الجهاد والموت: التطرّف كميتافيزيقا عدميّة

08 شباط/فبراير 2018
 
[هذه هي المادّة السابعة من ملف ينشره موقع "العالم" عن المقاتلين الأجانب في الشرق الأوسط، للمادّة الأولى اضغط هنا، وللثانية هنا، وللثالثة هنا، وللرابعة هنا، وللخامسة هنا، وللسادسة هنا].
مرّ حوالي ربع قرن على ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب" وما تبعه من تحليلات ودراسات أكاديمية للظاهرة الجهادية. لكن رغم ذلك ما زال الأمر عصيّاً على الاتفاق على أسباب واضحة ومتّفق عليها لسبب هذه الظاهرة، ومن أهم من درسها وخصّص لها كتباً ومقالات مهمّة هو الباحث الفرنسي والمتخصص في الشؤون الإسلامية أوليفييه روا، فمن "أفغانستان: الإسلام والحداثة السياسية" مروراً بـ"فشل الإسلام السياسي" و"عولمة الإسلام" وغيرها.

ثم أخيراً كتابه "الجهاد والموت" (الصادر 2016 بالفرنسية ثم مترجماً إلى العربية 2017 من طرف دار الساقي بترجمة صالح الأشمر) يبدو روا مهموماً دائماً بالسؤال عن دور الإسلام في صناعة ومواجهة العالم الحديث، سواء عن طريق اسطورة الصدام بالعلمانية، من خلال الفشل في فصل الديني والثقافي عن السياسي وعودة الديني دائماً بشكل أو بآخر، أو سواء عن طريق ظاهرة الجهاد التي يحاول روا دائماً فصلها عن الإسلام التاريخي وربطها بالحداثة.

 هذه الحداثة المتأصلة للعنف الإرهابي والجهادي[1] تمثّلت في ربط الأخير "بالسّعي المتعمّد إلى الموت"، وهذه هي فكرة كتاب "الجهاد والموت" بالمجمل. والموت المنشود ليس بالأمر الاحتمالي أو المرغوب في مراوغته، بل السعي إليه من صلب أهداف هذا الجهاد، والرغبة بالموت والافتتان به يتمثل في العصر الحديث في داعش وإن كان ليس أول من افتتن به، بل إنه يعود إلى أكثر من عشرين عاماً في تاريخ "التطرّف الإسلامي المعاصر" حسب روا، فما الذي يعنيه الأمر؟ وكيف تتصرف المجتمعات الغربية الحديثة إزاءه، خصوصاً إذا كان هذا المقاتل أو المتطرف قادماً من بينهم؟
 
المتطرف: واحد منّا
 
تمتلئ المكتبات الغربية ومراكز الدراسات بالكتب والبحوث عن المتطرفين الغربيين، وكذلك مراكز الشرطة ووسائل الإعلام، فالمتطرفون ليسوا مجهولين أو قادمين من الشرق، بل هم مواطنون يحملون في الغالب جنسيات بلدانهم التي نفذوا فيها هجمات. فالجميع، بعد أيام أو ساعات من أي عملية إرهابية، سيتمكن من معرفة أسمائهم وأسماء الأحياء القادمين منها وهواياتهم وماذا فعلوا في الليالي الأخيرة في حياتهم. المشكلة ليست في معرفة الهويات والتاريخ الشخصي، بل تكمن في معرفة الدوافع، رغم وجود تسجيلات واعترافات للمتطرفين أنفسهم، في وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج المحادثات الخاصة، يتكلمون فيها عن أهدافهم ودوافعهم، لكن يبقى الفهم ومدى صدق تلك الاعترافات، العائق الأكبر رغم اللغة الواحدة والمجتمع الواحد.

يؤكد روا أن المعطيات والمسارات الفردية للإرهابيين الموجودين في أوروبا متوفرة بكثرة بما فيها ملفات بأسماء 4118 جهادياً انضموا لداعش بين عامي 2013 و 2014[2]. وما يجعل البحوث متشعبة المنهجية هو الاختلاف بين بلد أوروبي وآخر، لذا يركّز روا في هذا الكتاب على المقاتلين الفرنسيين والبلجيكيين بصفتهم يمثلون العدد الأكبر من الجهاديين الغربيين، وحتى هؤلاء لا توجد صورة نمطيّة واحدة تجمعهم، لكن هناك مميّزات متواترة ستساعدنا. أولها هو مجيء معظم هؤلاء المجاهدين –بمن فيهم خالد كلكال "أول إرهابي من أبناء البلد"- من الجيل الثاني للجالية المسلمة المهاجرة، مما يعني أنهم مولودون ومندمجون في المجتمع الفرنسي وعاشوا مرحلة جنوح الشباب، وتم اتخاذ مسار التطرف في الغالب عندما كانوا بالسجن. ثم هناك ظاهرة الاستمرارية والتواصل بين هذا الجيل، فكل واحد من هؤلاء يعرف، على أقل تقدير، شخصاً آخر يكون مرتبطاً بعملية إرهابية أخرى معرفة جيدة، ما ينفي القول بمشاكل نفسية لدى هؤلاء الشباب تجعلهم يقومون بما فعلوا، و"في الواقع من العبث التساؤل حول ’’جنون‘‘ الإرهابيين، فمن الواضح أن البنية السردية لـ’’داعش‘‘ يمكن أن تُبهر أناس ضعفاء يعانون مشكلات نفسية"[3]، لا شيء يمكن هنا أن يفصل الجنون عن الواقع.

ما يميّز الجيل الجديد من الجهاديين الغربيين أيضاً هو هذه المساواة في طلب الجهاد بين الرجال والنساء، فكثرتها في هذا الجيل أصبحت سمةً غالبة وواضحة، حيث إنها لم تتضح في أي سياق تطرفي آخر سواء كان يدعي مرجعيّة دينية إسلامية أو كان في أقصى اليسار. هذه الاستثنائية هي التي ستبرز الأوجه الحداثية لهذا التيار الجهادي وتضعه بالمقارنة مع تيارات قتالية أخرى.
 
قتل الأب
 
"البعد الجيلي" جعل هؤلاء الشبان يتمردون على ثقافة الأهل وسلطتهم كما يتبرؤون من إسلامهم (إسلام الأهل). ورغم الاختلاف الكبير والرغبة في تجاوز ثقافة الآباء، إلا أن هذه الثقافة الجديدة تستمد شرعيتها من ’’الثقافة الشابة‘‘ للمجتمعات المعاصرة، وهي أيضاً تمتلك جذوراً أقدم تمتد إلى الثورة الثقافية الصينية، حيث أنها  لم تكن ثورة ضد طبقة كما حدث في معظم ثورات التاريخ، بل كانت ضد جيل، ضد فئة عمرية محددة، وهذا الكره للآباء والتمجيد للجيل الجديد يتخذ عدة تمظهرات. فحمل الأطفال للسلاح هو تمجيد للابن وقتل للأب، وللتخلص من كل ميراث الأب لا يجب أن يعني الأمر أن يتم قتل الجسد بالضرورة، بل إن إتلاف التماثيل والفنون وحرق الكتب وكل ما يكون سبباً لخلود الأب بشكل أو بآخر بالكاد يكون كافياً بالنسبة إلى هؤلاء، وهم في النهاية يرجون أن يكونوا شفعاء لآبائهم "الضالين" في الجنة. "إن الإرهابيين يلِدون والديهم" بشكل آخر أكثر سمواً.

تدمير الذاكرة هو العامل المشترك بين "الحراس الحمر" و"الخمير الحمر" و"داعش". والهدف في النهاية هو خلق إنسان جديد، مجتث من أرضه وثقافته بكل ما تحمله من انتماءات قومية وقبلية وعائلية، لبناء مجتمع جديد وان استدعى ذلك البدء من الصفر. والخلق يسبقه هجرة وانفصال، هجرة بالزوجة نحو المجتمع المصغر وإخوة السلاح، الأمر الذي يقتضي إصدار الفتاوى بتحرير المرأة، فلم يعد يمنعها شيء عن الهجرة مادامت ترى أنها ستنصر دينها ومجتمعها الجديد بانفصالها عن مجتمعها "الكافر".

هذا الارتباط بالموت سيجعل أي تفكير في التفاوض أو في الحلول السياسية ضرباً من طلب المستحيل، فمن "يسعى إلى الموت لا يفاوض على شيء، والذي يحرّكه على وجه الاحتمال يصير غير قادر على التحكّم في التداعي الذي أطلقه"[4].
 
المتخيل الجهادي
 
لا تبدو المقاربة العمودية، المنطلقة من القرآن إلى النصوص السلفية القديمة والوسيطة، والحديثة كافيةً أو مقنعة لتفسير ظاهرة التطرف لدى الجهاديين الغربيين بالنسبة إلى روا وإلى مفكرين وكتاب غربيين آخرين[5]. ويضع روا ’’المقاربة المستَعرِضة‘‘ كبديل لها لما توفره وتمكنه من مقارنة وفهم العنف الإسلامي المعاصر، انطلاقا من عناصر مشتركة يملكها مع أشكال أخرى تتسم بالعنف والتطرف كالتمرّد الجيلي، والانفصال عن المجتمع، وجماليات الموت، ولجوء الفرد إلى سردية ميتافيزيقية كبرى، والتنظير للقيامة الشاملة. ويبقى "الارتباط المنهجي بالموت" مدخلاً مهماً لفهم التطرف المعاصر، خصوصاً ببعده العدمي، فما يهم لدى الجيل الجديد هو التمرّد المحض وليس بناء مجتمع مثالي، فالعنف لم يعد وسيلة لتحقيق أهداف معيّنة، بل أصبح هو الغاية، عنف محض مصّور تصويراً جيداً ليبث الرعب فقط، بلا مستقبل منشود.

هذه المقاربة تسمح لنا بسحب البساط من النظرية القائلة بتطرّف الإسلام وتوجيهها إلى أنه ثمة نوع من "أسلمة التطرف" لدى هؤلاء الجهاديين الجدد، وإن كانت المقاربة لا تنفي تشرّب هؤلاء من أصولية إسلامية انتشرت منذ أربعين عاماً. لكن هذه الأصولية لا تكفي وحدها لتفسير هذا العنف الجهادي، فوسم أي دين بالتطرّف هو أمر سيئ بتعبير أوليفييه روا، لأنه يعني أن هناك أدياناً معتدلة، والحقيقة أن من يعتدل أو يتطرّف هم معتنقو تلك الأديان لا الأديان نفسها. لذلك يرى روا في تراجع الهوية الثقافية للديني وغلبة النزعة الدنيوية، التي لم تعد ترى للدين مبررات للبقاء، أسباباً تتعدى ما يسمى بالتطرف الديني العنيف، فالأخير لا يمكن أن يكون كافياً لفهم السياسي، ولفهم السياسي ينبغي أن تتم دراسة المتخيل القائم عليه هذا العنف.

يبدأ المتطرف في محو نفسه وتقديم نفسه ورسالته على أنها نابعة من معاناة الآخرين، حتى وإن كان هو نفسه لم يعشها. إن هذه الظروف المؤلمة المحيطة بالجهاديين وخاصة ظروف الشرق الأوسط كانت سبباً رئيساً في صعود داعش الذي بدأ بتقديم البنية السردية لكل من يود أن "يحقق نفسه" وينصرالمعذبين في الأرض. وفرضية روا الأساسية أن الإرهابيين اليوم هم شريحة ثانوية من الجهاديين، جيلٌ ثانٍ، يتقاسمون معهم حب الموت، ولكن ليس كل الجهاديين مؤهلين لأن يكونوا إرهابيين. فداعش ينتقي ويختار من سيبقى في ساحة الحرب، ومن سيرسلهم إلى الغرب بعد تدريبهم وتأهيلهم. وما يميّزهم أيضاً هو ضعف المعرفة الدينية، فهؤلاء لم يختاروا هذا الدرب لأنهم يمتلكون حججاً عقدية ومعرفية بالنص تؤهلهم لذلك. لقد اختاروا أن يكونوا متطرفين لأنهم يرغبون بذلك فقط، لذلك سيكون من الخطأ الرجوع إلى اللاهوت أو النصوص الشرعية (كما تفعل العلمنة المعاصرة) لفهم هؤلاء. نحن بين إسلاميْن جهاديين: جهاد يستمد رسوخه من المنهج التفسيري للسلف للأحاديث النبوية، ثم الجهاد الذي يستمد أسسه من بطولات متخيّلة وعنف معاصر.
 
 
المتخيل الجهادي المعاصر أيضاً يتميّز بانفصاليين مكاني وزماني، فالزماني هو هذا التفاوت الكبير مع التاريخ المعاصر للشرق الأوسط، فهم يقاتلون "الهراطقة" والشيعة تحديداً أكثر بكثير مما يقتلون من "الصليبيين". أما التمييز المكاني فهو هذه البداوة الجهادية التي تأخذهم حيثما نودي للجهاد، لكن بجغرافيا ذات معنيين، فهم ينطلقون بجنسياتهم الغربية ولا يرفضونها، بل نراهم يضيفون جنسياتهم إلى ألقابهم، ولكنهم لن يقاتلوا في سوريا، بل في الشام. ينطلقون من جغرافيا معاصرة إلى جغرافيا متخيلة لا تعترف بالحدود المعاصرة. وهذا النداء العام للجهاد لا يستثني أحداً. فلا يوجد بريء، سواء الشعوب الغربية المسؤولة عن أعمال حكوماتها أو الشعوب العربية التي لا تثور. ووضع الجميع في سلة واحدة سيجعل فكرة الدفاع عن الأمة تتراجع من البرنامج الجهادي، ليصبح الهدف هو "نشر الدعوة في العالم كله بغية التعجيل في قيام الساعة، الأمر الذي يلتقي مع موضوع نهاية العالم[6]".

لم يكن أوليفييه روا هو الوحيد الذي أسقط مفهوم الخيال السياسي على الجماعات الجهادية، فنجد نفس الاسقاط لدى فرايزر إيغرتون في كتابه "الجهاد في الغرب: صعود السلفية المقاتلة" الذي يعترف أن هذا المفهوم يشكل "عنصراً مهماً في حكاية الكفاحية القتالية"، مع أنه لم يُهتم به بالقدر الكافي لدى الباحثين المهتمين بالسلفية المقاتلة. فهذا المفهوم هو ما قد يكون قادراً على الإجابة على السؤال المهم: "كيف يعيد الأفراد اختراع أنفسهم بطريقة مختلفة جذرياً، وغالباً في فترة زمنية قصيرة جداً؟"[7]. وما يكشفه لنا المخيال السياسي هو مدى قدرة هذه السلفية المقاتلة على جمع كل هذه الهويات المتنافرة والمتداخلة في هوية واحدة مسيطرة، هي هوية المسلم المظلوم في هذا العالم، والذي يتعرض لكل أنواع الإضطهاد بكل مكان، ولهذا وجبت نصرته من خلال حمل لواء الكلام باسمه. الخيال هنا لم يعد وهماً خادعاً، أو هروباً من واقع مؤلم، بل هو ممارسة اجتماعية يمارسها الكثيرون داخل حقل اجتماعي موحّد على ضرورته. إنه حقيقة اجتماعية للكثير، وليس الجهاديون فقط هم من يعملون داخل هذا الحقل، بل كل أنواع المنظمات والوكالات، أي أنه أصبح بتعبير أرجون أبادوراي: "المكوّن الأساس للنظام العالمي الجديد"[8].

وبالنسبة إلى إيغرتون، فإن هناك شرطين من شروط الإمكان يؤثران كثيراً في المخيال السياسي لدى السلفية المقاتلة، هما شرطا الانتقال ووسائل الإعلام، وهما شرطان توفرا بقوة من خلال العيش داخل عالم معولم. فحركة الانتقال أدت إلى زيادة في إمكان "تعديل مفهوم الهوية في عملية إنتاج الحياة السياسية"، بينما وفرت وسائل الإعلام بعداً الكترونياً مهما لا مركزياً سيمكن السلفية المقاتلة من دمج عدة أحداث في نظرة عالمية واحدة، لكي تحدث التأثير المطلوب في المخيال السياسي الذي يتبنونه. والمثير للفضول، في رأي إيغرتون في كتابه، أن أولئك السلفيين المقاتلين في الغرب "هم الذين احتاجوا إلى المخيال السياسي لأداء دور خاص وقوي"[9]. المخيال السياسي إذاً ينفي كل رؤية تفسيرية توظف فكرة الاغتراب كسبب رئيس للسلفية المقاتلة. فهذا التفسير، بالإضافة إلى ندرة الأدلة والارتباك التعريفي، لم يستطع الإجابة على السؤال الأهم عن السبب الذي جعل هؤلاء يحملون السلاح، أو بتعبير أدق: "كيف وصلوا إلى اعتبار أنفسهم مقاتلين سلفيين"؟

ينقل إيغرتون عن تولوليان قوله إن الجهادي لا يقوم بالعنف من منطلق شخص منعزل أو مغترب، بل من منطلق أن لدى هذا الشخص رغبة في إعطاء حياته مركزية أيقونية في عين المجتمع[10]. ويرى أوليفييه روا أنه حتى هذا المجتمع هو مجتمع متخيّل، مجتمع لا تاريخي ولا مكاني، يريد الجهادي اليوم أن ينتقم له. فما هو "حقيقي" لدى الجهاديين لا يقوم على معرفة استدلالية بل إلى يقين خاص، مستند أحياناً إلى مرجع تعزيمي وإلى شيوخ لم يقرأوا لهم حقاً، "إن عملية التمفصل بين متخيّلهم وبين العلم تمر بشيئين: المصطلح (رأيناه: يُدخل أحدهم في لغته الفرنسية أو الإنكليزية كلمات عربية)، والتوكيد الفظّ وغير الاستدلالي للآية أو للحديث المكوّن من جملة أو جملتين على الأكثر"[11].

أصحاب هذا المتخيّل في نظر روا لا يتحدثون أبداً عن الشريعة ولا عن المجتمع الذي سيأتي بعد هذا المجتمع الفاسد، كأن المابَعد وفِعل الجهاد نفسه فعلان متناقضان. فالمنشود من فعل الجهاد بالنسبة إليهم هو الموت، "فالمتطرفون لا يأتون من أجل الحياة، وإنما من أجل الموت. تلك هي المفارقة". إنهم عدميون مقتعنون تمام الاقتناع بقرب نهاية العالم، لذا لا فائدة من العمل والجهد من إجل إقامة أرض إسلامية عادلة صالحة للحياة ما دام الموت هو المصير الذي يقترب من الجميع، موت سيمحو كل الآثام التي اقترفوها في حياتهم.
 
الأصولية والعلمانية والجمهورية
 
تبدو علاقة فرنسا بالحركات الجهادية وبالأخص داعش علاقة شد وجذب خلال العقدين الأخيرين، فداعش يريد أن يظل هجومه مستمراً على فرنسا ليس بسبب استراتيجي بحت، فالرغبة بالهجوم في بريطانيا لا تقل أهميّة لكن لأن "الخزان البشري" لداعش أكثر في فرنسا. ما جعل داعش ينفصل عن القاعدة هو ما رجع إليه في النهاية: أي محاولة تكسير الغرب، أو محاولة منعه من التدخل ضده. ولكن روا يرى أن داعش لن يستطيع أن يمسّ من المقدرة العسكرية، بل على العكس ستعزّز تلك المقدرة، ولا أن يؤثر بشكٍل حقيقي على الاقتصاد أو المؤسسات. وبهذا، إن مكمن قوة داعش هو في "اعتماده على مخاوفنا. وهذا الخوف هو الخوف من الإسلام (...) الخوف هو تصدع مجتمعاتنا الخاصة من الداخل، وهو الخوف من حرب أهلية يتواجه فيها المسلمون و’’الآخرون‘‘"[12]. ويبدو أنه لا أحد في فرنسا يريد خوض تجربة التعامل مع هذا الخوف القادم، فالعلمانية لم تقم إلا باستبدال تطرفٍ بتطرفٍ آخر، فقد طردت الدين من الفضاء العام إلى الهامش، والهامش مكان مناسب جداً لنمو السلفية بحسب روا.

لا يذهب عالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل تود بعيداً عما يراه أوليفييه روا في ما يتعلق بالحرب الفرنسية على كل ما هو ديني وبالخوف منه في الوقت نفسه، ففي كتابه "من هو شارلي: سوسيولوجيا أزمة دينية" (الصادر 2015 والمترجم إلى العربية 2017)، يرى تود أن "للإسلاموفوبيا إيقاعها الخاص، فعلى اعتبار أنها تطرد رمزياً المسلمين خارج الجماعة القومية، تُعدُّ في الوقت نفسه سبباً للإرهاب ونتيجة له"[13]. ما حدث في فرنسا العلمانية هو تحولٌ من شكل ديني إلى شكل آخر، فلا يمكن لأي سقوط للمعتقدات أو تخلخل فيها إلا أن تعقبه ثورة تعويضية لكي تغطي على الغياب الميتافيزيقي للجماعة، وفرنسا لم تستطع بعد التخلص من تاريخها الخاص السيئ نحو الدين، وما تفتقده، بالنسبة إلى تود، هو النظر بإيجابية إلى ما يمكن أن يمنحه الدين للناس.
 
 
يُطلق تود مصطلح "الكاثوليكية الزومبيّ" على تلك القوة الانتروبولوجية والاجتماعية التي جاءت بعد التفكك الأخير للكنيسة في معاقلها التقليدية، وهي التي تولت احتلال الصف الأول في مواجهة الإسلام، وهي التي طالبت بالرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد (ص)، "إنها تقترح علينا حرباً دينية في عالم لم يعد يؤمن بالله"[14]. إن هذه القوة لا يمكن فهمها إلا في علاقتها بما هو ديني بمعنى الدين الواسع الذي يشمل أيضاً نفي ما هو  ديني. وما دامت هذه القوة هي التي تحكم فإن العلاقة مع الإسلام لا تبدو أنها تتجه للمصالحة والتقبل بقدر ما تتجه للمزيد من الإسلاموفوبيا، وهو الأمر الذي يتلازم برأي تود مع أوربة فرنسا، فكلاهما يسيران في نفس الطريق، فرنسا الأوروبية والإسلاموفوبيا. لقد صار الإسلام كبش فداء لمجتمع لم يعد يعرف ماذا يفعل بكل هذه العلمانية المتطرفة، ماذا يفعل بعدم الإيمان، وماذا يفعل بهذا الشك حول المساواة. ولكن الإسلام يمكنه أن يساهم بشكل ايجابي في هذا النقاش بل حتى في التوازن النفسي للأفراد، بتعبير تود.

يقدّم تود طريقين لفرنسا عليها أن تختار أحدهما في المستقبل بما يتعلق بالإسلام، فإما أن تختار المواجهة، أو تنكمش على نفسها، وبالتالي تتعرض للانشقاق، وربما النهاية لفرنسا التي نعرف. وما دام هناك اتفاق على أن هناك جزءاً من الشباب يفتقد إلى "المعنى" وإلى "ما هو ديني". فإن أي استهداف جديد للإسلام لن يعني إلا اتخاذه مهرباً للشباب، "فما يبدو للشيوخ على أنه مشكلة رهيبة يبدو للشباب على أنه حلٌ رهيب"، يؤكد تود. وفرنسا غير قادرة على هذه المواجهة أو على تحمُّل تكاليفها، والنظرة الدونية إلى بعض المواطنين والسخرية من معتقداتهم لن تفيد إلا في مزيد من الصدام. لا يستبعد تود نهاية فرنسا إن استمرت بهذا الأسلوب، ولن يكون ذلك بسبب خطأ الإسلام، ولكن بسبب أخطاء الكارهين له.

وأما الطريق الآخر، فمشروط بصعوبات كبيرة لكنها غير مستحيلة التحقق، وأولها ما يسميه تود "استعادة الحرية القومية". فمن دورن الخروج من اليورو لن تتمكن فرنسا من بناء سياسة اقتصادية قادرة على إعطاء المزيد من الفرص للشباب وللأحياء الشعبية والضواحي. وبالنسبة إليه "النزعة الأوروباوية والإسلاموفوبيا مرتبطان من الآن فصاعداً وبالتوازي. التحكم في الإسلاموفوبيا وفي معاداة السامية لا يمكن التفكير فيه من دون الخروج من المستنقع الأوروباوي"[15]. فمنحُ الإسلام حقه في الوجود وفي الممارسة، والحرية برفض الرسوم الكاريكاتورية، وتعويضه عما فات من تهميش، ومنحُهُ ما منحته فرنسا للكاثوليكية في عصر انتصار العلمانية كفيلٌ بتقوية الثقافة الجمهورية بدلاً من قلبها، لكن تود يرى -رغم أن هذا الطريق هو ما يليق بالجمهورية الحقيقية- أن فرنسا تتجه، بل بدأت الطريق، نحو اختيار المواجهة.
 
من يريد خاتمة للأمر؟
 
تبدو كتابات أوليفييه روا وغيره من الكتاب كآلان غريش وإيمانويل تود، كأنها صرخة لإنقاذ القيم التي يدافع عنها الغرب، وأهمها الديمقراطية وحرية التعبير، لكن ما يسمى بالحرب على الإرهاب لن تؤدي إلا إلى مزيد من تعميق الهوة بين الإسلام والغرب. وبالطريقة نفسها، فإن العلمانية على الطريقة الفرنسية لا تساهم في تخفيف التوتر، بل تشعله أكثر في كل حدثٍ جديد، وإن لم تنتبه أنها بطرد الدين إلى الهامش فإنها تتركه بمنطقة مظلمة محاصراً بالهامشيين والمتطرفين، فإنه لن يعول عليها في أي إصلاحٍ قادم.

يستطيع الدين، بالنسبة إلى روا، أن يبسط فضاءً روحياً للجميع ولا يمكن اعتباره أداة تطرف. يمكن تعداد الكثير من الأسباب للتطرف، ولكن في النهاية يجب أن يفهم الغرب أنه خيار شخصي سيصير خياراً سياسياً. ولا ينبغي أن يُشاع أنه نوعٌ من غسيل الدماغ أو الجنون. على الغرب أن يدع المتطرّف يتكلّم بحريّة، بدلاً من هذا الكبت الذي يمارسه عليه، في محاولة لإرغامه على البقاء في الظلام، لإطلاق صوّر نمطيّة لن تستطيع المساعدة في حل إشكال التطرف الذي بات يأتي من الغرب أكثر في كل مرة. حتى إنه يمكن القول مع روا إنّ العنف الإسلامي في الدول المسلمة مستوردٌ أحياناً بمجمله من الغرب، ولا يبدو الأخير مهتمّاً، على الأقل في المنظور القريب، بإيجاد خاتمة لهذا الصراع أو بحلٍّ إشكالية الإسلاموفوبيا التي ستساهم كثيراً في جذب المزيد والمزيد نحو التطرف.

الهوامش:
[1]  الجهاد والموت، أوليفييه روا، ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي، الطبعة الأولى 2017، ص 7.
[2]  الجهاد والموت، ص 38.
[3] تفس المصدر، ص 43.
[4]  نفس المصدر، ص12.
[5]  يؤكد آلان غريش مثلاً أننا نقع في أخطر سوء تفاهم على الإطلاق عندما نعتقد أن الإسلام يمكنه أن يكون دليلا لفهم واقع العالم المسلم وأننا لن نفهم الأخير إن حاولنا فقط فهم ما يقوله القرآن، راجع: آلان غريش، الإسلام والجمهورية والعالم، ترجمة جلال بدلة، صادر عن دار الساقي، الطبعة الأولى 2016، ص 52.
[6]  الجهاد والموت، ص82
[7] الجهاد في الغرب: صعود السلفية المقاتلة، فرايزر إيغرتون، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2017، ص 75
[8]  نقلاً عن: الجهاد في الغرب، ص 80
 [9] نفس المصدر السابق، ص 202
[10]  نفس المصدر، ص 184
[11]  الجهاد والموت، مصدر سابق ص 74.
[12]  نفس المصدر، ص 147.
[13]  من هو شارلي: سوسيولوجيا أزمة دينية، إيمانويل تود، ترجمة أنور مغيث، المركز القومي للترجمة ودار التنوير، الطبعة الأولى، 2017، ص 28
[14]  نفس المصدر، ص 86.
[15]  نفس المصدر، ص 217.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.