 363–379.
  57. Volkmer, I. (2014). The public sphere. Cambridge, UK: Polity Press.
  58. Weeden, L. (1999). Ambiguities of domination. Chicago, IL: University of Chicago Press.
  59. Welzel, C., & Inglehart, R. (2008). Political culture, mass beliefs, and value change. In C. Haerpfer, P. Bernhagen, R. Inglehart, & C. Welzel (Eds.), Democratization (pp. 127–144). Oxford, UK: Oxford University Press.
  60. Wikstrom, C. (2011, February 9). Syria: “A kingdom of silence.” Al Jazeera. Retrieved from Link.
([1]) فضلنا ترجمة كلمة  symbiotic relation إلى علاقة اعتمادية وليس تكافلية لإن اعتمادية تفي بالغرض الذي تقصده الباحثة؛ حيث تريد القول بأن الثقافة السياسية هي المتغير المستقل بينما التقنيات التواصلية الحديثة متغير تابع يعتمد على خصائص وتطور الثقافة السياسية؛ ومن ثم تعتمد عملية استخدام التقنيات التواصلية الحديثة في تنظيم وتعبئة الاحتجاجات على قدرة النشطاء في تغيير الثقافة السياسية التي تحكم سلوكيات ومواقف الناس من الاحتجاجات.

المصدر الأصلي للمادة:
www.ijoc.org

محمود صلاح عبدالحفيظ:
باحث مصري حصل على الدكتوراه فى علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس، مصر. وكانت أطروحته تحت عنوان "الحركات الاحتجاجية وصناعة الفرصة السياسية في مصر في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية". نشر العديد من حول ظاهرتي الاحتجاج والثورة.
بايلر أصلان

مدرسة مساعدة، ومرشحة للحصول على درجة  الدكتوراه من كلية Holloway بجامعة لندن، تركز دراساتها على استخدام المحتجين في مصر وسوريا لتقنيات الاتصالات والمعلومات في 2011.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top