إعادة النظر في الجوانب العلمانية والدينية للعنف

10 نيسان/أبريل 2017
 
 ترجمة: ناصر ضميرية.
 
 تُرجمت هذه المادة بعد أخذ موافقة الكاتب. وكانت المادة الأساسية قد نشرت في كتاب Rethinking Secularism  الصادر عن منشورات مطبعة جامعة أوكسفورد 2011. ويمكن قراءة المادة باللغة الإنكليزية على الرابط التالي:  humanities.miami.edu
تكمن بعض المواضيع المشتركة وراء العديد من الحركات الدينية المتشددة الجديدة التي برزت في جميع أنحاء العالم في السنوات الأخيرة. بغض النظر عن تقاليدهم الدينية - من الجهاديين الإسلاميين المتشددين إلى الناشطين اليهود المناهضين للعرب، إلى الميليشيات المسيحية في الولايات المتحدة - فإن الناشطين المنخرطين في هذه الحركات هم جزء من مجتمعات تنظر لنفسها على أنها هشة، ضعيفة، وتحت حصار من عالم علماني معادٍ.

هذه الحركات سياسية كما هي ثقافية، وذلك أنها تتشارك بتصور إيديولوجي يقوم على أن الدولة العلمانية هي العدو. لقد فقد مؤيدوا الحركات الدينية المتشددة الإيمان بالقومية العلمانية، واعتبروا الدولة العلمانية وسيط عاجز عن حماية مجتمعاتهم أو توفير القوة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لرعايتهم. من خلال العدد الكبير من المقابلات مع الناشطين السياسيين في جميع أنحاء العالم، وجدت سبباً محرضاً يتكرر بشكل دائم، ليس التطلع إلى هدف سياسي محدد، ولكن الشعور المؤلم بخسارة الهوية والسلطة في العالم الحديث.

هذا الشعور بالخلل الاجتماعي ليس مشكلة دينية، ولكن في الكثير من الحركات المعاصرة ذات النشاط السياسي أصبح الدين إيديولوجيا الاحتجاج[1]. صور ومفاهيم دينية خاصة تم ترتيبها لمقاومة ما يُتصور أنه أعداء للثقافة والهويات التقليدية، أي: الأنظمة العلمانية العالمية وأنصار الدولة القومية العلمانية.

لكن لماذا تم تصوير التوتر الاجتماعي والسياسي في القرن الحادي والعشرين كمواجهة بين الدين والعلمانية؟

هذا سؤال مثير للاهتمام. إحدى الإجابات هي أن هذه المشكلة قد تم خلقها من قبل العلمانية بقدر ما تم خلقها من قبل الدين. أو بكلمات أخرى، قد نتجت من خلال بناء فكرة النظام الاجتماعي العلماني الذي يهمش القيم والممارسات والهويات الدينية، ويخلق بالتالي كبش فداء محتمل للإحباط الاجتماعي والثقافي. عندما يشعر الأفراد بالتهميش، لأي سبب كان، يمكنهم أن يتصوروا أن السبب في ترسيخ أوضاعهم السيئة هو الدولة العلمانية النابذة لهم.

في كل الحالات الأخيرة من النشاط الديني العنيف، شعر المؤيدون الذين اعتنقوا هذه الإيديولوجيات الدينية المتشددة المعادية للدولة بالضيق شخصياً مما يعتبرونه قمع الدولة العلمانية. اعتبروا هذا القمع اعتداء على كرامتهم، وشعروا في النتيجة بالإهانة والعار. إن فشل المجتمع المعاصر – من خلال الاقتصاد والسياسية والثقافة - غالبا ما يتم معايشته بطرق شخصية كإهانة واغتراب، وباعتباره خسارة للذات. الدولة العلمانية هي العدو المتخيل، وأنظمة فاسدة أو غير كفء أو عسكرية تساهم في تصورهم الشيطاني لها. وتصبح أعمال العنف ضد الدولة العلمانية تعبيرات رمزية عن محاولتهم للتمكين وللمطالبة بالنفوذ في الساحة العامة التي ينظر إليها بوصفها عدائية ومهمشة لهم. وبالتالي، فإن هذه الأعمال يجب أن تؤخذ على محمل الجد باعتبارها دعوات لأن يكون لهم دور في عالم يرونه عولمي نابذ لهم.

بالتفكير في الطريقة التي وصف فيها النشطاء الذين قابلتهم دور الدين، فقد وصلت إلى نتيجة مقلقة. ليس الدين هو السبب في الكثير من العنف المرتبط به - وكأن الدين كيان يمكنه أن يفعل أشياء بنفسه - ولكن الطريقة التي ينظر بها النشطاء وخصومهم للدين. المشكلة تكمن على وجه الخصوص في فكرة أن هناك شيئاً ما يسمى «دين» وهو مُستبعَد عن الحياة العامة، و«علمانية» وهي تهيمن على المجال العام. وراء هذه الفكرة هو التمييز بين الأشياء على أساس أنها دينية أو علمانية، وهي عادة الفكر منذ عصر التنوير. هذه الصورة لعالم منقسم إلى شعبتين: ديني وعلماني قد ارتبطت بكل مجتمع تقريباً - اليوم في آسيا والعالم الإسلامي، وكذلك الغرب - وأصبحت مرتبطة بالتوترات الاجتماعية والثقافية التي تنفجر من وقت لآخر بشكل عنف عام. في إحدى مفارقات التاريخ الكبيرة، أصبح البناء السياسي للقومية العلمانية - الذي كان يهدف إلى إحلال السلام والمدنية في الحياة الاجتماعية - في هذه الفترة من الحداثة المتأخرة فكرة خلافية ومصدراً للصراع والنقد.

صعود الدولة العلمانية

ليس من الواضح تماماً كيف حدث هذا التشعب الثنائي المتخيل بين العالم العلماني والعالم الديني. وعادة ما يوصف بأنه اختراع من عصر التنوير الأوروبي، غير أن هناك سوابق. وفقاً لبعض الروايات، تم الترويج للقومية العلمانية في فرنسا وانكلترا في القرن الثالث عشر من أجل دعم سلطة الحكام العلمانيين بعد أن أزيل رجال الدين من السلطة السياسية في وقت سابق من ذلك القرن. في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كان هناك رد فعل ضد الحكومات الوطنية العلمانية المركزية. الموجة العظيمة التالية من العلمنة حدثت في القرن السادس عشر[2]. التحديات التي وجهت لفكرة الحق الإلهي في الحكم في أوروبا تعود على الأقل إلى القرن الثاني عشر، عندما رأى يوحنا من سالزبوري  John of Salisbury، الذي يعتبر أحياناً أول فيلسوف سياسي حديث، أن الحكام يجب أن يكونوا خاضعين لتهمة الخيانة، وأنه يمكن الإطاحة بهم -بالعنف إذا لزم الأمر - إذا انتهكوا الثقة العامة التي منحت لهم. وليام من أوكهام William of Ockham، في القرن الرابع عشر، ناقش بأن «الحاكم العلماني لا يجب أن يخضع للسلطة الروحية»[3]. ولكن على الرغم من هذه الأمثلة السابقة، فإن التعبير الأكثر اكتمالاً عن استقلال ما هو متصور بأنه الدولة العلمانية، هو ما يوجد في التجليات السياسية لرؤية عصر النهضة للنظام الاجتماعي.

دور الدين في فكر التنوير مسألة معقدة[4]. فعلى الرغم من أن جون لوك وجان جاك روسو كانا يتمتعان بحساسية دينية وقبلا بنظام إلهي يجعل من حقوق الإنسان ممكنة، إلا أن هذه الأفكار لم تدعم مباشرة سلطة الكنيسة وكهنوتها المسؤولين. وعلى الرغم من أن جون لوك كان مؤيداً لفكرة «عقلانية» المسيحية reasonableness، إلا أن أفكاره حول أصول المجتمع المدني لم يكن لها واقعياً أي صلة بمجتمعات الكنيسة والمسيحية. ولأن البشر «متساوون ومستقلون» أمام الله، جادل لوك بأن لهم الحق الوحيد في ممارسة سلطة قانون الطبيعة، والطريقة الوحيدة التي يمكن بها حرمان الفرد من حريته هي «بالاتفاق مع الناس الآخرين على الانضمام والتوحد في مجتمع، في سبيل راحتهم، وأمنهم، وإمكانية حياة آمنة لأحدهم مع الآخرين»[5]. ونظريات العقد الاجتماعي عند روسو تتطلب القليل من الالتزام بالمعتقد الديني. ووفقاً لروسو، فإن العقد الاجتماعي هو اعتراف ضمني من قبل الناس بأنهم بحاجة إلى أن يُحكَموا، وهو تعبير عن رغبتهم بالتنازل عن بعض حقوقهم وحرياتهم للدولة مقابل حمايتها الإدارية. وهو مبادلة ما يدعوه روسو «الحرية المدنية» التي تؤمن الأمن والعدالة بـ«الحرية الطبيعية» للشخص[6]. يعني روسو أن الدولة لا تحتاج إلى الكنيسة لمنحها الشرعية الأخلاقية، فإن الشعب هو من يمنحها الشرعية من تلقاء نفسه من خلال الحق الإلهي المتمثل فيهم بشكل مباشر كجزء من النظام الطبيعي المعطى من قبل الله. مفاهيم مفكري عصر النهضة العلمانية المتعلقة بالأمة والدولة كان لها تأثير في وضع الدين - على الأقل دين الكنيسة - خارج الحياة العامة.

لقد كانت كنيسة القرون الوسطى تمتلك «العديد من جوانب الدولة»، كما وصفها أحد المؤرخين، وامتلكت سلطة سياسية أكثر «من معظم منافسيها العلمانيين»[7]. غير أنه بحلول منتصف القرن التاسع عشر، توقفت الكنائس المسيحية عن التأثير كثيراً على السياسة الأوروبية أو الأمريكية. الكنيسة – الصرح المسيحي العظيم في العصور الوسطى، مع كل تنوعها الاجتماعي والسياسي - تم استبدالها بكنائس متعددة: طوائف مختلفة من البروتستانتية، ونسخة غير ذات أثر سياسي إلى حد كبير من الكاثوليكية الرومانية. عملت هذه الكنائس كأندية دينية، وجمعيات تطوعية من أجل التثقيف الروحي للأفراد في أوقات فراغهم، ونادراً ما كانوا مدركين للعالم الاجتماعي والسياسي من حولهم[8].

بشّر التنوير بطريقة جديدة للتفكير في الدين، بتعريف أضيق للمصطلح الذي يضم المؤسسات والمعتقدات التي اعتبرت إشكالية، وفصلهم مفاهيمياً عن بقية الحياة الاجتماعية، والتي كان قد تم تحديدها من خلال مصطلح جديد «العلماني». ما كان يخشاه كثير من الناس في أوروبا في ذلك الوقت هو القوة الاقتصادية والسياسية لرجال الدين، والتعصب المرتبط بالحروب الدينية الرهيبة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وهذا ما كان سيتم السيطرة عليه في مجتمع يكون فيه لـ «الدين» حدود ضمن إطار المجتمع «العلماني».

في الوقت نفسه الذي أصبح فيه الدين في الغرب أقل سياسة، أصبحت القومية العلمانية أكثر دينية. أخذت لبوساً رومانسياً وصورة كارهة للغرباء بشكل ربما كان سيجفل رواد التنوير. الثورة الفرنسية، وهي النموذج لكثير من الحماس القومي الذي تطور في القرن التاسع عشر، غرست الحماسة الدينية في الديمقراطية الثورية. أخذت الثورة مظاهر السلطة الكهنوتية في دين الكنيسة واسبغتها على القادة الديماغوجيين، وبشكل من التقوى الدونية على ما اسمته معبد العقل. وبحسب أليكسيس دي توكفيل، فإن الثورة الفرنسية «تشبه في العديد من الجوانب ثورة دينية»[9]. وأيضاً كان للثورة الأمريكية جانب ديني: فقد تأثر العديد من قادتها بفكرة الربوبية Deism في القرن الثامن عشر، وهو دين العلوم وقوانين الطبيعية الذي كان «مكرساً لكشف دين [الكنيسة] على ضوء المعرفة»[10]. كما هو الحال في فرنسا، طورت القومية الأمريكية سماتها الدينية الخاصة، مزيج من المثل العليا للقومية العلمانية ورموز المسيحية فيما يسمى «دين مدني»[11].

شهد القرن التاسع عشر تحقيق نبوءة توكفيل بأن «الدين الغريب» للقومية العلمانية «مثل الإسلام، سيجتاح العالم كله مع رسله ومحاربيه وشهدائه»[12]. انتشرت العلمانية في جميع أنحاء العالم مع ما يشبه الحماس التبشيري، وتم شحنها إلى المناطق المستعمرة حديثاً في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كجزء من الحمولة الإيديولوجية للاستعمار. لقد أصبحت الشريك الإيديولوجي لما أصبح يعرف باسم «بناء الأمة». وبما أن الحكومات الإستعمارية قدمت لمستعمراتها البنى التحتية السياسية والاقتصادية لتحويل الأراضي إلى دول قومية، ظهرت إيديولوجيا القومية العلمانية كمنتج ثانوي إضافي مفروض. وكما كان الحال في الغرب خلال القرون السابقة، جاءت القومية العلمانية في البلدان المستعمَرة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين لتمثل جانباً واحداً من اللقاء الكبير بين طريقتين مختلفتين جداً في إدراك النظام الاجتماعي السياسي، وعلاقة الفرد بالدولة، إحداهما متأثرة بالدين والأخرى بفكرة ميثاق علماني.

حدث هذا اللقاء في الغرب، وكذلك التحولات الإيديولوجية والاقتصادية والسياسية التي رافقته على مدى سنوات عديدة، ولم يتم تعقيدها من خلال تدخل تحكم خارجي على شكل استعمار تقليدي أو جديد. غير أن الأمم الجديدة في القرنين العشرين والحادي والعشرين اضطرت لمواجهة نفس التحديات في فترة قصيرة من الزمن، وفي الوقت ذاته كان عليها أن تكافح ضد الأشكال الجديدة للقوى السياسة التي فُرضت عليها بوصفها منتجات إضافية للحكم الاستعماري. وكما هو الحال في الغرب، فإن التحدي الذي واجهوه كان جوهرياً، فقد كان ينطوي على لقاء بين الرؤية الدينية القديمة وبين رؤية جديدة تشكلت من قبل القومية العلمانية.

عندما استعمر الأوروبيون بقية العالم، كانوا في كثير من الأحيان معززين بالرغبة في جعل بقية العالم مثلهم[13].  حتى عندما أصبحت الإمبراطوريات مرهقة اقتصادياً، يبدو أن البعثات الثقافية كانت تبرر هذا الجهد. إلتزام المسؤولين الاستعماريين برؤية قومية علمانية يفسر لماذا كانوا في كثير من الأحيان معادين للمرسلين المسيحيين الذين كانوا يتبعونهم مباشرة، فقد كان المبشرون منافسين للمستعمرين الليبراليين. بشكل عام، كانت الإيديولوجيا الدينية القديمة للكنيسة تشكل تهديداً للإيديولوجيا العلمانية الجديدة التي كان معظم الحكام الاستعماريين يرغبون في تقديمها كميزة من سمات الغرب[14].

عندما تراجعت القوى الاستعمارية في منتصف القرن العشرين فإنها تركت وراءها الحدود الجغرافية التي رسمتها، والمؤسسات السياسية التي شكلتها. واستمرت حدود معظم دول العالم الثالث، التي أنشئت بوصفها وحدات إدارية في الإمبراطوريات العثمانية، وهابسبورغ، والامبراطوريات الفرنسية والبريطانية، في البقاء على قيد الحياة بعد الاستقلال، حتى وإن فشلوا في اتباع التقسيمات الطبيعية بين المجتمعات الإثنية واللغوية. وبحلول منتصف القرن العشرين، بدا وكأن الأهداف الثقافية للعصر الاستعماري قد تم تحقيقها، فعلى الرغم من تمزق العلاقات السياسية، فقد احتفظت الدول الجديدة بجميع الأنظمة من البلدان الغربية.

الإمبراطورية الكبيرة الوحيدة التي ظلت عملياً غير متأثرة حتى عام 1990 كان الاتحاد السوفيتي. والذي استند إلى رؤية مختلفة للنظام السياسي، إذ كان من المفترض أن تحل الاشتراكية العالمية محل شبكة من الدول الرأسمالية. ومع ذلك، فإن العديد من دول الاتحاد السوفيتي كان تنظر لنفسها على أنها لا تشكل وحدات متكاملة في عالم دولي جديد، كانوا كمستعمرات في نسخة روسية علمانية من الإمبريالية. وقد أصبح هذا الواقع واضحاً بشكل كبير بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ومجال نفوذه في أوائل التسعينيات، عندما برزت إلى المقدمة الولاءات العرقية والوطنية القديمة.

العصر الذهبي للقومية العلمانية، 1945-1990

في منتصف القرن العشرين، عندما أخذت العديد من المستعمرات في العالم النامي الاستقلال السياسي، غالباً ما كتب الأوربيون والأمريكيون بما يشبه الحماس الديني حول ما اعتبروه حرية الدول الجديدة، وقصدوا بذلك انتشار القومية في جميع أنحاء العالم. ودائماً يقصدون القومية العلمانية: الأمم الجديدة التي استثارت ولاءات مصوغة بشكل كامل من الإحساس بالمواطنة المستندة إلى الأرض. واستندت هذه الولاءات القومية العلمانية إلى فكرة أن شرعية الدولة متجذرة في إرادة الناس في منطقة جغرافية معينة ومنفصلة عن أي وازع ديني[15].

في منتصف القرن العشرين، كان وصول العالم الجديد إلى القومية العلمانية مبرراً بما كان عليه، وما لم يكن عليه. لقد نأى بنفسه خاصة عن الهويات العرقية والدينية القديمة التي جعلت الدول محدودة وميالة للنزاع في الماضي. وكان الاستثناء الرئيسي هو إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948 كملجأ آمن لليهود، ولكن حتى في هذه الحالة، كان الدستور الوطني علماني بشكل ثابت، والجنسية الإسرائيلية كانت متاحة للناس من جميع الخلفيات الدينية، ليس فقط اليهود ولكن أيضا المسيحيين والمسلمين. وبصفة عامة، رأى العلماء في منتصف القرن العشرين انتشار القومية العلمانية في ضوء أمل أشبه بالرؤى الدينية الأخروية (أي المتعلقة بنهاية العالم والحياة الأخرى eschatological)، لقد كانوا يبشرون بمستقبل جديد. وهذا يعني، في جوهره، ظهور نماذج أمريكية مصغرة في جميع أنحاء العالم.

استقبل العلماء الأوروبيون والأمريكيون في منتصف الخمسينات من القرن العشرين عصر الدولة القومية العالمية الجديد بفرح جامح. في ذلك الوقت، يؤكد هانس كوهن بكل جرأة - وهو أشهر مؤرخي القومية في جيله - أن القرن العشرين كان فريداً من نوعه: «إنها المرة الأولى في التاريخ التي قبلت فيها البشرية جمعاء الموقف السياسي نفسه، وهو القومية»[16]. وبحسب كوهن فإن للمفهوم أصوله في العصور القديمة. لقد توقعه العبرانيون القدماء، وعبر عنه بشكل تام اليونانيين القدماء. وبشكل غير مفسر، بقي هذا المفهوم مجمّداً لحوالي 2000 سنة، حتى فجأة انطلق بشكل جدي في انجلترا، «الدولة الحديثة الأولى»، خلال القرن السابع عشر[17]. وبحلول وقت كتاباته، في منتصف في القرن العشرين، لاحظ ببهجة أن العالم كله قد استجاب لـ «صحوة القومية والحرية»[18].

ليس فقط الأكاديميون الغربيون، بل أيضاً عدد كبير من القادة الجدد - وخاصة في الدول الناشئة عن الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة - اجتاحتهم رؤية لعالم من الدول العلمانية الحرة والمتساوية. أعطاهم مفهوم القومية العلمانية مبرراً إيديولوجيا لوجودهم، وقدم لهم الناخبون الذين اختاروهم أساساً للسلطة يمكنهم من خلالها القفز إلى مواقع القيادة قبل الشخصيات العرقية والدينية التقليدية. لكن العلمانية كانت أكثر من مجرد قضية سياسية، بل كانت أيضا مسألة هوية شخصية. نوع جديد من الأشخاص برز إلى حيز الوجود: «القومي الهندي» أو «القومي السيلاني» والذي لديه إيمان ثابت بقومية علمانية مطابقة لوطنه. ولعله لم يمثل هذه الروح الجديدة أكثر من جمال عبد الناصر من مصر وجواهر لال نهرو من الهند. وفقا لنهرو، «لا عودة للماضي»، إلى ماضي مليء بالهويات الدينية؛ العلمانية «روح العصر» سوف تنتصر لا محالة في جميع أنحاء العالم[19].


جمال عبد الناصر برفقة جواهر لال نهرو
 
كان هناك تفاؤل مبهج بين أتباع نهرو بعد استقلال الهند، كتب العالم السياسي دونالد سميث: «لقد شعر القوميون الهنود بضرورة التأكيد على أن الهند أمة»، على الرغم من أنه كان يجب التغاضي عن بعض «الحقائق المحرجة»، مثل الولاءات المنقسمة إقليمياً ودينياً[20]. وكان سبب هذا الاضطرار، وفقاً لسميث، هو أن هؤلاء الناس لا يستطيعون التفكير بأنفسهم كأشخاص حداثيين دون هوية وطنية. يقول سميث: «في العالم الحديث، كانت الإنتماء القومي والقومية هما المقدمتان الأساسيتان للحياة السياسية، ويبدو أنه من غير الملائم للهند على الإطلاق أن تكون بدون قومية»[21]. موقف مماثل ساد في الكثير من الدول الجديدة الأخرى، على الأقل في البداية.

ويبدو أن قادة مجتمعات الأقليات الدينية -مثل التاميل الهندوس في سيلان والمسيحيين الأقباط في مصر – كانوا حريصين بشكل خاص على تبني القومية العلمانية، لأن الدولة القومية العلمانية ستضمن أن الحياة العامة للبلد لن يتم السيطرة عليها بشكل كامل من قبل الأغلبية الدينية. في الهند، حيث أصبح حزب المؤتمر هو الحامل الرسمي لرؤية نهرو، كان أنصار الحزب الأكثر إلتزاماً هم مَن على هامش المجتمع الهندوسي - المنبوذين والمسلمين - الذين كان لديهم الخوف الأكبر من تعصب الأغلبية الدينية.
وعلى كل حال، فإن الحملة الرئيسيين لراية القومية العلمانية في هذه البلدان المستقلة حديثاً، لم يكونوا أعضاء في أي جماعة ديني على الإطلاق، على الأقل بالمعنى التقليدي. وإنما كانوا أعضاء من النخبة المتعلمة في المناطق الحضرية. وبالنسبة للكثيرين منهم، فإن تبني شكل علماني من القومية هو وسيلة لتعزيز فرضيتها الرئيسة - التحرر من الهويات الضيقة في الماضي - وبالتالي تجنب العقبات التي تخلقها الولاءات الدينية أمام الأهداف السياسية للبلد. ويترتب على ذلك أن القوى السياسية القائمة على القيم الدينية والمجتمعات التقليدية لا تملك أي سلطة.

وعلى كل حال فالمشكلة كانت في التأكيد على أن القومية في بلادهم علمانية، وكان على القوميين الجدد أن يثقوا بالثقافة العلمانية التي كانت على الأقل مفروضة كأمر مقدس. وهذا يعني، على المستوى الاجتماعي، الإيمان بأن القومية العلمانية يمكن أن تنتصر على ما كانوا يعتقدون بأنه «الدين». ويمكن أيضاً أن يعني جعل القومية العلمانية بذاتها دين أعلى suprareligion، والتي يمكن للمجتمع أن يتطلع إليها وراء أي ولاء ديني مفرد. ففي الهند على سبيل المثال، كانت الهوية السياسية القائمة على أساس الانتماء الديني تسمى عشائرية/طائفية communalism. في نظر نهرو وغيره من القوميين العلمانيين، كان الدين هو المنافس الرئيسي لهدف أعلى من الولاء، للهند العلمانية. وطالب نهرو مواطنيه بالتخلص مما أسماه «النظرة الدينية الضيقة» واعتماد وجهة نظر قومية حديثة[22].

وقد تم تشجيع محاولات القوميين العلمانيين لإعطاء إيديولوجياتهم قوة معادية للدين أو قوة فوق الأديان، ربما عن غير قصد، من قبل مستشاريهم الغربيين. الكلمات المستخدمة لتعريف القومية من قبل القادة السياسيين الغربيين، وعلماء مثل كوهن، تتضمن دائماً ليس فقط أنها علمانية، ولكن أيضا أنها قادرة على المنافسة مع ما يحددونه بأنه دين، وأنها في النهاية تتفوق عليه. يقول كوهن: «القومية [ويعني بها القومية العلمانية] هي حالة ذهنية، حيث يشعر فيها الأفراد بأن ولاءهم الأعلى هو للدولة القومية»[23]. وأكد بجرأة على أن القومية العلمانية استبدلت الدين في نفوذه: «إن فهم القومية وتداعياتها على التاريخ الحديث وعلى عصرنا يبدو أساسياً اليوم، مثلما قد يكون فهم الدين في القرن الثالث عشر في العالم المسيحي»[24].

روبرت إيمرسون في عمله الهام من الإمبراطورية إلى الأمة، كتب بعد ذلك بعدة سنوات، مشاركاً نفس الرؤية المتحمسة للقومية العلمانية التي «تجتاح العالم كله بأسره انطلاقاً من أوروبا»[25]. وعلى كل حال فقد اعترف إيمرسون أنه وعلى الرغم من التجربة الأوروبية، فإن «صعود القومية [مرة أخرى، القومية العلمانية] تزامن مع تراجع في التمسك بالدين»، في أجزاء أخرى من العالم، مثل آسيا، ولكن حيث انتقلت القومية العلمانية إلى هذه المناطق وانتشرت فيها، فإن «المسألة الدينية عادت مرة أخرى إلى الصدارة بشكل أكثر وضوحاً»[26]. ومع ذلك، فقد توقع أن «المسألة الدينية» لن تعوق مرة أخرى تقدم القومية العلمانية، والتي رأى أنها هدية الغرب إلى العالم. وقد لاحظ ايميرسون الإحساس بأن هذه الهدية قد قُدمت جبراً لبعض الدول الجديدة دون طلب منها، ولذا اعترف بأن «صعود القومية بين الشعوب غير الأوروبية كان نتيجة انتشار الحضارة الأوروبية الغربية على وجه الأرض بشكل إمبريالي».

وعلى الرغم من ذلك، فالنتيجة برأيه كانت جديرة بالثناء: «مع الدينامية الثورية ... فقد طعنت الحضارة عناصر الهوية الأساسية للشعوب في كل مكان.. .. التأثير العالمي للغرب حرك الخيوط المشتركة للأنسجة الاجتماعية المتنوعة للبشرية، وحقق انتصاراً استثنائياً»[27].

عندما استخدم كوهن وإيمرسون مصطلح «القومية»، لم يكن باعتبارهما مجرد إيديولوجيا سياسية علمانية وهوية وطنية محايدة دينياً، ولكن أيضاً شكلاً معيناً من النظام السياسي: الدولة القومية الأوروبية والأمريكية الحديثة. وفي مثل هذه المنظومة، يرتبط الأفراد بنظام سياسي ديمقراطي مركزي شامل لا يتأثر بأي انتماءات أخرى، سواء أكانت إثنية أو ثقافية أو دينية. وهذا الترابط ذو طابع عاطفي قائم على تحديد الهوية استناداً لمنطقة جغرافية معينة، والولاء لشعب محدد، وهي هوية تشكل جزءاً من الشعور القومي. من المهم أن يؤخذ هذا البعد العاطفي للقومية بعين الاعتبار، وخاصة عند مقارنة القومية العلمانية مع فكرة عصر التنوير عن الدين. في الثمانينيات، وصف المنظر الاجتماعي أنطوني غيدنز القومية بهذه الطريقة: لا تقتصر على نقل الأفكار و«المعتقدات» حول النظام السياسي فحسب، بل أيضا العنصر «النفسي» و «الرمزي» في العلاقات السياسية والاقتصادية[28]. اعترف علماء مثل كوهن وايميرسون بهذا البعد العاطفي للقومية في وقت مبكر، وشعرا أنه من المناسب أن تتبنى الدولة العلمانية ما وصفه تشارلز تايلور بالحساسية الثقافية للعلمانية، وما يمكن أن يُدعى أيضاً بروح القومية العلمانية[29].

التحدي الديني للدولة العلمانية في القرن الحادي والعشرين

بما أن الدولة القومية الحديثة قد قُدمت للعالم على أنها مؤسسة علمانية، فإن الانتقادات الموجهة إليها غالباً ما أخذت لبوساً دينياً. وفي الفترة المعاصرة أدت «أزمة الشرعية» التي لاحظها يورغن هابرماس في المؤسسات الاجتماعية إلى رفض الافتراضات المتفائلة للسياسة العلمانية[30]. لقد تآكلت شرعية الدولة القومية العلمانية نتيجة عدة عوامل، منها تنامي موجة جديدة من رفض الاستعمار، والقوة البالعة للاقتصاد العولمي ونظم التواصل، إضافة للفساد وعدم كفاءة القادة العلمانيين. في أجزاء كثيرة من العالم، بدأ فشل الدولة العلمانية ينسب إلى العلمانية نفسها. وهذا يستحضر ما وصفه طلال أسد بأنه «المفهوم التوأم»، وهو الفكرة التي نشأت حديثاً عن «الدين»، إلى موقع النفوذ السياسي. في العقود السابقة، نادراً ما لعب القادة التقليديون والمؤسسات الثقافية دوراً سياسياً، وحتى عندما شاركوا، كان المشاركة غالباً نقدية لمواضيع اجتماعية محددة في الدولة، ولم تكن تحدياً لمصداقية النظام السياسي بأكمله[31].

ومن ثم فالسياسة الدينية المعاصرة، هي تطور جديد تماماً. هي تقريباً نتيجة لجدل هجيلي بين ما كان يتصوره معظم مواطني العالم الحديث كإطارين متنافسين للنظام الاجتماعي: القومية العلمانية (المتحالفة مع الدولة القومية) وفكرة التنوير عن الدين (المتحالفة مع مجتمعات عرقية كبيرة، وبعضها عابر للحدود). غالباً ما كانت الصدامات بين الاثنين مدمرة، ولكنهما أيضاً وفرا إمكانات للتوافق. وفي بعض الحالات، ولّدت هذه اللقاءات أطروحة أصبحت فيها الأفكار والمؤسسات الثقافية حلفاء لنوع جديد من الدولة القومية. وفي الوقت نفسه، فإن العلاقات الأخرى مع الاتجاهات السياسية المعاصرة قد أدت إلى رؤية مختلفة: نسخ دينية عابرة للقوميات transnationalism من شأنها أن تحل محل الدولة القومية.

التنافس بين القومية العلمانية والهويات الثقافية ليس ذا أهمية كبيرة في الغرب الحديث، حيث انحسرت فكرة الدين من الناحية المفاهيمية إلى مسألة تقوى شخصية، ومؤسسات دينية، وأفكار لاهوتية. ولكن لها أهميتها في المجتمعات التقليدية في جميع أنحاء العالم، حيث ينظر إلى العناصر الثقافية والأخلاقية من الخيال الديني كجزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والسياسية.

إذن لعله من المفيد التفكير في الدين بمعنيين: بطريقة تفكير عصر التنوير، وبطريقة لا ترتبط بفكرة عصر التنوير عن الدين. الأولى، وجهة نظر التنوير، هي الفكرة الضيقة لمؤسسات دينية ومعتقدات تناقض القيم الاجتماعية العلمانية في الغرب الحديث. والأخرى، وهي وجهة نظر أكثر تقليدية، وتشكل إطاراً أوسع للتفكير والعمل وهي تشمل القيم الأخلاقية، والعادات والتقاليد، والمظاهر الروحية العامة. الثانية، أي النظرة التقليدية «للدين» (أو بالأحرى وجهة النظر الدينية) تشمل الكثير مما يعتبره الغرب العلماني فضائل عامة وقيم حياة اجتماعية هادفة يتقاسمها معظم المواطنين الوقورين والمهتمين في المجتمع.

وهكذا، فإن مصطلح «الدين» المراوغ، يمكن أن يشير بالمعنى الواسع إلى الشعور الأخلاقي تجاه النظام الاجتماعي، والذي يشبه في نواح كثيرة وإلى حد كبير القيم المدنية لأكثر المتحمسين للعلمانية. هذا هو الحال بشكل خاص في العالم غير الغربي. ففي الهند التقليدية، على سبيل المثال، يمكن ترجمة المصطلح الإنكليزي «الدين» على أنه كلمة النظام الأخلاقي (دارما dharma)، وكذلك الأمر بما يتعلق بالاعتقاد (mazhab)، والطائفة (panth)، أو المجتمع (qaum). وإذا كان دارما يشكل أساس المجتمع العادل، فإن الفكر الهندوسي يشبه النظرية السياسية أو الاجتماعية. المفكرون التنويريون الذين كانوا أكثر إصراراً على العلمانية لم يروا الدين بهذه الطريقة. ما رأوه هو هرمية دينية متعجرفة تجعل من الأغلبية مستعبدة للخرافات من أجل تجنب العدالة والعقل. كانوا ينظرون للدين على أنه منافس لقيم التنوير، ولكن الدين كما هو في مفهوم (دارما) يبدو إلى حد كبير مثيلاً لتلك الأرضية الأخلاقية التي كان مفكروا التنوير قادرين على بناء صرح المجتمع العادل على أساسها. وبطرق قد تفاجئهم، قد يكون الدين - على الأقل بمعناه الواسع، كناقل للقيم العامة - والعلمانية كإيديولوجيا اجتماعية، طريقتين للتعبير عن الشيء نفسه.

لأن وظائف الأديان التقليدية والقيم الاجتماعية العلمانية متشابهة لدرجة كبيرة، قد يكون من المفيد تخصيص تصنيف عام يتضمن كلا المصطلحين، أي «جنس» يكون هذا النوع من الدين ومن العلمانية داخلين تحته باعتبارهما «أنواع». لقد أوصى ويلفريد كانتويل سميث بتوسيع فكرة «التقاليد» لتشمل التقاليد الإنسانية الدينية والعلمانية على السواء، واقترح بينديكت أندرسون مفهوم «مجتمعات متخيلة» imagined communities لكل المجتمعات الوطنية، وعرض نينيان سمارت مصطلح «وجهات نظر» worldviews، كمصطلح مشترك للقومية والاشتراكية والدين[32]. في مكان آخر، اقترحت أنا عبارة «إيديولوجيات النظام» ideologies of order، على الرغم من أن المصطلح مشحون بالمعاني المرتبطة به من قبل كارل ماركس وكارل مانهايم، وهناك قدر كبير من الجدل على تفسيره[33]. نشأ مصطلح الإيديولوجيا في أواخر القرن الثامن عشر في سياق صعود القومية العلمانية[34]. مجموعة من الإيديولوجيين الفرنسيين، كما دعوا أنفسهم، سعوا لبناء علم الأفكار استناداً إلى نظريات فرانسيس بيكون، توماس هوبز، جون لوك، ورينيه ديكارت، والذي سيكون برأيهم شاملاً لدرجة كافية ليحل محل الدين، بالمعنى الأوسع، وأن يوفير الثقل الأخلاقي للقيم العامة لمواجهة التجاوزات العنيفة للثورة الفرنسية. وفقاً لأحد هؤلاء الإيديولوجيين، ديستوت دي تريسي، والذي قدم كتابه عناصر الإيديولوجيا مصطلح «إيديولوجيا» للعالم، فإن «المنطق» كان من المفترض أن يكون هو الأساس الوحيد «للعلوم الأخلاقية والسياسية»[35]. الفرنسيون الذي ابتدعوا مصطلح «الإيديولوجيا» سيكونون متفاجئين بالطريقة التي أعيد بها تعريفه، لا سيما في المداولات المعاصرة، حيث غالباً ما يتم التعامل معه على أنه بالتحديد نظام تفسير غير علمي.

من خلال اقتراح «علم الأفكار» كبديل للدين، وضع الإيديولوجيون ما أسموه «الإيديولوجيا» وما نسميه نحن الدين (بالمعنى الواسع) على قدم المساواة. ولعل كليفورد غيرتز، من بين المستخدمين الحديثين للمصطلح، قد اقترب من معناه الأصلي من خلال الحديث عن الإيديولوجيا كـ «نظام ثقافي»[36]. يشمل غيرتز كلاً من الأنظمة الثقافية الدينية والسياسية ضمن هذا الإطار، وكذلك أيضاً العديد من النظم الثقافية التي لا تميز بين الدين والسياسة. فيمكن اعتبار كلاً من الدين والقومية العلمانية أنظمة ثقافية بالمعنى الذي استخدمه غيرتز للكلمة، وبالتالي، كما يستخدمها، فهي إيديولوجيات. أدرك كلاهما العالم بشكل متسق، قابل للإدارة والتحكم، وكلاهما يشير إلى أن هناك معنى أعمق من مظاهر الحياة اليومية، وهذا ما يعطي للأشياء غير المرئية معناها، وكلاهما يقدم سبباً لوجود السلطة التي تمنح النظام الاجتماعي والسياسي. ومن خلال ذلك، فإنهم يحددون للفرد الطريقة الصحيحة للوجود في العالم ويربطون الأشخاص بالكل الاجتماعي.

القومية العلمانية هي صيغة اجتماعية من العلمانية والتي تحدد الفرد في إطار العالم. ففكرة الدولة العلمانية تربط الشخص بمكان محدد وتاريخ معين. وقد جادل عدد من علماء الاجتماع بأن ظاهرة القومية العلمانية ترتبط بالحاجة الفطرية للأفراد للإحساس بالإنتماء لجماعة. وفي الآونة الأخيرة طرح جون ليي أن فكرة «الشعب» – والتي غالبا ما تفسر على أساس عرقي أو ديني - أمر أساسي للفكرة الحديثة حول الأمة[37]. وأشار كارل ديوتسش سابقاً إلى أهمية نُظم التواصل في تعزيز الشعور القومي[38]. وناقش إرنست جيلنر بأن الشبكة السياسية والاقتصادية للدولة القومية لا يمكن أن تعمل إلا بروح القومية القائمة على أساس ثقافة متجانسة، ونمط موحد للتواصل ونظام تعليمي مشترك[39]. وشدد علماء اجتماع آخرون على الجانب النفسي من الهوية الوطنية: الشعور بالأهمية التاريخية الذي يتولد عندما يشعر الأفراد بأن لديهم تاريخ وطني كبير[40].

ولكن وراء هذه المفاهيم عن المجتمع صورة صارمة للنظام الاجتماعي. فالقومية، كما لاحظ ماكس ويبر، تنطوي على الولاء لسلطة تحتكر «الاستخدام الشرعي للقوة المادية» في مجتمع معين[41]. ويصف غيدنز القومية بأنها «الوعي الثقافي للسيادة»، مما يعني ضمناً، ولو بشكل جزئي، وعي الإنسان بكونه خاضعاً لسلطة تعطي القومية قوتها، سلطة لها قوة تقرير الحياة والموت[42]. ومن ثم، فإن القومية العلمانية لا تنطوي فقط على ارتباط بروح النظام الاجتماعي، بل تنطوي أيضا على فعل خضوع لوكيل النظام.

المحاولات العلمية لتعريف الدين تؤكد أيضاً على أهمية التنظيم، على الرغم من أنه في سياق ما بعد التنوير،  حيث تم التعامل مع الدين بالمعنى الضيق، كان النظام هو في المقام الأول مسألة ميتافيزيقية قبل أن يكون مسألة سياسية أو اجتماعية. من خلال توفير شعور بالضبط المفاهيمي لأتباعه، يتعامل الدين غالباً مع مشكلة فوضى قائمة. فالفوضى يتم مقابلتها بنظام إلهي متين وثابت[43]. ورأى غيرتز أن الدين هو الجهد لدمج الواقع اليومي في نمط متماسك على مستوى أعمق[44]. أيضاً وصف روبرت بيلا الدين بأنه محاولة للوصول إلى ما هو أبعد من الظواهر العادية من خلال «مجازفة الإيمان» الذي يسمح للناس بالعمل «في مواجهة عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ» على أساس نظام أعلى من الواقع[45]. هذا الموقف من الإيمان، وفقا لبيتر بيرغر، هو تأكيد للمقدس، الذي يعمل بمثابة مدخل إلى حقيقة أكثر يقينية من هذا العالم[46]. غير أن لويس دوبري يفضل تجنب مصطلح «مقدس»، ولكنه يدمج عناصر من تعاريف بيرغر وبيلا في وصفه للدين على أنه «الالتزام بحقيقة أخرى متعالية»[47]. في جميع هذه الحالات، هناك توتر بين هذا العالم غير الكامل والمضطرب، وبين آخر كامل ومنظم يمكن العثور عليه في حالة أرفع، متعالية، أو خارج إطار الزمن. كان إميل دوركهايم، والذي تشكل أفكاره أساساً لكل هؤلاء المفكرين، حاداً بملاحظة أن الدين لديه قوة شاملة تتجاوز أي ثنائية مقترحة تقوم على المقدسة والمدنس. بالنسبة لدوركهايم، وجهة النظر الدينية تشمل فكرة أن هناك مثل هذه الثنائية، والاعتقاد بأن الجانب المقدس سوف تكون له الكلمة العليا في النهاية[48].

وحتى على المستوى الميتافيزيقي، يمكن للدين، مثل القومية العلمانية، أن يوفر الرابط الأخلاقي والروحي الذي يضم مجتمعات واسعة. أعضاء هذه المجتمعات - العلمانية أو الدينية - يتقاسمون تقاليد ورؤية عالمية معينة، حيث يتم وصف الصراع بين المظهر والحقيقة الأعمق بمصطلحات محددة وذات طابع ثقافي خاص. هذه الحقيقة الأعمق لديها درجة من الدوام والتنظيم لا يمكن الحصول عليها بوسائل عادية. إن الصراع بين مستويين من الواقع هو محور الدين والعلمانية القومية: فلغة كل منهما تحتوي على صور من الفوضى، وأيضاً تنظيم هادئ، يحمل الأمل، حتى وإن بدا غير ذلك فإن النظام سينتصر في نهاية المطاف، وسيتم احتواء الاضطراب. لأن الدين (في كل من معنييه الواسع والضيق) والقومية العلمانية هما إيديولوجيات تنظيم، فهما متنافسين محتملين[49]. إما أن يدّعي كل منهما أنه الضامن للنظام داخل المجتمع، أو أن يدعي أنه السلطة النهائية للنظام الاجتماعي. مثل هذه الادعاءات تحمل معها درجة غير عادية من السلطة، لأنها تتضمن الحق في إعطاء المصادقة الأخلاقية لقرارات تتعلق بالحياة والموت، بما في ذلك الحق في القتل. وعندما تفترض القومية العلمانية أو الدين هذا الدور لذاتها، فإنها تختزل الأخرى لمجرد دور اجتماعي هامشي.

العنف الديني كرد فعل على القومية العلمانية

رفض القومية العلمانية غالباً ما يكون عنيفاً. والسبب في ذلك ليس فقط أن أولئك الذين يتحدون الدولة العلمانية حريصون على فرض مواقفهم من السلطة في الحياة العامة. إنهم أيضاً يتحدون حق الدولة العلمانية في الشرعية من خلال احتكارها لاستخدام العنف للحفاظ على النظام العام. خلق ثنائية «الدين» في مقابل «العلمانية» يوفر الإمكانية لأولئك الذين تم تحديدهم مع هذا النوع من الدين لاستخدام القوة ذاتها التي استخدمتها الدولة العلمانية للحفاظ على نظامها.

وعلى هذا فإن النقد الديني للنزعة القومية العلمانية يتضمن تحدياً لمصدر السلطة الاجتماعية الذي يقوم عليه النظام العلماني العام: السيطرة المطلقة المستندة إلى المبرر الأخلاقي للعنف السياسي. إن تقديم فكرة إيديولوجيا بديلة للنظام العام - فكرة الدين المتخيلة – يعطي الفرد القدرة على أن يكون عنيفاً. في العالم الحديث، أعطيت الدولة العلمانية، والدولة وحدها، السلطة للقتل بشكل شرعي، وإن كان ذلك لأغراض محدودة: الدفاع العسكري، حماية الشرطة، وعقوبة الإعدام. وبعد ذلك فإن كل ما تبقى من سلطة الدولة التي تعمل من خلالها على تأكيد وتشكيل النظام الاجتماعي هي مستمدة من هذه القوة الأساسية. وبحسب ويبر إن احتكار العنف المشروع في المجتمع يكمن وراء جميع الادعاءات الأخرى للسلطة السياسية[50].  من خلال تحدي الدولة، فإن الناشطين الدينيين اليوم، عندما يؤكدون أنفسهم في جميع أنحاء العالم، يستعيدون الحق التقليدي للسلطات الدينية في القول متى يكون العنف أخلاقيا ومتى لا يكون كذلك.


توفر حالات الصراع الاجتماعي سياقات تستدعى فيها السلطة لتقرر ما يتعلق بمسألة فرض عقوبة القتل. ويصدق هذا بشكل خاص في حال الصراعات التي تنطوي على قضايا الهوية والولاء ووحدة المجتمع. وقد تكون الهويات الدينية عاملاً في حركات التعبئة والحركات الانفصالية، وفي إقامة دول جديدة. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ في هذا الصدد أن أشهر الحوادث التي لعبت اللغة الدينية والسلطات الدينية فيها دوراً في العالم المعاصر حدثت في أماكن يصعب فيها تحديد أو قبول فكرة الدولة القومية. في نهاية القرن العشرين، كانت هذه الأماكن تشمل فلسطين والبنجاب وسري لانكا؛ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شملت العراق والصومال ولبنان، تلك المناطق التي تكثر فيها الشكوك حول ما ينبغي أن تكون عليه الدولة وأي عناصر المجتمع التي ينبغي أن تقوده. وفي هذه الحالات، كانت الولاءات الدينية توفر أساساً لإجماع وطني جديد ونوع جديد من القيادة.

وقد وفرت الممارسات والأفكار الثقافية المتعلقة بالإسلام واليهودية والمسيحية بدائل دينية للإيديولوجيا العلمانية كأساس للقومية، كما أن الأمثلة السياسية من تاريخها الديني وفرت موارد للتفكير في الدين الحديث من الناحية السياسية. وهذا ينطبق أيضا على الهندوسية، والسيخية، وربما بشكل مثير للدهشة أيضاً البوذية. ففي تايلاند، على سبيل المثال، يذكر الناشطون السياسيون البوذيون أن الملك يجب أن يكون راهباً قبل أن يتولى السلطة السياسية، ويجب أن يكون «هاجراً للعالم» قبل أن يصبح «فاتحاً للعالم»، كما قال ستانلي تامبيا[51]. أنشأ القادة البورميون اشتراكية بوذية استرشدت بخليط تلفيقي غريب من الأفكار الماركسية والبوذية، وحتى الاحتجاجات ضد هذا النظام في بورما (التي أعيد تسميتها باسم ميانمار) كانت ذات طابع ديني: فقد قاد الرهبان البوذيون العديد من المظاهرات في الشوارع[52]. وهكذا، في معظم المجتمعات الدينية التقليدية، بما في ذلك البوذية، «الدين»، كما يقول دونالد سميث، «يجيب على مسألة الشرعية السياسية»[53]. في الغرب الحديث، الشرعية تم توفيرها من قبل القومية العلمانية. ولكن حتى هناك، في حال تحدي القومية القائمة على الافتراضات العلمانية، فإن المبررات الدينية جاهزة. ربما لا شيء يشير إلى هذه الإمكانية أكثر من استمرار السياسة الدينية في المجتمع الأمريكي، بما في ذلك صعود الميليشيات المسيحية واليمين الديني الأمريكي[54]. التبرير للنظام الاجتماعي يمكن أن يصاغ بمصطلحات علمانية أو دينية، وكلاهما يتطلب إيماناً بالطبيعة الموحدة لمجتمع يمكن أن يصادق على كل من التمرد السياسي والحكم السياسي.

عندما أجريت لقاءات مع رجال الدين السنة في العراق عام 2004 بعد الغزو الأمريكي لبلدهم، قالوا لي إن معارضتهم الاحتلال الأمريكي لأنهم يعتبرون أمريكا عدو للإسلام. ما كان يثير دهشتي في هذه المقارنة هو أنهم كانوا يوازنون بين الإثنين، واعتبروا أن الدولة العلمانية في حالة منافسة مع ما يعتبر ديناً. هذا من شأنه أن يصدم الكثير من مؤيدي القومية العلمانية في القرن العشرين. في الخمسينيات والستينيات، اعتبر علماء مثل كوهن وإيمرسون وقادة قوميين مثل ناصر ونهرو أن القومية العلمانية متفوقة على الدين، وذلك لأنهم اعتقدوا إلى حد كبير أنها مختلفة بشكل قاطع.

ومع ذلك فمن الواضح أن الاعتقاد في القومية العلمانية يتطلب قدراً كبيراً من الإيمان، على الرغم من أن الفكرة لم يتم صياغتها في الخطاب الديني. المصطلحات التي تم تقديمها من خلالها كانت ذات رؤية كبرى مرتبطة بالقيم الروحية. لقد أجريت مقارنات بين القومية العلمانية والدين في وقت مبكر، مع توكفيل[55]. بعد الصعود العالمي للقومية العلمانية في نهاية الحرب العالمية الثانية، لاحظ عدد قليل جداً من العلماء أن هناك تشابها بين الخصائص الإيديولوجية للقومية العلمانية والفكرة الحديثة عن الدين، كلاهما اعتنق «عقيدة المصير» كما لاحظ أحد العلماء[56]. أخذ البعض هذه الطريقة للنظر إلى القومية العلمانية خطوة أبعد من ذلك، كما فعل كاتب في عام 1960 عندما قال بشكل قاطع إن القومية العلمانية «دين»[57]. حدد عالم مقارنة الأديان نينيان سمارت الخصائص التي تجعل الدولة العلمانية تشبه نوعاً معيناً من الدين «دين العصبية»[58]. من خلال استخدام ستة معايير لتحديد المصطلح، خلص إلى أن القومية العلمانية تتفق مع الدين في مجموع الاعتبارات التالية: المعتقد، الخيال الجمعي، الأخلاق، الطقوس، والخبرة، والتنظيم الاجتماعي.

الاختراعان الإثنان للحداثة – القومية العلمانية والدين – كلاهما يخدم الوظيفة الأخلاقية من خلال توفير إطار شامل من النظام الأخلاقي، وهو الإطار الذي يتطلب ولاءً مطلقاً من أولئك الذين يشتركون فيه. وعلى الرغم من أن الافتراض الحديث هو أن القومية هي نظام أخلاقي للحياة العامة والدين للحياة الخاصة، إلا أن كلاً منهما يوفر الوازع الأخلاقي للاستشهاد والعنف. ونتيجة لذلك، فإن الفكرة الحديثة عن الدين هي بناء ثوري محتمل، لأنها يمكن أن توفر مبرراً للعنف الذي من شأنه أن يتحدى سلطة الدولة العلمانية.

على الرغم من أنه قد يكون صحيحاً أن كيانات أخرى، مثل المافيا وكو كلوكس كلان، يستخدمان العنف أيضاً، فإنهما إنما كانا قادرين على القيام بذلك بشكل مقنع لأنهما يعتبران من قبل أتباعهما على أنهما منظمة شبه حكومية فيما يتعلق بالمافيا، وشبه دينية في حركة كوكلوكس كلان. وبما أن الخط الفاصل بين القومية العلمانية والدين كان دائماً دقيق جداً -فيما يتعلق بالأخلاق العامة والخاصة للنظام الأخلاقي الحديث – فقد ظهرا في بعض الأحيان كمتنافسين. كلاهما تعبير عن الإيمان، وكلاهما ينطوي على هوية مع ولاء لمجتمع كبير، وكلاهما يصر على الشرعية الأخلاقية القصوى للسلطة المنخرطة في قيادة ذلك المجتمع.

من خلال ملاحظة بينيديكت أندرسون للسهولة التي تستطيع القومية العلمانية أن تبرر عمليات القتل الجماعي، يجد علاقة قوية بين «التخيل القومي» و «التخيل الديني». إن صعود القومية العلمانية في تاريخ العالم، كما يلاحظ أندرسون، كان امتداداً «للنظم الثقافية الكبيرة التي سبقتها، والتي خرجت للوجود من خلالها، وعلى ضدها»[59]. القومية العلمانية غالباً ما تثر استجابة دينية، وتظهر بشكل متكرر وكأنها نوع من «القومية الثقافية» وفقاً للطريقة التي استخدمها هوارد وريجينز مرة لوصف المشاعر الوطنية السنهالية[60]. إنها ليست فقط شاملة للقيم الثقافية المشتركة للناس داخل الحدود الوطنية القائمة أو المحتملة، ولكنها أيضا تستثر استجابة ثقافية من تلقاء نفسها.

هذا التشابه بين التصورات العلمانية والدينية فيما يتعلق بتنفيذ أعمال العنف العلنية يعزز الفكرة التي أكدها العديد من الناشطين الدينيين في الوقت الحاضر من أنه يمكن للدين أن يقدم تبريراً للسلطة، استناداً على العنف، الذي هو أساس السياسة الحديثة. ولم لا؟ إذا كانت العلمانية، كمفهوم متصور للنظام الاجتماعي، قادرة على توفير الشرعية الإيديولوجية للمجتمعات السياسية الحديثة، فإن وظيفة منح الشرعية يمكن أن تمتد لتشمل توأم مفهوم العلمانية، أي فكرة الدين. وعلى ذلك، فالناشطين الدينيين اليوم حداثيون عن غير قصد، لأنهم يقبلون مفهوم العلمانيين نفسه حول التمييز الأساسي بين العوالم العلمانية والدينية. يعتقد الناشطون الدينيون أنهم ببساطة يستعيدون السلطة السياسية للدولة باسم الدين. وقد يكون هذا تسوية عملية في عالم ما قبل الحداثة حيث تتشابك فيه الحساسيات الدينية مع شعور واسع بالنظام الأخلاقي، ويمكن لنظام سياسي قائم على أساس ديني أن يشمل مجتمعاً متنوعاً وتعددياً.

المفارقة هي أن الفكرة الحديثة للدين هي أضيق بكثير من ذلك، وتتألف من العقائد والمجتمعات التي تم تهميشها من قبل العلمانية، والتي في بعض الحالات تسعى للانتقام. إن فرانكنشتاين الدين الذي خُلق في خيال التنوير قد نمى إلى درجة المطالبة بإنجازات التنوير، الدولة القومية. المأساة هي أن التحدي الذي يواجه النظام العلماني الذي ينبثق من هذا النوع من القومية الدينية يهز أسس السلطة السياسية بطرق غالباً ما تكون حادة وعنيفة.

الهوامش 
[1] See Mark Juergensmeyer, “Is Religion the Problem?” Hedgehog Review 6, no. I (Spring 2004): 21- 33; and Mark Juergensmeyer, Global Rebellion: Religious Challenges to the Secular State (Berkeley: University of California Press, 2008), العديد من الأفكار في هذا البحث ظهرت هناك أولاً.
[2] Joseph Strayer, Medieval Statecraft and the Perspectives of History (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1971), 262- 265.
[3] See Sidney R. Packard, Twelfth-Century Europe: An lnterpretive Essay (Amherst: University of Massachusetts Press, 1 973), 193-201; and Thomas Molnar, “The Medieval Beginnings of Political Secularization,” in George W Carey and James V Schall, eds., Essays on Christianity and Political Philosophy (Lanham, Md.: University Press of America, 1 985), 43.
[4] See, for instance, Jonathan Sheehan “Enlightenment, Religion, and the Enigma of Secularization,” American Historical Review 108, no.4 (October 2003): 1061-1080; and David Sorkin, The Religious Enlightenment: Protestants, Jews, and Catholics from London to Vienna (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 2009).
[5] John Locke, “Of the Beginnings of Political Societies,” The Second Treatise on Government (New York: Cambridge University Press, 1 960), 375.
[6] Jean-Jacques Rousseau, “On the Civil State,” The Social Contract (New York: Pocket, 1967), 23.
[7] Strayer, Medieval Statecraft, 323.
[8] على الرغم من أن الكنائس أيدت عدداً من الإصلاحات العلمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين، إلا أن الدين في الغرب يتواءم إلى حد كبير مع وصف وايتهيد بأنه: "ما يفعله الفرد بمفرده".
Alfred North Whitehead, Religion in the Making, in F S. C. Northrup and Mason W Gross, eds., Alfred North Whitehead: An Anthology (New York: Macmillan, 1961), 472.
[9] Alexis de Tocqueville, The Old Regime and the French Revolution, trans. Stuart Gilbert (New York: Doubleday, Anchor, 1955), 11. See also John McManners, Tile French Revolution and the Church (Westport, Conn.: Greenwood, 1969).
[10] Ernst Cassi rer, The Philosophy of the Enlightenment (Boston: Beacon, 1955), 171.
من بين معتنقي فكرة الربوبية Deism ، توماس جيفرسون، بينجامين فرانكلن، وآباء آخرين من مؤسسي الولايات المتحدة. وهي تعني الإيمان بخالق للكون، غير أنه خلق الكون وتركه لقوانينه دون أي تدخل منه.
[11] Robert Bellah, "Civil Religion in America," Daedalus 96, no. I (Winter 1967), 1- 22.
[12] Tocq ueville, The Old Regime, I 3.
[13]  كان السياسيون الليبراليون داخل الحكومات الاستعمارية أكثر إصراراً من المحافظين على نقل مفاهيم النظام السياسي الغربي. فمثلاً في ذروة السيطرة البريطانية على الهند، كان موقف ويغس Whigs و ويليام غلادستون William Gladstone هو أن حضور البريطانيين كان "لتعزيز التدريب السياسي لزملائنا". مقتبس في: C. G. Matthew, Gladstone, 1809- 1874, vol. I (Oxford: Clarendon, 1986), 188.
فيما شعر المحافظون مثل بنيامين ديسرايلي Benjamin Disraeli بأن على البريطانيين "احترام الممارسات التقليدية للمستعمرات والمحافظة عليها، بما في ذلك القوانين والعادات والممتلكات والدين". من خطاب ألقاه بعد تمرد سيبوي في الهند عام 1857، نقل في: William Monypenny and George Buckle, The Life of Disraeli, 1: 1804- 1859 (London: John Murton, 1929), 1488- 1489.
في النهاية، انتشرت النسخة الليبرالية حتى بين النخبة الهندية المثقفة، وولدت فكرة القومية العلمانية في الهند وفقاً للأسلوب البريطاني.
[14]  على كل حال لم تكن كل البعثات التبشيرية مزدراة، ففي بعض الأحيان كان ينظر إلى الأنجيليكان Anglicans على أنهم شركاء في الدور التحضيري الغربي، بينما كانت البعثات الإنجيلية Evangelical تعتبر أكثر تهديداً.
[15] Anthony Giddens, Tile Nation-State and Violence, vol. 2 of A Contemporary Critique of Historical Materialism (Berke ley: University of California Press, 1985), 2: 4.
حول فكرة القومية والدولة الأمة انظر: Ernest Gellner, Nations and Nationalism (Oxford: Basil Blackwell, I 983); and Craig Calhoun, Nationalisn (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1998).
[16] Hans Kohn, Nationalism: Its Meaning and Histo ry (Princeto n, N.J.: D. Van Nostrand, 1955), 89.
[17] Ibid., 16.
[18] Ibid.
[19] Jawaharlal Nehru, Tاe Discovery of India (New York: John Day, 1946), 531- 532.
[20] Donald Eugene Smith, India as a Secular Srate (Princeton, N. J.: Princeton University Press, I 963), 140.
[21] Ibid., 141.
[22] Nehru, The Discovery of India, 531.
[23] Kohn, Nationalism, 9.
[24] Ibid., 4.
[25] Rupert Emerson, From Empire to Nation: The Rise to Self-Assertion of Asian and African Peoples (Boston: Beacon, 1960), 158.
[26] Ibid.
[27] Ibid., vii.
[28] Giddens, The Nation -State, 2: 21 5-216.
[29] Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2007).
[30] Jürgen Haberrnas, Legitimation Crisis, trans. Thomas McCarthy (Boston: Beacon, 1975).
[31] يصف جيرالد لارسون العلاقة بين الدين والقومية بأنها مضطربة. فعلى الرغم من أن النظام العالمي يستند على الدول القومية التي تحتاج إلى دين لشرعيتها، فإن «تديين» السياسة يمكن أن يتحدى القومية العلمانية ويشكك في الطابع العالمي لنظام الدولة القومية.
Gerald Larson, “Fast Falls the Eventide: India’s Anguish over Religion,” paper presented at a conference on Religion and Nationalism, University of California, Santa Barbara, April 2 1, 1989.
[32] Wilfred Cantwell Smith, The Meaning and End of Religion (New Yo rk: Macmillan, 1962); Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (London: Verso, 1983); Ninian Smart, Wortdviews: Crosscultural Explorations of Human Beliefs (New York: Scribner's, 1983).
[33] See Karl Marx and Friedrich Engels, The German Ideology, ed. R. Pascal (New York: International, 1939); and Karl Mannheim, Ideology and Utopia (New York: Harcourt, Brace & World, 1936). For a discussion of the contemporary meaning of ideology, see David Apter, ed., Ideology and Discontent (New York: Free Press, 1964); and Chaim I. Waxman, ed., The End of Ideology Debate (New York: Simon & Schuster, 1964).
[34] Richard H. Cox, Ideology, Politics, and Political Theory (Belmont, Calif.: Wadsworth, 1969).
[35] Quoted in ibid., 17.
[36] Clifford Geer tz, “Ideology as a Cultural System,” in Apter, ed., Ideology and Discontent.
[37] John Lie, Modern Peoplehood (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2007).
[38] Karl Deutsch, Nationalism and Social Communication (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1966).
[39] Ernest Gellner, Nations and Nationalism (Oxford: Basil Blackwell, 1983), 140.
[40] Anthony D. Smith, Nmionalism in the Twentieth Century (Oxford: Martin Robertson, 1979), 3. See also L. Doob, Patriotism and Nationalism (New Haven, Conn.: Yale University Press, 1964).
[41] Max Weber, “Politics as a Vocation,” in Hans H. Gerth and C. Wright Mills, eds., From Max Weber: Essays in Sociology (New Yo rk: Oxford University Press, 1946), 78. Regarding the state’s monopoly on violence, see John Breuilly, Nationalism and the State (Manchester, U.K.: Manchester University Press, 1982); and Anthony D. Smith, Theories of Nationalism (London: Duckworth, 1971).
[42] Giddens, The Nation-State, 2 19.
[43]  فكرة الدين كآلية مفاهيمية تعمل على تنظيم المناطق غير المنضبطة في الحياة هي موضوع لمفكري البنيوية مثل كلود ليفي شتراوس وماري دوغلاس وأتباع نظرية رينيه جيرار في المحاكاة. حول نظرية المحاكاة، انظر:
Jean-Pier re Dupuy, Ordres et desordres: Enquetes sur nouveau paradigme (Paris: Editions du Seuil, 1982); and Paisley Livingston, ed., Disorder and Order. Proceedings of the Stanford International Symposium (September 14-16, 1981), Stanford Literature Studies 1 (Saratoga, Calif.: Anma Libri, 1984).
[44] يعرف غيرتز الدين بأنه «نظام من الرموز التي تعمل على خلق حوافز وأمزجة قوية، منتشرة، طويلة الأمد في البشر من خلال صياغة مفاهيم النظام العام للوجود ويتم إلباس هذه المفاهيم بهالة من الواقعية بحيث تبدو هذه الأمزجة والدوافع واقعية بشكل فريد».
Clifford Geertz, “Religion as a Cult ural System,” in William A. Lessa and Evon Z. Vogt, eds., Reader in Comparative Religion: An Anthropological Approach, 3d ed. (New York: Harper & Row, 1972), 168.
[45] Robert N. Bellah, “Transcendence in Contemporary Piety,” in Donald R. Cutler, ed., The Religious Situation: 1969 (Bosto n: Beacon, 1969), 907.
[46] Peter Berger, The Heretical lmperative (New York: Doubleday, 1980), 38. See also Peter Berger, The Sacred Canopy: Elements of a Sociological Theory of Religion (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1967).
[47] Louis Dupre, Transcendent Setjhood: The Loss and Rediscovery of the Inner Life (New York: Seabury, 1976), 26. For a discussion of Berger’s and Dupre’s definitions, see Mary Douglas, “The Effects of Modernization on Religious Change,” Daedalus I I I, no. I (Winter I 982): 1- 19.
[48] يصف دوركهايم الثنائية بين المقدس والمدنس على النحو التالي: «في كل تاريخ الفكر الإنساني لا يوجد مثال لفئتين من الأشياء تختلفان اختلافاً عميقاً أو متعارضة وجذرياً مع بعضها البعض... المقدسة والمدنس قد تم إدراكها دائماً وفي كل مكان من قبل العقل البشري كطبقتين منفصلتين، كعالمين لا يوجد شيء مشترك بينهما .. وقد تم إدراك هذه المعارضة في أديان مختلفة، بطرق مختلفة».
Emile Durkheim, The Elementary Forms of the Religious Life, trans. Joseph Ward Swain (London: Allen & Unwin, 1976 [191 5]), 38- 39.
[49] على الرغم من أني استخدم مصطلح «الدين» (كما هو الحال في «الديانة المسيحية»)، فإنني بشكل عام أتفق مع سميث، الذي اقترح منذ بضع سنوات أن اسم «دين» يمكن أن يسبعد من مفرداتنا لأنه ينطوي على بنية مقننة من المعتقدات والممارسات، واقترح أن نقتصر على استخدام صفة «الدينية». Smith, The Meaning and End of Religion, I 19- 153.
[50] Weber, “Politics as a Vocation,” 78.
[51] Stanley J. Tambiah, World Conqueror and World Renouncer: A Study of Buddhism and Polity in Thailand against a Historical Background (Cambridge: Cambridge University Press, 1976). For a useful overview of Theravada society, see Donald K. Swearer, Buddhism and Society in Southeast Asia (Chambersburg, Pa.: Anima, I 981). For the role of monks in Thai politics, see Somboon Suksamran, Buddhism and Politics in Thailand: A Study of Socio-political Change and Political Activism of the Thai Sangha (Singapore: Institute of Southeast Asian Studies, 1982); and Charles F. Keyes, Thailand: Buddhist Kingdom as Modern Nation-State (Boulder, Colo.: Westview, I 987).
[52] For the backgro und of religio us nationalism in Burma (Myanma r), see Donald Eugene Smith, ed., Religion and Politics in Bunna (Princeto n, N.J.: Princeton University Press, 1965); E. Sarkisyanz, Buddhist Backgrounds of the Burmese Revolution (The Hague: Martinus Nijhoff, 1965); a nd Heinz Bechert, “Buddhism and Mass Politics in Burma and Ceylon,” in Dona ld Eugene Smith, ed., Religion and Political Moderni=clfion (New Haven, Conn.: Yale University Press, 1974), 147- 167. For a somewhat opposing point of viewthat there is relative ly little Buddhist influence on Burmese nationalism- see the chapter on Burma in Fred R. von der Mehden, Religion and Nationalism in Southeast Asia: Burma, Indonesia, the Philippines (Madison; University of Wisco nsin Press, 1963); and Fred R. von der Mehden, “Secularization of Buddhist Polities: Burma and Thailand” in Smith, ed., Religion and Political Modernization, 49-66.
[53] Donald Eugene Smith, ed., Religion, Politics, and Social Change in the Third World: A Sourcebook (New York: Free Press, 1971), I I.
[54] See Walter H. Capps, The New Religious Right: Piety, Patriotism, and Politics (Columbia: University of South Carolina Press, 1990); Randall Balmer, Mine Eyes Have Seen the Glory: A Journey into the Evangelical Subculture in America (New York: Oxford
University Press, 1989); and Bruce B. Lawrence, Defenders of God: The Fundamentalist Revolt against the Modern Age (New York: Harper & Row, 1989).
[55] Tocqueville, The Old Regime, II.
[56] Arlie J. Hoover, The Gospel of Nationalism: German Patriotic Preaching from Napoleon to Versailles (Stuttgart Franz Steiner Verlag, 1986), 3.
[57] Carlton J. H. Hayes, Nationalism: A Religion (New York: Macmillan, 1960).
[58] Ninian Smart, “Religion, Myth, and Nationalism,” in Peter H. Merkl and Ninian Smart, eds., Religion and Politics in the Modern World (New York: New York University Press, 1983), 27. For another comparison of nationalism and religion, see Hoover, The Gospel of Nationalism, 3-4.
[59] Anderson, Imagined Communities, 18.
[60] W. Howard Wriggins, Ceylon: Dilemmas of a New Nation (Princeton, N. J.: Princeton University Press, 1960), 169

ناصر ضميرية
باحث في الدراسات الإسلامية. جامعة مكجيل، كندا.
مارك يورغينسماير

أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية، ومدير مركز أورفاليا للدراسات الدولية في جامعة كاليفورنيا. شغل سابقاً منصب رئيس الأكاديمية الأمريكية للدراسات الدينية، ورئيس الفريق المعني بالدين والشؤون الدولية في مجلس بحوث العلوم الاجتماعية.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top