الجهاديون الغربيون: بحث "عقلاني" عن انتماء جديد

12 شباط/فبراير 2018
 
[هذه هي المادّة الثامنة من ملف ينشره موقع "العالم" عن المقاتلين الأجانب في الشرق الأوسط، للمادّة الأولى اضغط هنا، وللثانية هنا، وللثالثة هنا، وللرابعة هنا، وللخامسة هنا، وللسادسة هنا، وللسابعة هنا].
ارتفعت أعداد الجهاديين الغربيين المنضمين للتنظيمات الإسلامية الجهادية بصورة غير مسبوقة بعد بروز تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، في العام ٢٠١٤. في نهاية العام ٢٠١٥، قُدرَ عدد الجهاديين الأجانب الذين يقاتلون في صفوف تنظيم داعش في سوريا والعراق بنحو ٣٠ ألف مقاتل. هكذا، استطاع التنظيم المتطرف، خلال عامين فقط، حشدَ ما يزيد عن مجموع المقاتلين الأجانب الذين ذهبوا للقتال في أفغانستان على امتداد عشر سنوات من الحرب ضد الاتحاد السوفياتيّ. من هؤلاء الجهاديين، هنالك ما يقدر بنحو ستة آلاف مقتال جاءوا من دول أوروبية (١).

تثير هذه المشاركة الواسعة من الجهاديين الذين ولدوا وترعرعوا في الغرب، ومنهم من انتقل حديثاً للإسلام، حيرة الباحثين. اعتاد تنظيم القاعدة الوصول إلى تلك الشريحة من قبل، ولكن قدرة التنظيمات الجهادية على تجنيد هؤلاء ارتفعت بصورة ملحوظة في ظل الصراع السوريّ وبعد نشوء الدولة الإسلاميّة بشكل خاص. يركز هذ المقال على دوافع مشاركة هؤلاء الجهاديين الغربيين بالتحديد. وسوف نستعرض بعض التحليلات التي تطرقت لانضمام الشباب الغربيّ للحركات الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي وللحركات الاجتماعية الراديكالية بصورة عامة.

كما سنستعرض بعض جوانب القصور التي تحيط بتلك التحليلات، وخصوصاً لناحية تصوير المشاركين على أنهم اشخاص "غير عقلانيين" وأسرى لمشاعرهم ولتجاربهم المأساوية والصادمة. وبالمقابل، نقدم تصوراً يستند إلى نظرية "الفاعل العقلاني" في الحركات الاجتماعيّة.

الانضمام للحركات الاجتماعية الراديكاليّة "اللاعقلانية"

ظهر تفسيران رئيسان لتوسع الحركات الاجتماعية الراديكالية، ومنها الحركة الفاشية، في ثلاثينيات القرن الماضي. يركز الأول على الحرمان الاقتصادي، فيما ينظر التفسير الثاني للعزلة الاجتماعية المرتبطة بالحياة في المجتمع الحديث. يجادل التيار الأول بأن الحرمان الاقتصادي -كالفقر والبطالة وعدم المساواة- يخلق إحساساً بالظلم، وهو ما يدفع البعض للمشاركة في حركات سياسية تقدم نفسها كبديل عن النظام الاقتصاديّ-السياسيّ القائم. هكذا، يعزو البعض أسباب ارتفاع قدرة الحركات المتطرفة على تجنيد الشباب وتوسيع صفوفها إلى العوامل الاقتصاديّة.

في كتابه عصر التطرفات، اعتبر المؤرخ إريك هوبزباوم أنّ الكساد الكبير الذي ضرب العالم في العام ١٩٢٩ قد دمّر الليبرالية الاقتصادية والسياسية على حد سواء. أجبرت تلك الازمة الاقتصادية الحادة الحكومات الغربية على اتّباع سياسة الحمائية الاقتصادية ورفع القيود الجمركيّة، وهو ما أوقف زحف اقتصاد السوق الحر لفترة من الزمن. ولكنّ الأزمة الاقتصادية ضربت الحركات الليبرالية التي كانت مهيمنة في ذلك الوقت أيضاً، فتراجعت الأحزاب التقليدية التي كانت صاعدة بقوة في أوروبا واندفعت للواجهة أحزابٌ راديكاليّة ويمينية، ومنها الحركات الفاشية في ألمانيا وإيطاليا. بحسب هوبزباوم، ملأت أفواج العاطلين عن العمل الذين فقدوا إيمانهم بالنظام الاقتصادي والسياسي صفوف الحزب النازي في ألمانيا(2).


وفيما يخص الحركات الجهادية، ذهب البعض لتفسير إرهاب تنظيم القاعدة وقدرته على اجتذاب الشباب بالعوامل الاقتصاديّة. وظهرت أصوات أكاديميّة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتزايد الهجمات الإرهابيّة عبر العالم تطالب باستبدال الحرب على الإرهاب بالحرب على الفقر وبرفع مستويات التعليم لإنهاء ظاهرة الإرهاب(3).

ولكنّ باحثين آخرين تحدوا هذه الفرضية وحاولوا إثبات أنّ إنهاء الفقر ورفع مستويات التعليم لن ينهي بالضرورة ظاهرة الإرهاب. ويجادل الباحثان ألان كروجر وجيتاك ماليكوفا أنّ الترابط بين العامل الاقتصادي والتعليم من جهة، والإرهاب من جهة أخرى، موجودٌ، ولكنه غير مباشر وضعيف ولا يمكن أن يفسر الظاهرة أو يقدم حلاً لإنهائها. ويستند تقديم العامل الاقتصاديّ على نسخ معادلة الترابط، الموجود حقّاً والقوي، بين اعمال الجريمة، الفردية تحديداً، والمستوي الاقتصادي والتعليمي. ولكن اعتبار ظاهرة الإرهاب والانضمام للتنظيمات الجهادية كجزء من النشاط الإجرامي غير دقيق ولا يعكس جوهر الظاهرة. بدلًا من ذلك، يركز الباحثان على العامل السياسي ومشاعر الغضب التي تنتاب المشاركين(4).

بيد أنّ التفسير الاقتصادي يبقى رائجاً في الحديث عن المشاركة الواسعة في صفوف تنظيم الدولة الإسلاميّة. حيث تؤكد بعض الدراسات المستندة لاستطلاعات رأي في فرنسا إلى وجود دعم لتنظيم داعش في البيئات الفقيرة، وخصوصاً بين الشباب في المنازل الشعبيّة ومشاريع الإسكان في ضواحي باريس، حيث يمكن أن نجد مستويات معينة من "التسامح" و"الدعم" لقيم تنظيم داعش، ويشمل ذلك "الأفعال الوحشية التي تنفذ باسمهم". في إسبانيا، أيضاً، "لدى عينة سكانية كبيرة، وجدنا استعداداً ضئيلاً للقتال من أجل الدفاع عن القيم الديمقراطيّة ضد أي هجوم"(5).

لكنّ استعداد البيئة الفقيرة لتبرير عنف داعش شيء، وحقيقة أنّ أعداداً محددة من تلك البيئة تذهب للقتال هو شيء آخر تماماً. بمعنى آخر، ليست صفوف داعش مقتصرة على البيئة الفقيرة والمهمشة من الغربيين الجهاديين، بل هي متنوعة بشدة بحسب العديد من الدراسات أيضاً. ليس هنالك صفات محددة يمكن تعميمها على الجهاديين وخصوصاً بيئاتهم الاجتماعية التي أتوا منها؛ فهنالك من أتى من بيئة مهمشة وفقيرة، وهناك آخرون من بيئات غنيّة. هنالك من لديه تجربة عائلة مفككة وصدمات نفسية وحياة قاسية، وآخرون لديهم حياة رغيدة ومستقرة وخالية من الصدمات. هنالك من حظي بتعليم عالٍ في أرقى الجامعات الغربية ويتكلم عدة لغات، وآخرون حظوا بتعليم متوسط، فيما فضّل البعض ترك التعليم الجامعيّ(6). ساهم التفسير الاقتصادي للتطرف الجهادي بانتشار صورة نمطية عن الفقراء في وسائل الإعلام ولدى الجمهور الغربيّ، وخصوصاً لدى الحديث عن اللاجئين والمهاجرين حيث باتوا يعتبرون مصدرَ تهديد ورعب للمواطنين الغربيين.

العزلة الاجتماعية والحداثة

ركز الدافع الثاني الذي جرى تقديمه لتفسير ظهور الحركات الفاشية وقدرتها على جذب الأعضاء على العزلة الاجتماعية لجماعات محددة من البشر يهيمن عليها سلوك الحياد والجهل السياسيّ واللامبالاة. واستُخدِمَ هذا التفسير، بشكل خاصّ، من قبل حنّة أرندت وإيريك فروم اللذين تحدثا عن "مجتمع الجماهير" و"رجل الجماهير"(mass society and mass man) (7).

تعجز هذه الشريحة عن الانخراط في المنظمات التقليدية التي تحاول تحقيق مجموعة محددة من المصالح الواقعيّة والملموسة كالأحزاب السياسية التقليدية والنقابات المهنية. وتعتبر أرندت أنّ الحركات الفاشية اجتذبت هذه الشريحة المنبوذة من قبل الحركات التقليدية "العقلانيّة". تفتقد هذه الشريحة من الناس للخبرة السياسية، وحتى الاجتماعية، بسبب عزلتهم السياسية والاجتماعية؛ وهو ما يسهل على الأحزاب الراديكالية زرع أيدولوجيّة جديدة تماماَ في عقولهم لا تعتمد على الحجّة العقلانية والإقناع، بل على الإرهاب.

يعزز المجتمع الحديث من أعراض الجهل واللامبالاة بسبب قيم الفردانية والتملك والتركيز على النجاح الفرديّ، بحيث تبدو المشاركة الاجتماعية التي لا تصب في الصالح الفردي المباشر عملاً أحمقَ، وهو ما يثير حالة من النفور والعداء للحياة العامّة.

ويعتبر هذا الأدب أنّ المجتمعات الحديثة مختلفة بصورة جذرية عن المجتمعات ما قبل الصناعية وبأنها فقدت الروابط الاجتماعية. اختفت المجموعات المحلية الصغيرة التي تنظّم شؤونها بنفسها، وظهرت الدولة ومؤسساتها التي تنظم المجتمع عبر مؤسسات عملاقة لا ترتبط بأشخاص. قامت العولمة والتصنيع الضخم في ظل نظام الإنتاج الرأسماليّ بتسليع كل شيء وفق نسخة واحدة، سواء المنتجات أو الأفكار. البشر أيضاً صاروا بمواصفات واحدة كالسلع، وترافق ذلك مع تدمير الروابط التي تربط المجموعات المحليّة ذات الهوية الواضحة. وبذلك فقدت الوحدات الاجتماعية الأصغر أهميتها، مثل العائلة والطبقة والمجتمع المحلي. والنتيجة هي افتقاد البشر إلى انتماء مميز، كما كان الحال في السابق. تقول أرندت إنّ الصفة المميزة لرجل الجمهور "ليست تخلّفه أو عنفه، ولكن العزلة وافتقاده للعلاقات الاجتماعية السَّوية"(8).

هذا ينتج حالة من التخبط الداخليّ لدى كثير من الأفراد والإحساس بفقدان المعنى؛ ما يدفع البعض للبحث عن معنى جديد وروابط جديدة في حركات اجتماعيّة راديكاليّة مخالفة للقيم الاجتماعية السائدة والمهيمنة مثل الحركات الفاشية.

يعتبر هذا أحد تفسيرات مشاركة الجهاديين الغربيين في التنظيمات الجهادية؛ حيث يحاولون البحث عن انتماء جديد. يركز أوليفيه روا على شعور الإحباط والسخط تجاه المجتمع الذي يسود فئة واسعة من الشباب الغربيّ المسلم. هكذا، ينظر روا لهؤلاء الشباب باعتبارهم "ثواراً" مشغولين بالبحث عن قضية يضحون من أجلها، وهم "يجدون في الجهاد ضالتهم المثاليّة، لأنهم يعتقدون أنّ الجهاد عمل بطوليّ"(9). دوافع الجهاديين الغربيين إذاً، بالنسبة إلى روا، لا تتعلق بنقص في الاندماج الاجتماعيّ والثقافيّ، كما لا ترتبط بالماضي الاستعماريّ أو بالأيديولوجيا الدينيّة.

هنالك من كانوا مندمجين تماماً والكثير منهم لا يتحدث اللغة العربية على الإطلاق. كما إنّ معرفة معظمهم بالماضي الاستعماريّ او اهتماماتهم السياسية قبل انضمامهم لتنظيم داعش كانت ضحلة إلى حد بعيد، تماماً كمعرفتهم بالدين الإسلاميّ. وأظهرت مقابلات عديدة مع مقاتلي تنظيم داعش أن معرفتهم بالدين الإسلامي محدودة للغاية(10). يحتلّ البحث عن معنى جديد للحياة، كما يقول روا، موقعاً رئيساً في قائمة الأسباب التي تدعو الشباب الغربيّ للانضمام للتنظيمات الجهادية حيث "يكتشفون في الإسلام الراديكاليّ معنًى جديداً للحياة"(11).
 
 
من اللاعقلانيّة إلى القرار العقلانيّ

يرفض الأنثروبولوجي سكوت أتران أطروحة العدميّة او الفشل الاجتماعيّ والاقتصاديّ، ويركز على جاذبيّة التجربة. في مقال “تشريح أيديولوجيا داعش”، يقول اتران إنّ "ثورة الدولة الإسلاميّة العالميّة هذه يصعب أن تكون فقط مسرحاً للفاشلين في الحياة". ومن خلال سلسلة مقابلات مع شباب أوروبيين شاركوا في تنظيم القاعدة والدولة الإسلاميّة يرى أن هناك "تقديراً ضئيلاً لسر جاذبيتها الحقيقيّة، وتقديراً أقل لمبررات البهجة والسرور التي تجلبها للمنضمين لها. غالبية من يتطوع للتنظيم من الشباب المستعدّ للموت دفاعاً عنه يشعرون بسعادة غامرة تنبع من مشاعر الأخوة بالانضمام مع رفاق للقتال سوية في سبيل قضية سامية، هذا فضلاً عن السعادة التي تأتي عبر إشباع الغضب ورغبة الانتقام"(12).

وهذا يسلط الضوء على الجانب "العقلانيّ" من تجربة هؤلاء الشباب، بالضدّ من النظريات التي تفسّر الانضمام للحركات الراديكاليّة بأنّه عمل غير عقلانيّ، سواء لدوافع التهميش الاقتصادي او العزلة الاجتماعيّة. تلك النظريات ركزت على كون الجهاديين ضحايا محيطهم السياسيّ والاجتماعيّ أو ضحايا الحداثة وتفكك الروابط الاجتماعيّة.

يصف أتران المقاتلين الأجانب مع الدولة الإسلامية بأنهم "شباب في مراحل انتقالية من حياتهم -مهاجرين، وطلاب، وأشخاص لهم وظائف وأشخاص لم يعثروا على شركاء لحياتهم. هم يسعون لعائلة جديدة من الأصدقاء ورفاق طريق للعثور على هدف وتأثير". وعن خلفياتهم يقول: "ثمانون في المائة من المتعاطفين مع التنظيم ينحدرون من عائلات غير متدينة... ويبلغ متوسط أعمارهم ٢٥ سنة، وإنّ الجزء الأكبر منهم لم يحظ بتعليم دينيّ تقليديّ. واحد من كل أربعة، و في كثير من الأحيان هو من أشرس الأتباع، هو من المتحولين حديثاً للإسلام". ويركز أتران على دور العلاقات والروابط الاجتماعية ومنها الأصدقاء والأقارب في آليّة انضمام الأفراد لتنظيم الدولة الإسلامية والحركات الجهاديّة، وهو ما يقلّص من دور المساجد والتدين من جهة، ومن دور الجانب "غير العقلانيّ" في التجربة من جهة أخرى.

هكذا، تبدو موجة المقاتلين في سوريا والعراق تكثيفاً لما كان يقوم به التنظيم انطلاقاً من استغلاله للفرصة التاريخيّة التي سنحت أمامه والمتمثلة باندلاع حرب أهليّة أضعفت سلطة الدولة واحتكارها للعنف. فقد دفع انفتاح أفق الصراع قيادات التنظيم لرفع وتيرة نشاطهم إلى مستويات غير مسبوقة بسبب ظهور إمكانيات جديدة لتعبئة الموارد وتوسيع التجنيد. وهذا رأي جادلت به إحدى نظريات الحركات الاجتماعيّة وهي نظرية تعبئة الموارد (Resource Mobilization Theory) التي تركز على أنّ عملية المشاركة هي عملية عقلانية تسعى لتحقيق هدف سياسيّ بعد مداولات مكثفة وحسابات تخص الربح والخسارة، ويعتمد النجاح على توفر الموارد من جهة وقدرة اللاعبين على توظيف تلك الموارد من جهة أخرى(13).

ترفض هذه النظرية ما كان سائداً من تفسيرات للحركات الاجتماعية وأسباب الانضمام لها باعتباره جزءاً من سلوك غير عقلانيّ وعاطفيّ مدفوعٍ بالغضب والحنق على الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة. وتجادل، بالمقابل، بأن حالة الغضب والإحساس بالظلم ضروريّة ولكنها غير كافية. إن المظالم المتعددة موجودة طوال الوقت، ولكن ما يتغير هو توفر الموارد التي تمكن من التعبئة. وبالتالي، فإن المنضمين لهذه الحركات لا يشاركون لأنهم أصبحوا غير عقلانيين بصورة مفاجئة وعاطفيين بسبب المظالم التي تحيط بهم وتدمر حياتهم، ولكن كجزء من قرار عقلانيّ وواعٍ يقومون به بحسب الظروف المحيطة ومدى النجاح الذي يمكن تحقيقه (14).

أما بالنسبة إلى الأفراد، فقد وفرت التطورات الجديدة في سوريا والعراق إمكانيات هائلة وغير مسبوقة للنجاح، وهو ما يقنع من كانوا متعاطفين مع التنظيم أو مقتنعين بالهدف الذي يقاتلون من أجله، ولكنهم افتقدوا للثقة بأنّ مشاركتهم سوف تجلب المنافع المأمولة، عليهم كأفراد وعلى الجماعة التي ينتمون اليها.

وتشير مقابلات الباحثين مع عددٍ من الجهاديين الغربيين حول دوافع انضمامهم للقتال في سوريا إلى هذا الجانب العقلاني بوضوحٍ. حتى عملية التحول للإسلام بالنسبة إلى البعض قد نتجت عن مداولات داخليّة عقلية طويلة وواعية لحسابات الربح والخسارة. بالنسبة إلى الكثيرين، فإن موضوع الجهاد مطروح منذ زمن بعيد، وهو أيضاً نتاج تفكير طويل ويستند لهدف سياسيّ محدد توصلوا إليه بأنفسهم، أو عبر النقاش مع أوساطهم المقربة وكانوا ينتظرون الفرصة المناسبة لكي يقوموا بالتحرّك. حتى الشهادة هي أمرٌ خاضع لحسابات الربح والخسارة بالنسبة إلى البعض، كما يمكن أن نرى من شهادة أحد المقاتلين:

"قبل هذا الجهاد، كنت معجباً بفكرة الشهادة، وبفكرة عدم الحساب في القبر ويوم الحساب، ولكني لم أكن مستعداً للرحيل عن حدود حياتي في المملكة المتحدة. وفي عام 2011، تم الإعلان عن استشهاد أخ محليّ في سوريا، ومن هنا بدأ كل شيء. بدأت بالتفكير وبالتساؤل مع نفسي، "أتعلم شيئاً، إذا استطاع هو فعلها، لماذا لا أستطيع أنا؟ إنه في الجنة الآن بينما أنت "تجلس وتعيش حياةً دنيوية بسيطة بين جامعة وعمل وجمع المال" (15).

لا يكفي الدافع العاطفي والأيديولوجي لإقناع المتعاطفين مع التنظيم بالمشاركة المباشرة في أعماله. يجب أن تتم مخاطبة عقولهم أيضاً، وتحديداً حسابات الربح والخسارة لديهم وتحفيزهم بكل ما يمكن أن يساهم بدفعهم لمغادرة بلادهم والتوجه إلى الجهاد. وقد جرت مناقشة دور الجنس والسبايا لدى تنظيم داعش كأدوات لاستقطاب المقاتلين وتحفيزهم على الانضمام لصفوفه(16). ويبدو أنّ المحفز الأكبر خلال السنوات الماضية كان نشوء تنظيم كبير حقاً وإعلان قيام "الدولة الإسلاميّة" التي لم تعد حلماً بعيد المنال، بل صارت حقيقةً واضحة والمطلوب هو الدفاع عنها.

لقد مكّنت التطورات التي حدثت في العراق وسوريا تنظيمَ الدولة الإسلامية وعدداً من الحركات الجهادية من تجنيد أعداد كبيرة جداً من المقاتلين للمرة الأولى في تاريخ الحركات الجهاديّة. كانت ظروف تجنيد المقاتلين المحليين في سوريا والعراق مختلفة بالطبع عن ظروف تجنيد الشباب الأوروبيّ، وهي ترتبط بصورة مباشرة بالمظالم القاسية التي كانت تعصف بهم على مدى سنوات، وبتصاعد قمع وإرهاب الدولتين العراقية والسورية. ولكن اجتذاب التنظيمات الجهادية لهذ "الكتلة الحرجة" يعتبر عاملاً حاسماً في اتساع قدرتها على تجنيد الشباب في الغرب.

تعتبر "الكتلة الحرجة" في نظريات الحركات الاجتماعية عتبة ضرورية لإقناع آخرين بالانضمام للحركة، إذ تكون تكلفة الانضمام والمخاطر المترتبة عليها قبل تشكل هذه الكتلة مرتفعة للغاية وتشكل أحد أهمّ عوامل الامتناع عن المشاركة حيث يكون تحقيق نتيجة مرضية ضعيفاً جداً (ْ17). هكذا، ورغم ان خيار الفرد بالمشاركة أو عدم المشاركة في أعمال التنظيم هو قرار فرديّ مستقل وعقلانيّ بصورة ما، ولكنه يعتمد أيضاً على ما يقرّره الآخرون. مع زيادة أعداد المشاركين والمنضمين للتنظيم، يزداد إحساس المتعاطفين مع التنظيم بفاعلية الحركة، وترتفع بالتالي إمكانية انضمامهم.

خاتمة

لا يمكن الحديث عن سبب واحد لمشاركة الشباب الغربي في صفوف تنظيم داعش؛ إذ تبرز للواجهة مجموعة أسباب تتخذ أوزاناً مختلفة بالنسبة إلى الأفراد بكل تأكيد. وهذا ما جعل محاولات الاعتماد على العامل الاقتصاديّ والتهميش الاجتماعيّ ضعيفة للغاية؛ إذ إنّ الأدلة تثبت تنوع الخلفيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتعليميّة للمشاركين. الأهمّ، أن هذه المحاولات عملت على إظهار أعضاء التنظيم المتطرف كضحايا لتجاربهم القاسية التي مروا بها خلال حياتهم والتي دفعتهم لاتخاذ قرارات "غير عقلانيّة".

هنالك أعدادٌ كبيرة من هؤلاء الشباب انضمت للتنظيمات الجهادية في محاولة للبحث عن معنى جديد لحياتها خارج القيم المجتمعيّة السائدة والمهيمنة. ولكن هذه المحاولة للبحث عن انتماءٍ ومعنى جديدين ليست بالضرورة عملاً "غير عقلاني" مدفوعاً باليأس والإحباط، أو بصدمة نفسية تعرض لها الشاب الذي يريد الانضمام للتنظيم الجهاديّ. يبدو أن هنالك جانباً عقلانيّاً تماماً في مشاركة الجهاديين باعتبارهم فاعلين عقلانيين يقومون بحسابات الربح والخسارة التي لا تخلو بالطبع من العاطفة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بحركات تعتنق أيدولوجيّة محددة، تشكل أحد الدوافع والمحفزات الرئيسة لنشاطها.

الهوامش

1-Iraq and Syria: How many foreign fighters are fighting for Isil? The Telegraph. Ashley Kirk. 24 MARCH 2016
2- عصر التطرفات- ترجمة فايز الصياغ- ايريك هوبزباوم- ٢٠١١
3- The War on Terror vs. the War on Poverty -William Easterly- NOVEMBER 24, 2016. The New York review of books.
4- Education, Poverty and Terrorism: Is There a Causal Connection? Alan B. Krueger and Jitka Malecˇkova´. 2003. Journal of Economic Perspectives.
5- تشريح أيديولوجيا داعش – سكوت أتران- ترجمة: سلطان المطيري- مجلة حكمة- 2016
6- The Secret Life of an ISIS Warlord- Will Cathcart, Nino Burchuladze, Vazha Tavberidze. Daily Beast. 2014
7- The Politics of Mass Society (1959). William Kornhauser
8- Hannah, Arendt. The Origins of Totalitarianism. New York: Harcourt Brace & Company, 1976.
9- الجهاد سوق مزدهرة بين صفوف الشباب الثائر- مقابلة مع أوليفييه روا في موقع DW
10-Leaked ISIS Documents Reveal Recruits Have Poor Grasp of Islamic Faith,” The Independent, August 16, 2016.
11- لجهاد سوق مزدهرة بين صفوف الشباب الثائر- مقابلة مع أوليفييه روا في موقع DW
12- تشريح أيديولوجيا داعش – سكوت أتران- ترجمة: سلطان المطيري- مجلة حكمة- 2016
13- Resource Mobilization Theory and the Study of Social Movements. J. Craig Jenkins. 1983. Annual Review of Sociology
14- Social Movements and Networks: Relational Approaches to Collective. Doug McAdam, Mario Diani. 2003.
15- معهد العالم للدراسات- التحدث مع المقاتلين الأجانب: تأملات في دوافع الهجرة إلى سوريا والعراق- ترجمة: حمزة ياسين- يناير ٢٠١٨
16- Rape and slavery was lure for UK Isis recruits with history of sexual violence-Henry Jackson Society- 2017
17- The critical mass in collective action- Gerald Marwell, 1993.
سلام السعدي

باحث وصحفي يتابع الشؤون السياسية والاقتصادية لبلدان الشرق الأوسط. حاصل على بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة دمشق، وبكالوريوس بالعلوم السياسية من جامعة يورك في كندا. كتب لصحف عربية ومواقع إلكترونية كالعربي الجديد والمدن. ويكتب حالياً بصورة دورية في صحيفة العرب اللندنية، وله مساهمات في نشرة صدى التابعة لمركز كارنيغي للشرق الأوسط.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.