Print this page

التدين الإسلامي والثورة السورية من منظور نفسي-اجتماعي (2-2): قراءة في وصية شهيد

06 تشرين1/أكتوير 2017
 
ماذا نعني بأسلمة الثورة؟

حاججنا في الحلقة الأولى بأنه يمكن شرح استمرار التظاهرات في الأشهر الأولى باستخدام مقاربتي تعميم النجاح وتعميم الفشل؛ وكذلك بأن دور نمطي التدين الشعبي والملتزم كان أكبر في قرار الاستمرار من دورهما في خروج التظاهرات الأولى. لكن ما هو الدور الذي لعبه هذان النمطان وغيرهما بعد الأشهر الخمسة الأولى (أي إلى نهاية آب من 2011)؟ وهل نعني بأسلمة الثورة ازدياد أهمية التدين في تجييش المتظاهرين وفي قرارهم تحدي الرصاص والقمع؟
في الحقيقة، ما نعنيه بأسلمة الثورة السورية من منظور نفسي إجتماعي يتخطّى دور التدين في قرار المشاركين بالخروج يوماً بعد يوم إلى تشكيل أيديولوجيا ناظمة لمعارف النسق الاجتماعي الثوري (أي سردية الثورة: أسبابها، تاريخها، تصوّرها، رموزها) وقراراته وممارساته وتجربته الشعورية (اختيار هذه العوامل يعتمد على أبعاد التدين، والمواضيع الأساسية في علم النفس الاجتماعي، والنموذج المعرفي لاتخاذ القرار والذي سيأتي ذكره). سيرورة تشكيل هذه الأيديولوجيا بدأت قبل الثورة بعقد أو أكثر واستمرت خلالها بخطى حثيثة، وبدأت تتوضح أنساقها مع نهاية 2011، وأصبحت واضحةً جلية مع حلول 2013. ليست هذه السيرورة انعكاساً لثقافة إسلامية أزلية لا تتغير؛ فكما تدعي الأيديولوجيا القومية بأن الهوية القومية أزلية، وكما تدعي الماركسية بأن صراع الطبقات أزلي، كذلك تدعي الإسلاموية (أو ما يسمى بالإسلام السياسي) بأن هناك فهم وحيد للإسلام متجذر في الثقافة لم يتغير من 1400 سنة، وهو نفسه ما تدعو الإسلاموية لفرضه بقوة الدولة. الأسلمة مظهر من مظاهر الإسلاموية، وهذه الأخيرة هي إحدى الأيديولوجيات السياسية الجماهيرية التي ظهرت في القرن التاسع عشر وتوطدت في القرن العشرين. وهي كغيرها من الأيديولوجيات الشمولية انعكاس لتغير جذري في بنية المجتمعات الحديثة، ونعني لنشوء الجماعة السياسية الشاملة (أي تحول المجتمع بكامله إلى ناخبين وفاعلين سياسيين) بعد أن كانت السياسة مقصورة على النخبة الملكية الحاكمة.
 
لابد لتوضيح المقصود بالأسلمة من شرح لآليات اتخاذ القرار وكيف يمكن أن تنحاز القرارات الإنسانية في اتجاه معين دون اتجاهات أخرى. ولا نعني بالقرار القيادة، وإنما القرارات المختلفة التي يتخذها الأفراد ضمن الجماعة وتتخذها الجماعة بمشاركة الأفراد. النموذج الذي استخدمناه لشرح قرار الخروج للتظاهر والاستمرار بالخروج كان عقلانياً نفعياً معدّلاً من أجل أخذ المنفعة العامة بعين الاعتبار، أي يعتقد بأن الإنسان يفكر بوعي ويقوم بحسابات منطقية رياضية واقعية، الغرض منها تحقيق المنفعة الفردية القصوى، سوآءاً عن طريق المنفعة الجمعية أو بالحصول على المنفعة الأنانية المباشرة. وافترضنا أنه عشية كل مظاهرة كانت الخيارات المتاحة للمواطن السوري (أي المقرِّر) هي إما المشاركة في التظاهر وإما البقاء في البيت، ونتائج الثورة هي إما النجاح وإما الفشل. لكن في الحقيقة لا يحسب الإنسان قراراته بشكل عقلاني وواقعي، ولا يعرف نتائج سلوكه وإنما يتوقعها ويرغب بها ويتمناها، فمن اللازم أن نستخدم نموذجاً لاتخاذ القرار يتخلى عن حساب المنفعة العقلاني ويأخذ بقية الخيارات والنتائج بعين الاعتبار ويدخِل توقعات الإنسان بالحسبان. هذا النموذج يعتبر اتخاذ القرار عملية معقدة تبدأ بالتعرّض لمحرض طارئ يستدعي التصرف، وتنتقل إلى  جمع المعلومات والمعارف الداخلية والخارجية عن المحرض، ثم تستدعي الخيارات التي توفرها الذاكرة (النصوص الاجتماعية) وتقارن بينها اعتماداً على المعتقدات والآراء والتقييمات والحوافز الداخلية (motivation) التي يحملها الإنسان المقرِّر، ثم تنتهي باختيار واحد من هذه الخيارات السلوكية ليتم تنفيذه.[1] وهنا يختفي مفهوم المنفعة الواقعة خارج الإنسان ليحل محله مفهوم القيمة المرتبطة بالسلوك (أو منفعة متخيلة متوقعة وليست بالضرورة واقعية).
 
نخلص مما سبق بأن معارف الناس واعتقاداتها وتقديرها للحالة، ومن ثم الخيارات المتخيلة والنتائج المتخيلة، ثم القرارات الممكنة، كلها تقوم على تحيّزات قيمية؛ وليس أفضل من الأيديولوجيا لخلق مثل هذه التحيزات القيمية. القومية والطائفية والإسلاموية والليبرالية والاشتراكية كلها فضاءات معرفية تخلق تحيزاتها الخاصة. ومتى طغى فضاء معرفي معين جاءت معه التحيزات التي يشجعها وغابت التحيزات التي يثبطها. ونظريتنا هنا هي أن الإسلاموية (أو الأسلمة) طغت كفضاء معرفي وبالتالي كتحيزات باتجاه تقييمات واعتقادات وقرارات وسلوكيات معينة. ولم تكن هذه الأيديولوجيا قادرة على هذا التأثير، مثلها مثل أية أيديولوجيا أخرى، لولا عدة عوامل سابقة للثورة تعزز موقعها في المجتمع السوري خلال العشرية السابقة لها على أقل تقدير. هذه العوامل صنعت ما يسميه المشايخ المعلمون بالصحوة الدينية واليساريون بالردة الدينية وهي:

1) النظام الطائفي القمعي الذي حد من خيارات المجتمع السوري الثقافية والعملية.
 2) انزياح مراكز الجذب والإشعاع الاقتصادي والفكري باتجاه الخليج السلفي.
 3) وتطور التدين الملتزم على أيدي المشايخ المعلمين، والسياسي على أيدي الإخوان المسلمين، والجهادي على أيدي السلفية الوهابية. ولسنا هنا بصدد تفصيل هذه العوامل، لكننا سنذكر بعض إسقاطاتها على الثورة السورية من خلال تأثيرها في العوامل المختلفة التي تدخل في اتخاذ القرار أي في المعارف المنتشرة، وفي السلوكيات الممكنة والمتخيلة، وفي حساب القيمة (النتائج المتخيلة لهذه السلوكيات، والاعتقادات بخصوص علاقة النتائج بالسلوكيات).
 
قبل أن نبدأ بتعداد الأحداث والمصطلحات والسلوكيات والقيم والأدوات التي رسمت المسيرة نحو الأسلمة، لا نريد أن نظهر بمظهر المعدد للمثالب والموحي بوجود مؤامرة على المجتمع. التحليل وفهم الواقع لا يعنيان كشف مؤامرة وإن كان التحليل غالباً ما يتم سرده على أنه رواية لها بداية ونهاية وأبطال ومغزى (أي تشبه المؤامرة). الحقيقة هي أن السيرورات الاجتماعية فيها تجاذبات وفواعل، داخلية وخارجية، والفواعل عددها لانهائي والمسيرة يصعب فهمها إلا بعد حدوثها لا أثناءه، فإذا انتهت وتوضحت نتائجها جاء المحللون ليكتبوا القصة الدرامية عن بداية ونهاية وأبطال وضحايا. القصة دائماً انتقائية، والانتقاء غرضه إعطاء السيرورة معنى وإثبات وجهات نظر ودعم مقولات ومعتقدات معينة. المحلل في الحقيقة ليس محايداً بل هو أحد الفواعل، فهو يحاول إعادة كتابة التاريخ. لكن هذه هي دراما التحليل التي لا يمكن الإفلات منها. وكل ما نستطيع فعله هو الانفتاح الدائم على احتمالات جديدة ووجهات نظر جديدة والبحث عن تحيزات أيديولوجيا ممكنة وانتقائية تعسفية. القصة التي نرويها هنا، أي قصة الأسلمة، ليست القصة الوحيدة. والمعلومات التي ننتقيها ونربط بينها، ليست كل المعلومات الموجودة ولا كل الروابط الممكنة. اليوم هناك ظاهرة يصعب إهمالها وهي وجود الأسلمة في الثورة السورية. ولذلك نحاول هنا انتقاء بعض المعلومات والأحداث والتي نعتقد أنها مرتبطة ببعضها البعض وأنها ترسم سلسلة منطقية لمسيرة الأسلمة.

هل الأسلمة جيدة أم سيئة؟ هذا يعتمد على المراقب المحلل؛ ولا نزعم أننا واقعيون (objective) وأن ليس لدينا أي انحياز أيديولوجي، فهذا صعب جداً في العلوم الاجتماعية إذ مهما كانت النظرية واقعية فإن إسقاطها على الواقع ليس بالأمر السهل. الأسلمة على وضعها الحالي لا تعطي بنظرنا حلولاً للأزمة، بل تدفعها في طريق مسدود. هل هناك أسلمات أخرى؟ أم هل هناك أيديولوجيات أخرى؟، بالطبع، ولا نعرف أيها الأفضل فنحن كما الآخرين نتحسس طريقنا في الظلام. لكننا نعرف أيضاً أن أيديولوجيا النظام الطائفية أسوأ بكثير من أسلمة التيار الجهادي السلفي. نحن إذن أمام أزمة، الطرفان فيها متشابكان في صراع أعمى يسير نحو الهاوية. ولذلك نأمل أن يدرك القارئ مما كتبناه أن الأسلمة ليست مؤامرة بل هي جزء من صراع لا يمكن فهم طرف فيه دون فهم الآخر، ولا تحليل طرف فيه دون تحليل الآخر. وبالتالي لا يمكن أن نشرح الأسلمة بالأسلمة فقط، بل بالعلاقة الجدلية مع الطرف الآخر وأيديولوجيته (أو الأطراف الأخرى من الصراع). ونعتقد أن الأسلمة كانت رداً منطقياً على الديكتاتورية الطائفية. ولا يمكن أن نهمل حقيقة أن الثقافة التي أنتجت الواحدة أنتجت الأخرى.
 
أسلمة الفضاء المعرفي - الإدراكات

ونعني بالفضاء المعرفي كل الإدراكات والمفاهيم والتبريرات والاعتقادات والآراء والمعايير (أي الأيديولوجيات) التي يجمعها الإنسان من الوسط المحيط. ويتبع موضوع الفضاء المعرفي موضوع وسائل نشر المعارف مثل الإعلام ووسائل التواصل.

نجح المتظاهرون في مدينة حمص بالوصول إلى ساحة المدينة الرئيسة (ساحة الساعة الجديدة) في 18 نيسان 2011. كان هذا نصراً للمحتجين سيحاول النظام جهده منع تكراره في كل المدن. الاعتصام جمع جميع الطوائف وساد فيه جو من التسامح والوئام. وعندما حضرت صلاة العصر احتشد جمع كبير من المعتصمين للمشاركة في صلاة الجماعة التي أحاط به سور بشري للحماية اشتركت فيه الطوائف المختلفة. هل يجب أن ندفع التحليل هنا أم أن هذا الحدث عادي ويومي وبالتالي خارج التحليل؟ الحقيقة هي أن العادي واليومي هو الجدير بالتحليل، وليس فقط الطارئ والخارج عن العادة. إن المدينة الحديثة ذات الفضاء العام الرحب اختراع غربي وسياسي بامتياز؛ وعند انتقاله إلى سوريا وغيرها من دول المنطقة أصبح له نفس الوظيفة السياسية، أ] التجمع والتظاهر وتحدي سلطة الدولة، أو التجمع والمسيرات الإجبارية والهتاف للنظام القائم، وفي الحالتين هي وظيفة سياسية.  الإسلام السياسي الصاعد في المنطقة استخدم هذا الفضاء العام بنفس الطريقة أي بتحويله إلى فضاء لإشهار القوة وتحدي السلطة وذلك من خلال الصلوات العلنية. لا يمكن تخطي مثل هذا الإشهار على أنه غير ذي مغزى ويعبر عن الثقافة العامة. المساجد الجامعة (المسجد الكبير) وُجدت لهذا الغرض، إنها فضاء عام لا توفره المدينة القديمة وهو فضاء سياسي يؤم فيه الأمير صلاة الجماعة ويخطب ويدعو لأمير المؤمنين. واستمرت هذه الوظيفة عبر العصور اللاحقة لظهور الإسلام إلى يومنا هذا. وعندما تتم أسلمة الفضاء العام (أي استخدامه السياسي) فإن هذا دليل على تغير في الساحة السياسية. هذا النمط من الممارسات وُجد قبل الثورة واستمر بعدها لكن وجوده أثناءها يدل على أن الخلفية المعرفية التي قامت عليها الثورة مأسلمة إلى حد كبير.

أثناء الأشهر الثلاثة الأولى برزت شخصيات كاريزمية قيادية محلية كان لها دور كبير في تحفيز الناس على الخروج وفي تنظيم المظاهرات والتنسيق بين الأحياء والمناطق من أجل الوصول إلى هدف المظاهرات الجماهيرية، التي اعتقد المنظمون بأنها ستشكل الضغط الحاسم على النظام ليرضخ للمطالب. لكن ما جرى هو أن النظام استطاع من خلال الاعتقالات المكثفة والتعذيب وتصوير المظاهرات واستخدام برامج التعرف على الوجوه أن يقاطع المعلومات وأن يصل مع حلول الشهر السابع إلى أسماء وصور هذه الشخصيات القيادية التي حظيت بثقة الناس واحترامهم. منذ البداية لم يكن إطلاق النار عشوائياً تماماً، وأوائل الضحايا كانوا خليطاً من المتظاهرين والمتفرجين؛ ويعتقد البعض أن هذا دليل على استخدام القناصة منذ البداية. لكن مع استمرار التظاهرات أصبح استخدام القناصة ممنهجاً؛ فقد تمركزت الحواجز والقناصة عند تقاطع الشوارع الرئيسية وقسمت المدن إلى قطاعات محدودة بهذه الشوارع؛ وكان دورها منع المتظاهرين في كل قطاع من التواصل والتلاقي مع المتظاهرين من القطاعات الأخرى من أجل تشكيل المظاهرات الجماهيرية والوصول إلى ساحة المدينة والاعتصام بها على غرار ميدان التحرير في القاهرة. كان القناصة مزودين بصور الشخصيات القيادية التي غالباً ما كانت تترأس المظاهرات؛[2] وكانت رصاصاتهم، سواءً استهدفت المتظاهرين أم القياديين، لها وقع نفسي شديد لأنها استهدفت الوجوه والرؤوس وفجّرتها بسبب سرعتها الهائلة (أو بسبب استخدام طلقات متفجرة). استنزِفت قيادات المظاهرات في مشاهد درامية، وزاد عدد الجرحى والقتلى من مهام المتظاهرين التي بدأت بالتنظيم والتنسيق ثم انتهت بتأمين المشافي الميدانية. وأصبح الخروج للتظاهر كما الذهاب إلى الحرب أو إلى الحتف. الجنائز تحولت إلى شعائر يومية، لا بل أصبحت ذريعة أخرى للقتل بعد أن كانت ذريعة للتظاهر. مع نهاية العام 2011 كانت المرحلة السلمية قد انتهت.

في هذا الجو الجنائزي لم يكن من العسير أبداً الربط بين القتل والتضحية والشهادة والجهاد. إنها ثقافة إسلامية شعبية استخدِمت بنجاح في العديد من مراحل تاريخ المنطقة، خاصة في الصراع ضد المستعمر ثم في القضية الفلسطينية. ثم استخدمتها الجماعات الإسلامية المسلحة لإعلان الجهاد ضد الديكتاتوريات، وبعدها الجهادية السلفية لقتال الروس في أفغانستان، وبعدها الجهادية العالمية في الشيشان والبوسنة والعراق. إذا امتنع المتظاهرون الأوائل عن استخدام العنف المضاد فإنهم لم يمتنعوا عن تحويل القتل إلى تضحية وشهادة، ولا نتكلم هنا عن شهادة وطنية وإنما عن شهادة دينية. ظهرت مقولات من قبيل "اللهم خذ من دمي حتى ترضى" لتبرير التضحية وإعطائها قيمة دينية؛ فهي لم تكن تضحية من أجل الوطن والقضية الوطنية بل من أجل إرضاء الإله الغاضب. قد يكون هذا الربط عادياً وأوتوماتيكياً عند كثير من السوريين المسلمين لكنه ربط مشروط بثقافة معينة ولا يوجد إلا ضمن هذه الثقافة. ولا نعني هنا الإسلام كأيديولوجيا معيارية وإنما التدين الإسلامي كتطبيق وأيديولوجيا عملية، وليس التدين الإسلامي بشكل عام وإنما التدين الملتزم والسياسي. على عكس ما يعتقد المؤمنون فإن الدين أيديولوجيا متغيرة حسب المكان والزمان. إن تصوّر الإله يتغير، فهم النص الديني يتغير، فهم المقاصد الشرعية يتغير، معاني المصطلحات والرموز الدينية تتغير. لا نعتقد أن أسلمة الثورة السورية كان سيكون بهذه السهولة لولا توسع التدين الملتزم خلال العقد الذي سبق الثورة ولولا صعود الجهاد العالمي وحرب العراق. وليس هذا التحليل لتوجيه الاتهام إنما لفهم الواقع كما هو وليس كما يجب أن يكون. من "الشعب يريد" إلى "شهداء بالملايين" إلى "هي لله هي لله" إلى "خذ من دمي حتى ترضى" إلى "ما خرجنا إلا لنصرة هذا الدين"، المسيرة ليست منطقية إلا وفق منطق معين خاص.  الفضاء المعرفي العام، من مفاهيم ومعتقدات وآراء وتقييمات وتبريرات، المسيطر على الساحة منذ بداية 2012 كان فضاءً متديناً إسلامياً ملتزماً وسياسياً.

"الجيش السوري الحر" اسم لكتلة هلامية من المجموعات المتمردة المسلحة الصغيرة التي ضمّت منشقين عن الجيش ومتطوعين من أهالي المناطق التي تعرضت للقمع والقتل. تشكلت هذه المجموعات في أواخر 2011، وتسارع تشكلها في بدايات 2012. إعلان قرار التشكيل هو ما يهمنا هنا، فقد كان إشهار القرار نمطياً ظهر فيه ضابط بلباس عسكري يجلس إلى طاولة وأمامه كمبيوتر (لابتوب) يقرأ منه قرار التشكيل، وعلى جانبي الكمبيوتر على الطاولة نسخة من المصحف ومسدس، ووراء الضابط ملثمان يحمل كل منهما بندقية رشاشة ووراءهما بقية الكتيبة أو لافتة عليها اسم الكتيبة وشعارها. دائماً يبدأ إعلان التشكيل بقراءة آيات من القرآن هي نفسها في كل مرة "أذن للذين يقاتلون بأن ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" ثم "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدو الله وعدوكم". المشهد مسرحي بامتياز ومليء بالرموز الموجَهة إلى المشاهدين سواءً كانوا سوريين معارضين أو داعمين من دول مختلفة. الضابط، أو القائد المزعوم للكتيبة، بلباسه العسكري يوحي للمشاهدين بأن الانشقاق عن النظام يتسارع وأن الضباط والجنود المنشقين يحاولون تشكيل جيش مواز له، بنفس المهنية، لكن بحماس أكبر وقضية أكثر عدلاً. هذا الضابط "التائب عن الانتماء إلى النظام" أعلن عن شرعية وجوده خارج الجيش النظامي المحتكر لاستخدام العنف والمدعوم بالقانون من خلال آية قرآنية. هذه الآية تعلن انتهاء مرحلة الصبر وبدء مرحلة الرد؛ لكن الصابرين ليسوا مجرد مواطنين بل هم مؤمنون يتعرضون للاعتداء والقتل (الذين يقاتَلون)، لكنهم صبروا على الشدة في انتظار أن يعلن الإله تحللهم من كل العهود السابقة التي منعتهم من الرد (الانتماء للجيش النظامي، الخضوع للقانون) وأنهم قد ظلِموا وأصبحوا ضحية، مما يعني شرعية ردهم على العنف بعنف مماثل. وتتخطى الآية التحلل من العهود والإذن بالرد المشابه إلى الإيحاء بأن الإله قد ينصرهم في المستقبل القريب، وليس هذا عهداً قطعياً (سينصرهم) وإنما خياراً ممكناً (على نصرهم لقدير) بانتظار القرار الإلهي بذلك. هذا التماهي مع النص القرآني، بحيث يتحوّل المخاطَب فيه من المسلمين الأوائل إلى مسلمي الزمن الحاضر الذين ظِلموا، يظهر عادة عندما يحتاج المسلمون لتجديد العهد مع ربهم؛ العهد الذي قطعه الرب مع المسلمين الأوائل يتجدد مع المسلمين الأواخر بسبب التشابه بينهما. يحصل هذا التماهي في حالات الأحكام الإلهية، فما كان مفروضاً على الأولين هو مفروض على الآخرين، وما كان ثواباً للأولين سيكون ثواباً للآخرين، لكن هذا ليس تطابقاً بين الفئتين. ادعاء التطابق بين الفئتين يتزايد في التدين الملتزم من ناحية أخلاقية (تتطابق أخلاق الفئتين وبالتالي الثواب) وفي التدين السياسي من ناحية سياسية (تتطابق دولة الفئتين وبالتالي العهد بالنصر الجمعي) ويصبح كاملاً في التدين الجهادي (الأواخر نسخة عن الأوائل، أخلاقياً وسياسياً، إنهم الفئة الناجية الأولية نفسها بلباسهم وسلوكياتهم وحتى بأسمائهم). حتى أسماء هذه الكتائب كانت ذات دلالات إسلامية غالباً مثل كتيبة خالد بن الوليد، أبي بكر الصديق، الفاروق، أبابيل، الأمويين، أبي ذر الغفاري، ذو الفقار، جنود الرحمن، فرسان القادسية وغيرها. القرآن المقروء يقابله المكتوب الموجود على الطاولة، والعدة القديمة تقابلها عدة حديثة (المسدس والرشاشات) والعهد القديم بالنصر يقابله انتظار لتحقق العهد الجديد. لكن هذا الاستحضار للماضي بعهده الإلهي وأسمائه ومظلوميته ليس كاملاً، وإنما يبني لشرعية موازية. الرسالة موجهة للمشاهدين المعارضين وللجيش السوري الرسمي، نتشابه باللباس والعدة والمهنية لكننا نختلف بالشرعية، لا بل ونستخدم أحدث التكنولوجيا كالكمبيوتر، في إشارة إلى شرعية عصرية أيضاً، إنها العدة العصرية؛ فكما يحدّث عدو الله نفسه من ناحية العتاد، وإن كان جوهره واحداً، يحدّث المؤمنون عتادهم لكن جوهرهم واحد، وإن كنا فئة صغيرة وقليلة العتاد فإننا سنغلب الفئة الكبيرة بإذن الله.

خلال الأشهر الثلاثة الأولى لم تكن دولة قطر قد حسمت موقفها من الثورة السورية ومن النظام السوري. وبعد فشل محاولاتها في تليين النظام وجذبه لمقترحاتها (نعتقد أنها مقترحات مشابهة للسيناريو الإخواني في مصر) قررت انحيازها لجهة الإطاحة بالنظام، وليس بالضرورة لجهة المتظاهرين والمعارضين. قطر تملك أداة هائلة التأثير هي قناة الجزيرة الإخبارية ذات النفس الإخواني الواضح؛ ومتى ما وجِهت هذه الآلة نحو تجييش الرأي والوعي العام فإنها تطغى على الأصوات المحيطة. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن السعودية وقنواتها الفضائية مثل قناة وصال (منبر الشيخ العرعور). في العام الأول من الثورة كان مصدر الأخبار مؤشراً دقيقاً على موقف الشخص من الثورة. الموالون كان يتابعون القناة السورية وقناة دنيا، والمعارضون يتابعون قناة الجزيرة وقناة وصال ثم قناة أورينت. التجييش الإعلامي لعب دوراً كبيراً في خلق الفضاءات المعرفية لكل الأطراف. وكلها كانت تصب في قناة الاستقطاب الطائفي. هذا بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، يوتيوب، سكايب) التي يمكن لأي فرد أو مجموعة أن يستثمروا فيها قدر ما يستطيعون من الموارد المادية والبشرية. وبقدر ما كانت هذه الوسائل أساسية لاستمرار التظاهر بقدر ما كان أساسية في صوغ الفضاء المعرفي العام.

أسلمة الفضاء القيمي – عوامل القرار

إن هذا الدفع للتدين الشعبي الذي ساد في الأشهر الأولى باتجاه التدين السياسي والجهادي هو سمة من سمات ما نسميه بأسلمة الثورة السورية. التدين الشعبي لا يستطيع صياغة مطالب سياسية لكن التدين السياسي والتدين الجهادي قادران على صياغة مثل هذه المطالب. ونخص المطالب هنا لأنها مؤشرات على تغير في المنظومة القيمية السائدة. الصياغات الأولى كانت علمانية (أي لا تتطرق لمطالب دينية) مثل إسقاط النظام وإطلاق المعتقلين ووقف القتل ومحاسبة القتلة وإنهاء الفساد وإقامة دولة جديدة. أما الصياغات اللاحقة فكانت مأسلمة مثل "هي لله لا للسلطة ولا للجاه" (مع أن السلطة مطلب أساسي لكل ثورة سياسية)، نصرة الدين، إقامة الدولة الإسلامية، إدخال المرجعية الإسلامية إلى الدستور، هزيمة الروافض والمجوس، إيقاف التشيع، نصرة أهل السنة المظلومين، محاربة البيت الأبيض، تمكين أهل السنة، إقامة حكم الله. هذه المطالب المأسلمة كان لها في البداية مقابل علماني (قومي أو ليبرالي)، لكنه مقابل في الدور وليس في المعنى. مثلاً يقابل الدستور العلماني إما دستور بمرجعية إسلامية أو دستور إسلامي أي القرآن؛ يقابل القانون العلماني الشريعة الإسلامية؛ ويقابل سيادة الشعب حكم الله؛ ويقابل الديمقراطية حكم الأغلبية السنية أو مشاورة أهل العلم؛ ويقابل انتخاب رئيس الجمهورية بيعة الأمير أو الخليفة؛ ويقابل الهوية الوطنية الهوية السنية. كان الانتقال من المطالب العلمانية إلى المطالب المأسلمة تدريجياً ومبطناً ومبعثراً في الخطاب والشعارات، بينما ظهرت المطالب العلمانية بشكل صريح ومتبلور في منشورات وبيانات ولافتات كبيرة. لم تتخط المطالب المأسلمة حدود الشعارات ورايات الكتائب وبعض الخطب المصوّرة. ولم تظهر صياغات مكتوبة وعلنية لهذه المطالب المأسلمة إلا بعد سنتين أو أكثر من بداية الثورة.
 
هناك أنماط أدبية تعود إلى الظهور في الأزمات، ومنها نمط وصية الشهيد. عندما تظهر في جريدة أو في بوست فيسبوك أو في رسالة إيميل يتبادلها الناس، ونقرأها على أنها حقيقية ونتفاعل معها بقدر ما تثير فينا من قيم نتمسك بها ونعتبرها جزءاً من ثقافتنا. في الحقيقة، إذا لم تكن معبّرة عن قيم نحملها فلن تثير المشاعر حتى ولو كانت الرسالة حقيقية، وسننساها أو نتجاهلها. إنها حقيقية بقدر ما هي معبّرة. القيم التي تعرضها مثل هذه الرسائل جديرة بالتحليل، وهي منتشرة ومؤثرة بقدر ما تنتشر الرسالة ويزداد عدد قرائها. هذا النمط الأدبي منتشر بين السوريين سواء في طرف المعارضين أو في طرف الموالين. بحث بسيط على غوغل (مفتاح: وصية شهيد سوري، وصية مجاهد سوري) سيوضّح ما نزعمه. هناك مشتركات وفروقات بين ما ينتشر عند هؤلاء وما ينتشر عند أولئك. لكن تشترك هذه الوصايا بأنها من شهيد إلى أمه أو زوجته أو أخته غالباً (مخاطَب نسائي)، وبأنها لا تتحدث عن خصوصيات إلا بقدر ما هي رموز لعموميات؛ وأحياناً تترك الخصوصيات جانباً لتتوسع في العموميات. هذه العموميات هي القيم والمبادئ التي يتمسك بها الكاتب وقرّاءه المتخيّلون.
 
الوصية التي سنحللها موجهة من "شهيد إلى زوجته"،[3] أو بالأصح من رجل سيستشهد إلى زوجته؛ استشهاده المستقبلي يغلب على تاريخه الماضي فيصبح الشهيد الحي الذي يكتب وهو متيقن من أنه سيصبح شهيداً في مستقبل قريب. الرسالة-الوصية تسرد تاريخ الكاتب مع زوجته عندما كانا طالبين في إحدى الجامعات السورية وكيف كانت زوجته تتعرض للإهانة من قبل الأساتذة المحسوبين على النظام لمجرد أنها محجبة، وكيف كانت المخابرات تضايقها لأنها تقرأ تدرس تفسير القرآن، وكيف كانت نار الغضب تحرقه وهو يرى عِرضه المستقبلي يهان أمام عينيه. ثم جاء ابنه الذي سماه حمزة وتوسم في مجيئه الخير، وبعده جاءت الثورة كالوليد بعد المخاض، وحان وقت الأخذ بثأر هذا الشرف المهان. الرسالة مليئة بالرموز الثقافية-الدينية التي تعبّر عن مظلومية مرتبطة بإهانة الدين أو إهانة الشرف بسبب التمسك بالدين. ومع تكرار هذه الإهانات يتحوّل الرجل الضعيف الخائف الجبان إلى مشروع شهيد شجاع لا يخاف. بعبارة أخرى إهانة الدين وإهانة الشرف المتكررة، وكلاهما واحد، تؤدي إلى مخاض طويل وعسير وولادة لثلاثية هي "الابن حمزة الأمل -- الثورة واستجابة الإله للدعاء -- ورجولة الأب التي حققها في خروجه واستشهاده." وهي لا تختلف عن كثير من الثلاثيات الرمزية التي نعرفها من التاريخ والأديان القديمة: الولادة-النضج-الموت بالتضحية؛ الآب- والروح الرسول بينهما- والابن الأضحية؛ الربيع-والصيف-والخريف في انتظار ربيع جديد. المفاهيم والقيم المرتبطة بها في الرسالة خليط بين التقاليد والدين، أو صياغة لقيم تقليدية بطريقة إسلامية.
 
المرأة-الزوجة هي "لباس يستر عورتي (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)"؛ وهي إحدى "المحجبات الجديات اللاتي يأتين إلى الجامعة ليتعلمن، ولا يأتين للهو وعبث"، إنها "الأنوثة الرقيقة العفيفة" التي تتردد "مع بعض الأخوات المؤمنات الفاضلات... على مربية جليلة"، هذه المربية الدينية كانت السبب في "صياغة شخصيتك بأنبل وأطهر وأكمل ما يمكن"؛ وهي أيضاً الضحية التي تدخل وحيدة إلى فرع المخابرات ليسألها المحقق "عن كتاب مختصر ابن كثير في التفسير الذي تقرؤونه على المربية"، لتقول له ببراءة الفطرة الدينية والعفة الرقيقة نعم إنه كتاب في تفسير القرآن ولتكتشف " أن ابن كثير نفسه صار من المطلوبين، هو وابن القيم وابن رجب الحنبلي ،باعتبارهم من تلامذة الإرهابي الكبير والخطير ابن تيمية "؛ إنها الأم التي تعاني مخاض الولادة لتلد طفلاً اسمه الحرية ينعم "بالكرامة والطهارة" التي ضحى الأب من أجلهما بحياته؛ إنها شريكته الدنيوية التي "لا بأس أن تفكر بزواج آخر" بعد موته لكنها ستكون شريكته الأخروية الأبدية "وحوريته الأولى في الجنة"، وهناك ستكون "أحلى من الحور، لن تغار غيرتها اللذيذة" كما كانت تفعل في الدنيا. باختصار الزوجة هي شرف الرجل وعِرضه، معرّفة بأنوثتها العفيفة وطهارتها وحجابها ومربيتها القبيسية، ثم هي الضحية التي يتكالب عليها أعوان النظام الشبقون ليثور لها الرجل مدفوعاً بحميته على عرضه، وفي النهاية هي حورية الرجل الأولى في الجنة وثوابها بأنها لن تغار على زوجها. طهارة المرأة، هذا المفهوم التقليدي، يتحول إلى مفهوم إسلامي مرتبط بالحجاب الذي يتعدى عليه النظام ويهزأ به. وخروج المرأة من بيتها للدراسة، هذا الهم الحداثي الذي أصبح مقبولاً، يعرّضها إلى مخاطر نظرات الرجال؛ لكن مقابل هذه الخروج الخطِر لتعلّم العلوم الدنيوية تذهب بصحبة مؤمنات (وليس رجال) إلى المربية القبيسية لتتعلم مختصر تفسير ابن كثير (وليس التفسير كله لأنه كبير)، أي لتتعلم دينها. وهي ضحية في الحالتين فذهابها إلى الجامعة يعرّضها لرجال النظام المتحرشين، وذهابها إلى المربية يعرّضها لفرع المخابرات، كما يعرضها ركوبها الباص لخطر جنون ضابط المخابرات الأرعن.
 
الرجل-الزوج فهو ضعيف ورقيق وليس "بطلاً من طراز حمزة بن عبد المطلب ولكن أقرب إلى حسان بن ثابت (دون المنكرات التي قالها)"؛ وهو الخاضع لجبروت النظام الذي يطلب منه أن يقول "منحبك" وهي الكلمة التي لا يمكن أن يقولها لغير زوجته؛ هو الجبان الذي يذهب بصحبة خطيبته إلى فرع المخابرات ليسألوها عن الدروس الدينية التي تحضرها بينما هو يقف خائفاً في الخارج يدعو ربه؛ وهو الحانق الغاضب الذي يشعر بأن "عيونهم وألسنتهم تنتهك عرضي فيك" ليتحول بعدها إلى ثائر لأن زوجته لن تفخر به زوجاً "وقد مُس عرضه وعرض عماته وخالاته ، وبنات بلده ،ولم يرفع صوته جهيراً يملأ سمع أهل الأرض"؛ ثم يصبح بطلاً يخرج مع من خرجوا "لأنك عندي غالية ، يجب ألا تُمسي بسوء، وألا يتثاقل عليك الوقحون، وألا يعسروا طريق نجاحك، وألا يساوموك على عفافك، وألا يأخذوك إلى فرع الإذلال والنكال والخسة كما أخذوا غيرك"، خرج وضحّى بحياته  ليطهّر "البلاد من هذا الوباء، ويمهد للجيل القادم بيئة العزة والكرامة والطهر" . الزوج الجبان يصبح جباناً على طريقة التراث الإسلامي فهو لا يعرف إلا الكلمات مثل شاعر الرسول حسان بن ثابت. ثم يأتي النظام لينتقص من رجولته لأنه ترك خطيبته تدخل الفرع وحدها بسبب حضورها لدروس دينية. ثم يتحول إلى بطل يضحي بنفسه من أجل عرضه وشرفه المرتبط بالمرأة وبحضورها للدروس الدينية. من سمات العصر أن الزوجة تخرج من بيتها، وهذا لم يكن ممكناً منذ مائة عام، ففي ذلك الزمن الخروج وحده كان سيكون عاراً، أما اليوم ومع قبول هذا الخروج لتعلم الدين فإنه يصبح حقاً تعيقه السلطة الجائرة.
 
أما العدو فهو مجموعة من الرجال في مواقف سلطوية جنسية مختلفة. إنهم طلاب الجامعة من أعوان النظام الذين "يريدون أن تبذلن أنوثتكن لعيونهم الجائعة"؛ وأستاذ الجامعة العضو العامل في الحزب الذي "يسخر من المحجبات" ويقول "الشريفة لا تتخفى خلف قطعة قماش"؛ وهو الأستاذ لذي كان يمشي في أروقة الكلية يتفاخر بالصبايا اللواتي يحومون حوله، ومثلك ممن لا يروي رغباته المريضة كان نصيبهن التعسير في الامتحان والتقييم"؛ وضابط المخابرات التي يضرب سائق الباص ويهدد حبيبة الكاتب بأن يأخذها إلى فرع المخابرات كما "فعلوها في الستينات والسبعينات وخصوصا الثمانينات"؛ إنه المعسكر الجامعي التدريبي حيث "السهرات الماجنة التي يختلط فيها الحابل بالنابل، وتذوب الكرامة فيها حياءً أمام سقوط كل حدود الاحترام والآداب والحرمات"؛ وكل هذا قد يكون مؤامرة "خطِط لها بمهارة شيطانية، هم يريدون مجتمعاً الدعارة فيه مقبولة على أنها انطلاق وحرية"؛ إنه الجامعة التي "تربي الفتيات على العنتريات التحررية، والخروج عن الدين والتقاليد والصراع مع الرجل لأنه رمز المجتمعات الذكورية"؛ وهو كذلك الفرع الذي تذهب إليه حبيبته وحيدة لأنها حضرت دروس الدين عند مربية طاهرة. إنهم كل رجال النظام الذين "لا يعرفون معنى للشرف، ولا قيمة للطهر"، ويحقدون على العفيفات لأنها "عقيدة حزبهم" وينتهكون عرضهن ومعهن حبيبة الكاتب "بعيونهم وألسنتهم". العدو باختصار رجال النظام الذين يهينون شرف النساء العفيفات ويفعلون الموبقات ويريدون أن تكون "بلدنا حانة كبيرة ونساؤنا بغايا لهم".
 
أما الثورة فهي استجابة لدعاء الكاتب أمام فرع المخابرات الذي كانت تدخله حبيبته وحيدة "اللهم احفظ وسلم"، الدعاء الذي شكك بعضهم باستجابة الله له "ولكن ..من قال إن الدعاء لا يكفي!! هذه الملايين التي خرجت اليوم لتقول " لا " هي استجابة رب العزة لدعائنا، ولدعاء مئات الآلاف من المظلومين منذ أكثر من أربعين عاماً، لكن الاستجابة حصلت عندما نفذ المؤمنون" سنة الله في التغيير، اذ أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فيصبح المحتجون على الظلم بقوة قدر الله في التغيير". هذه الثورة مثل ابنه الصغير الذي أرادت أمه أن تسميه محمد مَن أقرب إلى القلوب من محمد"، لكن الكاتب سماه حمزة "ليكون له نفرة حمزة رضي الله عنه العزيزة يوم خرج والفاروق مع المسلمين إلى الحرم في بداية العهد المكي، مما يعتبر أول مظاهرة احتجاج على الظلم"، هذه هي المظاهرة الحقيقية وليس "كما يقول بعض المتفذلكين من أن التظاهر وسيلة مدنية علمانية". الثورة ليست وسيلة علمانية، بل هي إرادة الله وقدره واستجابته لدعاء المؤمنين الذي أعدوا العدة كما أوصاهم الإله، إنها استمرار لتراث إسلامي قديم ابتدأ بنفرة حمزة بن عبد المطلب، صاحِب أول مظاهرة احتجاج على الظلم.
 
هذه الوصية في عام 2011، والتي صاغت الثورة بصياغة إسلامية تراثية محورها العرض والشرف، حلت محلها وصية أكثر مباشرة عام 2014 تقدّم صياغة إسلاموية موجزة بشعارات سياسية دينية سياسية محورها تحكيم شرع الله والشهادة. في هذه الوصية يبدأ الكاتب بوصايا دنيوية وينتهي فجأة بقوله "والله ما خرجنا إلا لنصرة دين الإسلام وإعلان كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحكيم شرع الله على الأرض، نسأل الله أن يقبلنا من الشهداء والله على ما نقول شهيد"[4].

ويمكن أن نرى مثل هذه التحولات في الخطاب والقيم والنظرة إلى العالم بين بداية الثورة عام 2011 وبين أعوامها اللاحقة في فيديوهات العمليات العسكرية والاستشهادية، والأناشيد، ووصايا الاستشهاديين المصوّرة، وفيديوهات تشهّدات الجرحى على حافة الموت، والمرثيات والخطب الحماسية والرسائل الموجهة إلى إخوة المنهج وغيرها من الأدبيات المقروءة والمسموعة والمرئية.
 
إن إحدى أهم المفاهيم القيمية التي تحولت مع أسلمة الثورة هي مفهوم الهوية. تحدّد الهوية المجموعة الاجتماعية بأن ترسم صورة أعضاء المجموعة "نحن" وصورة من هم خارجها ولا ينتمون إليها "هم". هذه الصورة ليست فقط وصفية بل أيضاً قيمية. الهوية السنية التي نهتم بها ليست فقط وصفاً للمعارف التي يجب أن يحملها حامل الهوية، أي السني، بل هي أيضاً قيم تلوّن هذا الوصف بالتضاد مع هوية الآخرين، خاصةً الأعداء. كما ذكرنا سابقاً فإن الهوية السنية ليس نابعة من التدين الشعبي بل من التدين الملتزم والسياسي والجهادي. ومع تحوّل التدين الشعبي خلال عدة سنوات من الحرب نحو التدين الملتزم والسياسي وخاصة الجهادي أًصبحت الهوية السنية تعريفاً وقيمة يحملهما العديد من السوريين المسلمين السنة. حكم الأسد الأب قام على تحالف واسع بين حزب البعث وشرائح متعددة تعرّف نفسها كأقليات طائفية أو دينية أو كطبقات دنيا ريفية. إحدى هذه الشرائح رأت نفسها علوية، وأخريات رأت نفسها فلاحية ريفية مهمشة سواءً كانت علوية أو سنية. قد يكون الأسد ومخابراته طائفيين، لكن التحالف الذي قامت عليه الدولة وحتى النظام لم يكن طائفياً. أما نظام بشار الأسد فقد كان تحالفاً بين شرائح أضيق اكتسبت هويات محوّلة عن بعض الهويات القديمة. الهوية العلوية الريفية انقسمت إلى علوية نخبة النظام المدينية والشبيهة بالقومية (العلوية السياسية التي قال بها صادق العظم)، وعلوية عناصر المخابرات الريفية أو الساكنة في العشوائيات لكن لا تزال تربطها بأريافها الأصلية علاقة وثيقة عشائرية وثقافية واقتصادية. بالطبع، قد يكون هناك علويون لا يرون أنفسهم لامع هؤلاء ولا مع أولئك. والحليف الآخر حمل هوية علمانية يسارية متعالية بغض النظر عن أصوله، والتي قد تكون أقلوية طائفية عند البعض. والحليف الثالث حمل هوية سنية مدينية سمح لها النظام من خلال استثمار رؤوس أموالها في البلد بممارسة ثقافتها السنية المحافظة. الأهم هو أن تحالف النظام كان في مجمله يحمل هويات طائفية علوية ومسيحية وسنية. وتحت حكم بشار الأسد قوي نفوذ كثير من رجال الدين من مختلف الطوائف، واستخدمهم النظام كوسطاء بين طوائفهم (التي أصبحوا يمثلونها) وبين مركز السلطة المتمثل بالقوى الأمنية والنخبة الاقتصادية الناتجة عن إجراءات الخصخصة ورفع الدعم. ومع توسع المدن الكبرى مع ما حولها من عشوائيات وضواحٍ، وتوسع المدن الصغرى لتصبح مليونية بعد أن كانت ريفية قبل عشرين سنة، أصبحت غالبية السكان في سوريا تعيش في مدن. رافق هذا التحوّل انتشار لأنماط التدين المدينية فيما سبق أن كان أريافاً، وانتشار شبكات المشايخ ورجال الدين المتمركزين في المدن. تحمل هذه الشبكات كما ذكرنا التدين الملتزم والسياسي، وبعضها التدين الجهادي. ولا نهمل هنا الدور الكبير الذي لعبه الاغتراب في دول الخليج لحوالي ميلوني سوري قبل الثورة؛ هؤلاء أصبحوا طبقات وسطى مهنية بغض النظر عن أصولهم وخرجوا عن الإطار التقليدي لدولة الإعانات (أي الوظيفة الحكومية) وتشربوا الأفكار الإسلامية الملتزمة والجهادية والسلفية المنتشرة في الخليج؛ هذه الأفكار هي عبارة عن إسلام معولم يمكن حتى أن نميزه كنمط قائم بذاته من التدين الإسلامي السني. باختصار، في مواجهة تحالف النظام الطائفي، كان هناك انتشار واسع لشبكات تحمل أنماطاً جديدة من التدين، المديني الملتزم أو السلفي المغترب أو الجهادي العالمي.

عندما قامت الثورة شارك الناس تحت مظلة هوية المضطهَدين لأنها المظلة الوحيدة التي يمكن أن تجمعهم على اختلاف مناطقهم وهوياتهم المحلية. لكن القمع ضرب المحليات وشتتها وضرب الأحياء الفقيرة في المدن وحاصرها ودمرها. الثورة الشعبية السلمية انتهت عندما اختار النظام كحل لأزمته أضخم عملية تهجير في تاريخ المنطقة، ستة ملايين إنسان مهاجرين داخل سوريا وأربعة ملايين إنسان لاجئين في جميع أنحاء العالم. تزعزعت كل أنواع الهويات في سوريا، وظهرت هوية جديدة للمضطهَدين المهجرين واللاجئين، إنها هوية بالتضاد مع الهوية التي اختار النظام أن يظهر بها أمام مواطنيه ونعني الهوية الطائفية العلوية (نتحدث عن الصور والخطاب وليس بالضرورة عن الأشخاص). هوية التضاد هذه، أي السنية، شجعها المال الخليجي والتركي الذي اختار "دعم الثورة" بعد أشهر من بدئها، وفي الحقيقة بعد هزيمة الثورة السلمية الشعبية. الأنظمة الحاكمة في الخليج طائفية سنية سلفية بامتياز، والحزب الحاكم في تركيا إسلامي بامتياز. وهؤلاء دعموا المشابهين لهم من السوريين في مغامرة بناء إمبراطورية فشلت بعد عدة سنوات من الحرب الطاحنة. هذا بالإضافة إلى الجهاديين الذي تموّلهم شبكات عالمية (كثير من أعضائها أغنياء من الخليج) تؤكد على هوية سنية إقصائية عنيفة هي الجهادية السلفية العالمية. وكما أراد النظام وأراد داعمو المعارضة المسلحة، تحوّلت الحرب في سوريا إلى حرب أهلية طائفية.

هذه الهوية السنية التي بدأت تحت النظام الطائفي وتقوّت أثناء الحرب الطائفية تحمل (مثل الهوية الطائفية المقابلة) كماً لا يستهان به من القيم التي تؤثر في تصوّر الناس للتصرفات الممكنة والمحتملة والمتوقعة والمقبولة ولنتائج هذه التصرفات (أنظر حساب القيمة). نذكر من هذه القيم:

المظلومية: ليست المظلومية بالضرورة قيمة تحملها كل ضحية. الضحية تحسّ بالظلم عند وقوع الاعتداء لكن المظلومية إحساس دائم بالظلم لا يرتبط باعتداء معين وإنما بانتماء إلى فئة معينة. السني المظلوم قد يكون ضحية، لكن المظلومية السنية تجعل من كل سني ضحية سواءً تعرض لاعتداء أو لم يتعرض، إذ أن أي اعتداء على أي سني يصبح اعتداءً على كل سني. هذه المظلومية السنية لا تختلف عن مقابلاتها في تحالف النظام أي المظلومية العلوية والمظلومية المسيحية والمظلومية الشيعية. المظلومية فكرة نمطية عن الذات والآخرين، الذات فيها دائماً ضحية والآخر دائماً ظالم والعلاقة بينهما دائماً علاقة ظلم، وهذا ينطبق على كل أفراد الطائفة المظلومة وكل أفراج الطائفة الظالمة. إن المظلومية لا يمكن أن تنتِج إلا العنف لأنها تقتصر على دورين وحيدين، إما دور الضحية وإما دور الظالم.

التكفير والطهرانية: يمكن أن يكون الطرف الآخر مجرد معتد، وقد يكون نداً. قد نحتقره بسبب أذية ألحقها بنا لكننا لا ننفي عنه بالضرورة صفة الإنسانية. وما دمنا نعتبره إنساناً فمن الممكن تحصيل الحق منه عن طريق القانون. لكن التكفير، كما هي الخيانة والتخلف في قاموس النظام، تجرد الآخر من إنسانيته وتجعل قتله إمكانية وأحياناً ضرورة من أجل الحفاظ على طهارة عالمنا. ولا نقول أن التكفير والطهرانية من سمات السنية بشكل عام، حتى وإن احتوى التاريخ الإسلامي على أمثلة كثيرة على التكفير. في الحقيقة التكفير نشأ قديماً تحت دولة إمبراطورية استخدمته لمحاربة أعدائها من المتمردين والمنافسين على السلطة والإمبراطوريات المجاورة. وبقي التكفير أداة تستخدمها الدولة. وهي وإن استخدمها الرعاع فإنهم استخدموها دائماً في ظل دولة تسمح بها. لكن التكفير الذي تمارسه الجهادية العالمية خارج تماماً عن أية سلطة ويقوم به أفراد وجماعات مستقلة، وهذا ما يجعل هذا التكفير سلاحاً فتاكاً يقضي حتى على الذين يستخدمونه لأنه سلاح مطواع بأيدي أعدائهم كما هو مطواع بأيديهم. والجهاد مرتبط بالتكفير، وكما كان التكفير حكراً على الدولة كان الجهاد أيضاً حكراً عليها، وكما أصبح التكفير أداة بيد أفراد، أصبح الجهاد أداةً فرديةً يعلنه من يشاء وعلى توتير ودون كبير عناء. وكلاهما، التكفير والجهاد، أثرا على مؤسسة إسلامية قديمة هي مؤسسة الفتوى وجعلاها مبتذلة في أيدي أفراد يزعمون الأهلية.

الخطر الثقافي والديني: منذ السبعينات استخدمت الطليعة المقاتلة الإخوانية أداة التكفير لتجييش الناس من أجل محاربة حاكم ظالم. لكن هذه الجماعة لم تستخدم هذا المصطلح السياسي وإنما استخدمت مصطلحاً طائفياً "حاكم علوي"، وزعمت أن وجوده كعلوي في سدة الحكم غير شرعي بغض النظر عن ظلمه. كما زعمت بأنه يقود حملة ثقافية دينية تهدف إلى تشييع البلاد السنية، أي التي هم أصحابها على حد زعمهم. هذا الخطر الثقافي الديني الداهم، لا يقتصر على الطليعة والإخوان بل يشمل الأنظمة الحاكمة في الخليج، التي تحارب معارضيها الذين ينتمي كثيرون منهم إلى الأقلية (أو الأكثرية في حالة البحرين) الشيعية. وزاد في الطين بلة أن هذه الأنظمة قضت على معارضاتها الأخرى العلمانية مثل القومية العربية واليسارية وتفرغت لمعارضيها الشيعة الذين كان كثير منهم يحمل أيديولوجيات أخرى، مما دفعهم لحمل لواء المظلومية الشيعية. هذه المظلومية أساسية في التدين الشيعي، وأكثر أهمية في التدين السياسي الإيراني الذي تولى الحكم بعد الثورة الإيرانية في 1979. هذه الحكم الطائفي بامتياز (يشبه كثيراً الأفكار الإخوانية) شجع الأقليات المعارِضة في الخليج على حمل لواء المظلومية الدينية. واليوم يتدخل النظام الإيراني الطائفي في العراق واليمن وسوريا والبحرين مما يعزز الرواية الإخوانية والرواية الخليجية عن حملة التشيع. الحقيقة أن هذه الحملة موجودة في عقول النظام الإيراني وعقول الطليعة الإخوانية وعقول أنظمة الخليج فقط. ليس هناك أي دليل ملموس على نجاح، أو وجود، مثل هذا المشروع في سوريا. نعم هناك وجود إيراني، لكن ليس هناك خطر تشيع وتغيير سكاني أدى إلى الثورة السورية ويحاول الجهاديون إزالته لأنه خطر وجودي على الهوية السنية.

هذه القيم التي ذكرناها كفيلة بأن تجعل أي مشروع تعايش يبدو مستحيلاً، وأي حل للأزمة يبدو مستحيلاً، إلا بالقضاء على الآخر المجرم الكافر بكليته من أجل إنقاذ الذات الطاهرة بكليتها.

أسلمة الفضاء السلوكي - النص الاجتماعي

عندما يقف الإنسان أمام محرّضات مثل الظلم والقهر والحرب، فإنه يستدعي كل الأيديولوجيات والسلوكيات التي يمكنها أن تحافظ على وجوده، أو أنه يعتقد أنها تفعل ذلك. وهنا يواجهنا مفهوم شديد الأهمية صادفناه عند مناقشة النماذج المعرفية لاتخاذ القرار، ونعني سيناريوهات السلوك المحفوظة في الذاكرة. نطلق على هذا النمط من سيناريوهات السلوك اسم النص الاجتماعي (social script). وهذا النص (أو السيناريو) هو مجموعة من التصرفات المتتالية المترابطة والتي يقوم بها الفرد في موقف معين. وكما يلتزم الممثلون في فيلم ما بنص الفيلم أو المسرحية، فإن الأفراد في مسرحية اجتماعية ما يلتزمون بنصها الاجتماعي المعروف مسبقاً. عندما يحضر المرء عزاءاً فإنه سيلتزم بنص اجتماعي معروف. يمكن تصوّر مواقف كثيرة في الحياة الاجتماعية لا يحتاج المرء أمامها إلا إلى استحضار نصوص اجتماعية جاهزة. وعندما تصبح معظم النصوص الاجتماعية المطروحة على الإنسان ذات صبغة إسلاموية فإننا نتحدث عن أسلمة الفضاء السلوكي. ذهن الإنسان يحتفظ بكثير من السيناريوهات الممكنة للتصرف، لكن الدعاية وطغيان أيديولوجية معينة يعطي السيناريوهات المناسبة لها أولية على السيناريوهات الأخرى (priming).
 
في بداية الثورة عندما كان النظام يسرّب فيديوهات جنوده يعذبون أهالي قرية البيضاء السنية قرب بانياس، ويدوسون القرآن، ويهدمون المآذن، ويقصفون المساجد، ويهزؤون بشعائر المؤمنين السنة، فإن هذه المشاهد كانت تدفع إلى مقدمة أفكار المعارضين سلوكيات مشابهة في العنف ومعاكِسة في الهدف. فكما أوحت الفيديوهات بأن المعتدي علوي والمعتدى عليه سني، تصبح أولى السلوكيات القافزة إلى ذهن المشاهد الذي يتماهى مع الضحية هي سلوكيات عنف ضد المعتدين العلويين. في الحقيقة فإن معظم السلوكيات التي رأيناها عند المعارضين المسلحين تشبه تماماً سلوكيات النظام، ونعني اعتقال المعارضين وتعذيبهم واغتيالهم، وإنشاء خلايا اغتيالات وفروع أمنية، وإعطاء احتكارات وإنشاء شبكات محسوبية. الذي تعلمه الأطفال سواءً من النظام أو من مجتمعهم يعيدونه وهم كبار.
 
هناك أمثلة أخرى على النصوص الاجتماعية الإسلاموية التي تشجع العنف، سواءً في حالة الحرب أم خارجها، ونعني الجهاد، العملية الاستشهادية، إقامة الحد، والحسبة (أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وسنناقش بالتفصيل في القسم التالي أحدها وهو النص الاجتماعي الاستشهادي. وهناك نصوص اجتماعية أخرى مقاتلة أو سياسية تدور حول شخصيات بطولية إسلامية تمثل مثلاً عليا (archetypes) يتم استحضارها من التراث (وأحياناً من التاريخ غير البعيد) وإعادة صياغتها لتوافق معطيات العصر والأيديولوجية الإسلاموية، وذلك من أجل تحفيز سلوكيات معينة تتمحور حول مفهوم التضحية بالذات وعدم المهادنة والقسوة على الأعداء، وإقامة العدل (حسب مفهومهم). يستحضر الجهاديون في سوريا هذه الشخصيات البطولية بأفعالهم بالإضافة إلى لباسهم ولحاهم ولغتهم الفصحى وأسمائهم الحركية وخطبهم وفيديوهاتهم، فكأنهم ممثلون في مسرحية. ونذكر منها (بالإضافة إلى المثل العليا التي أصبحت تجسدها في البانثيون القيمي الإسلامي) شخصية خالد بن الوليد (المجاهد الأزلي)، القعقاع بن عمرو التميمي (المجاهد الذي يقاتل المرتدين)، عمر بن الخطاب (الحاكم العادل الشديد)، أحمد بن حنبل (المعارض الصادح بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم)، صدام حسين (الحاكم السني الشجاع، ضحية الشيعة)، ابن تيمية (السلفي المتمسك بدينه كالقابض على الجمر)، صلاح الدين الأيوبي (القائد المحارب الذي وحد المسلمين وهزم الغرب الصليبي)، أبو ذر الغفاري (المعارض المجاهد المسافر الغريب الذي نبذه مجتمعه لنقائه ووقفته مع المظلومين)، ونور الدين بن زنكي (القائد المجاهد موحد المسلمين ضد الشيعة والصليبيين).

العنف الديني[5]

العنف نص إجتماعي تشكلّه البيئة والثقافة، ويختاره الفرد أو الجماعة حسب الحالة والاستعدادات والمحرّضات. فإذا أخذنا التدين كأحد أهم الأيديولوجيات التي تكوّن وتقولب الثقافة المجتمعية، فكيف يمكن فهم دوره في الوصول إلى العنف أحياناً؟ وننوه هنا إلى أن العنف ليس الحالة الطبيعية واليومية للتدين وإنما هو حالة متطرفة ونادرة إحصائياً، وأننا هنا نحاول تحليل التطرف في فهم الدين وما قد يؤدي إليه من عنف. ونعود هنا إلى التفريق بين الدين والتدين، أي الأشكال الاجتماعية لفهم وتطبيق الدين. إن هناك عاملاً مهماً يعود إليه النفسيون الاجتماعيون مراراً وتكراراً لتفسير العنف الديني، وهو العلاقة بين العنف والإحساس بالعار والمذلة. وقد ميّزت الدراسات عدة سيناريوهات قد يساهم فيها التدين، مثل كثير من الأيديولوجيات، في توليد وترسيخ الإحساس بالعار والمذلة وبالتالي اللجوء إلى العنف:
  • تشويه إدراك الذات والآخرين: قد يؤكد التدين المتطرف أحياناً على حقارة النفس البشرية وصَغارها أمام المعيار الديني المثالي، وعلى احتقار الجسد البشري والغرائز البشرية. قد يُترجم هذا الإحساس إلى إهانة الذات وتبشيعها وتدنسيها؛ أو قد يُترجم إلى شيطنة الآخرين وتجريدهم من الإنسانية، مما قد يستدعي أحياناً فنتازيا عدائية تطهيرية.
  • مضاعفة المشاعر العدائية: تشير الأبحاث أن هناك ارتباط عند المتطرفين دينياً بين تصوّر غاضِب ومعاقِب للإله مبالغ فيه من جهة، وبين القلق والاكتئاب واعتبار أن التحكم بتصرفات الفرد خارج عن إرادته ويخضع لإرادة الإله فقط. في هذه الحالة لا بد للمؤمن القلق والمتوتر من أن يعترف بالخطيئة ويحس بالذنب وانعدام القيمة، وأن يكفّر عن خطيئته من خلال أعمال عنف وتضحيات دموية.
  • نظرة عدائية إلى العالم: قد يرسم التدين المتطرف رؤية قيامية ترى العالم كصراع وجودي كوني بين قوى الشر وقوى الخير، وتحتاج فيه قوى الخير إلى تطهير العالم من قوى الشر؛ هذا التطهير غالباً ما يكون بالدم عبر حروب وأعمال عنف. في هذه النظرة يصبح العالم مدنساً ومنزوع القداسة ولا بد من تطهيره لتعود إليه القداسة، أي لا بد من تقديم الأضاحي الدموية.
  • تبرير العنف: كلما زاد إحساس الإنسان بالعار والمذلة كلما زادت حاجته إلى ممارسة العداء والعنف وكلما بحث عن قنوات مقبولة إجتماعياً لتفريغ هذه الحاجة إلى العنف. التطرف الديني قد يوفّر مثل هذه القنوات كالتكفير، وإهدار الدم، وحملات التطهير الطائفية، وإنكار إنسانية الآخرين، والأحكام المسبقة.

العنف في الارثوذكسية الإسلامية


كل أيديولوجيا شاملة تطمح إلى التحكم بحياة المجتمع بجميع نواحيها تفترض وجود حالات يتحول فيها العنف من تصرف مكروه إلى تصرف مقبول، وأحياناً ضروري. القانون مثلاً يعتبر القتل جريمة، إلا إذا مارسته الدولة من أجل القصاص أو مارسه الأفراد في حالة الحرب. وقتل النفس محرّم عند كل المجتمعات إلا في حالات التضحية من أجل الجماعة، فإنه يصبح موضوع تبجيل. ولا يشذ الإسلام في أدبياته المعيارية المتعارف عليها عن هذه القاعدة. فما هي الحالات التي يقبل فيها الإسلام بممارسة العنف؟ الشريعة الإسلامية كأي قانون يحكم حياة المجتمع يعتبر العنف ضرورة أحياناً، كما في القصاص من قاتل النفس (العين بالعين والسن بالسن)، وحد الحرابة، وحد الردة، وحد شاتم الرسول، والجهاد ضد المعتدي، والجهاد لنشر الدين، ومحاربة الخارج على الحاكم، والاستشهاد أثناء الجهاد. تضبط كل هذه الحالات قواعد ناقشها الفقهاء لقرون. لكن ليس للإسلام سلطة قاهرة واحدة تضبط تفسير الشريعة. وفي العصر الحديث خرجت وظيفة الإفتاء من أيدي علماء الدولة إلى أيدي أفراد يعتقدون أنهم أكثر تأهيلاً وأعمق رؤية وأقرب إلى الله من الآخرين، مما يبيح لهم إصدار قوانين خاصة بهم يعتقدون أن الله خولهم بتنفيذها. فلننظر في بعض هذه الحالات التي تشرّع العنف أو تعظمه وتعتبره مقبولاً وظهورها في الثورة السورية.
العنف والتدين الشعبي[6]

قد ينجح بعض المحرضين بإقناع الغوغاء بإحدى مبررات الرد العنفي المذكورة أعلاه، أي أن يأخذوا القانون (الشريعة) بأيديهم ليصبحوا المدّعي والقاضي والجلاد. لا أحد يجرؤ مثلاً على شتم الرسول في السوق، وأحياناً على الإفطار علانية في رمضان. لا ندّعي أن الحرية يجب أن تشمل هذين الفعلين، لكننا نذكر هنا حالة قد يتم فيها استخدام العنف بدافع من التدين الشعبي. هل كان للتدين الشعبي دور في تحوّل الثورة السورية إلى العنف؟ في الحقيقة لم يكن الناس بحاجة إلى تبريرات دينية معقدة ليردوا على عنف النظام بعنف مضاد. لكن يمكن القول بأن مفهوم الشهادة المنتشر عند الناس لعب دوراً في قولبة التضحية بالنفس ثم في قولبة اللجوء إلى الثورة المسلحة. في هذه الحالة يصبح موت الإنسان شاهداً على صدق إيمانه وبرهاناً على العلو الأخلاقي لقضيته. التضحية بالنفس تنتقل من خانة الإنتحار المحرّم إلى خانة الفعل النبيل الذي يرضى به الإله ويثيب عليه (الشهيد حبيب الله).

العنف والتدين الملتزم والسياسي


في حالتي التدين الملتزم والسياسي يمكن تبرير التضحية بالنفس أثناء الجهاد من خلال عدد كبير من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية. تتحوّل التضحية هنا من عمل شعوري إلى عمل عقلاني مبرر. وكذلك الحال بالنسبة للجهاد. لكن من أجل تبرير التضحية والجهاد لا بد من تفسير وضع المسلمين الحالي بطريقة تجعله مماثلاً لأوضاع معروفة من القرآن والسيرة تستوجب الجهاد بالقياس. إن الخروج على الحاكم الظالم ليس بالأمر اليسير حتى في الشريعة الإسلامية، وقد رأينا التجاذب الذي حصل بين البوطي ومخالفيه من الثائرين من أجل تبرير الثورة. وهناك أدبيات جاهزة عند التدين الإسلامي السياسي خاصة تصوّر المجتمع والدولة على أنهما في حالة من الجاهلية بحيث يصبح الخروج على الحاكم وإجبارالمجتمع على العنف ضرورة وواجباً تقوم به النخبة القائدة (أفكار سيد قطب مثلاً) من أجل التطهير والتقويم. هذه التبريرات تركز على وقوع المسلم المعاصر في الخطيئة بسكوته على الحاكم الجائر، وتمنح النخبة حق إيقاظه ولو بالقوة. الحكم النصيري الكافر، حكم الرافضة والمجوس، العهر السياسي، حكم العلمانية، تدنيس أرض الشام الطاهرة أرض المحشر، كلها تبريرات قدمها المحرضون على أسلمة الفعل الثوري وتحويله إلى فعل عنيف مسلح. لا بل أصبح الموت/الشهادة نبأ سعيداً يزفه الأهل لبقية المجتمع أو يزفه المقاتلون لأهل الشهيد.

العنف والتدين الجهادي

هناك فعل عنفي متطرف اختص به التدين الجهادي، ونعني به التفجير الاستشهادي بقيادة سيارة مفخخة أو ربط الأحزمة الناسفة. إن العزلة الاجتماعية التي يسوّر بها التدين الجهادي أفراده تجعل من العنف أسلوباً في الحياة وليس فقط خياراً في جعبة من الخيارات الأخرى.[7] المجتمع بأسره يصبح موبوءاً، مدنساً، كافر لا بد من التبرؤ منه وهجره ومن ثم تطهيره بالدماء والنار. عملية التطهير تأخذ طابعاً مسرحياً استعراضيا، فانتازيا جماعية،[8] يشترك فيها الجهاديون بدور المعلم المنبه، والأب الزاجر، والشرطي المقوّم، والقاضي المستقيم، والجلاد المؤزر بالرضا الإلهي. إقامة الحد تصبح استعراضاً لزجر المجتمع وترهيبه وكذلك لإظهار تديّن الجهادي وتمسكه بالحق؛ والعملية الاستشهادية تصبح تقمصاً لبطولات قديمة وبرهاناً على صدق الإيمان وصدق الوعد وشهادةً على القدرة الإلهية وتطهيراً بالنار والدم وصرخةً عالية تعبر عن قوة المشاعر الداخلية الجياشة. إن أي من فيديوهات الجهاديين في سوريا يُظهر تماماً عناصر هذه الدراما:
  • اللباس يستعيد ذاكرة متخيّلة للسلف الصالح (رغم أن هذا السلف لم يكن يعرف البدلة الأفغانية)؛
  • الشعر الطويل واللحية الشعثاء والشارب المحفوف ليست فقط تنفيذاً لوصايا نبوية وإنما أيضاً رغبة بتمييز النفس عن الآخرين الكفار وكذلك تبشيعها وتحقيرها وجلدها كعنوان على التوبة عن الخطيئة (هناك أحاديث أخرى تحضّ على اللباس الحسن والتطيب وحسن المظهر، لكنهم لا يأبهون بها)؛
  • حمل السيف أو السكين تشبهاً بعمر بن الخطاب ودرته التي كان ينهر بها الناس (الرسول نفسه لم يفعل ما فعله عمر، رغم ذلك فعمر رمز العدالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)؛
  • الكلام بالفصحى والتصنع بنطق الأحرف المفخمة والمرققة للدلالة على معارفهم التجويدية (في الحقيقة فإن لفظهم يشبه اللهجة السعودية النجدية أكثر من لفظ مزعوم للغة قديمة، كما أن كلامهم مليء بالعبارة المحفوظة عن ظهر قلب وليس هو بالكلام العفوي الناتج عن لغة أم)؛
  • الأسماء الحركية التي توحي بتماهي مع السلف الصالح وخاصة المجاهدين منهم الذين حاربوا في حروب الردة أو في الفتوحات (لا أحد يريد أن يكون من الصحابة الهامشيين الذين تملأ أسماؤهم الكتب)؛
  • تعظيم العزلة الاجتماعية عملاً بالحديث "بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء" (وهذه نظرة قيامية تتنبأ بعودة الجاهلية وبروز صراع كوني بين الكفر والإيمان، مما يجعل المجاهدين يلعبون دوراً مشابهاً لدور الرسول في محاربة الجاهلية)؛
  • الأمر والنهي وتهديد الناس بالكاتم والذبح وجلدهم وجز رؤوسهم (سلطة الحياة والموت) تقليداً لصورة متسلطة دموية لرسول الإسلام يقتل أسرى بني قريظة ويغتال الشعراء الذين هجوه ويرجم الزانية ويقطع يد السارق (السيرة مليئة بتصورات أخرى عن الرسول مليئة بالرقة والتسامح، لكنها لا تخدم قضيتهم)؛
  • الإيمان بثبات لفظ ومعنى النص الديني (القرآن والسنة الصحيحة) وما يتبعه من نصوص اجتماعية؛ فالمسرحية هي نفسها باعتقادهم منذ أيام الرسول إلى يومنا هذا لم تتغير، وهي مسرحية كاملة تشمل كل نواحي الحياة بحيث يتطابق حديث الرسول مع حياته ويشملها.[9]
  • التحدّث بالآيات (لكل حدث آية يستشهدون بها) وكأن القرآن يتحدث معهم مباشرة دور وساطة الرسول؛ إنهم لا يعترفون بأسباب النزول أو بمقاصد القرآن، ويجتزؤون الآيات حسب حاجاتهم وكأنهم يملكون النص (الجهد التفسيري لأجيال من المسلمين يذهب هباءً وكأنه كان مجرد انحراف تم تصحيحه).
إن انتشار الفكر الجهادي في سوريا يعبر عن حاجة جمعية للعيش في فانتازيا. هذه الحاجة تأتي من التناقض بين الآمال والرغبات الجمعية وبين ما يفرضه الواقع القاسي. إن الجماعة ترفض أن ترى نفسها كما يراها الآخرون المعتدون فتمارس رغباتها في عالم خرافي مليء بأمجاد الأجداد المتخيلة، إنه الإسقاط العكسي لعجز الذات. عظمة الرومان خرافة آمنت بها الفاشية الإيطالية، وتفوّق العرق الآري خرافة آمنت بها النازية الألمانية لتجييش الناس والخروج من محنها. كل المجتمعات بحاجة إلى خرافة، وتكبر كلما كبرت الطموح واتسعت الهوة بين الآمال والحقيقة. لكن الانطلاق من الواقع هو وحده ما يضمن الحل.
 
الهوامش:

[1] I. Ajzen, “The Social Psychology of Decision Making”.
[2] اغتيل هادي الجندي في حمص في 8 تموز 2011 وألقي القبض على غياث مطر ثم سلِمت جثته لأهله في 10 أيلول 2011.
[3] كاتب مجهول، "وصية شهيد (متظاهر سلمي سابقاً في سوريا)". على موقع د. بشر محمد موفق لطفي (دكتور في الإقتصاد الإسلامي، سوري الجنسية حسب السيرة الذاتية، مقيم في البحرين)، بتاريخ 23 نوفمبر/تشرين الثاني، 2011. تنويه تحت العنوان (أوراق تركها شهيد لزوجته قبل أن يقتل في مظاهرة احتجاج في سورية الحبيبة). (آخر دخول 8 نيسان 2017) انظر الرابط..
[4] كاتب مجهول. " وصية شهيد من ريف حلب وُجدت في جيب سترته." موقع زمان الوصل، 13 نيسان 2014،  (آخر دخول 8 نيسان 2017) انظر الرابط.
[5] James Jones, “Why Does Religion Turn Violent?”
[6] Part II of Richard Koenigsberg's paper “Death as Proof of Devotion”
[7] Hafez, “From Marginalization to Massacres.”
[8] Lee Harris, “Al Qaeda's Fantasy Ideology.”
[9] Adis Duderija, “Neo-Traditional Salafi Qur’an-Sunna Hermeneutics”
أحمد نظير الأتاسي

أكاديمي وباحث سوري يعيش في الولايات المتحدة. ويعمل أستاذاً لتاريخ الشرق الأوسط والإسلام في جامعة لويزيانا التقنية منذ عام 2007. كتب الأتاسي أطروحة الدكتوراة عن كتاب الطبقات الكبير للمحدث البغدادي محمد بن سعد (القرن التاسع الميلادي)، حيث تعقب مسيرة هذا الكتاب منذ تأليفه وحتى القرن الخامس عشر. أما اليوم فيصب غالب جهده، على جمع التاريخ الشفوي للثورة السورية من خلال مقابلات مع ناشطين شاركوا في المظاهرات أو في إنشاء وإدارة المجموعات السياسية المتعددة التي ظهرت على الساحة بدءاً من نهاية 2011. ويطمح من خلال هذه المقابلات لتأليف كتاب تحليلي وتوثيقي عن بدايات الثورة السورية سواءاً التظاهر أو التنظيم أو بدايات التسليح.

مواد أخرى لـ أحمد نظير الأتاسي