علم الاجتماع يواجه مشكلة ترامب

20 كانون2/يناير 2017
 

ترجمة: عبد الرحمن سراج

يعاني علم الاجتماع من مشكلة "ترامب"، ويعاني من مسألة "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، ومن مشكلة "الشعبوية"، ومن مشكلة "البيض"، ومشكلة "الطبقية"، ومشكلة "الرجل". ماذا يعني كل هذا؟ الحيرة متوقعة؛ لأن علم الاجتماع، ومع الأسف، يعاني من هذه المشاكل في عدة أشكال.

على سبيل المثال، يعاني علم الاجتماع معاناة حقيقية من مشكلتي "ترامب" و"خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي" وذلك لتأثيرهما المباشر عليه، حيث يعتمد علم الاجتماع على تمويل علمي وبحثي عالٍ، وكلا التمويلين يواجهان تهديداً بسبب انتخاب ترامب وانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. ويعاني علم الاجتماع من مشكلة "الشعبوية" من حيث أن الشعبوية تؤكد على سلطة الشعب مقابل سلطة النخبة، بما في ذلك النخبة من "الخبراء"، حيث أن السماح لهؤلاء بالتحدث والتحليل لامتلاكهم شهاداتٍ ضحلة ينقل علماء الاجتماع من مراقبين للمجتمع إلى مكانة مثيرة في الصراع السياسي، حتى أن من الممكن لهم أن يصبحوا خصوماً سياسيين لكثير من الشخوص التي قد نرغب في دراستها. ويعاني علم الاجتماع أيضاً من مشكلة "الذكر، الأبيض، المتميز" لأن كثيراً من الخبراء النخب هم ذكور بيض مميزون، وأثر ذلك أن مواقفهم وآراءهم المميزة أصبحت أمراً معتاداً عليه في الوقت الذي قلَّ فيه الفضول تجاه الآخرين. كان هذا فقط لتسليط الضوء على قليل من اتجاهات هذه المسائل. ورغم أهمية أخذ هذه المسائل بالاعتبار، إلا أنها ليست ما أرغب بالحديث عنه.

كان من المفترض أن يكون علماء الاجتماع في مقدمة المتحدثين عن ترامب وانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، ولكننا لسنا كذلك. إن الطبقة العاملة (البيضاء ضمنياً) تعد موضوعاً سياسياً غير مألوف، فقد كانت محط انتباه اجتماعي علمي لعقود من الزمن بسبب أهميتها السياسية، وأيضًا بسبب إطار النظرية الاجتماعية والماركسية التي أظهرت الطبقة العاملة البيضاء على أنها إما "عميلة التاريخ"، أو أنها الهدف المرجو في التدخلات الاجتماعية وعمليات إعادة التوزيع الاقتصادي. ولكن كما في السياسات عامة، كانت هناك ثورة هوية سياسية في علم الاجتماع بدأت منذ الستينيات وتركزت خاصة في التسعينيات. لقد انتقد العلماء بصورة مقنعة الامتياز العنصري المعياري في علم الاجتماع، وكان عملهم واسع النطاق، كاشفاً، ودامغاً. وقد أدت زيادة الاهتمام في السياسات ما بعد المادية في علم الاجتماع إلى تناقص الاهتمام بالقضايا الاقتصادية، فبينما نحن ملتفتون إلى العولمة، والمدن العالمية، والنخب الجديدة، والسياسيين الشباب، لا يلتفت إلى هؤلاء الذين يعانون من تدهور اقتصادي وتهميش، وكبار السن، وجغرافيي الاقتصاد القديم سوى الديمغرافيون وعلماء الصحة العامة.

ووفقًا لوجهة نظر معينة، فقد ضخَّم انتخاب ترامب أهمية هذه النقلة في علم الاجتماع؛ حيث أن ميول ترامب الواضحة للعنصرية ومشاعر البغض الواضحة للنساء لم تمنع ملايين الأمريكيين من التصويت له، وخاصة البيض المؤمنين بسيادة العرق الأبيض والنازيون الجدد. لكن الاهتمام بالعرق والجنس له نقائصه أيضاً، فغالباً ما يعمل ذلك في إطار ثقافي يقيِّم العملية السياسية وفقاً لمفاهيم التسامح متعدد الثقافات أكثر من الإدماج الاقتصادي. وقد تزامن هذا الأمر مع نقلة اقتصادية وثقافية جذرية ميزت وأبرزت المناطق المتنوعة، العالمية (الكوزموبوليتية) والثرية حيث يقطن مجموعة من الناس ممن يتمتعون بعقليات متشابهة، والتي صادف أيضاً أنها الأراضي التي يقطنها الكثير من علماء الاجتماع.

وكما أُعِيدَت صياغة السياسة وهيكلتها حول قضايا وتحديات المدن العالمية المتنوعة المترابطة عالمياً، تغيرت أولويات علم الاجتماع أيضًا. عندما أحضر لقاء جمعية علم الاجتماع الأمريكية أجد أنه لا يزال هناك باحثون ممتازون في الاقتصاد السياسي، والعمالة، ومجتمعات الطبقة العاملة، ولكن ليس هناك الكثير منهم. وبالمقابل، فإن عدد الباحثين الدارسين للعرقية وحركات الهوية والذوات العرقية والإثنية، والجنس والنوع، ليس بالقليل. وهذا التركيز التخصصي لم يمنح مساق علم الاجتماع قدرة جيدة لفهم الذين صوتوا لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وأولئك الذين صوتوا لترامب.

ليست المنظمة المؤسسية لعلم الاجتماع الحاجز الوحيد أمام فهم هذه الحركة الاجتماعية. وخوفاً من أن يكون الخيار الأفضل في هذه المرحلة يتمثل في الاستعداد للتغاضي عن الدمار الذي سيسببه مرشحٌ مثل ترامب لغير البيض، والمثليين، يفترض الباحثون على عجل أن أصحاب الياقات الزرقاء (العاملون في الزراعة والأعمال اليدوية) والفقراء البيض هم عنصريون أيديولوجيون. يمكن أن نفهم التعميم، رغم أنه في الغالب خطأ. والفكرة الأكثر إشكالية هي اعتبار الجهود المبذولة لفهم وتحليل هؤلاء الناس مشكلةً أخلاقية بحد ذاتها. يبدو الأمر وكأن الذين صوتوا لترامب قد تواطؤوا أخلاقياً مع أبغض وجهات نظرهم. والعكس صحيح أيضاً، فدراسة أنواع السياسيين الذين يقيّمهم أكاديميو المناطق الحضرية له قيمة أخلاقية منفصلة عن القيمة المعرفية للبحث.

الأمر غريب. فالمنظرون الناقدون والليبراليون كانوا يدرسون الفاشية، والملحدون كانوا يدرسون الإنجيل والحركات الدينية، ودراسة الفقراء البيض اليوم يمكن القول أنه يبدو أمراً ضيق الأفق ورجعياً، إن لم يكن مشكوكاً به أيديولوجياً. هل هذه نظرة مفرطة؟ ممكن، لكنني أعرف أشخاصاً يعملون على مواضيع كهذه ووجهوا بتظاهرات خريجين لأن كتبهم لم تُدِن مواضيعها. وأعرف آخرين اتُّهِموا بالعنصرية لمحاولتهم أن يشرحوا ويفسروا بصراحة أفكار الذين لا يَرِدُ ذكرهم قط في محادثاتنا السياسية. وإنني أعتبر هذا أسوأ تعبير عن التسيس الأصولي لعلم الاجتماع الذي سيُعمينا، أو بالتأكيد قد أعمانا عن ظروف ودوافع الناس الذين كافحوا لاستعادة مكانتهم السياسية.

في لحظات كهذه نحتاج أن نتذكر أن علماء الاجتماع البارزين مثل ماكس فيبر وبيير بورديو لم يقدموا ببساطة لنا منهجية محددة في الإصرار على "الفهم" أو الحاجة إلى أن "نربح" حقائقنا الاجتماعية. لقد كان كلاهما متنبهاً إلى أن علم الاجتماع والأكاديميا حملا معهما ظروفاً أنتجت ميولاً وتوجهات وتحيزات ونقاطاً عمياء مُعرفة بشكل طاغٍ من قِبَل منظمة فكرية ومؤسسية لمساق علم الاجتماع.

ولهذا السبب فإن "فهم" المعنى لدى فيبر ليس مجرد خط إرشادي، وإنما هو التزامٌ أخلاقيٌّ وُجِد ليوجه علماء الاجتماع للانتقال إلى ما بعد توجهاتهم المُوَجّهة اجتماعياً. يخبرنا بورديو، مقبتساً من باتشيلارد، أن تحقيق "فاصلٍ معرفي" وفقًا لتوجهاتنا وافتراضاتنا وميولنا هو خطوة ضرورية في فهم ما نرغب بتحليله. إن هذا التنبه للآخرين لا يعتبر تواطؤاً أخلاقيا، ولكنه أداة مهمة للفهم الاجتماعي ولكسب الحقائق الاجتماعية، خاصة عندما نجد أن مواضيعنا مختلفة أو غير مقبولة. وتحقيق الفكرة التي أوجدها ريتشارد سينيت وجوناثان كوب في" الجروح الخفية من الدرجة الأولى"، أو التي حققتها ليزا ماكنزي في "الاقتراب"، أو التي حققها آرلي راسل هوش تشايلد في "غرباء في أرضهم"، يوجِدُ عملاً نشطاً ووعياً ثابتاً في موضوعية افتراضاتنا وتوجهاتنا وأذواقنا ومواقفنا تتدخل عنوة في عملنا. مجرد "الرصد" ليس قادراً على إيصال هذه الأفكار، ولذلك سنحتاج للاعتماد بشكل كبير على هذه الممارسات والعادات لنتقدم، وسنحتاج إلى التزام جماعي بقيمة الفهم والاستيعاب كأداة للتفسير الاجتماعي والتحليل إذا أردنا التمكن تماماً من التعامل مع لحظة سياسية.
 

ترجمة: عبد الرحمن سراج
باحث سوري في العلاقات السورية الأمريكية، حاصل على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة مرمرة التركية، ويتولى حالياً موقع رئيس تحرير موقع ترك برس.
مايكل مكويري

أستاذ مشارك في علم الاجتماع، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top