من "سوريا الشمالية" إلى "سوريا الجنوبية": مسؤولية النخبة السياسية عما حدث في لواء اسكندرون وفلسطين (3-1)

19 نيسان/أبريل 2017
 
      قبل ثمانين سنة في 1937 صدر في دمشق كتاب بعنوان "فلسطين الدامية" عن جريدة "الجزيرة" تصدّرته مقدمة للحاج محمد أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الذي صعد حينئذ إلى قيادة الحركة الوطنية في فلسطين (الجنة الوطنية العليا)، وجّه فيها تحية من "سوريا الجنوبية" إلى "سوريا الشمالية" بمناسبة نجاح "الكتلة الوطنية" في توقيع المعاهدة بالأحرف الأولى مع فرنسا "التي أعادت لها حريتها واستقلالها" على الرغم مما تضمنته من تنازلات لصالح فرنسا ما كان ليقبل بمثلها مع الدولة المنتدبة على فلسطين.
وكان زعماء "الكتلة الوطنية" (هاشم الأتاسي وجميل مردم بك وفارس الخوري وغيرهم) قد عادوا من باريس في خريف 1936 وهم يعتبرون أن ما حققوه في باريس كان "معجزة القرن العشرين". ولكن في نشوتهم مع ما حققوه في باريس (وهي فرحة لم تكتمل لـ "الكتلة الوطنية" بسبب رفض البرلمان الفرنسي المصادقة عليها في 1937) صحوا على خسارتين: تراجع فرنسا عن المعاهدة وتراجع تركيا عن الاتفاق حول تقاسم لواء الاسكندرون. وفي الواقع إن ما حدث في “سوريا الشمالية" أو في "سوريا الجنوبية" بتعبير الحسيني إنما يكشف أيضا عن مسؤولية النخب وعن الصراع بين الأحزاب وعن اختراق بعض هذه الأحزاب من الجهات الخارجية لتصل الأمور إلى ما وصلت إليه.

      في ذلك الوقت أيضا كانت التجربة الجديدة في تركيا (الجمهورية الكمالية) تسترعي اهتمام النخبة الشامية، حيث نعثر في تلك السنوات على من زار تركيا الكمالية وكتب عنها من الداخل بشكل مختلف عما كانت تنشره بعض الصحف في بلاد الشام. ففي تلك السنة زارها فؤاد الشمالي من لبنان ونشر في بيروت لاحقا كتابه "تركيا الحديثة" (بيروت، المكتبة الأهلية 1939)، كما زارها في تلك الفترة محمد عزة دروزة وكتب عنها واحدا من أفضل الكتب التي حاولت فهم التجربة التركية الجديدة، ونشر أيضا بالعنوان ذاته "تركيا الحديثة"، وصدر لاحقا في بيروت (دار الكشاف 1946).

      في كتاب فؤاد الشمالي الذي يستعرض فيه إنجازات الجمهورية الكمالية في الاستقلال والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي يخصّص الفصل الأخير "تركيا لا تطمع بالاستيلاء على البلاد العربية" لكي يوضح نظرة القادة الأتراك الجدد إلى جيرانهم العرب وإلى تطلعهم إلى علاقات حسن جوار مع العراق وسوريا بشكل خاص، في الوقت التي كانت بعض الصحف الشامية تشن حملاتها على تركيا الكمالية وتعتبر العلمانية والصهيونية صنوان. ففي هذا الفصل ينتهي المؤلف إلى القول "نستطيع أن نجزم بأن تركيا لا تطمع بالاستيلاء على البلاد العربية أو على قسم منها كما يزعم الزاعمون، وإذا كنا نراها تعطف على القضية السورية فما ذلك إلا تطبيقاً لسياستها الأخوية نحو جيرانها الشرقيين عامة والعرب خاصة" (ص 176).

      وفي الحقيقة يبدو مثل هذا القول بالنسبة للسوريين الآن مجرد "بروباغندا" للنظام التركي الجديد، لأن نظرة السوريين إلى العلاقة مع تركيا ارتبطت لاحقا بما حدث مع لواء الاسكندرون في 1938، دون أن يؤخذ بعين الاعتبار موقف النخبة السورية أو زعامة "الكتلة الوطنية" التي تجاهلت بناء أية علاقة مفيدة مع تركيا تقوي موقفها التفاوضي مع فرنسا، في الوقت الذي كانت فيه تركيا ترضى للأتراك في لواء الاسكندرون بما يتمتع به الأكراد في شمال العراق، أي ببقاء اللواء في سوريا وتمتّع الأتراك فيه بحقوقهم كأقلية. ولكن التصرف السلبي لزعماء "الكتلة الوطنية" أفشل قبول تركيا لوساطة عراقية باقتسام اللواء مع سوريا، وأدى لاحقاً إلى اتفاق تركيا مع فرنسا عام 1938 بإعلان استقلال اللواء تمهيدا لانضمامه إلى تركيا.

      حول هذه الأمور التي لا ترد عادة في الكتب المدرسية/ الجامعية ، التي تركز فقط على "الحق التاريخي" أو "عدالة القضية" و "ودور الاستعمار"... الخ  مع تغييب كامل للمسؤولية الذاتية للنخبة السياسية السورية وتجاهل العلاقات الدولية الفاعلة، لدينا شهادة مهمة للسفير العراقي في أنقرة ناجي شوكت خلال 1936-1938 الذي كان مشاركاً في "الوساطة العراقية" وشاهداً على هذا "التذبذب" في موقف الكتلة التركية و "تراجع" تركيا عن مشروع التقسيم الذي كتبه بخط يده وزير الخارجية التركية توفيق رشدي أراس ونشره شوكت في مذكراته "سيرة وذكريات : ثمانين سنة 1894-1974" (بغداد 1990).

      في هذه الشهادة الموثقة باللقاءات والتواريخ والبرقيات المتبادلة ما بين أنقرة- بغداد- أنقرة (ج 1، ص 82-92) لدينا البداية في صيف 1936 حين جاء رئيس الحكومة العراقية نوري السعيد في زيارة خاصة لكي يقضي إجازة قصيرة في تركيا فدعاه رئيس الوزراء عصمت اينونو مع السفير ناجي شوكت إلى لقاء خاص شارك فيه وزير الخارجية التركية توفيق رشدي آراس. في هذا اللقاء طلب نوري السعيد من اينونو مساعدة تركيا للعراق في مفاوضاتها مع إيران لحل مشاكلهما الحدودية، فرحب اينونو بذلك وانتهز هذه الفرصة ليطلب بدوره من نوري السعيد مساعدة العراق لأجل حل المشاكل بين تركيا وسوريا حول لواء الاسكندرون. في هذا اللقاء قال اينونو إن سوريا وفرنسا توشكان أن توقعا معاهدة، وأن تركيا لا يمكن أن تتخلى عن الأتراك في لواء الاسكندرون وهي تطالب بأن "تصان الحقوق السياسية والاجتماعية" للأتراك في هذه المعاهدة. ولما استوضح السعيد وشوكت عن ماهية هذه الحقوق أجاب اينونو: "إن تركيا لا تطالب بأكثر مما ضمنته الحكومة العراقية للأكراد في شمال بلادها، وقد تكون الحقوق التي تريدها تركيا للأقلية التركية أقل أو أكثر قليلا من تلك التي منحت للأكراد في العراق. وعلى كل حال يمكن الاتفاق عليها يمكن الاتفاق عليها بين الحكومتين التركية والسورية متى خلصت النيات وتوسط العراق".

      التقط نوري السعيد الفكرة ووعد أن يتصل بالوفد السوري المفاوض في باريس وأن يطلب منهم الاتصال بالمسؤولين الأتراك لدي عودتهم الى دمشق عن طريق إستانبول. وبالفعل تلقى السفير ناجي شوكت برقية من نوري السعيد بعد توقيع الوفد السوري للاتفاقية مع الحكومة الفرنسية، وأخبره عن موعد وصوله إلى إستانبول في طريقه الى دمشق، فاتصل شوكت بالخارجية التركية وخرج بنفسه للترحيب بوصول الوفد السوري (هاشم الأتاسي وجميل مردم بك) إلى محطة القطار بإستانبول. ونظراً لوجود وزير الخارجية التركي في جنيف حضر بدلاً عنه وكيل وزير الخارجية شكري سراج أوغلو، حيث دعاهم إلى غداء لأجل التباحث حول لواء الاسكندرون. ولكن هاشم الأتاسي اعتذر بحجة وعكة صحية وحضر فقط جميل مردم بك. في هذا اللقاء نقل سراج أوغلو ترحيب رئيس الجمهورية مصطفى كمال بهم ودعوته لهم إلى زيارة أنقرة. وحسب ما يذكره ناجي شوكت في مذكراته فقد حاول أكثر من مرة إثارة موضوع لواء الاسكندرون ولكن جميل مردم بك كان يتهرب باستمرار الى أن أنفض اللقاء.

      ومع هذه النتيجة المخيبة توجه سراج أوغلو باللوم الى ناجي شوكت " أهذا الذي كنا نريده وننتظره؟ ". وهنا لم يسع شوكت سوى أن يعبر عن أسفه لأن الوفد السوري لم يتوقف في أنقرة تلبية لدعوة مصطفى كمال لأن "الغرور قد أخذ منه مأخذه معتقداً أن عقده للمعاهدة مع فرنسا يغنيه عن الاتصال بالغير".

      ولكن مع سقوط حكومة "الجبهة الشعبية" في فرنسا ورفض البرلمان المصادقة على المعاهدة في 1937 تنبه زعماء "الكتلة الوطنية" إلى الخطأ الكبير الذي اقترفوه مع الأتراك فأوفدوا بسرعة عادل أرسلان الى تركيا للاتصال مع بعض المسؤولين لجس نبضهم حول موضوع لواء الاسكندرون. غير أن الوضع الدولي في مطلع 1938 كان يتغير بسرعة مع مطامع ايطاليا الفاشية في شرق المتوسط، ولذلك "أصبح ميناء الاسكندرونة بالنسبة الى تركيا قضية حياة أو ممات" كما نقل شوكت عن المسؤولين الأتراك. وهنا بادر شوكت إلى اقتراح تقاسم اللواء بين سوريا وتركيا فأبرق عادل أرسلان الى دمشق وأبرق ناجي شوكت الى بغداد ليحظى بتأييد حكومي لـ "وساطة عراقية". وعلى هذا الأساس التقى في 2 تموز 1938 بوزير الخارجية توفيق رشدي آراس وتوصل معه إلى العرض التالي: تقسيم اللواء بإيجاد الحدود الطبيعية وفق ما يلي:
  • تبقى مدينة أنطاكية للأتراك.
  • تبادل السكان بين الدولتين (على نمط تركيا واليونان).
  • تكون اسكندرونة لتركيا على أن تؤمن مناقلات سورية بواسطة منطقة حرة.
      كان ناجي شوكت يضغط باسم بغداد لكي تؤول أنطاكية إلى سوريا، وهو ما كان يأمل أن يتحقق، ولكن تأخر الرد السوري وإغراء العرض الفرنسي جعل أنقرة توقع الاتفاق مع فرنسا بعد عدة أسابيع (21 تموز 1938) على إعلان استقلال اللواء ثم انضمامه لاحقا إلى تركيا. ومع ذلك فقد حرص وكيل وزارة الخارجية التركي سراج أوغلو أن يلتقي مع ناجي شوكت وعادل أرسلان ليوضح لهما أن دوافع تركيا للقبول بالتقسيم كانت "منع عوامل الاحتكاك بين العرب والأتراك بإجراء تصفية عامة"، ولكن مع الحملة على تركيا في الصحافة السورية رأت الحكومة التركية "غض النظر عن التقسيم إلى أن تنال سوريا استقلالها" وترك الباب مفتوحا للمستقبل مع سورية المستقلة، حيث يمكن "إعادة النظر في أمر التقسيم عندئذ".

      ولكن تسارع الأحداث مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وتأخر الاستقلال / الجلاء حتى 1946 ثم موافقة الأمم المتحدة على مشروع تقسيم فلسطين واندلاع حرب 1948 ونتائجها ، بالإضافة إلى الاصطفافات الجديدة في المنطقة مع قدوم الحرب الباردة حيث انضمّت تركيا إلى حلف الأطلسي وسعت إلى حلف مع العراق وغيره (حلف بغداد) لتطويق الاتحاد السوفييتي بينما انضمت سوريا المستقلة تحت تأثير الجيش إلى التقارب مع مصر الناصرية لمعارضة "حلف بغداد" وتأييد الانقلاب العسكري في بغداد صباح 14 تموز 1958، وبذلك أخذت تزداد وتيرة التوتر أكثر بين سوريا وتركيا نتيجة للموجة اليسارية والقومية العربية الصاعدة في المنطقة.

      ومع تناوب اليمين واليسار على الحكم بقي لواء الاسكندرون ضمن خريطة سوريا سواء في الكتب المدرسية أو حتى طوابع البريد دون أن تثير الحكومة السورية هذه القضية في الأمم المتحدة أو غيرها، وبقي الشاعر سليمان العيسى مؤمنا (حينما التقيته في الجزائر 1988) بالعودة الى مسقط رأسه في اللواء "بعد تحريره من الأتراك". وقد عاد العيسى بالفعل الى اللواء بعد تطبيع العلاقات بين سوريا وتركيا (2000-2010)، التي أصبحت في "شهر عسل" وتركت قضية الاسكندرونة للمستقبل" من جانب القيادة السورية بينما غضّت تركيا النظر عن استمرار لواء الاسكندرونة ضمن خارطة سوريا الى مطلع 2011، عندما عاد أنصار النظام السوري إلى المطالبة "بتحرير لواء الاسكندرونة" وأصبحت نشرات الأحول الجوية في التلفزيون السوري تذكر الاسكندرونة ضمن المدن السورية، بينما لم تبدي المعارضة السورية أي اعتراض أو استياء من الاسم التركي للواء (هاتاي).
SaveSave
محمد م. الأرناؤوط

مؤرخ كوسوفي / سوري ، اشتغل في جامعة بريشتينا وفي عدد من الجامعات الأردنية (1974-2017) . يشتغل في تاريخ بلاد الشام والبلقان خلال الحكم العثماني والعلاقات العربية- البلقانية . من مؤلفاته "معطيات عن دمشق وبلاد الشام الجنوبية في نهاية القرن السادس عشر" و "دراسات في بلاد الشام في القرن السادس عشر" و "دراسات حول الحكومة/ الدولة العربية في دمشق 1918-1920" و "ودراسات في الصلات العربية – البلقانية في التاريخ الوسيط والحديث" و"البلقان من الشرق إلى الاستشراق" الخ .

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top