عوام الربيع العربي

01 أيار 2017
 
ترجمة: يسرى مرعي
 
تُرجمت ونُشِرت هذه المادة بعد أخذ الموافقة من كاتبها (السوسيولوجي الأميركي من أصل إيراني آصف بيات). وكانت المادة الأصلية قد نشرت باللغة الإنكليزية على الرابط التالي: journals.uchicago.edu
كيف نستكشف العلاقة بين فقراء الحضر والثورات واسعة النطاق؟ ما هو نوع السياسة التي يتبنونها في أوقات استثنائية كهذه؟ أسرد في هذه المقالة قصة نضالات الفقراء من أجل القوت والمواطنة خلال وبعد الانتفاضات العربية، وأركّز على مصر وتونس. وأقترح أنه بينما يتجنب المهاجرون الريفيون والفقراء المدقعون التورط المباشر في انتفاضات واسعة النطاق، لا يدركون طبيعتها، فإن "الطبقة الوسطى الفقيرة"، وهي نتاج إعادة هيكلة نيوليبرالية، تميل إلى الانخراط وقيادة الآخرين إلى هذه الثورات الأوسع نطاقاً. ولكن معظمهم يستفيد من انهيار سيطرة الدولة لتوسيع نضالاتهم اليومية لتأمين فرص حياة في ضواحيهم وأحيائهم المباشرة وأماكن عملهم. وهو الوقت الذي ينخرطون فيه أيضاً في تعبئة استثنائية واحتجاجات منظّمة للمطالبة باستهلاك جماعي والاعتراف بهم بصفتهم مواطنين شرعيين في المدينة. ولكن في أعقاب الثورات، عندما تُظهِر النخب الجديدة عدم قدرتها أو عدم استعدادها للاستجابة إلى المطالب المرفوعة، يتراجع المهمّش إلى استراتيجيته المتمثّلة في "الزحف الهادئ"، ولكن بقدرة ونفوذ جديدين.
   كيف ينجح فقراء الحضر في أوقات الثورة؟ هل يتبنّون نوعاً محدداً من السياسة؟ في حين أنه في التقليد الماركسي، كانت البروليتاريا الصناعية تتمتع بامتياز بوصفها عامل التحول الاجتماعي، إلا أن "الفقراء" غالباً ما عُمِلوا بنوع من الشك. يُقال أن الفقر، والحرمان والجهل يجعل الفقراء بمعزل وغير مهتمين بأي سياسات ذات مغزى، ناهيك عن الثورات. ومن وجهة نظر أرندتية (نسبة إلى حنّة أرندت) جزئية إلى السياسي، يُعتبر الفقراء مشغولي البال في النضال الثابت المستمر من أجل البقاء والخضوع إلى الله، وخلافاً لذلك سينفجرون عنفاً وتدميراً. لا تزال صورة هذه اللومبنبروليتريا* بصفتها عنيفة، وجامحة وأنانية منتشرة بصورة كبيرة بين النخب، التي لا تتجاوز معرفتها الفعلية بالفقراء ما تراه في الخدم، أو الخادمات، أو سائقيها. ولم تتمكن دوائر النخب في مصر وتونس من إخفاء احتقارها لفقراء العشوائيات، فقد اعتقدوا أن انخراط واشتراك هؤلاء الفقراء من الممكن أن يُفسِد الانتفاضات، ويحوّلها إلى "ثورة الجياع"، وأن يخلق فرصاً لبلطجية الشوارع، وللمتعصبين العوام، أو للطبقة الدنيا "الجاهلة". كما تربط السرديات السلبية/القدرية والعنيفة في نهاية المطاف المصير السياسي للفقراء بالسياسة الدينية. فالتدين والقدرية والحرمان يجعل الفقراء الحليف الطبيعي للإسلاموية، التي تؤكّد على الإحسان والصدقة والخير ولغة دينية بسيطة والخلاص الإلهي إضافة إلى شبكات المحسوبية في المساجد والأقارب والمجتمع والتي تسهّل هذا الزواج السعيد(1).
   وجد هذا الادّعاء رواجاً كبيراً في الدوائر السياسية والعلمية. وهكذا، في حين أن النخب المصرية والطبقات الوسطى أيّدت المعارضة العلمانية والليبرالية بعد مبارك، ادُّعي أن الفقراء أوصلوا الإخوان المسلمين إلى السلطة. ولم يستطع البرادعي إخفاء ازدرائه للفقراء "الأميين والجاهلين" الذين يُزعم أنهم يؤيدون الإسلاميين المتعطّشين للسلطة. وفي تونس، ترد إشارات متكررة إلى الدعم القوي في أكبر تجمع فقير "التضامن" لحركة النهضة الإسلامية. أما في إيران، عزا قائد إصلاحي بارز هزيمة الحركة الخضراء في انتخابات ما بعد 2009 إلى قواعدها الاجتماعية المرتكزة على الطبقة الوسطى، "غير المستعدة للمخاطرة"، في حين أن "الطبقات الدنيا (الفقيرة)" التي أيّدت الدكتاتوري أحمدي نجاد، "مستعدة للمخاطرة " وتستخدم العنف ضد المعارضة الخضراء الديمقراطية (2).
   تؤكّد وجهات نظر مجموعة من المراقبين هذا المنظور، فهم يعتبرون توسّع العشوائيات و"فقرائها الهامشيون" يساعد بشكل خطير السياسات الشعبوية الاستبدادية في الشرق الأوسط (3). وهذا ليس جديد بالنسبة لأمريكا اللاتينية وتجربتها الشعبوية. ومما يثير الدهشة حقيقة أن الادعاء يؤخذ بشكل جدي من قبل الحكام الاستبداديين مثل أحمدي نجاد، الذي توخّى بعد أزمة انتخابات عام 2009 في إيران، سياسة تقليص الطبقة الوسطى في طهران (بزعم أنها من مؤيدي الحركة الخضراء) من خلال توسيع طبقة الفقراء الريفيين (بزعم أنهم من مؤيدي النظام الإسلامي) من خلال محفّزات مالية لكل ولادة طفل (بيات 2010).
   إن وجهة النظر المغايرة التي اقترحها إرناندو دي سوتو (Hernando De Soto) تربط سياسة الفقراء المهمشين (حوالي 180 مليون عربي منخرطون في حياة وأعمال غير رسمية) باهتمامهم الشديد المفترض في السوق الحرة التي يُستبعدون منها. أما بالنسبة لدي سوتو، فإن الربيع العربي ليس سوى ثورة الطبقات الدنيا التي تملك وعياً طبقياً، "رجال الأعمال الطموحين"، مثل البوعزيزي و64 آخرين من المضحّين بأنفسهم، من أجل السوق الحرة. لقد تمنّوا تفكيك القيود البيروقراطية التي أضعفت مشاريعهم الرأسمالية. ففي كانون الأول/ديسمبر من عام 2010 عندما صادرت الشرطة فواكه وميزان البوعزيزي التي تبلغ قيمتها ما يعادل 220 دولار امريكي، أثبت ذلك له أن تونس لم تعترف بحقوقه في الملكية. وقد عكست استجابة البوعزيزي، وفقاً لدي سوتو، رغبة الفقراء بالعيش في مجتمع سوق حقيقي (دي سوتو 2011،2013).
   ولا تراعي أي من هذه المنظورات بشكل كاف تعقيدات سياسات الفقراء. وفي حين لا يزال منظور السلبي/العنيف غير مضمون (4)، فإن ادعاء دي سوتو يثير أسئلة مهمة هل كانت تضحية أمثال البوعزيزي نتيجة غياب قانون الملكية، أم أنه كان نتيجة التصرف القانوني (وإن كان ظالماً) لعامل البلدية الذي اعتبر عملية البوعزيزي غير قانونية؟ والأهم من ذلك، ألم يكن لها علاقة بمنطق السوق الرأسمالي والدولة التي انتهكت الاقتصاد الأخلاقي وأخلاقية الإنصاف التي يعمل ضمنها عادة الناس الفقراء أمثال البوعزيزي؟ إن توسّع الاقتصاد "السري" وموقفه الخاضع هو أكثر من مجرد نتيجة للاختناقات البيروقراطية أو "الدولة التجارية" التي يؤكد عليها دي سوتو (دي سوتو 2002). وكما بيّن بورتس وكاستليس وبنتون (1989)، فهم جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الرأسمالي. في الواقع، لم يجلب توسّع السياسات النيوليبرالية التي اعتمدتها الأنظمة العربية فقط الثراء والرفاه للبعض بل أيضاً الحرمان والتهميش لملايين من أمثال البوعزيزي. وقد حاول 180 مليون عربي في حياتهم العملية وعالم حياتهم أن ينتفعوا من التحول النيوليبرالي باستخدام منافعه (مثل التكنولوجيا والتعليم) ولكن بإنكار عواقبه السلبية (كما هو الحال في الانضباط في العمل، والقواعد الصارمة، وشبكة السيولة، والبطالة). لقد تفاوضوا مع النظام النيوليبرالي، وأوجدوا مجتمعاتهم غير الرسمية في الحياة والعمالة عبر نضالات طويلة في الحياة اليومية. وفي نهاية المطاف، ولّدت إعادة الهيكلة النيوليبرالية ظروفاً وفاعلين نبذوا، من خلال حركات ثورية لافتة للنظر، الأنظمة نفسها التي أشرفت عليها. كان الفقراء الحضر فاعلين من هذا القبيل.
 
الفقراء الحضر والثورة:
   ما هي الصلة بين فقراء الحضر وثورات كهذه؟ وهنا أعتبر "الفقراء الحضر" فئة تجريبية تعني هؤلاء الناس العاملين ذوي "الدخل المنخفض، والمهارات منخفضة، والوضع المتدني، والأمن المتدني"(5) والذين أبحروا بشكل واسع في حياة غير رسمية وعمل ذو طبيعة هشّة. بالتأكيد لا تزال الحدود سائلة. ويمكن لموظف حكومي منخفض الدخل بوظيفة ثابتة أن يقيم في حي فقير غير آمن، في حين أن متخرج جامعي قد يضطر لتحمل عمل موسمي غير آمن. علاوة على ذلك، تُسهم حقيقة أن الفقراء إلى حد ما طبقيين، تُسهم في سلوكهم السياسي المتنوّع. فالكثير منهم مهاجرون ريفيون، والبعض منهم من الوافدين حديثاً وآخرون قدماء؛ تبقى قطاعات "فقراء مدقعين"، في حين يختبر آخرون تغيرات الدخل. وثمة اتجاه جديد مثير للاهتمام هو بروز ما اسميته "الطبقة الوسطى الفقيرة"، التي تبدي نزوعاً كبيراً للمشاركة السياسية. فهي طبقة تحمل رأس مال تعليمي، وشهادات جامعية، ومعرفة جيدة بالعالم، وتوقعات عالية؛ لديها أحلام عالمية وتتوق إلى نمط حياة الطبقة الوسطى، ومع ذلك تُدفع اقتصادياً لتعيش حياة الفقراء في الأحياء الفقيرة وتقتات عبر أعمال غير رسمية وهشّة كسائقي سيارات أجرة، وبائعي فاكهة، وباعة متجولين، أو خدمة أغنياء. فأفراد هذه الطبقة، ذوي الخلفية المتواضعة ولكن المثقفين، مدركين تماماً ما هو متاح في العالم ويشعرون أنهم محرومون منه ظلماً. فيُظهِرون غضباً أخلاقياً عميقاً في مواجهة الأنظمة الفاسدة التي طال أمدها والأجهزة الأمنية القاسية.
   إن ما يعطي قواسم مشتركة للفئات المتمايزة من الفقراء تشمل تقريباً تجربة مشتركة لعمل ولحياة هشّة تتضمن نوعاً من سياسات يومية اسميتها "الزحف الهادئ للمعتاد". إنه يصف التقّدم الصامت والحذر والمستمر للأفراد العاديين على ما هو مملوك للغير وعلى ما هو قوي سعياً نحو البقاء والارتقاء بحيواتهم عبر اكتساب أراض بشكل غير قانوني وبناء منازل والحصول على وظائف أو خدمات حضرية. ويتّسم بحراك هادئ وطويل المدى ومتشظّي بشكل كبير ومرتبط فعل جمعي متسلسل المراحل -متمثلاً في صور نضال مفتوح وعابر من دون أيديولوجية أو قيادة واضحة أو تنظيم بنائي. يمثل الزحف الهادئ مثالاً عن فئة أوسع من "اللاحركات الاجتماعية"، أو الفعل الجمعي لفاعلين غير جمعيين، حيث تؤدي عملية المطالبة الصريحة والمتواصلة في الحياة اليومية إلى وضع معايير بديلة (إذا كانت غير قانونية) غالباً ما تفسّر بمصطلح "الحقوق". (بيات 2013). وهكذا، قد تتطور الرغبة في الحصول على مأوى في هذه العملية إلى الحق في الحصول على مأوى (6). بمعنى ما، أصبحت هذه النضالات لحظة في الجهود من أجل المواطنة الفعلية، أو ما اسماه جيمس هولستون (1999) "المواطنة المتمردة". لكن مواطنة كهذه تصبح شرعية عندما تُدعم المكاسب عن طريق التشريعات-وهي عملية يعتبرها بارثا تشاترجي أنها "المجتمع السياسي" أو "سياسات المحكومين" في معظم أنحاء العالم (تشاترجي 2006).
   في الأوقات العادية، تكون هذه اللاحركات التي لا شكل لها، والتي غالباً ما تعمل بهدوء وترو في الحياة اليومية، بمثابة مسرح حاسم لتعزيز فرص حياة الفاعلين –في تأمين مآوي ومرافق حضرية واستهلاك جمعي ووظائف وأمن وكرامة. لكن هذه النضالات اليائسة قد تتخذ شكلاً منظّماً، ومسموعاً، وجمعياً عندما تُهدّدُ المكاسب أو عندما تصبح الفرصة متاحة لحراك ومقاومة جمعية -مثلاً عندما تخفُّ رقابة الشرطة، تنزلق الدولة إلى أزمات أو تُثمِر بعض الحركات المثيرة للجدل والكبيرة. وفي ظل هذه الظروف، قد تندمج النضالات المتناثرة لهذه اللاحركات في نضالات سياسية أوسع وتصبح جزءاً منها –وهو ما يبدو أنه حدث في الانتفاضات العربية في عام 2011.
   ولكن كما يظهر في القاهرة وطهران أو في أي مكان آخر، فإن قطاعات مختلفة من الفقراء تتصرف بشكل مختلف. فالمهاجرون الريفيون الوافدون مؤخراً والفقراء جداً (هؤلاء الذين تبقى معرفتهم بالأحداث محدودة) غالباً ما يظهِرون إحجاماً عن قيادة احتجاجات عامة بهذا الحجم والطبيعة. فالعديد منهم غير واضح حول الديناميكيات والأهداف ولا سيما نتائج اضطرابات سياسية كهذه. وبالتالي، فهم يفضلون الانتظار ورؤية ما يحدث. وبالنسبة للغالبية من الأميين والفقراء جداً، تبقى الثورات أحداثاً مجردة جداً لإدماجها في حيواتهم اليومية الهشّة. إنهم يميلون إلى الانخراط في نضالات أكثر واقعية ومحلية -تلك التي تكون ذات معنى وسهلة التحكم بالنسبة لهم. لكن هذه القطاعات تنخرط، بشكل أكثر تحديداً عندما يحشد الناشطون الفقراءَ في المحليات. هنا تصبح "الطبقة الوسطى الفقيرة" مركزية في ربط المجتمعات الفقيرة بالكليات ووصل العائلات الفقيرة، والأصدقاء، والأقارب بالمنظمة والمخيلة السياسية لحركات التمرد. على أية حال، لا يكون الجميع مشغول البال بالمتمردين وسياسات الشارع من هذا النوع فقط. أحداث التمرد هي أيضاً أوقات الزحف الفردي. وباستغلال انهيار رقابة الشرطة، يواصل الفقراء بروح نضالية الاستيلاء على أراض من أجل المأوى، والبناء غير القانوني، وشقق وبيوت عشوائية، ونشر الأعمال التجارية في شوارع وميادين في مواقع وأماكن ممنوعة. بالنسبة للعديد من الفقراء فإن مجرد سحب الشرطة من الشوارع يصبح نصراً هائلاً نظراً لأن قمع الشرطة يحمل تحيزاً طبقياً لا يمكن إنكاره.
   يجلب "ما بعد الثورة" مباشرة، أي اليوم التالي لسقوط النظام القديم، ديناميكية جديدة كلياً للحراك الشعبي. إنه يزرع في الفقراء أخلاقيات جديدة ل "ملكية الأمة"، وإحساساً قوياً بالتحرر، وشعوراً غير مسبوق بالاستحقاق. بالثقة من غياب الظالمين وداخل الفضاء الجديد الحر يعرض الفقراء الحضر اهتماماً غير عادي بالاحتجاجات الجمعية والمنظمّة وبالاتصال مع الحركات الاجتماعية والسياسية. إذ تلقي النشاطية المنظّمة بظلالها على الاستراتيجيات المعتادة للأفعال الفردية المباشرة. وينخرط الفقراء المترددون سابقاً؛ وتصبح المجتمعات المهمّشة منفتحة على الخارج، فتكسر الحواجز الاقصائية المكانية والقانونية لتصبح جزءاً من المدينة الأكبر. ويؤكّد الشباب المحرومون، المنبوذون باعتبارهم "خطر" على العامة، وجودهم في الميادين والشوارع الرئيسية. وإلى جانب بناء الحركات المنظّمة والاحتجاجات الجمعية، يتابع الفقراء زحفهم، وإن كان ذلك على نطاق أوسع وبشكل مسموع. إذ أن الاستيلاء على الأراضي من أجل بناء مأوى؛ وبناء منازل غير قانونية؛ واحتلال شقق خاصة أو حكومية، أو فنادق، أو مكاتب حكومية؛ إلى جانب التمديد غير القانوني للخدمات العامة؛ والتفرّد بأرصفة الشوارع من أجل مزاولة أعمال تجارية، يحمل زخماً جديداً. فالتنافس بين المجموعات السياسية المختلفة –اليساريون، والإسلاميون، والقوميون، والنظام الجديد- من أجل كسب دعم الفقراء يضيف إلى قدرتهم على الجلد والمقاومة، لأنه يزرع في الفقراء قيمة ذاتية وثقة جديدة لمواصلة الكفاح.
 
 
القاهرة القديمة
 
على أية حال، قد لا يستمر طويلاً هذا الحراك الجديد. إذ أن ذلك كله يتوقف على أي مدى تتسامح أنظمة ما بعد الثورة مع هذا النضال المهمش. هل ستغير الشرطة سلوكها بمجرد أن تنحسر الحمى الثورية؟ وما هو نوع السياسة الاجتماعية التي سيتبعها النظام الجديد –شعبوية أم نيوليبرالية؟ وحتى إن تم التسامح مع نشاطية الحركة الاجتماعية، فإلى أي مدى ستصل حقاً؟ فعلى سبيل المثال، هل ستحث الاحتجاجات الاجتماعية بالضرورة الدولة النيوليبرالية على رفع مستوى مجتمعات الأحياء الفقيرة أو إعادة تقديم المعونات المالية؟ ومما لا شك فيه أن عمل التنظيم والتعبئة وتكوين جماعات ضغط مكلف؛ فهو يحتاج مهارة وطاقة وتفاني ووقت وموارد مادية. فهل سيضطلع بها الفاعلون الفقراء إن لم تلق جهود التعبئة آذاناً صاغيةً؟ في الحقيقة، سيعود الفقراء الحضر إلى الاستراتيجيات التي (رغم خطرها وانعدام الأمن) يمكن أن تؤدي إلى نتائج ملموسة. بالتالي، يمكن أن يعود الفقراء إلى استراتيجية الزحف الهادئ واللاحركة حتى عندما قد تتواجد فرصة سياسية لحركات منظمة.
 
من الزحف الهادئ إلى الاحتجاجات الجمعية:
   كان منتصف عام 2010 نقطة تحول في السياسات المصرية، فقد تميزت بحلقة من الفرص اتّخذت من خلالها النضالات المتفرقة والهادئة للفقراء شكلاً جمعياً ومسموعاً. وكان ذلك مختلف عن التسعينيات، عندما سيطرت سياسات الحزب والإسلاميون والقوميون ضيقو الأفق على المرحلة السياسية. وقد اتّبع الشباب خائبو الأمل سياسات ثقافية ونشاطية في الحرم الجامعي عندما لم تجذبهم الإسلاموية؛ وخلاف ذلك، بقيوا دون انتماء معين غالباً. أما الفقراء الحضر فقد استمروا باللاحركات، فباتوا، بهدوء وغالباً بشكل غير قانوني، يكسبون أراض، ويشيدون منازل، ويتّصلون بأعمدة الكهرباء في الشارع وأنابيب المياه، ويبنون طرقاً، وينظّمون جمع القمامة. لقد سعوا لتأمين عمل غالباً في الاقتصاد غير الرسمي الواسع بينما يستثمرون بشدة في تعليم ابنائهم. وبهذه الطريقة غير القانونية، أوجد الفقراء مجتمعات واسعة من الحياة والعمل (60% إلى 65% من تعداد سكان القاهرة وأكثر من 61% من وظائف مصر في عام 2006) أفادت فيها أخلاق التنظيم الذاتي، والثقة، والتبادلية، والتفاوض، وعلاقات القرابة حياتهم الهشّة أكثر من القواعد الرسمية، والعقود الصارمة، أو النظام في الزمان والمكان. وفي الواقع، كفلت هذه الأخلاقيات "التقليدية" بقاءهم وإدماجهم في الحداثة المصرية. ولكن بقي الكثير من جهودهم في عملية المطالبة غير مسموع وفردي، إذ كان عبارة عن أحداث نادرة من احتجاجات جمعية من شأنها أن تستدعي قمع الشرطة.
   ومع ذلك أخذت الأمور تتغير عندما بدأت تتطور في مصر طريقة جديدة لممارسة السياسة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تجلّت في أنشطة اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب الفلسطيني والشعب العراقي وبعد ذلك في حركة كفاية ذات التوجه الديمقراطي. وقد تجاوزت حركة كفاية الحدود الايديولوجية عندما ركّزت على الحراك الشعبي بدلاً من السياسات الحزبية؛ فأخذت الحملة إلى الشوارع بدل التعبير عنها في المؤسسات؛ وركزت على قضايا داخلية عوضاً عن الشواغل القومية. كما شنّ المهنيون والمحامون والقضاة والصحفيون والأكاديميون والعمّال حملات جديدة، مستغلين فكرة "تعزيز الديمقراطية" التي دعت إليها الولايات المتحدة بعد غزوها للعراق. وفي هذا المناخ السياسي الجديد، شكّلت النساء العلمانيات والمتدينات جمعيات جديدة؛ وانخرط الشباب في النشاط المدني ووسائل التواصل الاجتماعي. وأصبحت المجموعات القومية واليسارية والإسلامية أكثر صخباً، في حين كسرت بعض الصحافة المستقلة المحظور بانتقادها العلني لعائلة مبارك أو كشف فساد ووحشية (بلطجة) الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. وقد كُسِر محظور الاحتجاج في الشارع فاندلعت التظاهرات بعد سنوات من قانون الطوارئ. وفي هذه البيئة الجديدة حيث أخذت سياسات الشارع والاحتجاجات الاجتماعية منحى جديداً، وأبدى الفقراء -الذين كانوا يعانون بشكل خاص من السياسات النيوليبرالية مثل الخصخصة، وارتفاع الأسعار، وإلغاء الإعانات- غضباً بشكل جماعي.
   وهكذا، وصلت احتجاجات العمالة غير القانونية إلى ارتفاع جديد في عام 2007، عندما نظّم آلاف من عمال النسيج في المحلة إضراباً ضد الخصخصة. ولأول مرة، امتنعت الشرطة عن قمعها المعتاد عندما واجهت نضال العمال، مما أعطى جماعات مهمشة أخرى الفرصة للانضمام. وفي عام 2009 رفض جامعو القمامة في منطقة "الزبالين" في القاهرة جمع 8000 طن من القمامة اليومية بسبب ذبح الحكومة ل 300 ألف خنزير لهم (من أجل تجنب إنفلونزا الخنازير كما زُعِم)، مما جعل من المستحيل إعادة تدوير النفايات (التي تُنجز جزئياً من خلال الخنازير التي تستهلك النفايات العضوية) التي يعتمد عليها سكان "الزبالين" (فيني 2012).
 
 
منطقة الزبالين في القاهرة
 
وفي ذات السنة، خرجوا إلى الشوارع بسبب قرار الحكومة بنقل سكان المنازل المهدمة في المقطّم إلى بلدة صحراوية، وطالبوا بمنازل في مناطق قريبة (عبد الحميد 2010). واستمرت نضالاتهم حتى الثورة. إذ تبعت الحملات ضد هدم الأحياء الفقيرة هياجاً جماعياً في أحياء مثل منشأة ناصر، ودرب الأحمر، وزينهُم في القاهرة إضافة إلى مدن أخرى حيث أثبتت الشرطة عدم قدرتها على احتواء الاحتجاجات داخل فضاءات مغلقة. وهكذا، عندما طالبت 66 عائلة من مدينة زرزارة في بورسعيد بتعويضات من الحكومة عن منازلهم المحرقة، أغلقت طريقاً رئيسياً بعد أيام من الاحتجاجات في مركز المدينة، رافضة التعويض الهزيل من الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم والبالغ 2000 جنيه مصري(7).
   ولم تكن "ثورة العطش" الأكثر انتشاراً قد أتت بعد. وعلى مر السنوات، وصلت العديد من العائلات الفقيرة بشكل غير قانوني مآويها إلى أعمدة طاقة البلدية وأنابيب المياه. والكلفة الكبيرة للاستهلاك المجاني غالباً ما أجبرت السلطات على إضفاء الطابع الرسمي على الخدمات في بعض هذه الأحياء في حين تترك آخرين يستغلونها بشكل غير قانوني أو يلجؤون إلى مصادر بديلة مثل حفر آبار عميقة. ومع ذلك بمجرد الارتباط، فإن أي انقطاع في ما أصبح على الفور "حقوقاً حضرية" سبب غضباً جماعياً. ولذلك، طيلة عامي 2007 و2008، تدفق محتجون في مدن وقرى دلتا النيل إلى الشوارع للاحتجاج على قطع المياه. ولم يستطع نشر شرطة مكافحة الشغب الهائلة إيقاف المحتجين عن قطع الطرق العامة أو عرقلة السكك الحديدية. في حزيران/يونيو 2010، عرقل أهالي كفر الشيخ طريق بلقاس-حمود، إذ أحرقوا إطارات سيارات لإحداث اضطرابات (8)، بينما ذهب ناشطون إضافة لحركة كفاية إلى أحياء فقيرة مثل المطرية للمساعدة على تعبئة محتجين ضد قطع الكهرباء، وقلة المياه، ورفع أسعار الغذاء مما خلق معارضة عميقة أيضاً. وتقول واحدة من اللافتات المرفوعة "غلّوا السكر، غلّوا الزيت، خلونا بعنا عفش البيت" (سميكة 2010).
  وفي حين أن التجمعات المسيّجة المتزايدة في القاهرة وغيرها من الأماكن، ذات المروج الخضراء الواسعة والمسابح، تدفقت فيها المياه بلا انقطاع في بلد يقع تحت خط "الفقر المائي"(9)، حوالي 40% من تعداد سكان القاهرة، الفقراء غالباً، يحصلون على مياه الشرب لمدة لا تزيد عن 3 ساعات يومياً، إضافة لوجود 4 مقاطعات على الأقل لا تتلقى المياه إطلاقاً. وفي الواقع، اعتمد ملايين على الآبار العامة من أجل الشرب أو الاغتسال (الدهشان 2010). لكن بالنسبة لهؤلاء الذين يستطيعون الحصول عليها، فقد أدى تحويل خدمات المياه الذي بدأه صندوق النقد الدولي في عام 2004 إلى شركات القطاع الخاص في مضاعفة التكلفة لبعض الأماكن، مما ترك العديد من العائلات تجلب المياه من نهر النيل (أمين 2010). وفي ظل هذا السياق الاقتصادي والسياسي فإن الاحتجاجات الجمعية للفقراء على هدم المنازل والإخلاء وارتفاع الأسعار و"الحقوق الحضرية" والأعمال والعدالة اختلطت مع الانتفاضة الضخمة التي اندلعت في عام 2011.
 
الفقراء والانتفاضات:
في 28 كانون الثاني/يناير 2011 (يوم الغضب)، فقط بعد ثلاثة أيام من بداية ما سُمّي بثورة 25 يناير في مصر، انضم مجتمع إمبابة غير الرسمي الكبير (عشوائية) في وسط القاهرة إلى الانتفاضة بشكل جاد. فتطورت مسيرة من 50 شخص، نصفهم من الأطفال، بعد صلاة الجمعة، بشكل سريع إلى مظاهرة جماهيرية "لا يمكن أن ترى بدايتها أو نهايتها". ونادى الحشد بسقوط النظام، ودعوا آخرين للانضمام، واشتبكوا مع شرطة مكافحة الشغب لساعات، وأكملوا مسيرتهم نحو ميدان التحرير (10). كانت إمبابة معروفة بماضيها "الإسلامي" عندما اخترق (في أوائل التسعينيات من القرن الماضي) مئات من مناضلي الجماعة الإسلامية هذا الفضاء الغامض –بأزقته الضيقة من دون خرائط أو أرقام منازل- فأوجدوا "دولة إسلامية داخل الدولة". ولكن بحلول وقت الثورة، تغيّرت الأمور. فكما قال أحمد متولي، وهو ابن إسلامي سابق، "آخر شيء يفكر فيه الشباب هو الدين". "إنه آخر شيء يخطر على تفكيره. يحتاج الشباب إلى المال، كما يحتاجون إلى الزواج وشراء سيارة،...وسوف ينتخبون أي فرد يمكن أن يوفر هذه الأشياء" (شديد 2011). انتفض فقراء إمبابة بسبب غضبهم على استصغارهم، والاضطرار إلى دفع رشاوي للذهاب إلى المستشفى، والحصول على بطاقات الهوية، وإرضاء الشرطة. "نحن لا نريد صلواتاً أو شيوخاً أو ذقوناً؛ لأن لدينا قدراً كافياً من رجال الدين". وفي 25 كانون الثاني/يناير، تمكن حوالي 200 ناشط من تعبئة ما يقارب من 20 ألف متظاهر في حي ناهيا الفقير للتظاهر ضد قضايا مثل وحشية الشرطة وأسعار الخبز(11). في الوقت ذاته، قام الشباب المبدعون بنقش الصور الرمزية للثورة –لافتات وشعارات وصور لشهداء الثورة- على جدران هذه الأحياء الضعيفة.
   وبطبيعة الحال، لم ينضم الجميع للاحتجاجات الثورية. وربما كان صحيحاً أن المهاجرين الريفيين والمجموعات الأكبر سناً والفقراء جداً قد فضلوا البقاء بعيداً عن أحداث هائلة كهذه. فغالباً ما تكون ديناميات وأهداف مثل هذه الاضطرابات غير واضحة للكثير منهم، وخصوصاً ما تؤدي إليه من نتائج. بالنسبة لهم، كانت الثورة مجردة جداً ليتمكنوا من التقاط دينامياتها. كانوا يفضلون الانخراط في النضالات المحلية التي وجدوها ذات معنى وأكثر قابلية للتحكم. ومع ذلك، فإن عدم التجانس الشديد في هذه الأحياء حيث يحمل السكّان خلفيات تعليمية مختلفة يميل إلى تسهيل الربط بين المحدود والعالمي. لم تضم مجتمعات العشوائيات مثل إمبابة الفقراء المطحونين والأميين والريفيين فقط، لكن ضمّت أيضاً قطاعات من "الطبقة الوسطى الفقيرة" –موظفو الحكومة، والمتزوجون حديثاً والمتعلمون، فضلاً عن المهنيين كالمحامين والمعلمين- الذين لا يستطيعون تأمين مساكن في السوق الرسمية. وقد ربط أفراد هذه الطبقة، الذين يتنقلون بين عالم "الطبقة الوسطى" وعالم "الفقراء"، النضالات المحلية لجيرانهم وأقاربهم وأهلهم المحرومين بعالم الجامعات، والصحافة، والفضاء الافتراضي، والنشاطية الترابطية والشوارع الرئيسية.
   وإضافة إلى الانضمام إلى الثورات الكبرى، قام الفقراء أيضاً ب “ثوراتهم الصغيرة" في محلياتهم. ففي منشية ناصر في القاهرة، حيث دمّرت صخور التلال عدداً من المنازل، هاجم السكان مبنى المجلس المحلي وأضرموا النيران فيه وفي قسم الشرطة، إذ رأوا في هذه المباني تعبيراً عن الفساد والإخلاءات(12). وفي الواقع، عندما انسحبت الشرطة واختفت من الساحات العامة في 28 كانون الثاني/يناير، "انتهت الثورة بالنسبة للفقراء"، كما لو أن نصراً ساحقاً كان قد تحقّق (13). فليس من شأن غياب الشرطة أن يقلل من المعاناة والإهانة اليومية للفقراء فحسب، ولكنه أيضاً يفتح المجال للزحف العنيف للمهمشين. وهكذا احتلت مئات من العائلات الفقيرة حوالي 510 شقة في مساكن الوحايد العامة (مساكن إيواء) في الدويقة. وقالوا "هذه الشقق كانت لنا، لعائلات أحياء الدويقة الفقيرة". ولضمان الملكية، أبلغوا البلدية وزاروا وزارة الدفاع، التي سمحت لهم مؤقتاً بالبقاء (كار 2011). ومع ذلك سريعاً وفي ظل الحكومة العسكرية ما بعد الثورة، كان على المقيمين الاقتتال مع الشرطة وموظفي الإخلاء الذين أطلقوا مسدساتهم ورموا أغراضهم من الشرفات. وكالعادة، تعهّدت الحكومة بتوفير مساكن بديلة. ولكن رفضاً للعرض، نصب المستوطنون خياماً مؤقتة في المحلة حتّى حصلوا على ما اعتبروه "مساكن لائقة". في هذه المرحلة، استمرت عملية البناء غير القانوني للمنازل وللإضافات غير الرسمية دون أن يلتفت إليها أحد في كل أنحاء البلد. أُخذت شقق فارغة نصف مبنية، واحتُلت أراض عامة في أطراف المدن بهدف تشييد منازل. كما أشار الارتفاع المفاجئ في أسعار الاسمنت إلى الانتشار الواسع للبناء غير القانوني خلال الثورة. واستولى الباعة المتجولون، الذين كانوا سيُطاردون من قبل الشرطة في أحوال أخرى، على بقع رئيسية في مراكز المدينة لتسويق بضائعهم. كان هذا النوع من النضالات يشكّل زخماً لا مثيل له في مرحلة ما بعد الثورة مباشرة.
 
تنحّي الديكتاتوريين:
  أدى سقوط الديكتاتوريين في اليمن وتونس ومصر وما أعقبه من مفارقات ما بعد الثورة إلى إحداث تحول جذري في المجال العام في هذه البلدان. إذ ولّدت الثورات وعياً جديداً، وتوقعات متزايدة، وفضاء حراً للتعبئة لكن من المفارقات أنها أدّت إلى تعطيل المؤسسات ذاتها التي كانت ستلبي تلك التوقعات نفسها (إدارة الدولة والمؤسسات الاقتصادية). وهذا الخليط من الفرصة للتعبئة والتوقعات المتقطعة عزّز معارضة الفقراء وقدرتهم على الجلد والمقاومة، ودفعهم إلى اتّباع ثلاث استراتيجيات: الزحف العنيف من أجل انتزاع أراض وخدمات حضرية، الحصول على مساكن الدولة، وتأمين وظائف غير رسمية؛ بناء حركات منظمة لتعزيز المكاسب أو تقديم مطالب جديدة؛ واحتجاجات جمعية للتعويض عن التهديدات التي تكتنف مكاسبها.
   وشهدت تونس ارتفاعاً مفاجئاً في العشوائيات الجديدة وتقوية للمنازل القائمة خارج نطاق القانون. وأصبحت الأحياء مثل السيدة المنوبية والتضامن في تونس موضوعاً للوصم النخبوي على اعتبارها معاقلاً للفوضوية، والتطرف، والصراع الاجتماعي وذلك ليس فقط بسبب أعمال الشغب التي وقعت في عام 1982 بل أيضاً بسبب الخوف الجديد من أن الفقراء سيؤيدون حزب النهضة الإسلامي (14). ولإثارة جزع النخب، استولى الفقراء على عدد كبير من الأرصفة في المنطقة المركزية المتاخمة "للمدينة العتيقة" وحولوها إلى أماكن تسويق نابضة بالحياة -وهي مشاهد ذكرتني بالمناطق المركزية في طهران مباشرة بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وبالشوارع المركزية في القاهرة مباشرة بعد سقوط مبارك. أما حقيقة أن بوعزيزي، بطل الثورة التونسية، كان بائعاً متجولاً فقد اكسبت البيع في الشوارع حصانة وشرعية أكثر، وهذا ما استغله الفقراء لتعزيز أوضاعهم. وفي الواقع، قبل الإطاحة ببن علي، قدّم النشطاء المحليون في سيدي بوزيد بوعزيزي (أو بالأحرى أساؤوا تقديمه عمداً) بوصفه "خريج جامعي عاطل عن العمل" لربط مأساته ذهنياً بمحنة حوالي 250 ألف خريج جامعي بلا عمل –ثوريو تونس المحتملين، أي "الطبقة الوسطى الفقيرة" (غانا 2013). غير أن الاضطراب الاقتصادي والسياسي الذي أعقب الثورة ترك فرصاً ضئيلة لتقدم جوهري في حيوات الفقراء. وقد تسكّع الكثير من هؤلاء الشباب المتعلمين في المقاهي المحليّة وهم يحلمون بالسفر إلى الغرب، بينما شعر الفقراء العاملون أن النظام القديم استمر في جوهره. كان رد فعلهم فاتن. وبحلول عام 2013 أصبحت تونس الأمة التي تضم أكبر عدد من الإضرابات العمالية والاحتجاجات الاجتماعية –حوالي 45 أو 90 باليوم.
 
 
أحد شوارع مدينة تونس
 
وفي مصر لم تكن الأمور أقل حدة، واستمر الاستيلاء على الأراضي والبناء غير القانوني بشكل جدي. خلال الستة أشهر الأولى، من كانون الثاني/يناير حتى حزيران/يونيو 2011، إذ استُولِي على ما يقارب من 110,000 هكتار من الأراضي الزراعية بشكل غير قانوني من أجل البناء، منازل في غالبها. وفي حزيران/يونيو 2013، تحدّثت سلطات الأوقاف عن 9335 زحف، أو 2.5 مليون متر مربع على أراضي الأوقاف، والتي كانت نصفها أراض زراعية (15). معظم عمليات الزحف هذه نفذها المحتاجون (لكن المستثمرون الانتهازيون أيضاً)، أحياناً باشتباكات عنيفة مع قوات الأمن. وفي مدينة العريش الساحلية، انتزعت العائلات أراض من الممتلكات العسكرية، زاعمةً أنها تعود لأسلافها من مئات السنين. وأدّت هذه الادّعاءات إلى مشاجرات عنيفة وإصابات ودخول إلى المشافي) (16). أما في جزيرة القرصاية في الجيزة، تعارك مئات السكان مع الجيش حول حقوق ملكية 500 فدان أراضي، التي طالب بها الجيش منذ عام 2007. وقد كان الجنود يطلقون النار بينما كان السكان يردون بشراسة، مما أدى لإصابة عدد من الجنود كما نجحوا في قلب الإخلاء. وقد اجتمع ناشطون، ممثلون، ومثقفون للاحتفال بنصر الشعب (17).
  وبعيداً عن اكتساب الأراضي والبناء غير القانوني، قامت آلاف الحملات الانتخابية في جميع أنحاء البلاد للحصول على مساكن حكومية، وحاربت عمليات الاستطباق*** (gentrification)، وطعنت في زيادة الأجار. وقد تحالف السكان الفقراء من الدويقة، الذين نُقِلوا من مساكنهم غير الآمنة إلى خيام ومن ثم إلى شقق أجار حكومية في مرحلة مبكرة ما بعد الثورة، تحالفوا مع سكان فقراء من مناطق أخرى مثل مدينة النهضة، وعزبة أبو قرن، وإسطبل عنتر للمطالبة بملكية بيوت الدولة هذه. وبدعم من الحملة التي بدأها ناشطون باسم "أحياء بالاسم فقط"، نظّموا اعتصامات غاضبة أمام مقر ديوان محافظة القاهرة، وهم يهتفون: "يا محافظ، قول الحق، إحنا أولى ولا لأ؟" محذرين بأنهم سيطلقون "ثورة العشوائيات"، وقطعوا الطريق الرئيسي، مسببين شللاً مرورياً، فيما يقاتلون قوات الأمن التي كانت تحاول تفريقهم(18). وفي الاسكندرية، احتجّ سكان حي الإمام مالك بغضب عند مكتب المحافظ بسبب إخلاء السلطات لهم من منازلهم غير الآمنة. بينما نظّم آخرون في مدينة الاسماعيلية في الشمال إضراباً عن الطعام في دائرة الإسكان في المدينة، مطالبين الحكومة بمنحهم شقق لأن مساكنهم تهدّمت؛ وعندما نُقل مضرب عن الطعام إلى المشفى، انخرط الناشطون في احتجاجات صاخبة. أما سكان الخيام في شبرا الخيمة في القاهرة، الذين هُدِمت منازلهم، فقد هددوا بتنفيذ اعتصام غير محدد واضراب عن الطعام في المحكمة إن لم يُنقلوا إلى شقق حكومية. وحين أنذرت السلطات السكان أنها ستُخليهم من مساكنهم "غير الآمنة" (مثل الفلكي في الاسكندرية)، رفضت الأُسر الانتقال في محاولة للحصول على سكن حكومي(19).
   بيد أن المطالبة بإسكان حكومي، وهو اتجاه متناقص منذ الثمانينيات، تنطوي على مجموعتها الخاصة من النزاعات –حول البيروقراطية، ومطالب الملكية، والأجار. على سبيل المثال، هاجم الكثير من سكان مدينة سمنود في مصر مجلس المدينة وأغلقوا أبوابه بالسلاسل احتجاجاً على ما اعتبروه طريقة يانصيب "ظالمة" لتخصيص شقق حكومية لمن كان على لائحة الانتظار. ومن ثم، في مدينة بور سعيد، وباستعراض قوة شديدة الدراماتيكية، غضب حوالي 6 ألاف شخص من الأسر المؤهلة لمشروع مبارك القومي للإسكان، بسبب فشل الحكومة في توضيح شروط التملّك، فانحدروا على قناة السويس لإيقاف تدفّق السفن. وأُوقِفت العبارات عن العمل بينما انتظرت مئات السيارات على جانبي القناة، في حين كشف خط ضخم بطول 190 كيلومتر من السفن المنتظرة عن التأثير الاستثنائي للاحتجاج(20).
 
الاحتجاجات الجمعية:
   في حين شاركت بعض قطاعات الفقراء في الزحف العنيف، قاوم آخرون جمعياً الادعاءات التي قدمتها السلطات بشأن مكاسبهم. وقد أصبح ذلك جلياً على الفور فيما يتعلق بسياسات الاستطباق، بشكل خاص القاهرة 2050، وهو مشروع ضخم من عهد مبارك لإصلاح وسط القاهرة وسيؤدي لنقل مئات الآلاف من الأسر الفقيرة إلى المدن الصحراوية (طربوش 2012). ورغم أن المشروع قد تأجل مؤقتاً بعد الثورة، إلا أن أجزاء منه استمرت. وهكذا، عندما عرض المستثمر "ساويرس" شراء مساكن حوالي 600 أسرة في منطقة رملة بولاق العشوائية المتاخمة لأبراج القاهرة الفخمة، رفض أغلب السكان البيع، على الأقل ليس مقابل 3000 إلى 4000 جنيه مصري للمتر الواحد في حين أن القيمة الحقيقية بحدود 30 ألف جنيه مصري للمتر (دالي 2012). ولمقاومة النقل إلى مدينة النهضة الصحراوية، بحث الناس عن بعضهم لتشكيل شبكة تضامن. وكما قال أحد المسنين: "نحن كالسمك؛ هذا هو ماؤنا؛ إن انتزعتنا من هنا سنموت"(21). وانفجر الحي عندما أدت حادثة (شجار بين أحد سكان الحي وصاحب عمله في الأبراج بسبب الأجر) إلى مقتل شخص وإصابة 22 شخص بجروح من قبل قوات الأمن. وقد حطّم الساكنون النوافذ، وأضرموا النيران في السيارات، وأغلقوا شارع الكورنيش الرئيسي. وفي أعقاب عدد من الاعتقالات، انخرط الناشطون، ولا سيما المحامون، في مساعدة السكان للدفاع عن حقهم في البقاء (الجابري 2012). وبعد سنة عندما زرت المنطقة، كانت القضية لا تزال في المحكمة والأجواء المتوترة. ومع ذلك بدت الحياة نابضة بالحياة كما كانت دائماً في الحي، إذ يشعر الناس بإحساس جديد من التمكين من الثورة ومن رأس مالهم الثقافي. وبينما مشيت مع زميل لي عبر الأزقة الضيقة التي تربط صفوف المساكن الواهنة، أحاط السكان بنا، وهم يدعوننا إلى منازلهم. وخلاف المظاهر الخارجية الرثة والمؤقتة الرديئة، كان الداخل عالماً مختلفاً، مليئاً بالحياة والطاقة والأمل. تنقّل أفراد الأسرة بين المطبخ الصغير والغرف الصغيرة لكن النظيفة والمنظمة والمزينة برموز دينية وصور عائلية؛ جلبوا مشروبات، وتحدثوا، وتبادلوا المزاح، وناقشوا السياسة وشاهدوا التلفاز. كما انضم الجيران والأصدقاء، وتباهى الشباب بسراويلهم الفضفاضة، وشعرهم المليء بالجل، وهواتفهم النقالة. ولكن تحت هذا العالم المخفي من الأمل، والفكاهة والإنسانية، كان هناك أيضاً قلق متأصل حول مصير مكان إقامتهم. ولكنهم بقيوا ثابتين في تصميمهم على أن لا يخسروا مساكنهم بسعر زهيد.
     أدى الزحف الهادئ (والعنيف) على مر السنين إلى تحقيق مكاسب كبيرة في الخدمات الجمعية (طاقة، مياه الأنابيب، وشبكات الصرف الصحي، وطرق معبدة، وجمع القمامة، وأمن)، والتي تحوّلت إلى "مستحقات" عندما أصبحت رسمية. وهكذا، عندما كانت هذه المكاسب مُهددة أو أُخِذت منهم، فقد الفقراء صوابهم. وقد شهدت مصر ما بعد الثورة احتجاجات اجتماعية ملحوظة عندما واجهت الخدمات الحضرية الأساسية مثل الكهرباء، والماء، أو شبكات الصرف الصحي خللاً. فأدى انقطاع الكهرباء اليومي الذي سببه تزايد الاستهلاك وسوء الإدارة، إلى نزول الملايين إلى الشوارع في المدن والقرى الحضرية(22). ورغم أن الحكومة قدمت دعم مالي بقيمة 22.5 قرش من أصل 35 قرش لكل كيلوواط بالساعة، استمر الناشطون في آب/أغسطس 2012 بحملة "لن ندفع" في إمبابة لمكافحة انقطاع التيار الكهربائي (حلاوة 2012). وقد تجمع سكان قرى في الأقصر أمام محطة توليد الكهرباء للتعبير عن غضبهم، بينما حذّر العديدون في كفر الشيخ من أنهم سيشعلون محطة توليد الكهرباء. وفي الاسكندرية، تجمّع سكان شارع سوريا وسيدي بشر من ضمن آخرين حول محطات توليد الكهرباء، وأغلقوا الطرق، وسببوا اضطراباً مرورياً كبيراً. وقد كان صيف عام 2013 نقطة تحول في حجم الاحتجاجات حين تدفق عشرات الآلاف إلى الشوارع، مغلقين الطرق السريعة، ومحتلين محطات توليد الكهرباء، ورافضين دفع فواتيرهم في القاهرة والجيزة والدقهلية والشرقية وطنطا وقنا وقليوبية وكفر الشيخ والمنيا وغيرها من المحافظات(23).
   استمر نقص المياه على فترات متقطعة منذ أواخر عقد ال 2010، مما أدى إلى الاحتجاجات التي عُرِفت باسم "ثورة العطش". وبارتفاع الطلب واضطراب توزيع المؤن، وصلت الاحتجاجات الاجتماعية إلى مستوى جديد في صيف عام 2013. وفي تموز/يوليو 2012، نظّم سكان صفط اللبن الفقراء في محافظة الجيزة اعتصاماً في مبنى المحافظة رافعين لافتات تقول "نحن عطشى". وفي أعقاب مطالبهم بالأمن الوظيفي، والإسكان الحكومي، والتعويض عن الأضرار المادية(الفيزيائية) خلال الثورة، أرادوا الآن أن يوقفوا قطع المياه اليومي، أحياناً 12 ساعة باليوم، الذي تحمّلوه خلال الست سنوات الماضية. وكان الفقراء يشعرون بالغضب إزاء ما اعتبروه انقطاعات كهرباء تمييزية ضد الأحياء المنخفضة الدخل (حلاوة 2012). وهكذاـ حُشِد سكان منطقة القليوبية، ورددوا شعارات، وأغلقوا السكك الحديدية، معترضين لأنهم لم ينالوا مياه خلال الأيام الأربعة السابقة واضطروا للحصول عليها من قرى أخرى. أُرسلت قوى الأمن لإنهاء قطع الطرق، ووعدت السلطات المسؤولة عن المياه بالتصدي للمشكلة. وفي قرية فارس في أسوان، قطع السكان الطريق السريع الذي يربط القاهرة بأسوان لأن مياه الصرف الصحي عطّلت الحياة في موطنهم. ومرة أخرى تدخّلت السلطات المحلية والشرطة لحل الأزمة(24).
   عكست احتجاجات من هذا الشكل جانب من جوانب العجر التنموي الأوسع الذي عصف بحياة المهمشين. وفي الواقع، قامت المطالبات بالخدمات الاجتماعية، وهي نداء واقعي للعودة إلى العقد الاجتماعي، يتخفّى خلف معارضة واسعة النطاق أسهمت في سقوط حكومة الرئيس مرسي الإسلامية في تموز/يوليو 2013. قرر ريفيون من قرية المريس في الأقصر إغلاق المجلس المحلي من أجل جذب الانتباه إلى "الخدمات الرهيبة" التي تراوحت بين انقطاع الكهرباء ونقص المياه إلى التعليم المدرسي السيء والإدارة الخاطئة للنفايات. واحتج آلاف من سكان الأحياء الفقيرة في الاسكندرية أمام مكاتب مياه الصرف لأن السلطات أهملت نظام الصرف الخاطئ والغامر. وبمشاركة ناشطين من حركة 6 أبريل وحركة كفاية، سخر سكان الأحياء الفقيرة من مشروع مرسي "مشروع النهضة"، والذي كان من المفروض أن يعالج مثل هذه العلل الاجتماعية. وتسبّبت حالات إهمال مماثلة بإيقاف المرور من قبل سكان المنطقة في أسوان، بينما احتّل الفقراء في المنيا محطة الطاقة التالفة التي تسربت مياهها إلى أحيائهم؛ ولم يذهبوا إلى منازلهم إلا عندما تعهدت قوى الأمن والسلطات بمعالجة المشكلة. كما قطع البعض (مثل ريفيو الشقيب في أسوان) السكك الحديدية للمطالبة بأن تثبّت السلطات معابر سكك حديدية مناسبة، إذ تسبب نقصها في حوادث مميتة، بينما أوقف آخرون (مثل الصم والبكم في المنيا) القطارات عن العمل بسبب إهمال سلطات المدينة لهم. وبعدها جاء دور المتقاعدين الذين ثاروا بشكل جماعي، فبدأ بعضهم إضراباً عن الطعام في وسط القاهرة للمطالبة بعلاوة اجتماعية (25%) على راتبهم التقاعدي. وانحيازاً لحركة تمرد لسحب الثقة من الرئيس مرسي، روى أحد المحتجين كيف أنه بعد 37 سنة في العمل، استلم مجرد 340 جنيه مصري. وفي حين أن معظم المحتجين قطعوا الطرق، وسبّبوا شللاً مرورياً، ونظّموا اعتصامات، ونفّذوا اضرابات عن الطعام، لجأ آخرون إلى وسائل قانونية أو التماسات ودعاية في الصحف اليومية(25). لكن الغضب الجمعي، ولاسيما قطع الطرق السريعة ومسارات السكك الحديدية، أصبح برنامج العمل اليومي. فخلال عام 2012، نظّم المصريون حوالي 500 اعتصام، و581 احتجاج محلي، و414 إضراب عمالي (مقارنة ب 335 خلال العام 2011)، و558 مظاهرة في الشوارع(26). وبعد ذلك بعام، وخلال فترة رئاسة مرسي، وصلت الاحتجاجات المحلية إلى 7709 وارتفع عدد المظاهرات في الشوارع والاشتباكات إلى 5821(27).
   حدثت معظم الاضطرابات في الأماكن الحضرية، لكن عدد كبير منها حصل في صعيد مصر وفي "القرى" أيضاً. ويعكس حدوث هذه الاحتجاجات الاجتماعية في "القرى" تحضّراً زاحفاً في المناطق الريفية المصرية ليس فقط في(عبر) الأماكن ذات الكثافة السكانية العالية (مثل 10000 إلى 20000 نسمة) لكن في(عبر) الضخ المتزايد للخدمات "الحضرية" –الكهرباء، والمياه، ومرافق الصرف الصحي، ووسائل الاتصالات، ومهن غير زراعية- في المجتمعات الريفية. وهذا التحضر الزاحف هو الذي جلب "القرى" إلى المدار السياسي للأمة، مما يفترض الحق في المدينة بوصفه موضوعاً رئيسياً للنضالات الاجتماعية في هذه الأوقات النيوليبرالية (بيات ودنيس 2000).
 
شبح البوعزيزي:
  طارد شبح محمد بوعزيزي الدول العربية الاوتوقراطية، لكنه مكّن الفقراء الحضر من تجريب حظوظهم في السعي لكسب سبل عيشهم في ظل ظروف اقتصادية سيئة واضطرابات ما بعد الثورة التي جعلت الملايين (بما فيهم خريجي الجامعات) يعانون من تناقص سبل العيش. وهكذا ما أن اندلعت الانتفاضة، حتّى تنحى الديكتاتوريون وانهارت سلطة الشرطة وشهدت المدن انتشاراً غير عادي للأنشطة غير الرسمية، ولا سيما سبل العيش التي تعتمد على اقتصاد الشارع. وفي تونس، حيث أشعل محمد بوعزيزي الثورة، انتشر الباعة الجوالون بسرعة كبيرة في المناطق المركزية والمواقع الاستراتيجية في المدن الكبيرة. وفي سوريا تجاهلت الشرطة التجارة غير المشروعة في الشارع، وفي المغرب احتل الفقراء الحضر بشكل عدواني الشوارع الرئيسية في الرباط والدار البيضاء إضافة إلى مدن أخرى مثل الناظور لنشر أعمالهم. وبدلاً من تجريم تجارة الشارع غير الرسمية، منعت السلطات بيع الكميات الصغيرة من عبوات البنزين خوفاً من عمليات الانتحار. (ماك موراي 2013).
   شهدت مصر توسعاً مذهلاً يُقدر بخمسة ملايين بائع متجول في المناطق الرئيسية في المدن الكبيرة والبلدات الصغيرة في جميع أنحاء البلد. ففي القاهرة، شهد ميدان التحرير، وكورنيش النيل، وشوارع مركز المدينة، وساحة رمسيس وغيرها التركيز الأكبر من الأكشاك والبسطات والباعة المتجولين. وقد كان وجود ملايين المحتجين في الشوارع يوفّر للباعة المتجولين سوقاً مربحاً. كما تحول ميدان التحرير، حيث استمرت التجمعات والمظاهرات الملحمية طوال أشهر، تحول في بعض الأوقات إلى فضاء خيالي للمنافسة والتجارة. وفي حين قاتل الثوريون الشرطة، وبنوا المتاريس، وتفادوا قنابل الغاز المسيل للدموع، واصل الباعة المتجولون في الميدان روتينهم في بيع الشاي الساخن والمشروبات الباردة والطعام والفواكه وأجهزة منزلية وأدوات ثورية. أصبح الباعة المتجولون عنصراً لا يتجزأ من نسيج السياسة المكاني، يبيعون بطيخاً محفور عليه "يسقط حكم العسكر" أو يتاجرون ب"شاي 25 يناير" و"عصير عرقسوس التحرير". لقد موّنوا الزوار والمحتجين كذلك الذين أمضوا شهوراً يحتجون في الميدان(28).
   كان للباعة الجوالون قصصهم الخاصة. فنجوى، بائعة تركت زوجها المُسيء وأتت إلى ميدان التحرير لتعيل أولادها، فقد خسر العديد من الرجال أعمالهم السابقة، وانضم آخرون مؤخراً إلى سوق العمل. ورغم أنهم لم يدفعوا ضرائب وتمتعوا بدرجة جيدة من الاستقلالية والمرونة، ولكنهم غالباً ما شعروا بعدم أمان وكان عليهم توزيع رشاوي بحدود 70 إلى 250 جنيه مصري لممارساتهم غير القانونية (شربل 2012). وقد كانوا جزأ من اقتصاد غير رسمي واسع، أنتج 40% من الناتج المحلي الإجمالي أو ما يعادل 218 بليون جنيه مصري، واغتنموا جميعهم هذه اللحظات لتحسين حيواتهم رغم أن سبل معيشتهم العامية قد استدعت غضب التجار المحليين، واحتقار النخب، وعداوة الدولة. إذ اشتكى التجار المحليون من عدم قدرتهم على التنافس مع العروض الرخيصة للباعة المتجولين، أما النخب فقد انتحبت بسبب الصورة "المتخلفة"، والصحة العامة، و(بالنسبة للبعض) "التحرش الجنسي"؛ وعبّرت السلطات عن قلقها إزاء الاختناق المروري، والتجارة المحظورة، والاضطراب العام. ومن أجل هذا، تحرك كل من الحكام العسكريين وحكومة مرسي من أجل اتخاذ إجراءات صارمة ضد تجارة الشارع. وفي الواقع، لم يتغير الكثير فيما يتعلق بالسياسة الرسمية في تجريم الباعة غير المرخّص لهم منذ عام 1957 (قانون 33)**. وفي ظل مبارك، تلقّى الباعة غير القانونيين حكماً بالسجن لمدة ثلاثة أشهر وغرامة وصلت إلى 1000 جنيه مصري. وقد زاد مرسي الإسلامي العقوبات إلى ستة أشهر في السجن وغرامة بقيمة 5000 جنيه مصري. وفي هذه الأثناء، تضافرت الوزارات ل"تطهير" المناطق المركزية في القاهرة، والجيزة، والدقهلية، والمنصورة والاسكندرية من "الباعة الطفيليين" –وهو إجراء سبق أن حاولته الحكومات السابقة للثورة ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيقه(29). ومن خلال حرب استنزاف يومية، قاوم الباعة المتجولون ببساطة –ينسحبون مؤقتاً ومن ثم يعودون ويعيدون التجمع. وقد كانت حرباً استمرت بلا هوادة بفضل إصرار الباعة المتجولون، وتواطؤ الشرطة، والرشاوي. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2012، قُتل بائع فواكه عمره 12 عاماً يعمل في وسط ميدان التحرير برصاص قنّاص، فنظّم آلاف الباعة مظاهرة قوية انطلقت من ميدان التحرير إلى المحكمة العليا. وتبقى المشاهد الاستثنائية للباعة الجوالين وهم يسيرون في الشوارع الرئيسية للقاهرة مع عرباتهم وأكشاكهم المتحركة واحدة من السمات المثيرة للعواطف في سياسات الشارع في مصر.
   كان هذا العمل التضامني تمهيداً لمحاولات جدية لتنظيم الباعة المتجولين في نقابة وطنية في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة البطالة من 9% قبل الثورة إلى 31% أو 5.3 مليون، وخسر 72% وظائفهم (ثلثهم كان لديه شهادات جامعية)(30). شعر الآن الباعة المتجولون المنتشرون بكثرة والمرئيون بالحاجة إلى التوحّد لردع تهديدات الإخلاء وانعدام الأمن. وفي كانون الأول/ديسمبر 2012، جمع باعة متجولون نشطاء بقيادة رمضان الصاوي 4000 توقيع من زملاء لتأسيس نقابة. وسرعان ما انشؤوا مكتباً في القاهرة وحصلوا على الدعم من نظرائهم في حلوان والجيزة والسويس والاسكندرية وأسيوط. وبمساعدة محامين من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بدأوا بالحصول على اعتراف قانوني. وكان نضالهم من أجل المواطنة الحضرية ينتعش. وكما قال أحد الباعة المتجولين "فقط أعطني بقعة استراتيجية وبسعر معقول يمكنني استئجارها، حتى وإن كانت متراً واحداً، وعندها سأسدد بكل رضى الأجار والضرائب" (شربل 2012).
   في الحقيقة، أصبح تكوين المنظمات في هذه المرحلة سمة مشتركة للفقراء بعد سنوات من التقييد. وهكذا، وفي أعقاب سقوط مبارك، تشكّلت في القاهرة جمعيات على مستوى المدينة لتطوير وتأمين العشوائيات والأحياء الفقيرة والدعوة لفصل المسؤولين المحليين الفاسدين. وقد تحولت اللجان الشعبية العديدة التي تشكّلت خلال الانتفاضات لحماية الأحياء، تحولت إلى جمعيات محلية للتنمية. وأنشأ العمال الصناعيون نقاباتهم المستقلة الجديدة، وناضلوا ضد أرباب عملهم الذين انتهكوا استحقاقاتهم التقليدية وحرموهم من الحد الأدنى للأجور، والفوائد والأمن الوظيفي. وطالب الزبالون الحكومة الجديدة بإضفاء طابع نظامي على عملهم، وتخصيص مناطق لمجموعة من الزبالين الذين سيحصلون على رسم (دولار واحد شهرياً مقابل كل أسرة) مقابل خدماتهم. كما طالبوا الحكومة بصرف النظر عن الشركة متعددة الجنسيات التي تغطي 40% من جمع النفايات. (فيني 2012).
   لعب النشطاء دوراً هاماً في هذه المساعي الجمعية، ومثلما ساعد المحامون الباعة المتجولين وسكان الأحياء الفقيرة قانونياً، ذهب منظمو حملة "أحياء بالاسم فقط" إلى الأحياء الفقيرة (جزيرة القرصاية، وباب النصر، والسلام، والنهضة، ورملة بولاق، وأماكن مماثلة في سوهاج) للمساعدة على جلب خدمات أساسية إلى هناك. وقد فهم السكان هذه المحاولات بوصفها تحقق "حقهم في التمتع بالحد الأدنى من المعيشة" و"الحق بالعيش في منزل مُحترم"، وهذا ما عبّر عنه أحدهم (علي 2013). كما نظّمت مجموعات أخرى حملة "نريد أن نعيش" للمساعدة على إصلاح سبل معيشة الفقراء في الوقت الذي كان فيه استمرار السياسات النيولبيرالية قد جعل الخدمات العامة (مثل القطارات، والمشافي، أو مياه الشرب) أكثر تكلفة. وقد دعت حملة "لن ندفع" السكان الفقراء إلى عدم دفع فواتير الكهرباء ما لم يُوفّر جدول زمني واضح لقطع الكهرباء في مختلف المناطق وما لم يُضمن توزيع عادل لقطع ووصل الطاقة بينهم وبين الأحياء الغنية. وانتقلت الحملة بدءاً من صفط اللبن في الجيزة إلى المدن والقرى في دلتا النيل وصعيد مصر وتبنّاها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي اليساري. (جمال 2012). وهذا ما يذكّر بجنوب افريقيا ما بعد الفصل العنصري وسكان الأحياء التشيلية الفقيرة وحملات رفض الدفع التي نظّموها في تسعينيات القرن العشرين، فعكسوا نضالاً من أجل المساواة الأفقية، أي المساواة في ما يمكن أو لا يمكن أن توفّره المدينة لمواطنيها.
 
الفقراء وثورات الأزمنة النيوليبرالية:
   إن نضال الفقراء في سبيل المواطنة (الحضرية) كان لافتاً للنظر حقاً في الثورات العربية. وقد كان معزّزاً ب "أخلاقيات استحقاق" قوية، فجسّد محاولات تأمين المأوى، والمطالبة بإسكان حكومي، ومحاربة عمليات الإخلاء، ومعارضة الأجارات المرتفعة، والمطالبة بخدمات جمعية، والدفع باتجاه المساواة الأفقية. كما عنت المواطنة الحضرية أيضاً أن الفقراء رغبوا بأن يكونوا جزءاً لا يتجزأ من المدينة –وليس فقط ببيئتهم وأعمالهم البائسة بل أيضاً بوجودهم المادي ووسطهم الفكري والمعيشي (الهابيتوس). لقد ازدروا السياسات والناس الذين وصفوهم ب “الغرباء" أو "متطفلين". وأعربوا عن رغبتهم في توسيع أفقهم في المدينة إلى ما وراء محلياتهم في الشوارع الخلفية من خلال تشكيل وصول إلى المجتمع الأكبر. ولذلك، فإن العشوائيات الواقعة حول الطريق الدائري في القاهرة الذي لا يمكن الوصول إليه (صُمِّم لعزل وإيقاف مزيد من الزحف لهذه العشوائيات) قد تولّت الأمور بنفسها مباشرة بعد الثورة لبناء ممرات إلى الطريق السريع. وبعد ذلك يمكن للتكاسي الصغيرة (التوك توك) أن تجلب الناس من العشوائيات القريبة إلى "نقاط الانتقال" هذه والتي منها يستطيعون الانتقال إلى باقي أنحاء المدينة. كما بنت مستوطنات أخرى معابر للسيارات لتسهيل وصولها إلى الطرق السريعة. وفي إحدى المستوطنات، عبّد الناس الطريق، وافتتحوا مركز شرطة، وأنتجوا قرصاً مضغوطاً CD حول المبادرة ودعوا المحافظ لتدشين معبرهم رسمياً. وبمثل هذه الطرق ضمِن الفقراء دخولهم المادي إلى المدينة عموماً. أمّأ آخرون، مثل سكان المنطقة العشوائية أرض اللواء، رسموا خرائط لحيّهم؛ إذ رسم خياط محليّ رسماً تخطيطياً مفصّلاً للشوارع، وللأزقة، وللتلال، وللجسور، وللمنازل، مما أعطى لمجتمعهم حياة على الورق وشكّل اعترافاً رسمياً كان يفتقر له في السابق (31).
 
 
وفي الوقت نفسه، سهّلت الثورة أكثر من أي وقت مضى للفقراء تحركهم وحضورهم في الفضاءات العامة للمدن، التي غالباً ما كانوا يُنبذون منها. فأصبحت أماكن مثل ساحة بورقيبة في تونس وميدان التحرير في القاهرة، أصبحت فضاءات اختلاط وامتزاج لناس من خلفيات طبقية مختلفة، مما كسر هيمنة البنية المكانية وموقف النخبة حول أين يمكن أو لا يمكن للفقراء (أو للأغنياء) أن يذهبوا، أو يجلسوا، أو يتسوقوا، أو يتسكعوا. إضافة لذلك، يشير الدور الحاسم للألتراس، مشجعي الفريق المصري في الشوارع الثورية، إلى حضور غير اعتيادي للشباب الفقراء في الأماكن الاستراتيجية من المدينة. والعرض والدراما العامة للألتراس الذي يتضمن في معظمه شباب الطبقة الدنيا لا يعكس مجرد شكل من أشكال المرح للذكور المهمشين بل أيضاً تعبير "أنا موجود" في الساحة العامة التي شعر فيها المطحونون بأنهم مُزدرون ومُنتقدون.
   يشكّل هذا الشعور بحق تقرير المصير سمة مشتركة في أوقات ما بعد الثورة مباشرة عندما يأخذ الناس، المحررون من سلطة الدولة، مبادرات للتأكيد على إرادتهم. فينتقلون إلى ممارسة الحكم الذاتي، بعد أن أصبحوا أكثر قوة ك “مواطنين أحرار" وك “مالكين لبلدهم"، ولكنهم يواجهون اقتصاداً ودولة ممزقة. وتبدأ الجماهير بالإدارة الذاتية في المزارع، والمصانع، والجامعات، وأماكن العمل، والأحياء. وللسياسات الراديكالية كهذه تاريخ طويل في معظم الثورات. ففي أعقاب الثورة الإيرانية في عام 1979، احتل العمال مئات المصانع لإدارتها عبر "لجان المصانع" (بيات 1987). كما تولّى المزارعون الأعمال التجارية الزراعية (في محافظتي مازندران وفارس). واستولى الفقراء الحضر على أراضٍ لبناء منازل، واحتلوا شقق وفنادق، وحصلوا على خدمات حضرية، وطالبوا بضمان الملكية؛ فاستعمروا أرصفة شوارع مركزية لممارسة أعمالهم وشكّلوا منظمات من سكان العشوائيات، والباعة المتجولين، والعاطلين عن العمل. وقد هيمنت قطاعات من الطبقات الدنيا على الشوارع الحضرية، والميادين، والجوامع، بجرأة وثقة كبيرة. ولفترة من الوقت، تقوّضت التسلسلات الهرمية المكانية، وحل مكانها مشاهد المدراء والعمال يتناولون الطعام سوية في أماكن العمل في البلاد. وقد شعر الفقراء بمزيد من التمكين(القوة) من خلال المنافسة الشديدة بين المجموعات الإسلامية واليسارية المختلفة لضمان تأييدهم. وقد دُعِمت إجراءاتهم الراديكالية، على الأقل لبعض الوقت، عبر تعابير "المساواة" و"العدالة الاجتماعية" و"الاشتراكية" التي كانت شائعة في معظم ثورات القرن العشرين.
   ولكن كما جادلت في أماكن أخرى (بيات 2013)، كانت الثورات العربية مختلفة؛ فقد وقعت في عصر ايديولوجي حين كانت فكرة "الثورة" ذاتها قد فقدت مصداقيتها، وهو زمن أصبحت فيه العقلانية النيوليبرالية "جزء من فهمنا البديهي للحياة" (ماسي 2013). إذاً بينما تجسّدت الثورات العربية في ممارسة مبادرات راديكالية من جانب المهمشين، لم ترتكز على إطار ايديولوجي جدي أو حركة اجتماعية. وعلى كل حال فإن التفكير النيوليبرالي "البديهي" بين النخب السياسية، سواء الإسلامية أو العلمانية، نبذت ممارسات راديكالية كهذه لاعتبارها "غير ملائمة"، و"متطرفة" و"طوباوية" وفوق كل شيء "غير قانونية". وهكذا، فالاستيلاء على المصانع وسيطرة العمال قد حدث في 12 مصنع فقط إما التي تركها أصحابها أو استسلموا أو أفلسوا. وقد رفض الإعلام والسياسيون وحتى النقابات هذه الممارسات بصفتها "غير قانونية"، وتنتهك مبدأ الملكية. وفي النهاية لم يبق سوى مصنع واحد ب 250 عامل، يُدار ذاتياً، أما البقية فقد استقرت في نوع من "الإدارة المشتركة"(32). وقد اشترك فقراء الحضر –كما رأينا- في نضالات اجتماعية لافتة للنظر لتعزيز والدفاع عن فرص الحياة، ومع ذلك استمر التمييز الهيكلي ضدهم. ورغم نفور الفقراء من المؤسسات البيروقراطية المعقدة، إلا أنه ما زال يتعين عليهم أن يتعاملوا مع مؤسسات الدولة، والمدارس، والبلديات، وبطاقات الهوية، ومراكز الشرطة، والمشافي التي غالباً ما يتلقون فيها علاجاً تمييزياً. إن هذا صحيح، في "مدينة الداخل والخارج"، فقد خصّص الفقراء الفضاءات العامة لممارسة التفاعل الاجتماعي واقتصاد الكفاف في الخارج (بيات 2012). ومع ذلك، فمن الحقائق المحزنة أن استخدام الفضاء الأخضر، في القاهرة على الأقل، لا يزال مرتكزاً على الطبقة، إذ لا يمكن إلا للأغنياء تحمل كلفة النوادي الخاصة حيث تتواجد مظاهر من المساحات الحرة والنباتات الخضراء. ومرة أخرى، فإن الخوف من الفقراء بوصفهم المفسدين للنظام العام، والمسببين لعدم الأمن، والمرتكبين لأعمال العنف وللتحرش الجنسي، يجعلهم من الغرباء. وفي ظل هذه الظروف النيوليبرالية، فقد الفقراء مرتكزهم الأيديولوجي التقليدي. وفيما عدا عن بعض المجموعات الناشطة التي قدّمت الدعم والمساندة للفقراء، فقد تُرِك المهمشون إلى حد بعيد لوحدهم مُعتمدين على شبكاتهم الاجتماعية وعلى رأس مالهم الثقافي. كما أن حكومات ما بعد الثورة لم تعالج بشكل ملموس محنة الفقراء على الرغم من خطاب تحسين العشوائيات. كما بقيت "العدالة الاجتماعية" شعار الثورة الأكثر إهمالاً. أما حكومة الإخوان المسلمين فقد عرضت الكثير من الإسلام والوعظ، لكن "هذه أمور لله"، كما اشتكى أحد فقراء بولاق؛ وبما أنها خالية من أي رؤية تقدمية، لم تفعل شيئاً لتحقيق "حقوقنا" (فهيم 2012). ومن دون إعادة تفكير جذري في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، كان الفقراء مستعدين لمواصلة جدلهم الجمعي أو اللجوء إلى استراتيجية الزحف الهادئ المألوفة. إن الهوس بمنطق السوق، "الطريق الآخر"، قد لا يخدم تحرير "الفقراء الطامحين"، كما قد يقترح دي سوتو، بل يكون سبباً ليأسه وموضوع جدله. وشبح البوعزيزي قد يستمر بالمطاردة.

هوامش المترجمة:
* اللومبنبروليتريا: (بالإنجليزية: Lumpenproletariat) أي ما تعرف بـ(دون، أو تحت البروليتاريا)، هو مصطلح أطلقه كارل ماركس في بيان الحزب الشيوعي لوصف تلك الطبقة التي تحت الطبقة العاملة والذين لا يحظون بالوعي وغير مفيدين في العملية الإنتاجية أو إجتماعياً، ولا فائدة منهم في النضال الثوري، وربما يمثلون عائقاً أمام تحقيق مجتمع لا طبقي. عُرف اللومبنبروليتريا على أنهم حثالة الفئات الدنيا من المجتمع القديم، قد ينجرفون هنا وهناك في الحركة بفعل ثورة بروليتارية، لكنها بحكم وضعها الحياتي كله تصبح أكثر استعداداً لبيع نفسها لمكائد الرجعية. (ويكيبيديا) ويمكن الإطّلاع على: انظر الرابط
** للإطّلاع على قانون 33 لعام 1957: انظر الرابط
*** الاستطباق  Gentrification: في المناطق الحضرية هو احلال الطبقة الوسطى من المجتمع بطبقة أرقى منها نتيجة لزيادة القيمة الإيجارية للوحدات السكنية بسبب ما طرأ على المناطق الحضرية من مشروعات التحسين والتطوير الحضري بالإضافة إلى الحالات الفردية من المستأجرين أصحاب المهن الابداعية والابتكارية متزامنة مع اصطحاب أصحاب رؤوس الأموال للاستثمار في مجال الخدمات الترفيهية والترويحية مثل المطاعم والكافيهات التي تجذب المزيد من الاستثمارات مما يستدعي السكان الاصلين للرحيل عن المنطقة لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة ودفع الايجارات بعد ما طرأ على المنطقة من تغيير.(ويكيبيديا).
 
شكر وتقدير:
إنني ممتن ليحيى شوكت وأمنية خليل وحبيب ايب ورضا وحياة في مصر وتونس على مساهماتهم الفكرية وإرشادهم ومشاركة البيانات. وبطبيعة الحال، فهم ليسوا مسؤولين عن أي أوجه قصور(مواطن ضعف) قد تحتويها هذه المقالة.
 
قائمة المراجع:
  Abdel-Hamid, Heba. 2010. Evicted Duweiqa residents demand new homes.
Egypt Independent, January 16.
Ali, Mohammed Esra. 2013. Ehya’ Bel-Esm Faqat. Al-Masry al-Youm, April 1. Al-Jaberi, Abdel-Karim. 2012a. Update: gunfire, tear gas continue in Bulaq.
Al-Masry al-Youm, July 2.
———. 2012b. Wave of arrests, threat of eviction plague Ramlet Bulaq. Al-Masry al-Youm, August 7.
Amin, Shahira. 2010. Egypt’s farmers desperate for clean water. CNN, No-vember 10, Link.
Bayat, Asef. 1987. Workers and revolution in Iran. London: Zed.
———. 2000. From “dangerous classes” to “quiet rebels”: politics of the ur-ban subaltern in the global souths. International Sociology 15(4):533–557.
———. 2007. Radical religion and the habitus of the dispossessed: does Islamic militancy have an urban ecology? International Journal of Urban and Regional Research 31(3):579–590.
———. 2010. Tehran: paradox city. New Left Review 66(November/De-cember):99–112.
———. 2012. Politics in the city inside-out. City and Society 24(2):110–128.
———. 2013a. Life as politics: how ordinary people change the Middle East. 2nd edition. Palo Alto, CA: Stanford University Press.
———. 2013b. Revolution in bad times. New Left Review 80(March/April): 47–60.
Bayat, Asef, and Eric Denis. 2000. Who is afraid of the ashwaiyyat? urban change and politics in Egypt. Environment and Urbanization 12(2):185– 189.
Carr, Sara. 2011. Informal settlement dwellers evicted despite housing prom-ises. Al-Masry al-Youm, July 31.
Charbel, Jano. 2012. Street vendors forming union to combat state crack-down. Al-Masry al-Youm, December 9.
Chatterjee, Partha. 2006. The politics of the governed. New York: Columbia University Press.
Dale, Tom. 2012. Cairo’s central slum under threat. Al-Masry al-Youm, July 5. De Soto, Hernando. 2002. The other path. New York: Basic.
———. 2011. The free market secret of the Arab revolutions. Financial Times, November 8.
———. 2013. Poor people also have the right to buy and sell. Public lec-ture at the Royal Society for Encouragement of Arts, Manufacturing and Commerce, London, March 21.
El-Dahshan, Mohamed. 2010. Developing world’s megacities struggle to consume water. Al-Masry al-Youm, September 12.
Fahim, Kareem. 2012. In Cairo crisis, the poor find dashed hopes. New York Times, December 13.
Gamal, Wael. 2012. Blackouts in Egypt are also politics. Al-Ahram Weekly, July 31. Gana, Nouri, ed. 2013. The making of the Tunisian revolution. Edinburgh:
Edinburgh University Press.
Halwa, Omar. 2012a. Out in the dark. Al-Masry al-Youm, August 5.
———. 2012b. Searching for water: residents of Giza protest unstable supply. Al-Masry al-Youm, July 23.
Holston, James. 1999. Spaces of insurgent citizenship. In Cities and citi-zenship. Arjun Appadurai and James Holston, eds. Pp. 37–56. Durham, NC: Duke University Press.
Mason, Paul. 2012. Why it’s kicking off everywhere. London: Verso. Massey, Doreen. 2013. Neoliberalism has hijacked our vocabulary. Guardian,
June 11.
McMurray, David. 2013. The Bouazizi effect in Morocco. Middle East Report Online, February 21, Link.
Portes, Alejandro, Manuel Castells, and Lauren Benton, eds. 1989. Informal economy: studies in advanced and less developed countries. Baltimore: Johns Hopkins University.
Semeika, Mohsen. 2010. Opposition stages protests in Matarya over power cuts, bread prices. Al-Masry al-Youm, August 26.
Shadid, Anthony. 2011. Few focus on religion in one Cairo neighborhood.
New York Times, February 15.
Tarbush, Nada. 2012. Cairo 2050: urban dream or modernist delusion?
Journal of International Affairs 65(2):117–186.
Viney, Steven. 2012. Zabaleen sidelined by Morsy’s “Clean Homeland” campaign. Al-Masry al-Youm, August 14.
Wanrooij, Dirk. 2011. The Egyptian uprising: Imbaba. MA thesis, University of Amsterdam.
Worsley, Peter. 1984. The three worlds: culture and world development. Chicago: University of Chicago Press.

الهوامش:
1 بيات 2007.
2 علي مزروعي انظر الرابط
3 ينعكس ذلك في استقبال كتابي "سياسة الشارع: حركة الفقراء في إيران" في إيران. فبد عقد من عدم الانتباه، صدرت طبعة ثانية للنسخة الفارسية غي عام 2012 وأصبحت من الكتب الأكثر مبيعاً لعدة أشهر. برز اهتمام مفاجئ في فهم "الفقراء المهمشون" من خوف عميق أن تمددهم السريع في العشوائيات خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان من شأنه أن يعزز اللوتوقراطية الإسلامية ويقوّض النظام الديمقراطي في إيران.
4 سأوضح هذه النقطة بالتفصيل لاحقاً، وانظر بيات 2000.
5 اعتمدت هذه الوصف من Worsley 1984.
6 إنني ممتن لهاري انغلوند Harri Englund للفت انتباهي إلى الاختلاف بين الرغبة في الحصول على شيء والحق في الحصول على هذا الشيء.
7 المصري اليوم 16 تموز/يوليو 2010.
8 المصري اليوم 3 حزيران/يونيو 2012.
9 تبقى مصر تحت "خط الفقر المائي" المحدّد بألف متر مكعب للفرد سنوياً. كارين بايبر Karen Piper  "الربيع العربي المصري: ثورة عطش" انظر الرابط
10 كمثال عن شاهد عيان مثير للاهتمام، انظر الصحفي ماثيو كاسل Mathew Cassel في موقع الجزيرة، انظر الرابط وانظر Warnooij.
11 ذكره ماسون (2012:15).
12 منظمة العفو الدولية، نحنا لسنا مهملات ص3.
13 إنني ممتن للناشط الثوري علاء عبد الفتاح للفته نظري إلى هذه النقطة في القاهرة، حزيران/يونيو 2013.
14 مقابلة مع رضا وحياة في تونس كانون الثاني/يناير 2013.
15 Al-Maal 11 حزيران/يونيو 2013.
16 المصري اليوم 20 حزيران/يونيو 2013.
17 الأهرام أون لاين، 18 تشرين الثاني 2012.
18 اليوم السابع 17 آذار/مارس 2013.
19 تستند السرديات على روايات شهود عيان وكذلك من وسائط الإعلام المطبوعة التالية (على التوالي): فيتو 16 أيار 2013؛ اليوم السابع 1 آذار/مارس 2013؛ البديل 23 أيار 2013 والأهرام 5 تشرين الأول 2013.
20 اليوم السابع 20 أيار 2013 والمصري اليوم 14 آذار 2013.
21 من مقابلة فيديو من قبل الانتروبولوجية المعمارية أمنية خليل.
22 علي سبيل المثال، منذ عام 2011، كان المصريون يستخدمون أكثر من 3 ملايين مكيف هواء في منازلهم.
23 أوردت التقارير هذه القصص في وسائط الإعلام الرئيسية، بما فيها: اليوم السابع 22 أيار 2013؛ البديل 22 أيار 2013؛ الشروق 23 أيار 2013؛ المصري اليوم 7 حزيران 2013 (بالعربية) والشروق 29 أيار 2013.
24 وهذا ما ذكرته التقارير في المصري اليوم 20 حزيران 2013؛ اليوم السابع 9 شباط 2013.
25 تستند السرديات على تقارير (على التوالي) البديل 10 آذار 2013؛ الأهرام أون لاين 9 كانون الثاني 2013؛ الأهرام 8 آذار 2013؛ البلد 29 أيار 2013؛ مصر الجديد 23 نيسان 2012؛ المصري اليوم 19 أيار 2013؛ الشروق 11 حزيران 2013 و 15 شباط 2013.
26 المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية 2013. كما أفادت وزارة القوى العاملة المصرية أنه خلال عام 2011 نظّم العمال 335 إضراباً (بما فيها 135 اعتصام في القطاع العام و123 في القطاع الخاص) وقدموا 4460 شكوى إلى الوزارة؛ المصري اليوم 17 كانون الثاني 2012.
27 مكتب الرئيس (السابق) مرسي، نُشِر في ملصق ووزع رسمياً، حزيران 2013.
28 المصري اليوم 14 أذار 2012.
29 المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية 9 كاون الأول 2012.
30 وفقاً لأبو بكر الجندي رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كما ذكرت الشروق في 15 آذار 2013.
31 محاضرة فيديو لعمر نجاتي "الجامعة الأميركية في بيروت"، انظر الرابط.
32 مقابلة مع الناشطة فاطمة رمضان، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 9 حزيران 2013.

ترجمة: يسرى مرعي
مترجمة من سوريا، تترجم عن اللغتين الإنجليزية والروسية. تركز في ترجماتها على الدراسات التي ترصد علاقة الحداثة بالعمارة في الشرق الأوسط. إضافة إلى الاهتمام بالدراسات حول الإسلام اليومي والاستشراق.
آصف بيّات

أستاذ الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط بجامعة إيلينوى الأمريكية، قبل الالتحاق بجامعة إلينوي، درَّس بيات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وشغل منصب مدير المعهد الدولي لدراسة الإسلام بالعالم الحديث (ISIM) كما شغل منصب عميد قسم المجتمع والثقافة بالشرق الأوسط الحديث بجامعة ليدن بهولندا. كما شغل مناصب كزائر بجامعات كاليفورنيا وبيركلي وكولومبيا وأوكسفورد وبراون.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top