مأساة السنّة في الشرق الأوسط: شمال لبنان من القاعدة إلى داعش

14 آذار/مارس 2017
 

ترجمة: ناصر ضميرية

 تُرجمت هذه المادة بعد أخذ موافقة الكاتب. وكانت المادة الأساسية قد ظهرت باللغة الإنكليزية كمراجعة لكتاب " مأساة السنة في الشرق الأوسط، تأليف برنار روجير، مطبوعات برنستون 2015" في
المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية الاسلامية، مجلد 34، شتاء 2017.

كان شمال لبنان والتضاريس الجبلية الممتدة على الحدود مع سوريا والسهل الساحلي، المتمركز حول مدينة طرابلس وما يقارب 130 ألف من السكان، لفترة طويلة معقلاً للعرب السنة في البلاد، إلى جانب المركز التعليمي القديم والتجمع السكاني الرئيسي في مدينة صيدا بجنوب لبنان. اندلاع الاحتجاجات الشعبية الجماهيرية في الجارة سوريا وتحولها لاحقاً إلى تمرد عسكري ضد حكومة بشار الأسد في ربيع 2011، والانحدار المستمر لهذا البلد نحو العنف المتزايد والحرب الأهلية الطائفية، كان له تأثير عميق على لبنان، ولا سيما في الشمال، لأسباب جغرافية وديموغرافية. أولاً حدود الشمال اللبناني منطقة استراتيجية لوسط غرب سوريا (على سبيل المثال، بلدة القصير)، وتقع مباشرة إلى الجنوب من مدينة طرطوس التي تشكل الميناء السوري الرئيسي. ثانياً: سكان الشمال يتضمنون مجتمعات أقلية كبيرة من المسيحيين والعلويين، وهذه الأخيرة موالية إلى حد كبير من الناحية السياسية لدمشق. هذه العوامل جعلت المناطق الحدودية خطيرة بشكل خاص، ولذا حاول الجيش اللبناني لبعض الوقت الحفاظ على السيطرة على أراضي البلاد، وسعى حزب الله، الحليف الإيراني، للتحكم بتدفق المقاتلين والإمدادات العسكرية إلى سوريا والجماعات السنية المتشددة (على سبيل المثال، داعش وجبهة فتح الشام) التي تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها في لبنان، والذي من خلاله يمكن لها متابعة حملتها ضد الأسد.
 
يعمل برنارد روجير بشكل فريد على الكتابة عن التاريخ المعاصر والمعقد للشبكة السياسية بين الفصائل اللبنانية السنية وخصوصاً صعود النزعات الجهادية القتالية بين بعض أجزائه. الكتاب موضوع المراجعة، مثل كتاب روجيه السابق: الجهاد اليومي: صعود الإسلام المسلح بين الفلسطينيين في لبنان، (والذي صدر عن كامبردج، جامعة هارفرد، عام 2007)، يستند بشكل أساسي على العمل الميداني في لبنان والمقابلات التي بدأت من أوائل الـ 2000، وتنتهي في عام 2014. يقدم العمل لمحة عامة أخاذة ومتميزة عن صعود الجهادية باعتبارها طريقاً قابلاً للحياة نتيجة الإحباط السياسي وللتعبير عن الوسط الأوسع من المنافسة الاجتماعية والسياسية داخل الوسط السني في لبنان والوضع الاقليمي المتغيرة بسرعة.

يحاجج روجيه أن الخلافات السياسية المستمرة والتنافس بين الشخصيات السياسية السنية الرئيسية في البلاد (على سبيل المثال عائلة الحريري)، فضلاً عن تأثير السيطرة السورية على أجزاء كبيرة من لبنان بين عامي 1976 و 2005 وما تلاها من فراغ في السلطة بعد انسحابها، مكّنت من ظهور الجهادية القتالية. وأصبح شمال لبنان مركزا للمنافسة بين الجهات الإقليمية الفاعلة من خلال حلفائها المحليين، وهو ما وضع دمشق وطهران والرياض ضد بعضها البعض، فضلاً عن مجموعة كبيرة من الجهات الفاعلة غير الحكومية كتنظيم القاعدة، المسلحين السنة القريبين منها فكرياً، وحزب الله. القادة السياسيين السنة في لبنان ذوي التاريخ الراسخ، أولاً رفيق الحريري، ومن ثم ابنه وخليفته سعد، واجهوا العداء ليس فقط من حزب الله وحلفاءه المسيحيين والعلمانيين، ولكن أيضا من القوى الناشئة داخل المجتمعات السنية في الشمال، مثل التأثير المتزايد للدعاة السلفيين المحليين والجماعات المسلحة.
 
 
في الوسط / أحمد الأسير الداعية السلفي في شمال لبنان

فتح الشام وغيرها من الجماعات الجهادية السنية الصغيرة العابرة للحدود، شكلت أيضاً تحدياً للمؤسسة السياسية السنية وزادت من زعزعة استقرار الدولة. كل تلك القوى المتنافسة وجدت أرضا خصبة في الشمال، لأن المنطقة، كما يؤكد روجيه، تفتقر لمركز فكري إبداعي وقوي. وبالتالي أصبحت "مكاناً للتهجين" (ص. 10) والذي يتنافس عليه المحليين والأجانب من أجل النفوذ وكذلك من أجل القوة السياسية والعسكرية والسيطرة.
 
تشمل مقابلات روجيه مجموعة متنوعة من الفعاليات اللبنانية والفلسطينية المجتمعية والسياسية، بما في ذلك أعضاء من الأحزاب الفلسطينية (على سبيل المثال، فتح وحماس)، ومسؤولين في الحكومة اللبنانية، ودعاة سلفيين وعلماء دين، وناشطين إسلاميين، وممثلين عن المجتمع العلوي، وفصائل سياسية موالية لحزب الله، ورجال دين داعمين لحزب البعث السوري. وتأسيساً على ما بناه من المجموعة الكبيرة من المقابلات التي أجراها من أجل كتابه السابق الجهاد اليومي، فقد اجتمع في سبيل إعداد هذا الكتاب مع أفراد يتمتعون بنفوذ في مجتمعات معينة ومناطق جغرافية محلية، تماماً كما فعل في أطروحته للدكتوراه وكتابه في عام 2007 في عين الحلوة، وبرج البراجنة، ونهر البارد، وغيرها من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي تقع في جنوب لبنان. وهو يستكمل مقابلاته من خلال المصادر الأولية المطبوعة فضلاً عن الأدبيات الثانوية ذات الصلة.

يفتتح الفصل الأول بمناقشة التاريخ الحديث للمنطقة، منذ كونه جزءً من سوريا الكبرى التي أعطتها فرنسا إلى الدولة اللبنانية الجديدة خلال فترة الانتداب (1923-1948) إلى منطقة ما بعد الحرب الأهلية التي لا تزال تعاني التفشي المتكررة للعنف داخل الأحزاب وبين الطوائف. ما بين الاستعمار ونهاية الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، انتقل الشمال من الهيمنة السياسية من قبل الأسر الإقليمية السنية البارزة إلى سيطرة مجموعة من المليشيات المسلحة، والتي قمعها الجيش السوري في منتصف ثمانينات القرن الماضي. وشهدت هذه الفترة أيضا تشكيل مجالات مختلفة للسلطة بين المسؤولين الحكوميين السنة في لبنان، وقادة الشارع، والشخصيات الدينية المحلية.

الظهور الأول للمتشددين الإسلاميين السنة، والذي يدرسه روجير في الفصل الثاني، ظهر في طرابلس بعد 11 سبتمبر، وكان يهدف في البداية لتلمس التأثيرات "الغربية" في المنطقة للدفاع عن الفكرة المتصورة لدى المسلحين حول التحول المثالي للمجتمع المسلم. وفقاً لوثائق حصل عليها روجير، فإن القاعدة أصبحت خلال هذه الفترة على تواصل مع المتشددين السلفيين اللبنانيين الذين يريدون مهاجمة المصالح التجارية الغربية في البلاد، وذلك من خلال ناشط يمني يدعى ابن الشهيد، والذي كان من الفارين من الغزو الأمريكي لأفغانستان. الأصوات السنية الأكثر تطرفاً وأصولية اكتسبت سطوة أكثر، وذلك ناتج جزئياً عن ضعف السياسيين السنة وفشلهم في إنشاء طابع مؤسسي لقيادتهم لسنة البلاد باعتبارهم كتلة واحدة.

انسحاب قوات الجيش والمخابرات السورية في عام 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري، وما تلاها من موجات المظاهرات المناهضة لسوريا، غيّرت بشكل ملحوظ الديناميكيات السياسية في المنطقة، وخاصة تلك المتعلقة بطرابلس، والتي يعالجها روجير في في الفصلين الثالث والرابع. بعد أن تحرروا من المضايقات والتهديدات السورية أنشأ النشطاء السلفيين اللبنانيين شبكة شعبية مناهضة للأسد. ورداً على التهديد المتزايد للإسلام السني المسلح في شمال لبنان والمناهض لسوريا، سعت دمشق من خلال استخدام أجهزة مخابراتها والموارد اللازمة لإعادة توجيه بعض الجماعات الجهادية الناشئة إلى الداخل اللبناني. فعلت ذلك من خلال الدخول في "اتفاقات" غير رسمية ضمنية مع الجماعات الجهادية العاملة في العراق، بما في ذلك تنظيم أبو مصعب الزرقاوي والذي تحول في نهاية المطاف إلى تنظيم الدولة، وذلك من خلال السماح لهم باستخدام سوريا كملاذ وقاعدة يمكن لهم من خلالها جمع التبرعات، وتوجيه المجندين، وتجديد نفسها. في المقابل، فإنها لن تستهدف مصالح الحكومة السورية في البلاد. وقد شنت القوات السورية ضربات قوية بشكل دوري على الجهاديين في البلاد عندما كانت تشتبه بأنهم يخططون لشن هجمات على أهداف أمريكية أو أوروبية من داخل سوريا.

يمكن القول بأن روجير يقدم أحد أكثر الروايات تفصيلاً لتشكيل جماعة فتح الإسلام، وهي جماعة مسلحة صغيرة تمكنت بمساعدة دمشق من السيطرة على مخيم نهر البارد الفلسطيني خارج طرابلس وحاربت الدولة اللبنانية من أواخر مايو إلى أوائل سبتمبر في عام 2007. ويزعم أيضاً أن المجموعة خططت لاغتيال العشرات من الشخصيات المناهضة لسوريا في لبنان. وبناء على مقابلات مع شخصيات رئيسية، يوضح روجير كيف أنه في بدايات التسعينات (1990) أنشأ رجال أعمال سلفيين مناطق نفوذ من خلال توفير بدائل تعليمية أفضل بكثير للاجئين الفلسطينيين الشباب في لبنان. أصبحت السلفية هي "السلطة المعيارية" (ص. 125-126.) من خلال تزويد الشباب الفلسطيني الساخطين بهوية بديلة ورواية ترد وتعارض إنهزامية القومية الفلسطينية، وهي تلك الرواية المتعلقة بالمجد التاريخي وصدارة الديانة الإسلامية. استغلت جماعات مثل فتح الإسلام مشاعر مماثلة في التوظيف الخاصة بها. كما يوثق روجير علاقة فتح الإسلام المثيرة للجدل مع القاعدة بسبب رفض هذه الأخيرة لعدد من خصائص فتح الإسلام وقراراتها الاستراتيجية.

حدث المزيد من الضرر للسلطة التي يطالب بها سعد الحريري وزملائه السياسيين السنة خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية السورية. ففي البداية دعم الحريري، المدعوم من المملكة العربية السعودية، بنشاط المعارضة المناهضة للأسد، وعمل على الحفاظ على قناة مفتوحة من لبنان إلى سوريا، وتحديداً في محافظة حمص، من أجل دعم القوات المتمردة السورية الموجودة هناك. ولكن تم قطع هذه القناة من عام 2013 من قبل مجموعة من دمشق وحزب الله، وحتى قوات الجيش اللبناني التي ضعفت مكانته بين السنة في البلاد. هذا سمح للأصوات السنية المتنافسة، بما فيها المسلحة، الدخول في المعركة والادعاء بأنهم المدافعين الحقيقيين والضمانة لمصالح وأمن السنة في بلاد الشام. ما ساعد بشكل كبير الأصوات السنية الأكثر تشدداً هو تورط حزب الله الموالي لدمشق علناً وزيادة تدخلات طهران العسكرية في سوريا والعراق واليمن.

هذا الكتاب هو إضافة كبيرة للدراسات الأكاديمية المتعلقة بلبنان الحديث، والإسلام السياسي في المشرق العربي وعموم منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، والجهادية السنية. من خلال الجمع بين مقابلات مكثفة مع شخصيات رئيسية في الفصائل العاملة في شمال لبنان مع مصادر رئيسية أولية وثانوية، يوفر روجير تفاصيل موسعة، مع الحفاظ على أسلوب واضح ومفهوم في الكتابة. ويتضمن الكتاب ملاحق مفيدة، بما في ذلك خمس خرائط ومعجم مصطلحات. ولكن ما يعوق ذلك قليلاً، هو غياب قائمة مصادر ومراجع مستقلة، وهو الاتجاه الذي يبدو أن ينمو حتى في كتب المنشورات الأكاديمية، ما يجعل من الصعب على القراء إلقاء نظرة سريعة على قائمة كاملة من المصادر، والمقابلات، والمصادر الأولية المستخدمة. بغض النظر عن هذا الانتقاد الجانبي الثانوي، سيكون للكتاب فائدة كبيرة للأكاديميين وصانعي السياسات والجمهور المهتم.

ناصر ضميرية
باحث في الدراسات الإسلامية. جامعة مكجيل، كندا.
كريستوفر أنزالون

باحث مع برنامج الأمن الدولي في مركز بيلفر للعلوم والسياسات الدولية في كلية كينيدي بجامعة هارفرد.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top