الأمس لا يموت أبداً: كيف يستمر الإسلام السياسي رغم إخفاقه؟

18 حزيران/يونيو 2018
 
[هذه هي المادة الثالثة من ملف ينشره معهد العالم عن الإسلامويّة بعد الربيع العربيّ، للاطلاع على المادة الأولى هنا، والثانية هنا]
أذكر أنني وبعض الأصدقاء كنا نعبر عن دهشتنا المتكررة كلما اكتشفنا أن أحد الشخصيات المعروفة بالنسبة إلينا مرّت في إحدى مراحلها العمرية بتجربة انتماء بدرجة أو بأخرى إلى إحدى الحركات الإسلامية، حتى صرنا نردد على سبيل المزاح أن الإخوان المسلمين مرحلة ضرورية في حياة كل شاب مصري. لا أعتقد أن الحال يختلف كثيرا في أغلب البلدان العربية، بل إننا نشهد اليوم فزعا فرنسيا محليا من جيل قادم من الجهاديين الفرنسيين[1].

يمكننا القول بثقة أن ظاهرة الإسلام السياسي – لا نقول بعد الحركة أو الأيديولوجية أو الخطاب قبل أن نفحصها هنا – حازت سطوة مثيرة. سطوة لم تقتصر على السياسي فحسب بل شملت الاجتماعي أيضا. لم تقف عند الصعد المحلية العربية، وإنما امتدت على صعيد كوكبي، بحيث شكّل الإسلام السياسي موضوعًا أساسيًا للنقاش الغربي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر على الأقل[2].

في تفسير ذلك، تبلورت فرضيات ثلاث في الأدبيات العربية حول صعود الإسلام السياسي[3]. أولاها سياسي، فهو تعبير عن إخفاق الحركة القومية العربية، وربما عن مؤامرة إمبريالية، أو لعبة سلطة لعبها الرئيس المصري محمد أنور السادات لكنها تجاوزته. الثانية اجتماعية، فهو حصيلة تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلدان العربية. والأخيرة ثقافية، فهو قدرنا بسبب العقل العربي أو التراث أو الإسلام نفسه، ولا مشاحاة في الاصطلاح كما يقول علماء الأصول.

تقف تلك القراءات اليوم عند مفارقة تاريخية لم ينفك الإسلام السياسي يصنعها عند منحنياته التاريخية. فبعد ضربة موجعة تلقّاها الإسلاميون في مصر على صعد مختلفة، بدا الإسلام السياسي في الاستحقاقات التالية كأن شيئا لم يكن. ففي 2014، حققت حماس بعد معركتها مع الاحتلال الإسرائيلي تقدما جماهيريا واسعا في فلسطين[4]. كما نجح الإسلاميون في المغرب والأردن والكويت في تحقيق تقدم لا بأس به في الاستحقاقات الانتخابية عام 2016[5]. وشهد العام 2018 عودة النهضة انتخابيا من بوابة البلديات التونسية. حتى في العراق ولبنان، هيمنت التنظيمات الإسلامية وإن عبر نسخته الشيعية.
إننا بحاجة إذن إلى إعادة اكتشاف دينامية الظاهرة. سنبدأ بتحليل اتجاهين أساسيين في تعريف الظاهرة، قبل أن نحاول بلورة نموذج نظري يستوعب الظاهرة ويمكن في إطاره فهم خصائصها ومفارقاتها.
 
الإسلام السياسي: أيديولوجية أم موضة؟

رغم اتفاق دارسي الإسلام السياسي على كون الإسلام السياسي هو ظاهرة أوسع من أن تنحصر في بعدها العقائدي أو النظري، إلا أن عديد الباحثين مالوا في محاولتهم الإمساك بنواة الظاهرة إلى تحديدها عبر المقولات العقائدية التي تميّزت بها؛ أي أن الإسلام السياسي قد تم التعامل معه غالبا باعتباره أيديولوجية بالأساس. نجد ذلك مثلا في محاولة باحث مرموق، هو الفرنسي أوليفييه روا، تعريف الإسلام السياسي في الفصل الثاني من كتابه "تجربة الإسلام السياسي"، حيث تتمركز محاولة روا حول سرد المقولات العقائدية للتيار[6].

كذلك نجد أن قاموس أوكسفورد للإسلام الذي حرّره باحث مرموق أيضا، هو جون إسبوسيتو، يعرّف "الإسلاميين Islamists" بـ "التزامهم بتطبيق رؤيتهم الأيديولوجية للإسلام على الدولة والمجتمع"[7]. تبقى الرؤية الأيديولوجية الدينية إذن هي ما يحدد نواة ظاهرة الإسلام السياسي قبل أي شيء آخر.

انشغل كثير من الأكاديميين العرب المختصين في الفلسفة لذلك بنقد الإسلام السياسي عبر محاولة تفنيد تلك النواة الأيديولوجية. إحدى تلك المحاولات هي لأستاذ الفلسفة الأردني عادل ضاهر الذي يحدد الأطروحات الأساسية للإسلام السياسي في خمس مقولات يرى ضاهر أنها المشتركات بين مختلف حركات الإسلام السياسي[8]:

أولا: النقل ذو أسبقية على العقل،
ثانيا: الإسلام دين ودولة،
ثالثا: لا يمكن للإنسان أن يتدبر شئون دنياه بدون توجيه إلهي،
رابعا: لا اجتهاد في موضع النص،
خامسا: لا تعارض بين قيام دولة إسلامية والديمقراطية في بعض جوانبها.

وإذا كان عادل ضاهر نفسه يبدي تحفظه تجاه نسبة المقولة الأخيرة للإسلاميين، فيمكننا الاكتفاء بالمقولات الأربعة الأولى. ما يلفت النظر هنا هو أن تلك المقولات بأسرها يشاركها كثير من المتدينين، وربما أغلبهم، ممن لا ينتمون إلى الحركات الإسلامية، كما نجدها بحذافيرها مسلما بها من قبل المؤسسات الدينية الرسمية في البلدان العربية، بما في ذلك المقولة الثانية، الأهم، في تعداد ضاهر: الإسلام دين ودولة. ما نريد أن نقوله هو أن تلك النواة الأيديولوجية المفترضة للإسلام السياسي لا يمكنها أن تؤطر الظاهرة.

إن السمة العامة المنسوبة إلى الإسلام السياسي، وهي رؤية أن الإسلام كدين يتضمن بعدا سياسيا، وأن الشريعة الإسلامية يجب تطبيقها، ويمكن عبر تطبيقها حل عديد المشكلات الخاصة بالمجتمعات الإسلامية اليوم، ليست خاصة بحركات الإسلام السياسي مطلقا. يمكننا في هذا الصدد أن نرصد ثلاث جهات تشارك الإسلام السياسي تلك السمة:

أولا هناك الملكيات العربية، على الأقل في السعودية والمغرب، التي قامت بتأسيس شرعيتها بالأصل على الدين الإسلامي وشريعته، حتى وإن قامت بشكل عرضي بين حين وآخر ببتني الانفتاح الاجتماعي على مظاهر الحياة الغربية.

ثانيا، نجد المؤسسات الدينية الرسمية التي كما أشرنا تشارك الإسلام السياسي معظم تلك المقولات. ثالثا، الوطنية الإسلامية التي عملت في سبيل استقلال بلادها كما في التيارات التي تزعمتها شخصيات سياسية وطنية كالزعيم المصري مصطفى كامل والزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي والزعيم المغربي علال الفاسي، وهي شخصيات كانت في عملها السياسي تتبنى منطلقات ومقولات إسلامية صريحة أو ضمنية.

كيف يمكننا إذن التمييز بين تلك الجهات الثلاث (الملكيات الإسلامية، المؤسسات الدينية الرسمية، الإصلاحية الوطنية الإسلامية) وظاهرة الإسلام السياسي؟

تمثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر النموذج الكلاسيكي للإسلام السياسي في الحس العام والأكاديمي كذلك[9]. بصددها، يسجل الباحث المصري شريف يونس الملاحظة نفسها التي نبديها هنا، وهي الغموض الأيديولوجي. فحسبما يروي يونس، كانت المشكلة الجوهرية التي وقعت فيها الجماعة في إطار صدامها مع دولة يوليو عام 1954 "هي غموض علاقتها بالسياسة"[10]، على الرغم من أن الجماعة كانت تشترط لعضويتها أن يخضع العضو لأيديولوجيا الجماعة التي تحيط بكافة جوانب حياته. يقارب يونس تلك الحالة بظاهرة الطائفة أو النقابة الحرفية القديمة التي كان لها طابع عضوي يتجاوز أصلها المهني، بحيث يمارس أعضاؤها طقوسا ويعيشون نمط حياة واحد[11]. لكننا كذلك يمكننا أن نقارب تلك الحالة بمفهوم "الموضة" كما يصفه عالم الاجتماع جورج سيمل[12].

تمثل الموضة نمطا مميزا من الانتظام grouping يقوم على تقليد معين (شكل معين من الملبس مثلا أو الممارسات الطقسية أو القوالب اللفظية) يميز مجموعة اجتماعية معينة، فيمنح الذات من جهة فرديتها عن طريق تمايزها، ويعبر من جهة أخرى عن انتمائه إلى تلك الجماعة. لا يهمنا هنا مدى تطابق تلك المقاربة مع تعريف سيمل، لكنها تفيدنا أكثر في فهم نشأة جماعة الإخوان المسلمين وظاهرة الإسلام السياسي بأسرها. لم يكن الإسلام السياسي في نشأته رؤية أيديولوجية متماسكة بقدر ما كان ردة فعل اجتماعية بالأساس تعبر عن حالة سخط أو عدم ارتياح اجتماعي. كيف نشأت تلك الحالة؟

لم تنشأ تلك الحالة بالأساس ضد الاستعمار وإنما ضد ترتيب مؤسسي ولد من رحمه. هذا هو الفارق الأساسي بين الإسلام السياسي والوطنية الإسلامية. لم يكن ممكنا أن يأتي حسن البنا في مصر الخديوية كما لم يكن ممكنا أن يأتي مصطفى كامل في مصر الملكية. باستقلال مصر عن الدولة العثمانية من جهة، ثم عن بريطانيا العظمى – وإن صوريًا – من جهة أخرى، كان هنالك ترتيب سياسي يتبلور على نسق لا يحرص كثيرا على تأكيد استقلاله عن الغرب، بل ربما يحرص ضد ذلك على تأكيد تبعيته إليه[13]. لقد اجتمع في هذا الترتيب ليس فقط العلمانية والتبعية للغرب، وإنما أيضا الطبقية والاستعلاء على الجماهير. لذا فشل هذا الترتيب في إقناع قطاع واسع من الجماهير سواء على الصعيد الثقافي أو على الصعيد المادي.

كانت العودة إلى الإسلام هي الموضة الاجتماعية المعبرة عن ذلك السخط الآخذ في التبلور. إنها موضة لا تميز الذات الإسلامية عن الذات العلمانية فحسب، إن هذا هو سطح الظاهرة فحسب، لكن أعماقها تشتمل مع ذلك تمييز الذات المستقلة على الذات التابعة، وتمييز الذات الشعبية عن الذات النخبوية، وتمييز الذات المستغَّلة (بفتح الغين) عن الذات المستغِّلة (بكسرها).

يفسر لنا ذلك إلى حد ما نشأة الإسلام السياسي في مصر تحديدا دون سائر البلدان العربية، ثم في باكستان أيضا. في هاتين البلدين كانت هنالك دولة ما بعد استعمارية يواجهها الإسلام السياسي. أما في سائر البلدان العربية، فلم تكن تلك الدولة قد نشأت بعد، أو كانت نشأتها دون قطيعة جذرية مع الماضي (حالة العراق). وهو يفسر أيضا التمايز بين الإسلام السياسي والمؤسسة الدينية الرسمية، فبينما اعترفت الأخيرة بالدولة ما بعد الاستعمارية وباركتها بوصفها دولة شرعية، تمرد الإسلام السياسي على تلك المؤسسة التي لم ير أنها تلبّ مطامحه الدينية، وما وراءها من مطامح شعبية.


الإسلام السياسي كظاهرة خطابية

لقد تأرجح الإسلام السياسي عبر تاريخه بين أن يكون "نتاجا لتناقضات التطور الرأسمالي التي خلقت طبقة وسطى حديثة مأزومة، مرتبطة أخلاقيا بجذورها الريفية وعمليا بعالم المدينة الرأسمالية بصراعاته وتناقضاته"[14]، وبين اللحظة الأيديولوجية التي تبلورت بالأساس في أدبيات سيد قطب في إطار الصدام مع الدولة ما بعد الاستعمارية[15]. كانت اللحظة الأخيرة هي لحظة بحث عن النقاء الأيديولوجي والتماسك، ولا تنشغل بالصدى الشعبي خارج التنظيم. أما اللحظة الأولى، فكانت لحظة شعبية، تعبر عن طبقات شعبية تعادي المؤسسة التي لا تعبر عنها. لم تكن المطالب الديمقراطية للإسلام السياسي مجرد استجابة للضغوط الثقافية التي تفرضها الحداثة الغربية على خطابه الديني، وإنما أيضا تعبيرا عن جذوره الشعبية.

هنا نصل إلى اتجاه مغاير في تعريف الإسلام السياسي لا يتمركز حول نواته العقائدية، وإنما حول إطاره الاجتماعي. فنجد الباحث الفرنسي فرنسوا بورجا يعرف الإسلام السياسي بأنه "اللجوء إلى مفردات الإسلام الذي تقوم به في بداية الأمر الطبقات الاجتماعية التي لم تستفد من مظاهر التحديث الإيجابية والتي تعبر عن مشروع سياسي بديل لسلبيات التطبيق الحرفي للتراث الغربي، وهي بذلك تسمح – عن طريق إيجاد مصالحة بين رموز الثقافة المحلية والثقافة الغربية – بتوظيف العناصر الأساسية فيما يطلق عليه التراث الغربي"[16].

إن هذا الاتجاه إلى التأكيد على الجذر الاجتماعي للإسلام السياسي لا نجده عند بورجا فحسب، بل نجده كذلك عند باحثين بارزين كنزيه الأيوبي[17] وفالح عبد الجبار[18]، إلا أن بورجا يقوم بخطوة أبعد من ذلك. إنه ينقل الإسلام السياسي تماما من لحظته الأيديولوجية، ويجعله ظاهرة خطابية. الإسلام السياسي هنا ليس مذهبا في الإسلام، كما أنه ليس تصورا أيديولوجيا، وإنما هو ممارسة خطابية تلجأ إلى المفردات الإسلامية للتعبير عن مطالب ورؤى اجتماعية بالأساس قبل أن تكون دينية. هنا نعود أيضا إلى مفهوم الموضة. إن الموضة كممارسة اجتماعية هي ممارسة خطابية بوصفها رمزا يحمل دلالة ضمن منظومة خطابية معينة.

الأيديولوجيا والتقليد الخطابي

يطرح طلال أسد مفهوم التقليد الخطابي كمفهوم مركزي في محاولات فهم/دراسة الإسلام. يعني ذلك أن الإسلام هو منظومة خطابية تشكلت وتتشكل عبر التاريخ وتتجسد في مؤسسات وممارسات المجتمعات الإسلامية، لذا فهو لا يحضر كمرجعية نظرية فحسب، بل يسكن الحياة المادية لمن يعيش تلك المجتمعات[19]. نود هنا أن نوسع هذا المفهوم ليشمل كل منظومة خطابية يمكن لمجتمع من المجتمعات أن يعرف ذاته وتاريخه ورؤيته للعالم من خلالها.

يمكن أن يكون التقليد الخطابي إذن هو ثقافة محلية، أو قومية تتجسد حول اللغة أو تاريخ العيش المشترك. يحتاج المطلب الاجتماعي للتعبير عنه أن ينغمس ضمن منظومة خطابية، لا تبرر تلك المنظومة بالضرورة هذا المطلب، لكنها تعطيه بعده الوجودي الذي يخلط بين ما هو برجماتي في هذا المطلب وما هو مبادئي وشعوري ضمن إطار اجتماعي محدد. هكذا، يلعب التقليد الخطابي بالتأكيد دورا ديماجوجيا، لكنه ليس الدور الوحيد ولا الأساسي الذي يحتاج بسببه ما هو اجتماعي إلى الخطابي. ببساطة، يمكن أن يموت الإنسان من أجل دينه أو وطنه أو القيم التي يؤمن بها، لكن من الصعب أن يموت من أجل مطلب مادي يمكنه أن يعيش بأريحية دون تلبيته.

يسجل عزمي بشارة ملاحظة هامة في هذا الصدد بخصوص المقارنة بين الدين وبين الليبرالية والماركسية، فالنظريات الفكرية لا تجيب عن أسئلة المعنى: لماذا الحياة، لماذا الموت، لماذا هذا المصير؟ في حين عنيت الميثولوجيا والدين بالإجابة عنها، وهنا نقطة ضعف الليبرالية والماركسية بالنسبة للإنسان الباحث عن المعنى. أما القومية بحسب بشارة، فرغم نشأتها العلمانية، إلا أنها أخذت من الدين بعض تلك المهام. لا يشير بشارة مع ذلك إلى أن القومية، كما الدين، ليست مجرد فكرة عارضة أو انتماء، وإنما تعبير عن تقليد خطابي ممتد. لكن بشارة يعود فيضيف هنا أيضا ملاحظة تاريخية هامة، هي أن الصراعات الحقيقية للحركات الدينية الأصولية لم تجر بينها وبين اليسار والليبرالية، بل جرت مع الأنظمة والحركات القومية العلمانية لأنها هي القادرة على منافسة الأولى على مستوى الهوية والمعنى[20].

بهذا الصدد أيضا، يلاحظ الكاتب اللبناني عامر محسن نقلا عن الباحث السوري الماركسي محمد سيد رصاص الاستبدال التاريخي الذي حصل للأحزاب الشيوعية العربية عبر حركات قومية وإسلامية منذ الستينات تقريبا. يعلل محسن ورصاص ذلك بأن القوميين كانوا قد استنسخوا "البرنامج الشيوعي"، أو أخذوا عناصره الجذابة، وتركوا شبهة الإلحاد. يكتب محسن بوضوح: " لو أردنا التبسيط والاختصار: الفلاح سيتعاطف مع الشيوعيين لأنهم يعدونه بإصلاح زراعي، وتوزيع الأرض، واشتراكية الدولة؛ فحين يأتي الناصري أو البعثي ويعرض السياسات ذاتها تمامًا، مع أيديولوجيا مستمدة من تراث العربي وقوميته، فلماذا يختار الماركسي على القومي؟ إخلاصا للمادية الجدلية؟"[21] (لنستبدل هنا مفهوم "التقليد الخطابي" محل "أيديولوجيا" في كلام محسن. سنجد حينها أن المعنى متسق تماما مع الإطار المفاهيمي الذي نطرحه هنا).

لا يحمل التقليد الخطابي موقفا محددا تجاه المطلب كما أوضحنا، لكن ذلك لا يعني أن التقليد الخطابي هو تقليد لساني فارغ، فهو يحمل تراكم من الانتماءات والرؤى الكونية التي تعطي المطلب موقعه التاريخي. يختلف التقليد الخطابي عن الأيديولوجية في كون الأخيرة تتمركز حول المطلب الاجتماعي، وتحاول أن تبرره وتفسره وفق معطيات نظرية كونية. يعطي ذلك للأيديولوجيا اتساقها بالتأكيد، لكنها تحتاج لكي تحضر ضمن إطار اجتماعي معين أن تنغمس في تقليده الخطابي.

ربما تكون الماركسية هي الحالة المثلى للأيديولوجية في المخيال الحداثي، ولذلك فهي مثال جيد لذلك. لقد نشأت الماركسية ضمن التقليد الخطابي الذي أسسه التحديث الألماني في تقاطعه مع نظيريه الفرنسي والإنجليزي. حملت الماركسية رغم كل محاولاتها للقطيعة الفرضيات الضمنية لذلك التقليد. يمكننا أن نلمس ذلك مثلا في مقولة ماركس أن نقد الدين هو مقدمة لكل نقد[22].

لم يقم ماركس مع ذلك بممارسة نقد الدين بنفسه، إذ أنه رأى أن تلك المهمة قد أنجزها قبله فيورباخ وآخرزن لا ينتمون إلى فلسفته/أيديولوجيته بالتأكيد، لكنهم ينتمون إلى التقليد الخطابي الذي يفترضه ماركس بوضوح[23]. عندما أرادت الماركسية أن تنتقل إلى أطر اجتماعية لا تنتمي مباشرة إلى ذلك التقليد نفسه، تكوّنت ماركسيات عديدة بتعداد المجتمعات التي انتقلت إليها، فرأيناها تصالح القومية بالأساس التي تمرّدت عليها الماركسية في نسختها التأسيسية.

كانت القومية مهمة قد أنجزت في التقليد الخطابي الذي تنتمي إليه الماركسية ونفت نفسها بتحققها. أما في النمسا، إيطاليا، روسيا والصين مثلا، فقد عادت القومية لتجد محلها. حاول الماركسيون أن يستوعبوا تلك القومية ضمن المقولات الماركسية عن الإمبريالية أو المرحلة البرجوازية الحتمية. يسمي ماركسي عربي أصيل، هو مهدي عامل، ذلك تمييزا ضروريا للعلم الكوني كي يتمكن من أن يعمل[24]. لكن ما حدث في رأيي هو أن التقليد الخطابي الذي تم استيراد الماركسية إليه هو ما هضم الماركسية وحوّلها إلى جزء من تعريفه لذاته، أي أن الماركسية هي ما صار أداة للتقليد الخطابي في صيرورته. أيا كان الطرف الذي استوعب الآخر، الأكيد هو أن الطرفين احتاجا إلى بعضهما كي يعملا.

يمثل الإسلام السياسي محاولة لبلورة مطالب شعبية ضمن تقليد خطابي معين. إنه لذلك محاولة غير أيديولوجية، أو بالأحرى ووفقا لما نفترضه هنا نظريا: إنه حالة ما قبل أيديولوجية. في لحظات معينة، تتبلور أيديولوجيا للإسلام السياسي. اللحظة الأيديولوجية المثلى كما سبق أن أشرنا هي لحظة الصدام بين الإخوان في مصر وبين نظام يوليو التي أفرزت سيد قطب وكتاباته الأيديولوجية بامتياز؛ بالتحديد، كتابه "معالم في الطريق".

لكنه ظل مع ذلك يتجاوز تلك اللحظة ويتأقلم مع المراحل المختلفة، فبدا يساريًا أحيانا، ليبراليًا أخرى، محافظًا أحيانًا راديكاليًا أخرى، ضد إمبريالي عندما يلزم الأمر، وحليفا لأمريكا عندما يحتاج إلى ذلك. يفسر لنا ذلك مرونة الإسلام السياسي كما غوايته الشعبية، امتلاءه بالمعنى كما فراغه الأيديولوجي. لا يحمل الإسلام السياسي موقفا واضحا مثلا تجاه القضايا الاجتماعية، بيد أنه يقدم تصورا كاملا عن الكون يستقيه بالطبع من الإسلام نفسه؛ مفارقة تلك بالطبع.

 
لماذا الإسلام؟

تبقى مفارقة أخيرة. لماذا الإسلام تحديدا وليس المسيحية، لماذا نجد إسلاما سياسيا بينما لا نرى على غرار ذلك مسيحية سياسية؟ ولماذا يتحول الإسلام السياسي إلى ظاهرة عالمية ولا يقف عند حدود البلدان الإسلامية؟

تذيع إجابة محددة يتبناها مؤيدو الإسلام السياسي ونقاده سواء بسواء. إجابة بسيطة تماما: لأن هذا هو الإسلام. يحاجج شادي حميد في كتابه "الاستثنائية الإسلامية" عن فرضية محددة: "أن الإسلام، في الواقع، مميز في علاقته بالسياسية. الإسلام مختلف"[25]. لتلك الفرضية غوايتها بالتأكيد، فمحاولات الهروب من الجوهرانية الثقافية تنسي أصحابها أحيانًا أن هنالك شيئا ما اسمه الإسلام له خصائصه التي تستحق الدراسة؛ غير أن الاختلاف لا يقع فحسب داخل النصوص أو في الماضي البعيد كما يحاول شادي حميد أن يشرح عبر كتابه.

لا يبدو مقنعا مثلا أن الإسلام السياسي موجود اليوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أسس دولة في المدينة، أو لأن القرآن تضمن حدودًا للجرائم الجنائية. إن تلك الخصائص للإسلام كتقليد خطابي هي ذات أهمية بالتأكيد، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير بروز الإسلام السياسي اليوم على الرغم من كل ذلك الثقل الحداثي الذي يرفض بوضوح أي مركزية للدين.

تكمن الإجابة الأكثر مباشرة في التاريخ القريب لا البعيد. لقد عرفت الحداثة في أوروبا المسيحية عندما كانت المسيحية في صف السلطة الرجعية، فكان لا بد للثورة أن تكون علمانية. لم تكن علمانية أوروبا وليدة علمها وفلسفتها فحسب، بل كانت أيضا في جانب منها ضرورة سياسية خطابية. لم يكن الحال في تاريخ الحداثة الإسلامية كذلك. لقد عرف الإسلام الحداثة في حقبتها الاستعمارية؛ عرفها سلطة. لم يلعب الإسلام في هذا الإطار دور السلطة الرجعية، وإنما لعب دور المقاوم قبل أن تنشأ الليبرالية الوطنية.

عندما نشأت الليبرالية الوطنية، فإنها نشأت في السلطة أو بين النخبة أو قريبا منهما، أما شعبيا، فبقي الإسلام في موقع المعارضة، لذا بقي التقليد غالبًا صالحًا لاستيعاب المطالب الشعبية. عندما نشأت الأنظمة القومية، نجح التقليد القومي بالتأكيد في استيعاب قطاعات شعبية عريضة، وانحسر في المقابل الإسلام السياسي إلى حد ما. لكن القومية فشلت لاحقا في مجاراة الإسلام السياسي فضلا عن هزيمته. لم يكن ذلك بسبب هزيمتها العسكرية عام 1967 فحسب، وإنما قبل ذلك، بسبب هزيمتها السياسية بتحوّلها إلى غطاء خطابي للحكم العسكري الدموي في البلدان العربية.

يمكننا هنا أن نصل إلى جدليتين: الأولى، هي أن اغتراب الجماهير عن الدولة يقوي الإسلام السياسي. أما الثانية، فهي أن حضور التقليد في السلطة يعني تراجعه شعبيا حال فشل في استمرار استيعابه للجماهير. لقد اختبرنا تلك الجدلية خلال عام واحد من حضور الإخوان المسلمين في السلطة في مصر، وربما نختبرها قريبا في إيران.

على صعيد عالمي، وبسقوط الاتحاد السوفيتي وهزيمة الماركسية، أضحى الإسلام هو البديل العالمي الأكثر وضوحا وتماسكا للحداثة الغربية. لقد حرص الإسلاميون، وربما يعود ذلك أيضا إلى النص الإسلامي والتقليد الذي تبلور حوله، على تأكيد كونية الإسلام وقدرته على هضم الحضارات المنافسة وتحويلها. لكن الأمر هنا ليس لاختلاف جوهراني بين الإسلام والحداثة بالضرورة، وإن وجد الاختلاف بدرجة أو بأخرى بالتأكيد، بل لأن الأسباب التاريخية قد توفرت أيضًا لذلك:

الكيان الصهيوني، الثورة الإسلامية في إيران، نشأة الإسلام السياسي المعادي لأمريكا متجسدا في تجليه الأعظم: القاعدة، إرث العداء الشرقي للاستعمار وخلفه الأمريكي، تحولات المجتمع الغربي وما أفرزته من ميول ثقافية مختلفة عما كان قائما في حقبة ما بعد الحرب. كان الظرف التاريخي مهيأ ليبرز ذلك الاختلاف الثقافي ويتحول إلى منافسة جادة. هنا، عندما يبحث المغترب الأوروبي أو الأمريكي برغبته في التمرد على الثقافة التي ينتمي إليها فإن البديل الأكثر جهوزية والخيار الحاضر أمامه في المتناول هو الإسلام.

مجمل ختامي

يمكننا أن نعرف الإسلام السياسي في الختام بأنه تسييس شعبي لتقليد خطابي هو الإسلام. يجعل هذا من الإسلام السياسي حالة غير قابلة للتفنيد رغم الإخفاقات التي تتعرض لها تجلياتها. فالفراغ الأيديولوجي للظاهرة يعطيها من المرونة ما يسمح لها بإعادة إنتاج نفسها بما يتوافق مع المرحلة التي تمر بها. وما نحتاجه اليوم بالفعل، هو دراسة التحولات الممكنة لتلك الظاهرة في خطابها وفي حركتها كليهما.

الهوامش:
[1] وليد كاصد الزيدي، الإسلاموية المتطرفة في أوروبا: دراسة حالة الجهاديين الفرنسيين في الشرق الأوسط، المركز الثقافي العربي – الدوحة، 2017.
[2]   Noah Feldman, "Political Islam: Global Warming", NYT, Feb. 6, 2005. Link
[3] برهان غليون، نقد السياسية: الدين والدولة، المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء،  ط4، 2007، ص221.
[4] Hamas Popularity Surges as Palestinian Rivalry Flares, Reuters, Sep 2, 2014. Link
[5] لم تمر الأردن والكويت بمخاض الثورات، خلافا للمغرب وتونس. في المغرب التي حظيت بإصلاح دستوري هام، نجح العدالة والتنمية في انتخابات 2016 رغم أزماته العديدة في حيازة أكثر من نصف مليون صوت زيادة عما حازه في انتخابات 2011. أما تونس، مهد الثورات العربية، فقد نجحت النهضة رغم أزماتها كذلك في العودة عبر الانتخابات البلدية.
[6] أوليفييه روا، تجربة الإسلام السياسي، دار الساقي – بيروت، ص41-52.
[7] The Oxford Dictionary of Islam, John L. Esposito (ed), Oxford: Oxford University Press, 2014.
[8] عادل ضاهر، أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي، دار أمواج – بيروت، ط1، 2001.
[9] أوليفييه روا، المصدر السابق، ص41. و: شادي حميد: الاستثنائية الإسلامية: كيف يعيد الصراع على الإسلام تشكيل العالم، ترجمة: صلاح حيدوري، مراجعة: خالد بن مهدي، مركز نماء للبحوث والدراسات – بيروت، ط1، 2018، ص24.
[10] شريف يونس، سيد قطب والأصولية الإسلامية، دار طيبة للدرسات والنشر – القاهرة، ط1، 1995، ص192.
[11] المصدر السابق. وللمزيد عن نممط الطائفة الحرفية القديمة، راجع: إيميل دور كايم، في تقسيم العمل الاجتماعي، ترجمة: حافظ الجمالي، اللجنة اللبنانية لنشر الروائع – بيروت، 1982، ص9-43.
[12] G. Simmel, Fashion. (The American Journal of Sociology, Vol. 62, No. 6 (May, 1957), 541-558.
[13] تميم البرغوثي، الوطنية الأليفة: الوفد وبناء الدولة الوطنية في ظل الاستعمار، دار الكتب والوثائق القومية – القاهرة، 2007.
[14] سامح نجيب، الإسلام السياسي: رؤية اشتراكية، مركز الدراسات الاشتراكية – القاهرة، 2006.
[15] هي اللحظة التي يقدم شريف يونس أفضل تأريخ تحليلي لها. ويبقى كتاب "معالم في الطريق" بالنسبة للإسلام السياسي في مكوّنه الأيديولوجي بمنزلة "البيان الشيوعي" في الماركسية، كما يبقى تفسير الظلال بمنزلة رأس المال. ونلاحظ هنا أن تلك اللحظة الأيديولوجية نفسها قد تم لاحقا محاولة تحويلها إلى لحظة شعبية أيضا، أي من لحظة تبلور الصراع بكونه حول الحاكمية الإلهية، إلى لحظة تجعله صراعا شعبيا ضد الهيمنة الغربية والرأسمالية. نرى ذلك مثلا في أدبيات الثورة الإيرانية، كما في عمل كلاسيكي كالمانفستو الإسلامي لعلي عزت بيجوفيتش.
[16] فرنسوا بورجا، الإسلام السياسي: صوت الجنوب، ترجمة: د. لورين زكرى، دار العالم الثالث – القاهرة، ط2، 2001، ص71-72.
[17]  Nazih Ayoubi, Political Islam: Religion and Politics in the Arab World, London and New York: Routledge, 2005 (1991).
[18] فالح عبد الجبار، العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ترجمة: أمجد حسين، منشورات الجمل – بيروت – بغداد، 2010.
[19] Ovamir Anjum, "Islam as a Discursive Tradition: Talal Asad & His Interloculators." Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East Volume 27, Number 3, 2007, pp. 656-672.
[20] عزمي بشارة، مقدمة "الجماعات القومية: تاملات في أصل القومية وانتشارها"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة، ط1: بيروت، 2015.
[21] عامر محسن، في مديح القوة، الأخبار اللبنانية، العدد ٣٢٥١ الثلاثاء ١٥ آب ٢٠١٧. الرابط
[22] عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة، ط3: بيروت، 2016، ص282-283.
[23] عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني/المجلد الأول، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة، ط1، 2015، ص297 وما يليها.
[24] مهدي عامل، مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، دار الفارابي – بيروت، ط7، 2013.
[25] شادي حميد، مصدر سابق، ص23.
محمود هدهود

باحث مصري وطبيب، مشتغل بالنظرية السياسيّة وبعلم الاجتماع والحركات في العالم العربيّ.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.