الإصلاح الإسلامي في سوريا: في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين

24 آذار/مارس 2017
 

إشكالات التأريخ وسؤال المعرفة
 
مقدمة:
ظهر الإصلاحيون الشوام في مواجهة تحديين اثنين: الأول منهما تحدٍّ داخلي، إذ وجدوا الوسط الديني شديد المحافظة ومكبلاً بقيود كثيرة؛ فقد كان "في دمشق الشام أفراد ورثوا عن آبائهم وأجدادهم عمائم العلماء وألقابهم والرواتب التي كانوا يأخذونها من أوقاف المسلمين، ... فكان من أكبر الخطوب عليهم أن يروا في الشام عالمًا يتصدى للتدريس والتصنيف، ويبين حاجة البلاد إلى الإصلاح والتجديد، فإذا تصدى لذلك أحد يكيدون له المكايد، وينصبون له الحبائل، ويبغونه الفتنة، ويجعلونه في موقف الظِّنّة، فيسعون به إلى الحكام أنصار كل منافق، ويُهَيِّجون عليه العوامّ أتباع كل ناعق" [1].
كما أن الصوفية كانت قد بلغت شأوًا بعيدًا، وانتشرت الطرق حتى أصبح لكل مجموعة من الناس حلقة صوفية أو حلقات ذات صلة بإحدى الطرق الصوفية الكبرى، وكثُر الشيوخ المتصوفون الذين يسرفون في الكرامات وخوارق العادات، حتى أصبح من شيوخ المتصوفة أمثلة صارخة في الفساد الديني!.
التحدي الثاني خارجي، فـ "مع نهاية القرن الثامن عشر والبدايات الأولى للقرن التاسع عشر، كان التقدم الأوربي قد أحاط بالعالم الإسلامي برمته، فنشأ التفكير في هذا الإقليم أو ذاك بضرورة الأخذ بالتقنيات الحديثة والتعرف إلى الأنظمة التي جعلت الدول الأوربية بلدانًا متفوقة على غيرها من بلدان العالم" [2].
وهكذا تفتح وعيُ نخبةٍ من العلماء على وعي بالأزمة؛ إذ أدركت أن "الهيئة العامة للإسلام فقدت مسحتها وتجردت عن صبغتها؛ بدليل فقد أثرها الطبيعي بشهادة القرآن، ذلك الأثر هو العزة والغلبة والاستخلاف في الأرض والإرث لها" [3]، إنها المفارقة المؤرّقة فعلاً بين الإيمان بأن مبادئ الإسلام التي تستدعي ضرورةً السعادة والترقي في معارج المدنية والعمران، وبين واقع المسلمين الذي لم يكن منحطًّا عن ذلك كله فقط، بل كان المتسيدون فيه من العلماء وغيرهم يتنكرون لتلك المدنية والعمران، ويجمدون على المذاهب والكتب التي ورثوها، ويعادون كل جديد.
هكذا ابتدأت النهضة في سورية دينية كما ابتدأت في معظم الأقطار الأخرى؛ وذلك أنه سادت فكرة لدى كل الإصلاحيين السلفيين بأن المشكلة لا بد في المسلمين وليست في الإسلام بكل تأكيد، ذلك أن أفعال المسلمين وما آلت إليه أحوالهم قد حجبت الإسلام الحقيقي، بفضل كثير من الحجب التي بُنيت عليه، سواء لجهة الممارسات الصوفية والبدع المنكرة التي لحقت به وأصبحت من صلبه، أم لجهة التقليد الفقهي الذي سيطر على عقول عامة العلماء، الذين كانوا يتعبدون الله بالمذاهب ويعدون الخروج عليها خروجًا على الدين نفسه، وتقيدوا بتعاليم مذهبهم وإن بلغ بهم العسر مبلغه!.
و"الحلقة التي سارت أبعد شوط في هذا المضمار في سورية كانت مؤلفة من الأساتذة المرحومين: الشيخ طاهر الجزائري (ت1920م)، والسيد سليم البخاري (ت1927م)، والشيخ عبد الرزاق البيطار (ت 1916م) والشيخ جمال الدين القاسمي (1914م) والسيد علي مسلم وغيرهم"[4].
ومن الأحداث المهمة في الحديث عن بداية الإصلاح السلفي في دمشق، ما أُطلق عليه "حادثة المجتهدين" التي وقعت سنة 1895م، وخلاصتها أن جماعة من علماء دمشق اتفقوا فيما بينهم على اجتماعات أسبوعية يتم فيها قراءة كتاب أو التباحث في مسألة وقد بدؤوا بكتاب "كشف الغُمّة عن الأمة" للإمام عبد الوهاب الشعراني، فانكشف أمرهم عبر قدوم اثنين من الوجهاء عليهم "ممن يفسدون في الأرض" –بحسب وصف جمال الدين القاسمي- وما لبث أن فشا أمر الاجتماع وانتشر، ولقبوهم بـ"جمعية المجتهدين"، وأُحيل العلماء إلى مجلس محكمة شرعية على رأسه قاضي الولاية، وأعضاؤه المفتي والمفتشون، والتهمة الموجهة إليهم هي ممارسة "الاجتهاد" وإنشاء مذهب جديد وأنهم "يجتمعون على قراءة الحديث ويطلبون الدليل على أقوال الفقهاء"!. وقد قال لهم المفتي في نهاية الاستجواب: "ما لكم ولقراءة الحديث؟! إنه يلزم قراءة الكتب الفقهية والحجر على الكتب الحديثية والتفسيرية" [5]. ولا شك أنه كان لهذه الحادثة أثر كبير في الإصلاحيين وفي توجيه أفكارهم وطريقة التأليف والدروس أيضًا، وقد أشار رشيد رضا (ت 1935م) إليها إشارة مجملة فقال: "وقد علمتْ الحكومة العثمانية - منذ عهد قريب - بأن بعض علماء الشام يحملون تلامذتهم على ترك التقليد والعمل بالدليل، فشدّدت عليهم النكير حتى سكتوا عن الجهر بذلك" [6].
حادثة المجتهدين تلك، أظهرت الإصلاحيين السلفيين –لأول مرة- مجموعة مستقلة ومتميزة في المجتمع ولُقبت باسم خاص، وسيرد كثيرًا في هذا البحث تعبير "الإصلاحيين السلفيين"، وهو وصف مركب مقصود؛ لأن تلك المجموعة أُطلق عليها جملة ألقاب من باب التشهير، وفي هذا يقول عبد الرحمن الشهبندر (ت1940م) وكان قد انضم مع محمد كرد علي (ت1953م) إلى مجموعة طاهر الجزائري المشار إليها سابقًا: "كان يُطلق علينا - للتشهير بنا - أسماء مختلفة آخرها أننا (وهابية)، وهي كلمة لم تعن في نظرنا يومئذ إلا ما تعنيه اليوم في كثير من الأوساط في أنها طريقة الرجوع إلى السلف، والاعتماد على كتب المؤلفين أمثال ابن تيمية وابن القيم ومن حذا حذوهما من الأئمة".
ولهذا جاء تعبير "الإصلاحيين السلفيين" ليميز هؤلاء الإصلاحيين عن الوهابيين؛ مع وجود أفكار متقاطعة بينهما في الرجوع إلى السلف واعتماد طريقتهم في المعتقد، ونبذ البدع، والعودة إلى كتب ابن تيمية وابن القيم، وغير ذلك، لكن هذا التقاطع لم يعنِ أبدًا التطابق أو حتى التشابه إلا في النظر الظاهري السطحي.
إن تحرير العلاقة بين هؤلاء الإصلاحيين وبين الوهابية يحتاج إلى بحث ومناقشة لا يتسع لها المجال هنا، سأفردها ببحث آخر سيحاول الإجابة على جملة من التساؤلات والإشكالات التي تحيط بتاريخ الإصلاح الإسلامي في أواخر العهد العثماني، من قبيل بحث سياقات التحول إلى الإصلاحية السلفية، ومحاولة تفسير وحدة المنزع السلفي عند هؤلاء جميعًا، ثم العلاقة بين إصلاحيي الشام وإصلاحيي العالم العربي وخاصة في مصر، وقد أشرت إليه إشارات موجزة هنا، وهو يحتاج إلى توسع وتحرير؛ لأنه وقع فيه خلط كبير من قبل الدارسين.
فقد أفردت هذا البحث لبحث مسألتين أساسيتين: الأولى منهما تتعلق بالإشكالات التي تحيط بتاريخ الإصلاح في سوريا في القرن التاسع عشر، والثانية تتعلق بالإشكالات المعرفية، أي ببحث وعي الإصلاحيين بمشكلة العلوم الإسلامية، وأوجه نقدهم لها، وحدود الوعي بازمتها، وقد ركزتُ على ثلاثة علوم تحديدًا هي: علم الكلام، والفقه، وأصول الفقه.
  
أولاً: الإشكالات التي تحيط بتاريخ الإصلاح في سوريا
 
لا تزال الكتابات التي تسلك مسلكًا توثيقيًّا تحليليًّا في دراسة الإصلاح الإسلامي في بلاد الشام والعراق في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: قليلة بل نادرة، وندرتها ترجع إلى اعتبارات عدة:
أولها عُسْر الحال السياسي في تلك الفترة من أواخر الدولة العثمانية، وقد كانت تلك البقاع تابعة للحكم العثماني وواقعة ضمن ولاياته.
ثانيها: شدة الانغلاق والجمود الذي كان يلفّ الحياتين الدينية والاجتماعية في تلك الحِقبة. وهذان العاملان شكّلا –معًا- ظرفًا ضاغطًا على الأفكار والتوجهات الشاردة عن التوجه العام والسائد لدى ذلك الجيل من العلماء الذين استكانوا – عامتهم – إلى الجمود والتقليد والتزام المألوف والنفور من كل جديد. فكان كل جديد يواجَه باضطهادين: سياسي، وديني - اجتماعي. 
الأمر الثالث - وهو شديد الأهمية – أن تفاصيل كثيرة عن تلك الحقبة من الإصلاح بقيت ما بين مجهول ومطويّ، فباستثناء بعض الشذرات المكتوبة [7] من ذلك التاريخ لا نكاد نجد تأريخًا مفصلاً للأفكار والتوجهات التي كانت تعج بها تلك المنطقة في المرحلة المخصوصة إذا ما قارنّاها بمثيلتها في مصر - على سبيل المثال - التي حُفظ من تاريخ الإصلاح فيها كل صغيرة وكبيرة ودوِّنت وانتشرت، وقام عليها الكثير من الدراسات حتى غدت التاريخ/المَركز للإصلاح.
وقد علمتُ من أحد الناشرين المشتغلين بجمع الوثائق غرائبَ عن اكتشافه لبعض الوثائق الخاصة برجال تلك المرحلة وببعض المراسلات التي كانت تتم فيما بينهم، وقد كانت مطوية في بعض كتب مكتباتهم، أو منثورة في زوايا الإهمال لدى بعض الباعة، هذا فضلاً عن مصير مكتباتهم الخاصة التي تحتوي دفائنهم وتاريخهم والتي تراوحت ما بين مقفل مهجور من ورثتهم لا يطّلع عليه أحد، وما بين مُضَيَّعٍ مفرّق منثور على الباعة وغيرهم!. وحين حاول بعض الدارسين بحث الإصلاح في الشام وجد "شريحة من تأريخ الإصلاح الإسلامي الحديث في سوريا يقبع في غرفة جلوس لشقة متواضعة في دمشق. كتب ومجلات ومخطوطات وأوراق مفككة مرزومة جميعًا على رفوف طويلة تشغل ثلاثة جدران" [8]، كان هذا في مكتبة القاسمي التي بقيت محفوظة، لكن ماذا عن باقي مكتبات رجال تلك المرحلة؟ [9].
وقد قرر أحد الباحثين في تاريخ الإصلاح في سوريا "ندرة" مؤلفات السلفيين باستثناء القاسمي، وقال: "فطاهر الجزائري كتب الكثير من النصوص المدرسية لمدارس الدولة الجديدة، ولكنه امتنع عن وضع أفكاره الإصلاحية في المطبوعات، مفضلاً نشر أفكاره من خلال الدروس الخصوصية. ولم ينشر عبد الرزاق البيطار –وهو من قدامى السلفيين في دمشق- في أثناء حياته شيئًا [10]، بينما كتب سليم البخاري شيئًا قليلاً جدًّا [11]، ونشر عبد القادر بن بدران مؤلفات من بينها: مقدمة للمذهب الحنبلي، وسيرة حياة وجيه شهير، وقاموس للمدارس الدينية الدمشقية والجوامع والتكايا الصوفية" [12]، وقد اضطره "النقص في مؤلفات السلفيين الدمشقيين الآخرين إلى الاعتماد حصرًا على الأعمال الكاملة للقاسمي كمصدر لأفكار السلفيين، وفي كل الأحوال فإن صداقته الطويلة والحميمة مع البيطار، وتفاعله الأقصر ولكنه العميق مع الجزائري يشيران إلى أن مؤلفات القاسمي تمثل إجماعًا حول القضايا الأساس" [13].
وهذا صحيح في الجملة، ولكنه يرجع لأسباب عدة، منها: ندرة التأليف في تلك المرحلة في منطقة الشام التي كانت لشدة الجمود فيها والتقليد يتهيب علماؤها تصنيف الكتب، بل ربما رأى أمثال طاهر الجزائري أن "استعداد أبناء الأمة للتأليف لم ينضج بعد" [14]، كما أن الاضطهاد السياسي الذي كان يلاحق الإصلاحيين، ومصادرةَ بعض مدوناتهم وأوراقهم، وملاحقةَ العلماء التقليديين لأفكار الإصلاحيين [15]: ربما حال دون التوسع في التأليف في الموضوعات الإصلاحية المباشرة، والتي كان يتم نشرها عبر بيروت والقاهرة فيما بعد.
لكنه غيرُ صحيحٍ بالنسبة للجزائري الذي ترك قائمة من المؤلفات المتنوعة ما بين مؤلفات ونشرات لكتب تراثية ولم يولِها "كومنز" أهمية، ظانًّا أن الجزائري اقتصر على تأليف كتب مدرسية لمدارس الدولة فقط، ويمكن استنباط بعض الدلائل والتقاط بعض الإشارات المفيدة من قائمة مؤلفات الجزائري وموضوعات انشغاله، بما يشكل أحد مقاصد الإصلاحيين الشوامّ في تلك المرحلة وهي التي سيشرحها لاحقًا رشيد رضا بما يشكل "خصوصية" في الرؤية الإصلاحية الشامية.
الأمر الرابع: أن تلك الخصوصية تمثلت في شخصي الشيخ طاهر الجزائري والشيخ جمال الدين القاسمي في دمشق على وجه التحديد، إذ إنهما كان لهما قدم راسخة في العلوم الإسلامية التراثية واستصحبا هذا الولع الشديد بكتبها: دراسة وتفتيشًا واستقصاء ونشرًا وتصحيحًا، سواء ما كان منها مخطوطًا أم مطبوعًا، وهو ما عُرف به الجزائري [16] وأفاد منه كثيرًا القاسمي، الأمر الذي انعكس على طريقة اشتغالهما؛ إذ إنهما استصحبا الاهتمام بالمسائل التقليدية في فنون العلوم الإسلامية، درسًا وتأليفًا وتدريسًا، جنبًا إلى جنب مع الاهتمامات الإصلاحية المحدثة التي اقتضتها ظروف العصر وتوجهاته، ولعل هذا النوع من الاشتغال الواسع قد جعل البعد الإصلاحي – بالمعنى الشائع – أحد الأدوار التي اضطلعوا بها، وربما صَرَف ذلك - مَن لم يدقق النظر - عن اعتبارهما من رجال الإصلاح، حتى إن رشيد رضا طرح هذا الإشكال بجدية وأجاب عليه حين رثى القاسمي بُعيد وفاته، فقال: "سيقول كثير من الناس: إنك عددت القاسمي من رجال الإصلاح، وإن أسماء كثير من هذه الكتب التي صنفها أو شرحها تدل على أنها ليست من الإصلاح في ورد ولا صدر، ولا تشتمل على عين منه ولا أثر؛ فكيف يُضيِّع العالم المصلح وقته في شرح لغز، أو ما يُعدّ أبعد عن الإصلاح من اللغز؟
ويمكنني أن أقول: إن الرجل كان من خيار مصلحي المسلمين في هذا العصر، وإن لم يدخل كلُّ ما كتبه في باب الإصلاح الذي يفهمه قراء المنار، فمسمى الإصلاح ومفهومه واسع، وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان، والسن والعشراء والأقران، والتلاميذ والمريدين، وغيرهم من المخاطبين، والمصلح لا يُخلق مصلحًا بالفعل؛ بل يُخلق كغيره لا يعلم شيئًا، ويكون الاستعداد للإصلاح فيه كامنًا، ثُمَّ تُظهره التربية والتعليم، وما يتجدد المرة بعد المرة له من العبرة والتأثير. فهل يُطلب ممن عاش خمسين، ترك فيها من هذه الكتب والرسائل نحوًا من سبعين، أن يكون جميع ما كتبه أو شرحه إصلاحًا في الدنيا والدين، مرضيًا عند الكهول المجربين، والشيوخ المحنكين؟" [17].
فهذا قد قيل في حق القاسميّ الذي ترك الكثير من النصوص المختلفة، فكيف يكون الحال في شأن الجزائري، وهو الذي لم يدوّن أفكاره الإصلاحية في كتاب، مع كونه رائد النهضة الإصلاحية في دمشق الشام، وكان صاحب مدرسة فكرية، ومع ذلك يكاد ينحصر جُلّ ما تركه من مؤلفات علمية في الموضوعات التقليدية التي لا تخلو من تدقيق وتحرير لمسائل العلوم [18]، فكان في مؤلفاته "عالمًا متقنًا، ومحدِّثًا متمكنًا، ونَخَّابًا ذوّاقة فَطِنًا، وفقيهًا بارعًا، وأصوليًّا لامعًا، ومؤرِّخًا واعيًا، ولغويًّا ضليعًا، وحَبرًا بالقرآن وعلومه، وبالقراءات ووجوهها، وبالبلاغة وفنونها، وبالشعر ونقده وعَروضه وأوزانه، ..." [19]. فمؤلفاته ذات نفس إصلاحي – بالمعنى الواسع - غير مباشر سنَعرِض له لاحقًا، وقد تَوَجه جزء مهم من عمله إلى نشر وتحقيق التراث العربي الإسلامي وتأسيس المكتبة الظاهرية في دمشق والمكتبة الخالدية في القدس، كما قام بنفسه بوضع مصنفات مدرسية – بما فيها الطبيعة والحساب - للمدارس الابتدائية التي أسهم في تأسيسها.
هذا كله جعل من العسير الوقوف على أفكاره الإصلاحية وتأثيره في النهضة الإصلاحية في الشام بالنسبة للمتعجل [20]. لكنه "بث أفكاره الإصلاحية في أحاديثه الخاصة ومحاوراته المستمرة مع أصدقائه وتلاميذه، وفي بعض الرسائل التي كان يرسل بها إلى من يُهِمه أمره من هؤلاء، كصديقه القاسمي وتلميذه محمد كرد علي اللذين احتفظا ببعض رسائله إليهما" [21]. وقد كان له حلقة فكرية كبيرة تضم أهم مثقفي الشام في عصره ممن تبنَّوا أفكاره [22].
وتلك الخصوصية كذلك تشكل عاملاً مهمًّا - في رأيي – من شأنه أن يفسِّر عمق إدراك الشوام – وبعض التوانسة كذلك كابن عاشور والطاهر حداد – لإشكالية العلوم الإسلامية وأوجه الإصلاح التي تحتاجها، وذلك لاشتغالهم المعرفي درسًا وتدريسًا وتأليفًا، ونهوضهم بأحد هموم الإصلاح المتمثل في إحياء التراث الإسلامي، مما تمس حاجة الأمة إليه في ذلك الوقت وقد كان شديد البروز في نشاط الجزائري والقاسمي وسليم البخاري.
الأمر الخامس: أن العوامل السابقة التي جعلت من الاهتمام البحثي بالإصلاح في الشام واهنًا، جعلت من إدراك الباحثين المعاصرين للحركة الإصلاحية الحديثة قاصرًا وغير مكتمل الصورة: انبثاقًا ثم انتشارًا، لذا تم التركيز على أسماء مخصوصة، وعلى وجه التحديد: الأفغاني (ت1896م) وعبده (ت1905م)، اعتُبرت هي منبعَ الحركة الإصلاحية، وإليها نُسبت على الإطلاق، ثم تُنُوسيت أسماء مهمة من الإصلاحيين أمثال حسن العطار في مصر وعبد القادر المغربي في سوريا (ت1956م) وروحي الخالدي في فلسطين وغيرهم ممن سنعرض لهم هنا، وجُعلت الأفكار الإصلاحية في الشام وحتى تونس والمغرب العربي صدى لها وأثرًا من آثارها، فعلى سبيل المثال قد اتُّهم عبد الحميد بن باديس في الجزائر بأنه "عبدوي"، وهو نفسه يؤكد على أن مشروعه الإصلاحي جاء قبل قراءته لمحمد عبده [23]، بل إن بعض الباحثين يقرر "أن جمال الدين الأفغاني كان معجبًا بلا شك بحركة الإصلاح البروتستانتي التي مثلت بالدرجة الأولى ثورة على السلطة البابوية والإكليركية، ولم يكن حاله في هذا إلا شبيهًا بحال معظم المفكرين المسلمين في مصر والشام في القرن التاسع عشر الذين أبدوا بإزاء البروتستانتية حماسة لم يبدوها بإزاء الكاثوليكية" [24].
في حين أننا لا نكاد نجد دراسة علمية أُفردت لبحث العلاقات بين الإصلاحيين فيما بينهم في كل من الشام ومصر والعراق وتونس، وما التأثيرات التي تركتها تلك الصلات بين بعضهم وبعض، وما طبيعة ذلك التفاعل الذي تم بينهم، هل كان على صيغة التلمذة أم التأثر المتبادل كما يبدو من بعض المراسلات بينهم، وخاصة أنه كانت هناك دلائل عدة تشير إلى بروز نوع مختلف من العلاقات كانت تتم بين الإصلاحيين، سواء كانوا شوامَّ أم مصريين، تكاد تخرج عن النمط التقليدي للتلمذة، كالنموذج الذي نجده بين الجزائري والقاسمي مثلاً، أو في أدب المراسلات الذي كان قائمًا بين إصلاحيي دمشق والعراق، أو بين إصلاحيي دمشق وعبده على وجه الخصوص مما سنوضحه في موضع آخر. يضاف إلى ذلك أن محب الدين الخطيب الذي تتلمذ على طاهر الجزائري كان يطالع ضمن ما يطالع كتب ابن تيمية ومحمد عبده قبل سفره من دمشق، ثم حين سافر إلى اليمن حَبَّب تلك الكتب لبعض قضاتها [25]، بل إن الإصلاحي الشيخ محمد سعيد الباني (ت1933م) كان قد تتلمذ على الشيخ طاهر الجزائري وترجم له، كما تتلمذ على عبده ولقّبه بـ"حكيم الإسلام"[26]، فهو تلميذ مشترك لإصلاحيين كبيرين.
ثم إن الجو السياسي الحر الذي كانت تتمتع به مصر، مع ضعف الصلة بالدولة العثمانية، إضافة إلى التطور النسبي الذي كانت تحظى به، كل ذلك جعل منها قبلة الإصلاحيين المهاجرين من الشام خصوصًا، ولعل هذا أوقع اللبس لدى كثير من الباحثين فجعل تلك الهجرة تلمذة، وليست إسهامًا وشراكة في تيار فكري كان يتبلور ويجتاح العالم العربي بفعل وحدة الحال، وقوة الإحساس بالمآل، ونشأة الصحافة السيّارة، وتجاور الأفكار على صفحاتها بين مشرقيّ ومغربيّ، وسياحة المفكرين واجتماعاتهم، وتناسل الأقران والتلاميذ [27].
بل إن الدور الذي قام به الشوام في النهضة المصرية كان دورًا تأسيسيًّا، سواء لجهة نشأة الصحافة، أم لجهة الحركة الإصلاحية، ولم يُفرد أيضًا بالدرس والبحث التحليلي والتوثيقي. وقد كان عبد الحميد الزهراوي (ت 1916م) صريحًا في الإشارة لذلك مخاطبًا من دمشق صديقه محمد كرد علي في القاهرة إذ قال: "ورد كتابك عن البلاد التي دالت لها المحاسن اليوم، حيث العلم مفتَّحة أبوابه، مكرمة أربابه. تلك البلاد التي حُشرت إليها الرجال فاتسع لهم صدرها فجَزَوْها بما رحبت لهم: تنويرًا. وهذا كتابي إليك من البلاد التي تعلمها ولا أزيدك، حيث العلم مسدودة سبلُه، مُعَذّب أهله. هذه البلاد التي رخصت فيها أعمال الرجال، فلم يَرُقْهم سوقها، فجزَوْها بما بخستهم نفورًا وتنفيرًا" [28].
لهذا كله كان هذا التمهيد ضروريًّا في الحديث عن الإصلاح في سوريا أواخر العهد العثماني.
 
ثانيًا: الإصلاحيون وسؤال المعرفة
 
1- ضرورة الإصلاح التعليمي:
شكّل إصلاح التعليم مطلبًا نهضويًّا أساسيًّا لدى عامة إصلاحيي القرن التاسع عشر، بناء على تشخيصهم لأزمة الانحطاط؛ إذ رأى كثير منهم أن الدواء أولاً "في تنوير الأفكار بالتعليم" على حد تعبير الكواكبي (ت1902م) [29]. وقد تنوع كلام الإصلاحيين في هذا الأمر ما بين حديث عن إصلاح إداري، وآخر دراسي، وثالث يتعلق بإصلاح ما لحق العلوم نفسها من خلل، ورابع يتعلق بإعادة تصنيف العلوم ودراسة علوم جديدة تم استبعادها أو هجرها أو القول بكفرها!.
وهذا التوجه الإصلاحي العلمي والتعليمي نجده مبثوثًا في نصوص كثير من الإصلاحيين آنذاك على اختلاف أمكنتهم، وإن اختلف إدراكهم لشكل العلاقة بين التعليم والنهضة وعلة الانحطاط هل هي علة واحدة أم متعددة؟.. ففي حين نجد أن "التفكير العلّيّ الأحادي ميز إلى حد بعيد كلاً من محمد عبده ورشيد رضا والمغربي والغلاييني وأرسلان، وهو التفكير الذي يُدير النهضة والتأخر على علة التعلم والتربية والتعليم المدعومين بالأخلاق" [30]، فإن آخرين –كالكواكبي مثلاً- قد رأوا في التعليم أحد سبل العلاج، وكان إدراكهم لمشكلة الانحطاط إدراكًا شموليًّا وليس أحاديّ العلة، وإن كان الملمح الطاغي على اشتغال الإصلاحيين السلفيين الشوام والمصريين وحتى المغاربة هو الإصلاحي التعليمي الذي امتد في بعض الأحيان ومع بعض الشخصيات إلى إصلاح العلوم نفسها.
فمحمد عبده يقول: "إن إصلاح الأزهر أعظم خدمة للإسلام؛ فإن إصلاحه إصلاح للمسلمين وفساده فساد لهم" [31]. وقد كان أحد أغراض مجلة "المنار" منذ مقالها الافتتاحي من العدد الأول عام 1898م "الحث على التربية والترغيب في تحصيل العلوم والفنون، وإصلاح كتب العلم وطريقة التعليم، ومجاراة الأمم في الأعمال المفيدة وطرق أبواب الكسب والاقتصاد". وكان رضا قد أوضح في درسيه اللذين ألقاهما في المسجد الأموي سنة 1908م "إمكان الجمع بين هداية الدين وبين جميع العلوم والفنون التي عليها مدار العمران في هذا العصر، إذا صلحت طريقة التربية الدينية والتعليم" [32].
وكان من وظائف الجمعية التي اقترح الكواكبي تشكيلها باسم "جمعية تعليم الموحدين" لمعالجة داء الأمة: إيقاظ فكر علماء الدين إلى أمور منها: "إصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية وتسهيل تحصيلها بحيث يبقى في عمر الطالب بقية يصرفها في تحصيل الفنون النافعة" [33].
أما ابن باديس فقد كان صريحًا كل الصراحة في القول: إن "صلاح التعليم أساس الإصلاح"؛ لأن التعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته وما يستقبل من عمله لنفسه وغيره" [34].
ويعيد المغربي إلى الأذهان أنه سأل الأفغاني مرة عن "أية الطرق نسلك للم الشعث وانتشال أمتنا الإسلامية من هوة انحطاطها" فكان جوابه أنه لا بد في الوصول إلى هذا الغرض من "حركة دينية" هي في الحقيقة "إصلاح ديني" شبيه بحركة لوثيروس" الدينية، أي أنه "إصلاح علمي تعليمي محض" [35].
ومن المهم أن هذه الدعوات لم تكن دعوة رجل واحد فانتشرت، بل بعضها كان متزامنًا مع الآخر وليس وليدًا عنه، صحيح أن المغربي كان متأثرًا بأفكار الأفغاني، ورشيد رضا كان متأثرًا بعبده، لكن يبدو لي أن الجزائري والقاسمي في دمشق وابن باديس في الجزائر كانوا مستقلين بدعوتهم تلك، التي يبدو أنها كانت حسًّا عامًّا مشتركًا بين إصلاحيي تلك المرحلة على اختلاف أماكنهم؛ بفضل التيار الفكري الذي كان يتبلور من خلال الصحبة والمناقشات والمراسلات والرحلات، وقبل كل ذلك بفضل مبلغ الجمود وتردي حال العلوم الإسلامية الذي كان قاهرًا للجميع في المعاهد الدينية [36]وبين صفوف علماء ذلك الوقت الذين توحّد الإصلاحيون جميعًا على نقدهم ونقد أحوالهم.
 
2- مشكلة التعليم:
وصف محمد خليل المرادي (ت1206هـ) عيوب التعليم في الأزهر في جملة أمور، كان منها عيوب إجرائية وتنظيمية، وعيوب منهاجية، فمن العيوب المنهاجية: "تحديد الموضوعات وضيق النظر في التدريس. فقد كان الهدف في التعليم تلقي بعض المعلومات المحدودة. أما تجاوز هذه المعلومات أو مجرد التساؤل عن صحتها فقد يثير شكوك ومقاومة العلماء، أو قد يصل إلى حد العقاب والطرد من المعهد أو فقدان مصدر العيش ناهيك عن التشهير" [37].
وقد عاب محمد عبده على المتعلمين أنهم أهملوا كتب السلف، "ولا يقرؤون من كتب الكلام إلا مختصرات مما كتبه المتأخرون، يتعلم أذكاهم منها ما تدل عليه عباراتها، ولا يستطيع البحثَ في أدلتها وتصحيح مقدماتها ..." [38]، "فَدَرَت علومُ الأولين وبادت صناعتهم، بل فُقدت كتب السلف الأولين –رضي الله عنهم-، وأصبح الباحث عن كتاب المدوّنة لمالك رحمه الله تعالى، أو كتاب الأم للشافعي رحمه الله تعالى، أو بعض كتب الأمهات في فقه الحنفية، كطالب المصحف في بيت الزنديق ... هذا كله من أثر الجمود، وسوء الظن بالله، وتوهم أن أبواب فضل الله قد أُغلقت في وجوه المتأخرين" [39].
لم يكن هذا حالَ الأزهر وحده، على عراقته وكونه موئل طلبة العلم من مختلف البلدان، فالقاسمي قد عابَ على مَن سماهم "الحشْوية" [40] أنهم يجمدون على العبارات في كتب الفقه، "يُذِيبون فيها أدمغتهم ليفهموها ويستنبطوا منها منطوقًا ومفهومًا، ويضيّعوا أوقاتهم بما لا يفيد الأمةَ شيئًا مذكورًا. ولو صرفوا أوقاتهم لفهم القرآن والسنة لأتوا منهما بالعجب العجاب، ونشلوا الأمة من تأخرها وجمودها" [41].
أما الشيخ عبد القادر المغربي فقد وصف حالة التعليم وفق معايشته الشخصية له، موضحًا الأطوار الفكرية التي مرّ هو بها، ففي مرحلة أولى تلقى المغربي العلم على والده الذي تربى على التعليم الأزهري، فكان الأساس في التعليم "الاستسلام إلى كل ما جاء في الكتب الموروثة ... والتصديق بنصوصها من دون تردد ولا ارتياب"؛ بحيث لا يكون ثمة مجال للنظر والتدقيق وإعمال الفكر في التفريق بين النصوص الدينية.
ثم في مرحلة ثانية اتصل بالشيخ حسين الجسر (ت 1909م) واقتبس منه "تعاليم فيها الغث والسمين، وأن بينها ما هو غير صحيح ولا معقول ولا منطبق على القرآن والسنة النبوية الصحيحة"، فوجب تمحيص ذلك ووزنه بميزان القرآن والسنة وطبائع العمران التي أشار إليها ابن خلدون خاصة.
وأخيرًا وبعد اتصاله بجمال الدين الأفغاني وإنعامه النظر في دراسة تعاليمه، انتقل إلى الدور الثالث حيث "نفهم النص الديني فهمًا صحيحًا نراعي فيه قوانين اللغة وقواعد بلاغتها، ونستوثق من مطابقة النص للكتاب والسنة، ثم نجرؤ على التصريح بما فهمناه؛ سواء أوافق رأي غيرنا أم لا".
وبهذا فإن الإصلاح الديني –عند المغربي- لم يُبنَ فقط على "تمييز النصوص والحرص على فهمهما فهمًا حرًّا"، وإنما بُني - أيضًا - على اطراح الباطل الدخيل عليها، و"الجهر بذلك كله من دون جَمْجمة في قول، أو تقية من ذي صَوْل" [42].
وما هذا التشخيص لمشكلة التعليم إلا مظاهر لحالة الجمود والتقليد التي سادت في الأعصر المتأخرة، والتي سبق الإمام الشوكاني (ولد 1760م في اليمن) إلى تشريحها ونقدها حين نَبَذَ التقليد وبيّن حال المقلِّدة فقال: "فإذا تكلم عالم من علماء الاجتهاد –والحال هذه- بشيء يخالف ما يعتقده المقلدة قاموا عليه قومة جاهلية. ووافقهم على ذلك أهل الدنيا وأرباب السلطان. فإن قدروا على الإضرار به في بدنه وماله فعلوا ذلك، وهم - بفعلهم - مشكورون عند أبناء جنسهم من العامة والمقلدة؛ لأنهم قاموا بنصرة الدين بزعمهم وذبوا عن الأئمة المتبوعين وعن مذاهبهم التي اعتقدها أتباعهم، فيكون لهم بهذه الأفعال - التي هي عين الجهل والضلال - من الجاه والرفعة عند أبناء جنسهم ما لم يكن في حساب" [43].
فجِمَاع مشكلات التعليم الديني بحسب الإصلاحيين ينحصر في حال الجمود وغياب حرية البحث والنقد بتعبير العصر، كما يتمثل في تعطيل ملكة العقل التي كانت من أهم ما ركز عليه هؤلاء جميعًا، وفي نقد تحوّل كتب المتأخرين إلى حجاب يحول بين العلماء وبين التواصل المباشر مع النصوص التأسيسية وكتب السلف على السواء، وأن صرف الجهود والأوقات إلى تحليل ألفاظ النصوص والوقوف على العبارات كان سببًا في شيوع حالة تأخر التعليم وفقدان العلماء "الحقيقيين"، وأخيرًا التيقظ إلى ضرورة الوعي بتفاوت نصوص التراث وأن فيها الغث والسمين؛ مما يقتضي ضرورة نَخْلِها وتنقيتها، واستعادة وانتخاب نُبَذ من التراث الإسلامي الأصيل لنشرها وقراءتها وقد نهض بهذا الواجب على الخصوص الشيخ طاهر الجزائري –وكان مرجعًا في هذا- ثم القاسمي الذي أفاد من الجزائري.
 
3- مشكلة التآليف:
تعكس التآليف في العلوم حالة العلوم نفسها ومآلاتها ومستوى الوعي بها، كما أنه لا يمكن الحديث عن إصلاح تعليمي مع التغافل عن حالة التآليف عامة، والتآليف المرجعية التي تشكل السقف المعرفي للقيّمين على العلوم تأليفًا وتدريسًا، ولهذا كان بحث مشكلة التآليف المتأخرة حاضرًا بقوة لدى عدد من إصلاحيي الشام، فقد لخص محمد سعيد الباني حالة التأليف - على هَدْي من شيخه الجزائري – فقال: "أنت ترى أن أكثر أسفار المتأخرين ومجاميعهم الضخمة خالية من دواعي التأليف؛ لأنه لا يسوغ لأحد –كما نقل ابن حزم- أن يؤلف تأليفًا إلا في أحد أقسام مخصوصة ولا يمكن التأليف في غيرها، وهي إما أن يؤلف في شيء ما سُبق إليه يخترعه، أو في شيء ناقص يتممه، أو في شيء غامض يشرحه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه غيره فيصلحه أو شيء طويل يختصره بدون أن يخل بشيء من معانيه أو في شيء فيه حشو وتكرار وزوائد فينقحه ويهذبه ليقرب تناوله، وذلك صيانة للنفس من الإتيان بالعبث، وضنًّا بالوقت أن يضيع سدى". ثم قال: "ترى بعض المؤلفين - مثلاً - يتناولون كتابًا قد شرحه مَنْ سَلَفهم شروحًا عديدة، فيعيدون شرحه بنفس ألفاظ الشرّاح السالفين دون إدخال إصلاح أو تجديد أو اختراع في الأسلوب ... فكم من مؤلفات ورسائل لوجدنا كل جملة أو نتفة مقتبسة من كتاب؛ لأن مؤلفيها لا يعرفون بديهيات العلم المؤلَّف به فضلاً عن عويصاته ..." [44].
ثم يذكر الباني حادثة ذات دلالة في منهجية الشيخ طاهر لتوجيه طلابه وأقرانه، قال الباني: "كان لي في عهد الدراسة والطلب شَغَفٌ عظيم بعلم أصول الفقه، فخطر لي أن أشرح مختصر (المنار) فاستأذنته لما أعهده به من العطف عليّ وتمحيضه النصح للمستنصحين، فأجاب بكل ارتياح أنْ لا بأس، اكتبْ (بالباء المقلقلة) ولم يزد على ذلك، على حين أن هذه الكتابة مباينة لمَشْرَبه؛ لأنها تحصيل ما هو حاصل في الشروح، مع زيادة فنقلات وتعليلات، وإيراد اعتراضات فائدتها أقلُّ من ضرر تشويشها وحليلوتها بين الذهن وقواعد العلم، لكنه لم يشأ أن يثبّطني لما ذكرناه آنفًا، وبعد أن تعمّقتُ في العلم، ورآني على وشك الإتمام، طفق يُعَرّض بعملي هذا في مجالسه وسمره قائلاً كلامًا مغزاه: أنْ لا فائدة اليوم من التأليف إلا إذا أتى المؤلف باختراع جديد وأبدعَ بأسلوب جديد. فينبغي مثلاً لمن يحاول الكتابة في علم أصول الفقه أن تكون كتابته مطابقة لمقتضيات روح العصر" [45].
أما القاسمي فجعل من "علامة هذا العصر نبذ كتابات مثل كتابات [يوسف النبهاني] [46]، عاطلة عن المعرفة والثقافة" [47].
وقد لمس ديفيد كومنز هذه النزعة المتطورة لدى الإصلاحيين السلفيين –خاصة الشوام- حين أدرك أن "النزعة السلفية تضمنت أكثر من تغيير الطرائق؛ فقد سعت إلى إعادة تقييم كاملة للتراث الديني، وفضح زيف الكتب المعتمدة والعادات المتبعة التي تفتقر إلى أساس واضح في الكتاب والسنة" [48]، ومن ثم يغدو ذا دلالة هنا إصدار القاسمي نسخة محررة من "إحياء علوم الدين" للغزالي، وهو الكتاب الذي سنجده أثيرًا لدى عدد من الإصلاحيين السلفيين، بما ينطوي عليه عنوانه من دلالة معبرة، وبما ينطوي عليه تحريره كذلك وتنقيته مما فيه من أحاديث وقصص زائفة، وتم هذا باقتراح من محمد عبده للقاسمي [49].
 
4- إعادة تصنيف العلوم:
إن بواعث إصلاح التعليم لدى الإصلاحيين، لم تكن فقط مدفوعة بدافع حال الجمود الديني، وتردي التحصيل العلمي، وفساد التدين فحسب، بل إن الإصلاحيين أدركوا – بعمق - ضرورة الأخذ بعلوم العصر التي كانت – في رأيهم - السبب في نهضة الغرب، من أجل إعادة الاعتبار لها بعد تكفير العلماء المحافظين لبعضها ونفيه من دائرة العلوم "الصالحة"، فأراد الإصلاحيون إدخالها في مقررات التعليم "النافع" من جديد.
وفي هذا السبيل سنلحظ نظرًا مهمًّا في إعادة ترتيب أولويات الاهتمام بالعلوم الدينية وتقسيمها إلى علوم وسائل وعلوم مقاصد، بل إن الأمر يتجاوز هذا التقسيم إلى إعادة ترتيب العلوم وتصنيفها؛ بإعادة تحديد النافع وغير النافع منها، تحديدًا سيُخرِج -لدى الزهراوي مثلاً- أحد العلوم الدينية المركزية - كالفقه - من دائرة العلوم النافعة!.
كان الشوكاني اليمني مبكرًا في الإشارة إلى ضرورة إعادة تصنيف العلوم النافعة حين انتقد حال المقلدة الذين جعلوا من دراسة علم الأصول للتبرك فقط أو لفهم مآخذ الأحكام في أحسن الأحوال، فقال: إن علوم الاجتهاد "عند هؤلاء المقلدة ليست من العلوم النافعة، بل العلوم النافعة عندهم هي التي يتعجلون دفعها بقبض جرايات التدريس وأجرة الفتاوى ومقررات القضاء" [50]، فهو يريد إعادة الاعتبار لعلم الأصول و"تحقيق الحق" منه؛ لأنه عماد الاجتهاد الفقهي، فهو "الفن الذي رجع كثير من المجتهدين بالرجوع إليه إلى التقليد من حيث لا يشعرون" [51].
ثم جاء محمد عبده فأسهم في استصدار قانون الأزهر، الذي تضمنت المادة السابعة عشرة منه "تقسيم العلوم إلى وسائل ومقاصد، وأُضيف فيها علوم الأخلاق الدينية والحساب والجبر، وعُدّت هذه العلوم الثلاثة الجديدة من العلوم الإلزامية"، وفي المادة العشرين: "يخصص لعلوم المقاصد أوسع أوقات الدروس، ولا يُصرف في الوسائل من زمن الدراسة ما يساوي الزمن الذي يُصرف في المقاصد"، وقد بيّن عبده أنه "لا يزال معظم الزمن يُصرف في النحو –وهو من الوسائل- وأما المقاصد مثل تفسير القرآن والحديث فلا يُصرف فيها إلا الزمن القليل". ومع ذلك فإن المادة الثالثة والعشرين تنص على أنه "لا يباح للطالب أن يشتغل بعلم من علوم المقاصد قبل أن يستحضر من وسائله ما يمكّنه من فهمه، وعلى كل طالب أن يتلقى أصول مذهبه" [52] مع النص على منع قراءة الحواشي والتقارير منعًا باتًّا في السنوات الأربع في جميع العلوم.
أما الكواكبي فيخطو خطوة أبعد؛ إذ يفرّق في رؤيته للعلوم، بين "نظرته إلى العلوم الدخيلة التي طرأت على الفكر الإسلامي حوالي القرن الثالث للهجرة، وبين نظرته إلى العلوم الدخيلة التي تلقاها المسلمون والشرقيون بعد ذلك بعشرة قرون، وهي من علوم النهضة الأوربية الحديثة"، فالفلسفة اليونانية في ميزانه هي تلك الأخلاط العقيمة التي قال عنها بلسان المحدث اليمني وهو يصف العالم المجتهد ويشترط فيه "أن يكون صاحب عقل سليم فطري لم يفسد ذهنه بالمنطق والجدل التعليميين والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورية، وبأبحاث الكلام وعقائد الحكماء ونزعات المعتزلة وإغرابات الصوفية وتشديدات الخوارج وتخريجات الفقهاء المتأخرين وحشويات الموسوسين".
فأما "العلوم الدخيلة فيما مضى فقد كان أثرها مفسدة للعقيدة في بساطتها ومدرجة إلى العجز والفتنة في الحياة العامة، وأما العلوم الدخيلة في عصره فقد كان أثرها الواضح قوة لأصحابه وغلبة لهم على الجاهلين بها وهداية إلى المصلحة والعمل والمعرفة بأسباب الحياة الواقعة" [53].
لكن عبد الحميد الزهراوي يمضي أبعد من ذلك؛ إذ يطرح فكرة صادمة فيقول: "كلامي في الفقه الإسلامي حملني عليه سبب شريف؛ ذلك أنني كتبت إلى صديق لي فاضل مُشْرفٍ على مطالع أنوار المعارف: مكتوبًا مطولاً، عرضت له فيه خلاصة نبذة من أفكاري بأننا إخوان سعي في سبيل إصلاح يهتم له الشاعرون بالأحوال، وينكره الواقفون الذين تتجاذبهم الأهواء ويتجاذبون الأدواء، والمكتوب جاء فيه إنكار لكثير من العلوم التي يعتبرها المسلمون من العلوم النافعة لهم في دينهم ودنياهم، وأعتبرها أنا بالعكس؛ بما قام عندي من البرهان. فاختار أن يحاورني في قسم من أقسام المكتوب، فكتب إليّ جوابًا أفاض فيه من معارفه الغزيرة ما تروى به الصدور ..." [54]. وهو يعني على وجه التحديد علمي الفقه والتصوف مما سنأتي عليهما لاحقًا.
 
5- مشكلة العلوم:
- علم الكلام:
علم الكلام هو "ركن العلم الشديد" –بتعبير محمد عبده – فهو أحد العلوم الأساسية التي انشغل بها الإصلاحيون السلفيون؛ انطلاقًا من مطلبهم الرئيس في التأكيد على تنقية معتقدات المسلمين الذين أصابهم الانحطاط بفضل ما علق في أذهانهم وتصوراتهم وممارساتهم من زيادات قعدت بهم عن النهوض وثبّطت هممهم عن اللحاق بركب المدنية.
وفق هذه الروح الإصلاحية التي حاولت العودة بالدين إلى لحظة صفائه، على معنى التخلي عن كل التراكمات التاريخية والتقييدات التي فرضت حُجُبًا كثيفة غيّيبت الدين النقي الذي تجب استعادته: انشغل الإصلاحيون بنقد علم الكلام التقليدي. ذلك أن المؤلفات المتأخرة والحديثة ظلت تتحرك في دائرة علم الكلام التقليدي، بعيدًا عن مشاكل الفكر الحديث وإفرازاته اللاهوتية والفلسفية، ويعتبر أحد الباحثين أن رسالة التوحيد لمحمد عبده هي "أبرز المؤلفات الكلامية الحديثة على الإطلاق" [55].
والملمح الأساسي الذي شكّل محدِّدًا رئيسيًّا في تلك الجهود الإصلاحية في مجال علم الكلام هو التركيز على العقل كمنطلق لإثبات العقائد، وأن العمدة فيها اليقين لا غير، حتى إن محمد عبده يقرر - بوضوح - فرادة القرآن بهذا المسلك دون سائر الكتب والأمم؛ إذ إنه "آخى بين الدين والعقل".
فمحمد عبده يقرر - بوضوح - في بداية رسالته أنه "تَقَرَّر بين المسلمين كافة – إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه – أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل، كالعلم بوجود الله، وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحى به إليهم، وإرادته لاختصاصهم برسالته، وما يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة، وكالتصديق بالرسالة نفسها. كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشيء قد يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل" [56].
إننا نلمس في رسالة عبده منزعًا قرآنيًّا يتمثل في اعتماد طريقة القرآن في تقرير العقائد. وقد قرر عبده طريقة السلف في تقرير العقائد فقال في سياق سرد تأريخه لعلم الكلام: أنهم "اشتغلوا في أصول العقائد والأحكام بما هداهم إليه سير القرآن اشتغالاً يُحرَص فيه على النقل، ولا يُهمَل فيه اعتبار العقل، ولا يُغضّ فيه من نظر الفكر، ووُجد من أهل الإخلاص من انتدب نفسه للنظر في العلم والقيام بفريضة التعليم، ومن أشهرهم الحسن البصري" [57].
فمحمد عبده تميز بتشخيص تاريخ علم العقائد والتطورات التي حدثت له؛ بما يدل بوضوح للصيغة التي يطمح إليها في صياغة علم الكلام من جديد، فهو قد حدد وجه الخلل الذي أصابه في كل مرحلة مصوِّرًا ما حفّ به من اختلافات وتفرُّق، حتى إذا وصل إلى كتب المتأخرين قال: "هذا هو السبب في خلط مسائل الكلام بمذاهب الفلسفة في كتب المتأخرين، كما نراه في كتب البيضاوي والعضد وغيرهم، وجمع علومًا نظرية شتى وجعلها - جميعًا - علمًا واحدًا، والذهاب بمقدماته ومباحثه إلى ما هو أقرب إلى التقليد من النظر، فوقف العلم عن التقدم.
ثم جاءت فتن طلاب المُلك من الأجيال المختلفة، وتَغَلّب الجهال على الأمر، وفتكوا بما بقي من أثر العلم النظري النابع من عيون الدين الإسلامي، فانحرفت الطريق بسالكيها، ولم يعد بين الناظرين في كتب السابقين إلا تَحاورٌ في الألفاظ وتَناظر في الأساليب، على أن ذلك في قليل من الكتب اختارها الضعف وفضلها القصور، ثم انتشرت الفوضى العقلية بين المسلمين تحت حماية الجَهَلة من ساستهم ...".
وقد خلص بعد ذلك كله إلى القول: "هذا مجملٌ من تاريخ هذا العلم ينبئك كيف أُسِّس على قواعد من الكتاب المبين، وكيف عبثت به في نهاية أمره أيدي المفرقين حتى خرجوا به عن قصده، وبعدوا به عن حده. والذي علينا اعتقاده أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد، العقل من أشد أعوانه، والنقل من أقوى أركانه، وما وراء ذلك فنزغات شياطين أو شهوات سلاطين، والقرآن شاهد على كلٍّ بعمله، قاضٍ عليه في صوابه وخَطَله" [58].
فمحمد عبده وإن كان مدفوعًا – في الأصل والباعث – بهدف تعليمي [59]؛ إلا أنه شديد الوضوح في تلك الإشارات الموجزة من رسالته أن نقده نقد منهجي يتعلق بإعادة تأسيس علم الكلام على أسس جديدة، وتنقيته من تلك المشارب التي رأى أنها كدّرته عبر التاريخ وجعلت منه عامل فُرْقة بعد أن كان أساس توحيد لله وتوحيد بين الناس.
أما رشيد رضا فقد كان شديد الوضوح في الاستغناء عن تلك الكتب وتأكيد قصورها المنهجي، فقال: إن "المسلم لا يحتاج إلى الاستدلال على وجود الله تعالى بالطريقة الكلامية، وإن الدلائل التي تبنى على فرض خلاف المطلوب قد يكون إثمها أكبرَ من نفعها؛ لأنها تثير الشبهات، وتوقع كثيرًا من السامعين في الشك، وإنما الطريقة المثلى لذلك طريقة القرآن الحكيم، وهي عرض محاسن الخليقة وأسرارها على العقل وتذكيره بحكمة مبدعها البالغة وقدرته العظيمة وعلمه الواسع وتفرده بالخلق والتكوين والرحمة والإحسان" [60].
بل هو يزيد على ذلك أن فائدتها المعرفية والتعليمية منعدمة، فيقول: "إن الكتب المشهورة لم توضع لأجل تلقين المسلمين ما يجب عليهم اعتقاده، وإنما وُضعت لرد شبهات الفلاسفة والمبتدعة عن العقائد الإسلامية والاحتجاج على حقيتها، وقد انقرض أولئك الفلاسفة والمبتدعة الذين عُنِيَ المتكلمون بإقامة الحجة عليهم، وظهر بطلان مذاهبهم إلا قليلاً من مسائلها، وحدثت لفلاسفة هذا العصر ومقلدتهم شبهاتٌ جديدة تولدت من الفلسفة الجديدة، يجب أن يُعْنَى متكلمو هذا العصر بكشفها، ولا ينبغي أن يُذكر شيء منها لعامة المسلمين ولا لتلاميذ المدارس الابتدائية عند تلقينهم الدين، وإنما يُخَصّ بذلك طلاب العلوم العالية الذين يدرسون الفلسفة وعلم الكلام" [61]. وإن كان رضا ربما تأثر بعبده في المقطع الأول، فإن أثر الغزالي واضح في المقطع الثاني.
والمطلب الذي يشير إليه رضا، قد نهض له الشيخ حسين الجسر [62] الذي تجاوب مع الظروف المستجدة التي أحاطت بظهور الفلسفات الحديثة المتمثلة بالنظرية النشوئية الداروينية، وتصدى لها في كتابيه: "الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقيّة الشريعة المحمدية" سنة 1887م [63]، و"الحصون الحميدية لمحافظة العقائد الإسلامية" [64] الذي جاء تاليًا. وفيها يوضح كذلك أن ما انطوى عليه الإسلام من عقائد قد تبدو "لا عقلانية" كالمعجزات مثلاً هو جائز عقلاً انظلاقًا من النظريات العلمية الحديثة نفسها، وقد بدا الشيخ السوري على اطلاع جيد على كتب العلوم الحديثة التي تُرجمت في تلك الآونة. وهو يَعرض موضوعاته بطريقة "تناسب أفهام العوام على قدر الإمكان"، وهو بهذا يختلف عن رضا الذي تبع الغزالي في إلجام العوام عن تلك المباحث الدقيقة في معالجة الشبهات الفلسفية؛ وعذره في ذلك "شيوع فنون الفلسفة الجديدة وكتبها"، وأن علماء الأمة حرصوا دومًا على صون العقائد عن شبهات الفلسفات القديمة.
ومحاولة الجسر عَنَت أنه "في الإمكان تقديم قواعد هذه الشريعة وعقائدها بصورة مطابقة تمامًا للعقل السليم وللعلم الحديث ... وهكذا نلاحظ أن قضية وجود الله التي هي أس علم التوحيد لا تجد سندًا لها في دليل الجواز والحدوث الذي نجده في كتب علم الكلام التقليدية أو في الدليل الميتافيزيقي الذي يدور على فكرة المرجِّح والعلِّيَّة فحسب، وإنما أيضًا في استدلالات ذات طابع كوسمولوجي وغائيّ مشتقة من النظام العجيب في العالم الطبيعي الجامد بجميع قطاعاته وفي عالم النبات وغرائبه، وفي عالم الحيوانات المكرسكوبية خاصة وبدائعه" [65]. مع إقراره بأن الخوض في تلك المسائل ليس من مقاصد الشريعة، وإنما الهدف منه الدلالة على الخالق وحكمته.
إنه مشروع طموح لهذا المفكر الشامي الأزهريّ؛ إذ يتصدى - بثقة - لأكبر الفلسفات العلمية وأخطرها على مسألة الإيمان، تصدّيًا اضمحلّت معه مظاهر الوجل التي أثارتها وانتفت معه الشبهات التي انبعثت منها، الأمر الذي جعل أحد الباحثين [66] يقارنه –على بعد الشقة- بمشروع الغزالي الذي جابه فيه خطر فلسفة اليونان كما بدا في قضايا الفلسفة الأرسطية والأفلاطونية المحدثة المهرطقة، وقد كان لمحاولة الجسر أثرها وتأثيرها على معاصريه ولاحقيه؛ في الشام والعراق ومصر على الأقل، ممن تعانق لديهم العلم والفلسفة والدين في آن واحد، وهو ما نلحظه بوضوح لدى جمال الدين القاسمي في كتابه "دلائل التوحيد" الذي أتم تأليفه سنة 1908م واستُقبل استقبالاً حارًّا في أنحاء كثيرة من العالم العربي والإسلامي، وكان تدعيمًا لطريقة الجسر في تأسيس الاعتقاد على العقل الفلسفي والمنجزات العلمية، وقد عاد فيه إلى فكرة الأفغاني في الوظيفة الاجتماعية والعمرانية للدين، بل زاد عليها الكلام على وظيفة نفسية للدين، ولا يتحدث فيه عن العلاقة الوثيقة بين الدين والعلم فقط وأن العلم يزيد الإيمان، بل يتحدث عن علاقة وثيقة أيضًا بين التوحيد والمدنية. وكذلك الشأن مع محمود شكري الآلوسي في العراق، الذي لاحظ خطورة قضايا العلم الحديث في المسألة الدينية فبدا له أن من الضروري ضبط الموضوع وتحديد القول فيه على شاكلة ما قام به ابن رشد في "فصل المقال". ورغم أن الجسر كان أبعد نظرًا وأنفذ بصرًا فإنهم جميعًا اقتحموا دائرة الخوف التي أقامها أتباع العلم الحديث سياجًا له [67].
ونحو ذلك نجد لدى الكواكبي بخصوص العلاقة بين الدين والعلم، ومحاولة عقلنة المعجزات وإثبات إلهية القرآن بأدلة علمية، حتى إنه ليذهب إلى الحديث عن "اكتشافات علمية" مطابقة للقرآن، وعن حلول موجودة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العالم، الأمر الذي مهّد لظهور خطاب "الإعجاز العلمي" لاحقًا في القرن العشرين. يقول الكواكبي: "الأمر كما تنبه إليه المحققون المتأخرون، أنه كلما اكتشف العلم حقيقة، وجدها الباحثون مسبوقة التلميح أو التصريح في القرآن. أودع الله ذلك فيه ليتجدد إعجازه ويتقوى الإيمان به أنه من عند الله؛ لأنه ليس من شأن مخلوق أن يقطع برأي لا يُبْطله الزمان" [68].
والكواكبي –كما سبق- ينحاز إلى الإيمان الفطري، الذي لم يفسده المنطق والجدل التعليميان والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورية وأبحاث الكلام وعقائد الحكماء ونزعات المعتزلة. ولئن كانت محاولة الكواكبي لا تخرج عن روح محاولات معاصريه، إلا أنها دونهم عمقًا ومنهجية، ولعل هذا دفع بالبعض أن يفهم آراء الكواكبي في العقائد على أنها "تقليدية وكلاسيكية" [69]، لكن الكواكبي مندرج في جو الأفكار الإصلاحية عامة التي كانت متداولة في هذا المجال من حيث استخدام الأساليب الحديثة في البرهنة على العقائد، وإدراك أن مزيد من العلم الطبيعي من شأنه أن يعمّق الإيمان، وأنه دليل على حكمة الخالق وصدق الرسالة الإسلامية، وفي إدراك الوظيفة النفسية للدين والوظيفة العمرانية أيضًا، بالرغم من مجاوزته الحد في الزعم بأن كل المكتشفات العلمية سبق للقرآن التصريح أو التلميح بها.
وفي السياق لا بد من الإشارة إلى ملحوظة نقدية ونحن نتحدث عن إصلاح العلوم، وهي أن إصلاح عبده توجه - في أغلبه – إلى الإصلاح التعليمي من خلال إصلاح الأزهر على وجه الخصوص؛ لأن فيه إصلاحَ الأمة برأيه، لكن مشروعه لإصلاح الأزهر غَلَب عليه أنه إصلاح إداري وتنظيمي بتحويله إلى جامعة وتحديد مدة الدراسة ونظام الامتحان فيه، وتعديل نظام التدريس بإلغاء بعض الكتب القديمة العقيمة، وإدخال بعض العلوم الحديثة، وبإدخال إصلاح مادي عليه [70].
أما الإصلاح المعرفي المتوجه إلى العلوم نفسها فلا نكاد نجده عنده إلا في رسالة التوحيد، التي "تمثل أحد أهم الجهود البنائية الإيجابية التي بذلها محمد عبده في حياته التي حفلت بشتى النشاطات، إن لم نقل إنها أبرزها جميعًا. ذلك أن كتاباته الأخرى قد امتازت بالروح الجدلية الدفاعية أو التسويغية أو بالوقوف عند نقاط عملية فقهية جزئية كانت موضوع فتوى واجتهاد أو ببعض الاهتمام بتفسير القرآن أو بالخوض في بعض قضايا السياسة التي ما لبث أن لعنها" [71].
لكنه - وللدقة – شرّح أحوال المتعلمين –بأصنافهم-، وبيّن ما هم عليه من الجمود في تعاطيهم العلوم [72].
 
- علم الفقه:
مسألة الفقه من المسائل الدينية التي يُعتبر البحث فيها "من أنفع المباحث في الإصلاح الديني"؛ وقد لخص الزهراوي مشكلة الفقه بالقول: "إن هذا العلم الذي حقيقته نظامٌ للأمة قد شوّهت وجهَه الأيام، ... ولم يبقَ منه مع الزمان إلا حروفُه في الكتب، وبقيةٌ في المحاكم الشرعية"، أما تَبَيُّن الشرع الحقيقي فـ"مُتوقف على اجتهادٍ وتَتَبع صحيح الآثار واستعمالِ سليم الفهم" [73].
كتب الزهراوي ذلك ضمن رسالته عن "الفقه والتصوف" سنة 1901م أثناء إقامته الجبرية في دمشق، وكان قد زار القاهرة والآستانة سنة 1890م ويبدو أن توجهه الإصلاحي قد تبلور فيها؛ إذ أسس في السنة التالية في بلده صحيفة "المنير". وفي حدود سنة 1897م كتب مقالات دعا فيها إلى الإصلاح في صحيفة تركية عربية عمل فيها محرِّرًا، الأمر الذي اجتذب رشيد رضا وتوطدت بينهما صداقة [74]، ونعرف أنه كانت هناك مراسلات بينه وبين محمد عبده لاحقًا، وكان عبده يخاطبه فيها بـ "ولدنا الفاضل" [75]، فقد يكون حصل تأثر أو مشايعة في الأفكار؛ لأن الزهراوي حين كان في الآستانة عكف على زيارة المكتبات العمومية لقراءة الكتب ولاسيما المترجمة منها، فقرأ "روح القوانين" لمونتسكيو، كما قرأ لجان جاك روسو، ولعله اطلع على ما كتبه خير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي [76]، بل إن عبده يشير إشارة عابرة إلى طبيعة الصلة بينه وبين الزهراوي فيقول: "تمنيت لو تمتعت بقربك كما قُدِّر لي المتاع بأدبك ... وأما صلتنا فصلة آمال وأعمال وهي خير صلة وأوفقها عند الرجال" [77].
ويجب القول: إن الزهراوي لم ينفرد بذلك التشخيص؛ فإن روح ذلك النقد للفقه وحمَلَته كانت شائعة في تلك الفترة بين الإصلاحيين السلفيين الذين قاموا يدعون إلى الاجتهاد ويُعرّون أحوال جمود المُقلِّدة والمفتين، فهذا محمد عبده - مثلاً - بعد أن انتقد الفقهاء قال: "وقد جعلوا كتبهم هذه –على علاتها- أساس الدين، ولم يخجلوا من قولهم: إنه يجب العمل بما فيها وإن عارض الكتاب والسنة، فانصرفت الأذهان عن القرآن والحديث، وانحصرت أنظارهم في كتب الفقه على ما فيها من الاختلاف في الآراء والركاكة".
لكن الجديد عند الزهراوي – كما سنرى- أن رسالته تلك شديدة الإثارة، وجذريةُ النقد الموجه إلى الفقه والتصوف بوصفهما عِلْمين، وليس فقط لأحوال المتفقهة، ولا أعرف رسالة مفردة خُصصت لهذا الموضوع في مصر والشام في تلك الفترة على هذا النحو، فهو يحاول إبطال "منفعة الفقه" ليُخرجه من دائرة العلوم الدينية النافعة، أي يحاول هدم العلمين معًا!.
في حين نرى محاولة عبده لإصلاح الفقه محاولة "تحريرية" وتنظيمية لا أكثر، فحين سأل رشيد رضا عبده حول الطريقة المفيدة في تهذيب فقه الحنفية، أجابه: "ينبغي لمن يؤلف أن يحيط أولاً بمسائل الباب الذي يَكتب فيه، وأن يعتمد على كتب القرون المتوسطة كالزيلعي، لا هذه الكتب المختلة كالكنز والتنوير، وأن يرجع أحكام الباب ومسائله إلى قواعد كلية، ثم يسرد الأحكام بعدها في غاية الوضوح، وأن يراعي الترتيب الطبيعي بين المسائل، فيقدم ما ينبغي تقديمه ويؤخر ما ينبغي تأخيره، وأن لا يخلط مسائل باب بآخر، وإن كان بعض المسائل يشترك فيه بابان كالبيع والإجارة فلا بأس بذكره في كل باب، ولا بأس بالإشارة إلى أنه تقدم، وأن يذكر القول الراجح بدليله، ويذكر بعده القول المرجوح مع الإشارة إلى دليله، وأن يختصر في مسائل العبادات.
إذا رجعنا إلى كتب القرون المتوسطة كالزيلعي، نكون قد خطونا خطوة لإصلاح الكتب والفقه، وما دمنا مقيَّدين بعبارات هذه الكتب المتداولة، ولا نعرف الدين والعلم إلا منها، فلا نزداد إلا جهلاً. هذا الشوكاني لما كسر قيود التقليد الأعمى حيث كان وهابيًّا معتدلاً، صار عالمًا فقيهًا. إن حالة الفقهاء هذه هي التي ضيَّعت الدين..." [78].
كما أن محمد عبده كان له موقف نقدي من الطريقة التقليدية لتَلَقي العلم، فقد استجازه أحد علماء الهند الإجازةَ المعروفة، فكشف له عن رأيه في هذه الشؤون فقال: "هذه كلها صور شُغل بها المسلمون عن الحقائق، ولا قيمة لها في خلاصهم مما هم فيه من شقاء الدنيا، ولا فائدة لها فيما يوعدون به من شقاء الآخرة على ما فرطوا في جنب الله. إنما شأني الذي كلفت به هو أن أعلم وأقول وأبين وأكتب ما استطعت، ومَن تلقى عني شيئًا أو فَهِمه مما كتبته فله أن يرويه عني وأن يؤديه على ما فهمه، بعد دقة البحث والتحري، والأخذ بالاحتياط في فهم القول وتحرير الرواية. فإذا وصل إليك شيء مما أقول أو أكتب وفهمتَه كما أحب أن يُفهم، فإليك الأخذ به وروايته عني بعد التحقق من صحة النسبة، وأكون لك من الشاكرين" [79].
أما الزهراوي فالأمر معه مختلف كليًّا؛ فهو قد تجاوز الأطروحات المألوفة للإصلاحيين السلفيين التي اتفق معهم فيها، من قبيل الهجوم على التقليد، والدعوة إلى الاجتهاد، والتأكيد على تنقية الأحاديث النبوية من الموضوعات، تجاوز ذلك إلى اعتبار الفقه والتصوف عِلمين غير نافعين في الدين والدنيا بل فيهما إضرار!.
1- حقيقة الفقه وطبيعته:
قدم الزهراوي شرحًا لما أسماه "حقيقة الفقه الإسلامي بما كان عليه، وما آل إليه"، وهدفه من ذلك إبطالُ "الزعم بأن كل ما كتبوه هو من عند الله"، وإبطال "أنهم استفادوا كل ما كتبوه: من الدين، ولا دَخْل لعقولهم فيه" [80]، وإثبات أن "ولوع الناس بالقديم ونسبة البركة والتقديس إلى الأقدم فالأقدم هي المسألة التي أضلت الأمة" [81]. فالفقه ليس من علوم الدين "وإنما هو مجموع قوانين وضعها المتقدمون".
بل إنه يذهب أبعد من ذلك حين يعيد البحث والتفكير في مسألتين:
الأولى "تسمية هذا العلم بالفقه".
والثانية فيما "يسمونه بالفروع".
ففي الأولى: يتكلم على "اللفظ الذي انتحلوه اسمًا لعلمهم"، فيقول إن لفظ الفقه يعني الفهم ولا وجه لاختصاصهم به، فكل علمٍ محتاجٌ إليه، ثم إن هذا اللفظ الوارد في القرآن والسنة "ليس عبارة عما ذكروه من المسائل فقط، بل ليس المراد به في الآية والحديث ما ظنوه، بل المراد أمور هي أعلى من معرفة غسل السبيلين ومسح الخفين، وأمثال هاتين".
ويستعين الزهراوي بالغزالي لتدعيم فكرته، فإن الغزالي يقول: "اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامي المحمودة وتبديلها ونقلها بالأغراض الفاسدة إلى معانٍ غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول، وهي خمسة: الفقه والعلم والتوحيد والتذكير والحكمة. فهذه أسامٍ محمودة، والمتصفون بها أرباب المناصب في الدين لكنها نُقلت الآن إلى معانٍ مذمومة ...
واللفظ الأول: الفقه فقد تصرفوا فيه بالتخصيص، لا بالنقل والتحويل؛ إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقًا فيها وأكثر اشتغالاً بها يقال: هو الأفقه، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدلك عليه قوله عز وجل: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم). وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له". وهذا النص أخذه الزهراوي من "إحياء علوم الدين" [82]، وقد سبقت منا الإشارة إلى أهمية هذا الكتاب لدى الإصلاحيين عامة، ونضيف هنا إشارة أخرى تتعلق باسم الكتاب ودلالته التي ينبغي استحضارها في المشروع الإصلاحي الذي يستلهم الغزالي هنا لإحياء العلوم الميتة!.
وفي المسألة الثانية يذهب إلى أن علم الفروع هو "مجموع مسائل تزايَد عددها بتداول الأيام، بعضها مستند إلى الكتاب والسنة، وكثير منها مستند إلى الظن والتخمين والفرْض والتقدير، بعضها مما يجوز وقوعه، وبعضها مما لا يقع. وترى في كثيرها من التمحلات العجيبة والتخيلات الغريبة، ومخالفة العقل والنقل ما تقف معه حائرًا مندهش الذهن، وتراهم أحيانًا لا يتحاشون من ذكر أمور قبيحٍ ذكرها" [83].
2- تفاصيل الفقه وأحكامه:
وتفصيل ذلك أن الفقه منقسم إلى عبادات ومعاملات، فالعبادات قد أُمرنا أن نفعلها كما كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكن "هل التعاليم مختلفة بقدر ما اختلف هولاء الفقهاء أم أراد هؤلاء أن يوهموا الملأ بما وسعته صدورهم من العلوم فتوسعوا بالتفصيلات القولية والاصطلاحات المذهبية حتى كتبوا ألوفًا من الأوراق على الصلاة مثلاً" [84]، وهو يستدعي العديد من الأمثلة "على كل ما سموه فقهًا".
أما المعاملات فيبدي عجبه مما "كتبوه في المناكحات التي عدوها في المعاملات، تلك المناكحات التي يتعجب الإنسان من الأبواب التي فُتحت فيها". أما ما كتبوه في الحقوق وسموا مجموعه بالمعاملات فلا أنكر أنهم أجادوا في بعضه بحسب أزمنتهم وأمكنتهم، وإنما الذي أنكره هو أنه يكفي لزماننا ويغنينا عن غيره، وأنه لا يغني عنه غيره، وأنه لم يكن آلة بيد القضاة والمفتين ومن في حكمهم يعبثون فيه كما شاؤوا، وأنه ليس من المضر تقديسه الذي جعلنا ينابذ بعضنا بعضًا من أجله، وتقديس المحاكم المنسوبة إليه التي كانت وما زالت بقاياها ميدانًا تتجلى فيه الغرائب" [85].
وأدلته على ذلك: أن أزمنتهم غير زماننا الذي تغيرت فيه التجارة وأبوابها وفروعها، وأن الرسول بتصريحه لمعاذ وعلي أن يعملا برأيهما إذا لم يجدا نصًّا كفانا مؤونة السلاسل التي ربط الناس بها أقوام كتبوا الكتب بأيديهم ثم قالوا: هذه من عند الله، وأن هذه الأمم التي ليس عندها هذه الكتب قد أغناها الله بفضل عقولها في تدبير التجارة والبيوع وعقد الشركات وإمضاء المعاهدات، وإدارة المنافع العامة، وترتيب العقوبات وجباية الأموال وتنظيم الجيوش ...، وأن هذه الأقوال المتضاربة المتعارضة ليس لأكثرها سبب إلا منافع القضاة ومن في حكمهم، وأن اعتناء كل طائفة بمذهب واحد على ما فيه من تعدد المرجحين قد فرّق كلمة المسلمين منذ زمن بعيد حتى أوصلهم إلى هذه الحالة [86]. ثم يُجمِل تاريخ الاختلاف في الأمة إلى شيع منذ القرن الأول، إلى مجيء "المذاهب على كثرتها وتعارضها مضاهية لأديان مختلفة حتى ألغى أكثرها الزمانُ الذي جاء فيه حكومات أخذت ما دوّنه قوم وأعرضت عن الآخرين، فالحكومات هي بالفعل حصرت الميدان وأغلقت الأبواب" [87].
أثارت مقالة الزهراوي ردودًا عنيفة، فقد وصف رشيد رضا مجموعة "الفقه التصوف" –وهي في الأصل ثلاث رسائل- بأنها "أشد مما كنا نكتبه في موضوعها نقدًا على سعة الحرية هنا، وشدة الضغط هنالك، فهاجت عليه حَمَلة العمائم في دمشق، وأشد ما أنكروا عليه فيها: القول بالاجتهاد وبطلان التقليد، فهيّجوا عليه الحكومة فاعتقلته في الشام، ثم أُرسل إلى الأستانة" [88].
وقد أشار محمد عبده إلى تلك الواقعة مؤيِّدًا الزهراوي فقال في كتابه "الإسلام والنصرانية": "ألم يُسمع بأن رجلاً في بلاد إسلامية غير البلاد المصرية، كتب مقالاً في الاجتهاد والتقليد، وذهب فيه إلى ما ذهب إليه أئمة المسلمين كافه، ومقالاً بيَّن فيه رأيه في مذهب الصوفية، وقال: إنه ليس مما انتفع به الإسلام، بل قد يكون مما رُزِئَ به، أو ما يقرب من هذا، وهو قول قال به جمهور أهل السنة من قبله، فلما طبع مقاله في مصر تحت اسمه، هاج عليه حَمَلة العمائم وسَكَنة الأثواب والعباعب وقالوا: إنه مرق من الدين، أو جاء بالإفك المبين ثم رُفع أمره إلى الوالي، فقبض عليه، فألقاه في السجن، فرفع شكواه إلى عاصمة الملك، وسأل السلطان أن يأمر بنقله إلى العاصمة ليثبت براءته مما اختلق عليه بين يدي عادل لا يجور، ومهيمن على الحق لا يحيف إلى آخر ما يقال في الشكوى، فأجيب طلبه لكن لم ينفعه ذلك كله، فقد صدر الأمر هناك أيضًا بسجنه، ولم يُعف عنه إلا بعد شهر، مع أنه لم يقل إلا ما يتفق مع أصول الدين، ولا ينكره القارئ والكاتب، ولا الآكل والشارب" [89].
ويبدو أن جرائر نشر تلك الرسالة وما وقع لصاحبها من اضطهاد، غطّى قليلاً على مناقشة ما فيها، فقد لاحظنا كيف أن محمد عبده أيده في الجملة ولم يأت على مناقشة ما جاء في رسالته، ولا نعرف ألأنه مؤيد له، أم لأن الظرف غير مناسب لمناقشة ما جاء فيها، ولا بد من الانتباه إلى أن كلام عبده يسكت عن نقد الزهراوي للفقه والأصول، ويكتفي بتأييد ما يتفق عليه الإصلاحيون جميعًا من الدعوة إلى الاجتهاد ونقد التصوف، وإن كنّا نعرف من مراسلة عبده للزهراوي أنه كان يرتضي توجهه في الجملة [90].
ولكن الشيخ رشيد رضا بيّن موقفه النقدي من مجموعة "الفقه والتصوف" فقد كان هو نشر الرسالة الأولى منها في مجلة "المنار"، وطلب من العلماء والفقهاء أن يكتبوا إليه رأيهم فيها، وذكر أن لشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في أسباب الخلاف تصلح أن تكون جوابًا على هذه الرسالة. وكان الهدف المعلن من نشر الرسالة الأولى: "إطلاع العلماء على بعض ما يدور بين الكُتاب ليكونوا على بينة منه، فلم يُفِد".
قال رضا: "ثم وردت علينا الرسالة الثانية مع رسالة التصوف، فلم نشأ نشرهما على احترامنا حرية البحث والنقد، واعتقادنا أن العلم لا يرتقي إلا بها، وذلك لأن مثل هذا النقد لا يكون مفيدًا إلا إذا تناوله الخواص بالمناظرة المعتدلة، وإننا نرى أهل العلم الديني يلجؤون في بلاد الاستبداد إلى مقاومة من يخالفهم بالقوة، ونراهم في بلاد الحرية لا يحفلون بما يدور بين حملة الأقلام وغيرهم من أمثال هذه المباحث، ولا يردون على ما يرونه منكرًا منها؛ لأنهم بمعزل عن العالم وسيره".
ورشيد رضا ينتقد طريقة الزهراوي موضحًا طريقته هو في النقد، فقد كتب رشيد رضا في السنة الأولى من المجلة رأيه في الفقهاء والصوفية وعَرَضه على شيخ الأزهر وبعض علمائه "فقال الشيخ في المقالة: إن كلامها شرعي لا يُعترض عليه. وذلك أننا ذكرنا محاسن القوم وذكرنا ما لا يوافق الشرع أو المصلحة العامة مما يُؤْثر عن مجموعهم؛ ولكن رسالة الفاضل الزهراوي مخصوصة بالمساوئ؛ ولذلك كان يجب أن لا يطلع عليها إلا الخواص، فَطَبْعها خطأ، وإن كان قَصْد مؤلفها حسنًا، فنحن نُجِلُّ غيرته ونحترم حريته ونمدح شجاعته، على أنه أفرط فيها، ونتمنى أن يطلع العلماء على رسالته وينتقدوها" [91].
لا نكاد نعثر على مناقشات أخرى لأطروحة الزهراوي المثيرة، بالرغم من أن كثيرًا من إصلاحيي دمشق - على الأقل - كانوا على علمٍ بها واطلاع عليها؛ لأن الشرطة في دمشق كانت قد صادرت عشرات النسخ من تلك المقالة، بما فيها نسخة كانت في حوزة الشيخ جمال الدين القاسمي، ونعرف أنه كان ثمة معرفة جيدة بين عبد الرزاق البيطار والزهراوي كما يفيد حفيد البيطار، كما أن الزهراوي كان على معرفة بسليم البخاري أيضًا [92]. وثمة إشارة من البيطار إلى أن "للمقالة بعض مزاياها، غير أنها كان يجب أن لا تنشر لأنها لم تُثر سوى المتعصبين الذين وصموا الزهراوي بالكفر والهرطقة وطالبوا بصخب بإعدامه" [93].
لكن وُجد النقد من بعض المعاصرين للزهراوي وأطروحته، فأحدهم رأى أن مقالته في الفقه والتصوف "لم تحقق لا الدقة ولا التماسك" [94]، في حين ذهب آخر إلى نقد الزهراوي نفسه بأنه "لم يكن عميق التفكير كما أنه لم يكن يملك ثقافة عصرية" [95]. لكن ليس من شك أن كتابات الزهراوي تدل على علمه وعمق تفكيره وثقافته الواسعة، وقد وصفه رشيد رضا في مواضع من مجلة المنار بـ "العالم الفاضل"، وأشار فهمي جدعان إلى جانب من "تأملاته الفلسفية الجادة" [96]. بل إن أطروحته في نقد الفقه متماسكة بالشكل الذي أراد البرهنة عليه، ولاسيما أنها في الأصل ثلاثة مقالات مُفرّقة، ولكن لا شك أيضًا أن فيها إسرافًا في الإصلاح يصل إلى حد الهدم لعلمين مهمّين لا يمكن تبريره معرفيًّا بمجرد حدوث الاختلاف الواسع فيهما أو بالاحتجاج بمآلاتهما، أو بسوء حال حَمَلَتِهما، لكن المقصد العام في أنه يحتاج إلى إصلاح، وأنه اكتنفه الكثير من مظاهر الفساد المُضرّ، مما لا يختلف فيه الإصلاحيون، مع التأكيد على أن ذلك كله لا يذهب بقيمته ومكانته؛ لأن الفقه من علوم المقاصد، لم ينازع فيه أحد.
على أن من المفيد هنا أن نشير إلى ملحوظة ذات دلالة، وهي أن للزهراوي "كتابًا في الفقه بأسلوب قريب المأخذ سهل العبارة يدعم مسائله بالأدلة الدامغة"، كما ذكر صديقه أحمد نبهان الحمصي، وعلق رشيد رضا على هذه الجملة فقال: "كان سبب تأليف هذا الكتاب محاورة طويلة دارت بيننا وبين الفقيد من جهة، وأحمد فتحي باشا زغلول أيام كان وكيلاً لوزارة الحقانية بمصر من جهة أخرى، ولو تم على عهد الباشا لسعى إلى طبعه على الحكومة لأجل المحاكم الشرعية" [97]. فكيف يصنف الزهراوي في علم لا ينفع؟ إلا أن يكون أراد من نقده السابق زلزلة العقول واستفزازها للخروج من الجمود والتفكير بما آل إليه الفقه الذي اعترف في بعض المواضع بقيمته ولاسيما في مجال الحقوق.
ثم إن تلك المحاولة الفقهية المعاصرة المدعومة بالأدلة، لم تكن من الزهراوي وحده، فقد أفاد رشيد رضا أن الشيخ جمال الدين القاسمي كتب إليه "أن له كتابًا في العبادات مقتبسًا من كتب المذاهب مع بيان حكمة التشريع. كان أخذه منه الشيخ أحمد طباره ليطبعه في مطبعته ببيروت ولم يُعِده إليه، وعلمتُ ممّا كتب إليّ أنه من أهم كتبه، وكنت وعدتُ بتأليف كتابٍ في ذلك فسبقني -رحمه الله- إليه، فتمنيت لو يُطبع لأستغني به" [98].
 
- أصول الفقه:
لم يقتصر نقد الزهراوي على الفقه فقط، بل تعداه إلى أصول الفقه، يقول: "من يسمع هذا الاسم (أصول الفقه) يَخَلْ أنه عبارة عن قواعد كلية منقحة محكمة تتفرع عليها الحوادث والنوازل، ويُستَند إليها في الفتاوى والأقضية، كالقواعد التي أخذوها في أول المجلة عن كتاب الأشباه والنظائر. كلا. ولكنه عبارة عن اصطلاحات وطرائق للأخذ من القرآن والحديث والإجماع والقياس، وهي المآخذ عندهم.
أما القياس فليس لنا من ردٍّ عليهم في جعله ركنًا من أركان التفريع وليست حجج الذين أنكروه بصحيحة، بل الحجة للذين أثبتوه [99] ...
وأما الإجماع فالغالب أنه لم يقع، لذلك لا جدوى من تقريره أو جعله مأخذًا" ثم حاجج فيه وفنّد رأي القائلين به. ثم قال: "ولقد تتبعت كثيرًا من المسائل التي ادّعى الإجماع فيها بعض المؤلفين، وصدّق به الناس لعِظَم شهرتهم وحسن الظن بكثرة اطلاعهم فلم أرَ مسألة مما ادعوا فيها الإجماع متفقًا عليها كما ظنّوا. وهكذا رأيت العلامة شيخ الإسلام في عصره تقي الدين بن تيمية سبقني إلى هذا القول ...
وأما السنة فلا كلام لنا على استنادهم إليها، وإنما الكلام على محكماتهم والسيطرة على الناس بطرائقهم ... وعلم السنة إنما يؤخذ من مظانه وإن الأصوليين ما تصدوا له كما يستحقه، فتفكّر طويلاً.
وأما الكتاب المجيد فهو الحجة العظمى والعروة الوثقى ... كتاب عربي من عرف أساليب العرب يفقهه، ومن وقف على أقوال الرسول يتبحر فيه، لا يختص بفهمه أهل عصر ولا أهل مصر؛ لأنه خوطب به الذين آمنوا ممن صحب الرسول ومن بعدهم إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله.
هذا وإني لا أرى مما كتبوه في هذا الباب مزية زائدة على ما يعرفه كل من عرف أساليب البيان والخطاب، فما بالهم يوجبون على الناس أن يضاهوهم ويقلدوهم؟ وما بال فريق منهم جعلوا لكتبهم من الاعتبار أكثر مما له؛ إذ قالوا: إن مفاهيم الكتب حجة عندنا دون مفهوم القرآن؟ فتأملوا وأَبصِروا" [100].
فالزهراوي هنا يحاول هدم بناء "أصول الفقه" بدءًا من اسمه ومكوناته وحقيقته، وانتهاء بمحاوره التي هي مصادر التشريع، فهو يسلّم بالقياس، ولا يوجد إجماع، والسنة يُرجع فيها إلى المحدثين ولا دخل للأصوليين بها، أما الكتاب فلا نحتاج فيه إلا إلى اللسان العربي!.
إن نقده للفقه فيه قدر جيد من الصحة، مع خطأ في التصور والاستدلال الذي بناه على طبيعة وجود الاختلاف الفقهي وعدم تفهمه له وتعمقه في أسبابه وكيفية حصوله، ولكنه أمسك بإشكاليته المركزية من حيث هو في جملته إنتاج عقلي ضمن السياق التاريخي، الأمر الذي جعله يتلون بألوان العصور المختلفة اهتمامًا وتفريعًا، ولغة وتفكيرًا، على نحو الأمثلة الغريبة التي ساقها.
أما نقده للأصول فتنقصه الجدية الكافية، فمكونات علم الأصول متعددة ترجع إلى أصول فهم خطاب الشارع التي لا تقف على مجرد اللغة البسيطة كما توهم، وهو ما ندعوه علم تفسير النصوص، كما يشتمل أيضًا على مصادر التشريع وهي أوسع من الأربعة التي ذكرها، بل قد أوصلها الشيخ القاسمي بالاستقراء من جملة المذاهب الإسلامية إلى خمسة وأربعين [101]!. أما السنة فلا يخفى أنها ليست قاصرة على مجرد معرفة صحة السند من عدمها كما أفاد كلامه، وفي هذا تسرع واختزال مخلّ، ثم لا يخفى أن المنهج الأصولي اتسع فيه نقد متون السنة أكثر من المنهج الحديثي على أقل تقدير، كما أن كتب كثير من المحدثين المتقدمين والمتأخرين طافحة بأحاديث واهية وضعيفة، وليس هذا شأن الفقهاء والأصوليين وحدهم!. بقي الإجماع، وكلامه فيه كلام قديم سبق إليه عدد من الأصوليين.
لكن تبقى أطروحة الزهراوي محاولة نقدية طموحة طالت علم أصول الفقه نفسه في زمنٍ كان هذا العلم يُقرأ للتبرك في أحسن الأحوال؛ لأنه لا فائدة منه للمقلدة الذين تعبدوا بكتب الفقه المذهبية لا يخرجون عنها قيد أنملة.
لكن محاولة الزهراوي لم تكن يتيمة، فهناك إشارة إصلاحية مجملة أوردها محمد سعيد الباني وعزاها لشيخه طاهر الجزائري بخصوص علم أصول الفقه، قال: "ينبغي مثلاً لمن يحاول الكتابة في علم أصول الفقه أن تكون كتابته مطابقة لمقتضيات روح العصر. كأنه يريد بالكاتب في هذا الموضوع أن يمحِّص القواعد الشرعية السمحاء التي تؤازر الأخذ بالترقي الحديث، وكل نافع من مقتضيات العمران والسعادة البشرية، والتي يتقلَّص بها ظلُّ الجمود على القديم، وتقضي على التمسك ببعض فروعٍ استنبطها أربابها وفقًا لمقتضى روح عصرهم، وبأن يوفِّق بين قواعد أصول الفقه الديني وبين أصول الشرائع المدنية والحقوق الأساسية لتتجلى بذلك عظمة الفقه الإسلامي وسعته وتفوقه على القانون المدني وليتم الاستغناء بالأول عن الثاني"[102].
فالإصلاح المطلوب لأصول الفقه وفق هذه الرؤية مرهون بروح العصر، وهو دائر في حدود أمرين: الأول يتمثل في تمحيص وتحديد القواعد الشرعية التي تمكّن من الترقي والتمدن الحديث وبها تتحقق المنافع العمومية التي يقوم عليها العمران. وهذا يعني الإقرار بأن جزءًا من علم الأصول تاريخي بمصطلحنا اليوم، أي أنه مرتهن لسياق غير سياقنا وزمان غير زماننا، وهذا الذي يُطلب فيه البحث والتحديد لمجاوزة حال الجمود.
الأمر الثاني الذي يدور عليه الإصلاح برأي الجزائري يتعلق بمحاولة التوفيق بين قواعد أصول الفقه الديني وقواعد الفقه المدني والقانوني الحديث؛ لأن هذه المقارنة بين الفقهين ستوضح مصداق الثقة بعظمة الفقه الإسلامي وأنه قادر على مواكبة العصر. ولعل هذه دعوة مبكرة جدًّا لفكرة المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي التي وجدناها في العصر الحديث مع نخبة من القانونيين والفقهاء في القرن العشرين.
ولعل الحديث عن فكرة المصالح والمقاصد يندرج في الأمر الأول، وهي مسألة محورية دارت عليها جهود الإصلاحيين السلفيين، حتى إن للشيخ طاهر الجزائري مصنفًا بعنوان "مقاصد الشرع" [103] كُنَّاشًا احتوى على "مسائل علمية وأبحاث من كتاب الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي" [104]، وإذا كان الشيخ محمد عبده اطلع على موافقات الشاطبي لأول مرة في تونس في حدود سنة 1884م فأغلب الظن أن معرفة الشيخ طاهر بالموافقات معرفة أصيلة، وذلك لما اشتُهر عنه بين القاصي والداني من سعة اطلاع بكتب المتقدمين والمتأخرين مطبوعها ومخطوطها، حتى إنه كان موسوعة متحركة، ولم يكن يوازيه أحد في ذلك كما شهد معاصروه.
ومن المفيد كذلك أن الشيخ جمال الدين القاسمي لشدة اهتمامه بالاجتهاد، اهتم بعلم الأصول اهتمامًا خاصًّا فطبع كتبه وحث على التأليف فيه، وقد كان شيخه محمد الخاني يقول: "إننا نقرأ علم الأصول للتبرك؛ لأنه لا فائدة لنا فيه، وإنما يستفيد منه من يكون حرًّا مجتهدًا لا مقلدًا مثلنا" [105]. وكان مما نشره القاسمي وعلّق عليه: رسالة الطوفي في المصلحة، فأعاد نشرها رشيد رضا في المنار قائلاً تحت عنوان "أدلة الشرع وتقديم المصلحة في المعاملات على النص": "إن الأحكام السياسية والقضائية والإدارية - وهي ما يعبر عنها علماؤنا بالمعاملات- مدارها في الشريعة الإسلامية على قاعدة درء المفاسد وحفظ المصالح أو جلبها، ... وقد طبعت في هذه الأيام مجموعة رسائل في الأصول لبعض أئمة الشافعية والحنابلة والظاهرية منها: رسالة للإمام نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى سنة 716هـ، تكلم فيها عن المصلحة بما لم نَرَ مثله لغيره من الفقهاء، وقد أوضح ما يحتاج إلى الإيضاح منها في حواشيها الشيخ جمال الدين القاسمي أحد علماء دمشق الشام المدققين، فرأينا أن ننشرها بحواشيها في المنار؛ لتكون تبصرةً لأولي الأبصار" [106].
كما أن من أصول الإصلاح عند عبد القادر المغربي: اعتماد مبدأ المصلحة في الأحكام الشرعية والمعاملات القضائية، حتى إنه ليعرف الدين بأنه "وضع إلهي تصان به مصالح الإنسان منفردًا ومجتمعًا" [107]، ومصالح الإنسان هذه ترجع إلى أمرين: مصالح تتعلق بإدارته وسياسته باعتبار كونه أمة، ومصالح تتعلق بأحواله الشخصية والعائلية والاجتماعية باعتبار كونه فردًا من أمة، فالأولى فُوِّض أمرها إلى الحكام، والثانية فُوِّض أمرها إلى العلماء. لكن وقع الانحراف في الفئتين، "فتحول الدستور العمري إلى استبداد كسروي، وانقلب الاجتهاد الإسلامي إلى تقليد جاهلي" وبذلك ذوت الأمة [108]!.

الهوامش:

[1] رشيد رضا، مجلة المنار، مجلد 17، 7/559-560.
[2] خالد زيادة، اكتشاف التقدم الأوربي، بيروت: دار الطليعة، ط1، 1981م، ص10.
[3] عبد القادر المغربي، البينات: الإصلاح الإسلامي 1909م، القاهرة: المطبعة السلفية، ط1344هـ، 1/6-7.
[4] مجلة المنار، مجلد 35، 3/234.
[5] ظافر القاسمي، جمال الدين القاسمي وعصره، دمشق: مكتبة أطلس، 1385هـ، ص43-67. ونزار أباظة، جمال الدين القاسمي، دمشق: دار القلم، ط1، 1997م، ص112-120.
[6] مجلة المنار، مجلد 7، 10/361.
[7] كمذكرات القاسمي، وبعض النصوص الإصلاحية التي جُمعت للكواكبي والزهراوي وصلاح الدين القاسمي، ومذكرات محب الدين الخطيب وكتابات المغربي في الإصلاح، والنصوص التي في مجلة المنار وغيرها.
[8] ديفيد كومنز، الإصلاح الإسلامي، ترجمة مجيد الراضي، دمشق: دار المدى، ط1، 1999م، ص7.
[9] كان الجزائري قد بدأ يبيع مجموعة كتبه ومخطوطاته تدريجيًّا قبيل هجرته إلى مصر، وفي سنة 1907م لم يتبق لديه سوى ثلاثة صناديق من الكتب أودعها عند صديقه عثمان العظم. انظر: كومنز، الإصلاح الإسلامي، ص167، ويحيل إلى: ظافر القاسمي، جمال الدين القاسمي، ص437-438.
[10] تبلغ تآليفه بضعة عشر كتابًا، بعضها ديني، وأكثرها أدبي، وأكبرها: تاريخه في رجال القرن الثالث عشر، ذكر فيه المشاهير وغيرهم، منها: المنة في العمل بالكتاب والسنة. أما رسائله وقصائده ومكاتيبه العلمية والأدبية فتبلغ لو جُمعت مئات الأوراق. انظر ترجمته بقلم ابنه بهجت البيطار في مجلة المنار، مجلد 21، 6/317.
[11] انظر سبب ندرة كتابات سليم البخاري في: محمد سعيد الباني، علماء الشام كما عرفتهم، جمعه حسن السماحي سويدان، دمشق: دار القادري، ط1، 1999م، ص238، وفيه أن ما كتبه لا يوازي بحالٍ علمه الواسع.
[12] انظر مؤلفات ابن بدران في: محمد بن ناصر العجمي، علامة الشام عبد القادر بن بدران الدمشقي، بيروت: دار البشائر الإسلامية، ط1، 1996م، ص46. وقد بلغت 46، وكلها في الموضوعات التقليدية للعلوم الإسلامية لا يظهر فيها أثر إصلاحي.
[13] كومنز، الإصلاح الإسلامي، ص119.
[14] حازم محيي الدين، الشيخ طاهر الجزائري، دمشق: دار القلم، ط1، 2001م، ص62.
[15] انظر توثيقًا تاريخيًّا مهمًّا يوضح ذلك بخصوص الجزائري والبخاري على وجه الخصوص في: الباني، علماء الشام كما عرفتهم، ص240.
[16] وكذلك الشيخ سليم البخاري الذي اطلع على كثير من نفائس الكتب المخطوطة فحاول هو وصديقه طاهر الجزائري إبرازها إلى عالم الطباعة والنشر. انظر: الباني، علماء الشام كما عرفتهم، ص237.
[17] رشيد رضا، مجلة المنار، مجلد 17، 8/630-631.
[18] انظر قائمة مؤلفاته ونشراته التراثية التي أحياها في: حازم محيي الدين، ص63.
[19] عبد الفتاح أبو غدة، مقدمة تحقيقه لكتاب طاهر الجزائري، توجيه النظر، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، ط3، 1412هـ، ص7-8.
[20] لم يهتم فهمي جدعان بالجزائري وأفكاره، فهو لم يذكره إلا مرتين بالسلب في أسس التقدم عند مفكري الإسلام، عمان: دار الشروق، ط3، 1988م، ص203 و445، انتقد في أولاهما كتابه في الاعتقاد بأنه تقليدي، وفي الثانية اتهمه بالماسونية تبعًا لانتقاد عبد القادر المغربي له وقد حدثت بينهما جفوة فيما يبدو! فإني رأيت في كتاب "علماء الشام كما عرفتهم" ص233، صورة شخصية قد جمعت المغربي والجزائري وكرد علي ومحمد سليم البخاري وشكيب أرسلان جميعًا. بل إن المغربي كتب رسالة باسم "الطاهر من آثار الشيخ طاهر أو التذكرة الطاهرية" نشرت في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق في المجلد 3، والجزأين 5-6 سنة 1923م. ومن غريب ما وقفت عليه كذلك أن صالح مخلص رضا شقيق رشيد رضا كتب نقدًا لاذعًا لترجمة الباني للشيخ طاهر، ثم أورد له ترجمة حطّ عليه فيها وانتقص من علمه وشخصه!. انظرها في المنار، مجلد 22، 8/635. مع أن رشيد رضا ذكر الشيخ طاهر في مواضع عديدة وقرّظ له بعض كتبه مثنيًا عليه وأنه أعلم من عرفهم بكتب المتقدمين والمتأخرين، وقال في مجلد 34، 8/613: "والعلامتان الجزائري والقاسمي كانا سيين في سعة الاطلاع، وحسن الاختيار، إلا أن الجزائري أكثر اطلاعًا على الكتب، وولوعًا بالاستقصاء والبحث، والقاسمي أشد تحريًا للإصلاح، وعناية بما ينفع جماهير الناس". ووصفه في مجلد 5، 23/914 بأنه: "أشهر العلماء ودعاة الإصلاح في بلاد الشام". وانظر عن الدور المهم الذي مارسه الجزائري في الحركة الإصلاحية في دمشق: كومنز، ص164-173. وقد تحدث تلميذه محب الدين الخطيب في مخطوط له عن جهوده في نهضة الشام. انظر: محمد عبد الرحمن برج، محب الدين الخطيب ودوره في الحركة العربية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 1990م، ص15. ويقول محب الدين الخطيب: إنه تعلم منه - من ضمن ما تعلم منه - الوفاء لهذه الأمة. وقد ترجم له تلميذه الآخر: محمد سعيد الباني ترجمة ضافية تحدث فيها عن أفكاره الإصلاحية ودوره النهضوي في "تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر".
[21] حازم محيي الدين، الشيخ طاهر، ص85.
[22] انظر تفاصيل عن تلك الحلقة في: كومنز، الإصلاح الإسلامي، ص167، وقد وثقها كذلك عبد الرحمن الشهبندر ضمن كلمته في تأبين رشيد رضا، مجلة المنار، مجلد 35، 3/234.
[23] يؤكد فهمي جدعان على استقلالية مشروع ابن باديس وأنه جاء نتيجة الظروف التاريخية التي مرت بها الجزائر المستعمرة ولم يجئ نتيجة تأثر مباشر بأفكار محمد عبده. فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، ص461-462.
[24] جدعان، أسس التقدم، ص202، بالرغم من أن جدعان يرى أن الأفغاني كان ملهِمًا لمعظم الحركات الدينية الإسلامية التي ظهرت في العالم الإسلامي حتى الحرب العالمية الأولى. وانظر إشارة للإصلاح الديني في أوربا وأن معاناة أهله كانت أشد من معاناة الإصلاحيين الإسلاميين بسبب وجود طبقة الإكليروس في كلمة عبد الرحمن الشهبندر في تأبين رشيد رضا، مجلة المنار، مجلد 35، 3/234.
[25] انظر: محمد عبد الرحمن برج، محب الدين الخطيب ودوره في الحركة العربية، ص14 و16-17، و42. وقد كان محب الدين يعتبر الشيخ طاهر أبًا له بعد وفاة والده.
[26] انظر تلك الإشارة في: الباني، علماء الشام كما عرفتهم، ص237، وفيها يشير إلى زيارة محمد عبده إلى دمشق دون تحديد تاريخ وهي إشارة نادرة!.
[27] يذكر عبد الرحمن الشهبندر أن النهضة في دمشق بدأت دينية، وأن حلقة طاهر الجزائري وإخوانه سارت شوطًا أبعد فيها، ثم يقول: "وفي تلك الغضون طلعت علينا من القاهرة مجلة (المنار) فعرفنا أن لنا في مصر إخوانًا ينطق بلسانهم الراحل الكريم" يعني رشيد رضا. عبد الرحمن الشهبندر ضمن كلمته في تأبين رشيد رضا، مجلة المنار، مجلد 35، 3/234.
[28] عبد الحميد الزهراوي، الفقه والتصوف، دراسة وتقديم محمد راتب الحلاق، حمص: مكتبة الإرشاد، ط1، 1996م، ص75.
[29] تنبغي الإشارة هنا إلى اختلاف الإصلاحيين فيما بينهم، حول العلاقة بين التعليم والنهضة، ففي حين نجد أن "التفكير العلّيّ الأحادي ميز إلى حد بعيد كلاً من محمد عبده ورشيد رضا والمغربي والغلاييني وأرسلان، وهو التفكير الذي يُدير النهضة والتأخر على علة التعلم والتربية والتعليم المدعومين بالأخلاق" كما يلاحظ فهمي جدعان في أسس التقدم ص462، فإن آخرين قد رأوا في التعليم أحد سبل العلاج، كالكواكبي مثلاً، وكان إدراكهم لمشكلة الانحطاط إدراكًا شموليًّا وليس أحاديّ العلة.
[30] فهمي جدعان، أسس التقدم ص462.
[31] رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام، ص425.
[32] رشيد رضا، المنار، مجلد 11، 12/941.
[33] انظر: الكواكبي، أم القرى، ص178-186.
[34] آثار ابن باديس، إعداد وتصنيف عمار الطالبي، الجزائر: درا مكتبة الشركة الجزائرية، ط1، 1968، جزء 1، 2/217، وانظر: فهمي جدعان، أسس التقدم، ص459-461.
[35] عبد القادر المغربي، البينات (الإصلاح الإسلامي: 1909م)، 1/302. وانظر: جدعان، أسس التقدم، ص438 وما بعد.
[36] انظر نبذة عن تلك الأحوال في: علي المحافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب، بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، ط3، 1980م، ص12-20.
[37] محمد خليل المرادي، سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، 2/282- 283. نقلاً عن: علي المحافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة، ص15.
[38] محمد عبده، الأعمال الكاملة، تحقيق وتقديم محمد عمارة، القاهرة: دار الشروق، ط1، 1993م، 3/360.
[39] محمد عبده، الأعمال الكاملة، 3/339.
[40] بدا لي أن هذا المصطلح شاع على ألسنة عدد من الإصلاحيين حينها، فقد استعمله رشيد رضا أيضًا وغيره.
[41] أباظة، جمال الدين القاسمي، ص307-308، وقد أحال إلى استانبولي، شيخ الشام جمال الدين القاسمي، ص58، 84.
[42] عبد القادر المغربي، جمال الدين الأفغاني: أحاديث وذكريات، القاهرة: دار المعارف، ط1948م، ص44-45. وانظر: جدعان، أسس التقدم، ص220.
[43] محمد علي الشوكاني، القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، تحقيق الشيخ إبراهيم حسن الأنبابي، القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط1347هـ، ص16-17.
[44] محمد سعيد الباني، علماء الشام كما عرفتهم، ص61-62.
[45] الباني، علماء الشام، ص103. وفي هذا المسلك تفسير لعدد من مؤلفات الجزائري والقاسمي التي لا يبدو منزعها الإصلاحي مباشرًا؛ إذ سلكت مسلكًا تعليميًّا لا بد منه في تلك المرحلة في الشام، ويؤيده كلام رشيد رضا في المنار في حق القاسمي.
[46] النبهاني هذا شيخ وقاضٍ كان من خصوم الإصلاحيين السلفيين، والتقى الأفغاني وعبده، وكتب في الهجوم عليهما وعلى الآلوسي في بغداد، مدعيًا أنه جرى تصويرهم زيفًا مصلحين دينيين، بينما سعوا في الحقيقة لتدمير الإسلام ونشر الإلحاد. انظر تفاصيل عنه في: كومنز، الإصلاح الإسلامي، ص214-216. ومن مصنفاته: جامع كرامات الأوليات الذي يذكر فيه العجائب!.
[47] ظافر القاسمي، جمال الدين القاسمي وعصره، دمشق: مطبعة الهاشمية، 1965م، ص590.
[48] كومنز، الإصلاح، ص137.
[49] انظر: كومنز، ص110.
[50] الشوكاني، القول المفيد، ص18.
[51] الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، بيروت: دار الفكر، دون تاريخ، ص3.
[52] محمد عبده، الأعمال الكاملة، 3/199-200.
[53] عباس محمود العقاد، الرحالة كاف: عبد الرحمن الكواكبي، القاهرة: المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ط1959م، ص128، 131.
[54] الزهراوي، لائحة الفقه الإسلامي، مجلة المنار، مجلد 4، 11/417.
[55] جدعان، أسس التقدم، ص203.
[56] محمد عبده، الأعمال الكاملة، 3/375.
[57] محمد عبده، الأعمال الكاملة، 3/377.
[58] عبده، الأعمال الكاملة، 3/382-383.
[59] فرسالة التوحيد أملاها على الطلبة في بيروت في حدود سنة 1885م، إملاءً هو "أَمَسُّ بحالهم"، ثم هيأها للنشر لاحقًا. وهذا الهدف التعليمي هو الدافع الكامن وراء كلام رشيد رضا أيضًا حين تحدث عن "الطريقة السهلة لتعميم تعليم العقائد".
[60] رشيد رضا، مجلة المنار، مجلد 11، 12/943.
[61] رشيد رضا، المرجع السابق.
[62] كان الجسر على صلة بالأفغاني، وكانت تصله مجلة العروة الوثقى، كما أنه كان شيخًا لرشيد رضا ولعبد القادر المغربي كذلك. انظر: تشارلز آدامز، الإسلام والتجديد في مصر، ترجمة عباس محمود، لجنة دائرة المعارف الإسلامية، ط1935م، ص17.
[63] طبع في بيروت سنة 1306هـ.
[64] طبع في القاهرة بمطبعة محمد علي صبيح.
[65] فهمي جدعان، أسس التقدم، ص222.
[66] فهمي جدعان، أسس التقدم، ص234.
[67] انظر: فهمي جدعان، أسس التقدم، ص237-245.
[68] الكواكبي، أم القرى، ص125.
[69] نوربير تابييرو، الكواكبي المفكر الثائر، ترجمة علي سلامة، بيروت: دار الآداب، ط2، 1981م، ص85. بل إن آخر يذهب إلى أبعد من ذلك إلى تفسير هذه النزعة الكواكبية بأنها "موغلة في السلفية التي ترفض كل إنجاز عقلي وفلسفي بل ديني اجتهادي، وأنها ليست إلا شكلاً متطرفًا من أشكال الأوتوبيا الرجعية"!. أحمد برقاوي، محاولة في قراءة عصر النهضة، دمشق: دار الأهالي، ط2، 1999م، ص115. وهي قراءة متعجلة تفتقر إلى العمق ومعرفة سياق النقد الإصلاحي، وقد كان جدعان شديد الدقة في فهم الجهود الإصلاحية في علم الكلام وإن لم يتعرض للكواكبي فيها.
[70] انظر لبيان رؤية عبده لإصلاح الأزهر: عثمان أمين، رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ص189-194. وانظر: علي المحافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب، ص85-87. وكانت فكرة إصلاح التعليم قد بدأت مع عبده في مقال نشره سنة 1876م.
[71] جدعان، أسس التقدم، ص203.
[72] انظر: عبده، الأعمال الكاملة، 3/334-351.
[73] الزهراوي، الفقه والتصوف، ص96.
[74] قال رشيد رضا: ""كان بيننا وبين هذا الصديق العزيز ... تقارب في الفكر والرأي، تعارفنا به بالمكاتبة قبل اللقاء ثم كان بعد اللقاء كالمحبة والوِداد، ولم يزدد بالمُعاشرة إلا ثباتًا ورسوخًا، كان كل منا ميالاً إلى الاشتغال بالصلاح الديني والاجتماعي، وعلاقة ذلك بالسياسة لا تخفى، ولكن تيسر لكل منا من أمر الاشتغال بالسياسة أو الإصلاح ما لم يتيسر للآخر، إذ كانت هجرتنا إلى مصر وهجرته إلى الأستانة. وفي سنة 1315 التي أنشأنا فيها المنار كان محررًا في إدارة جريدة (معلومات) العربية في الأستانة؛ وكان ما يكتبه فيها موافقا لمشرب المنار، ووقع بيننا ما يشبه المناقشة في المسائل الإصلاحية (راجع ص 950 من الطبعة الثانية لمجلد المنار الأول) ثم نفته أفكاره من الأستانة إلى وطنه".  المنار، مجلد 19، 3/169.
[75] انظر مثلاً: عبده، الأعمال الكاملة، 2/371.
[76] محمد راتب الحلاق، مقدمته لرسالة: الفقه والتصوف، ص11. وقد وصف أحمد نبهان الحمصي صديقه الزهراوي أثناء إقامته في الآستانة فقال: "عكف على مطالعة الفنون والعلوم في دور الكتب العمومية، وقلما خلت منها واحدة من مراجعته لأكثر كتبها". المنار، ترجمة السيد عبد الحميد، مجلد 21، 3/150.
[77] محمد عبده، الأعمال الكاملة، 2/371. تأمل بعد هذا كله الكلام الاعتباطي الذي ذكره ناجي علوش حين قال عنه: "تلميذ محمد عبده من خلال الشيخ طاهر الجزائري"!. وقد خانته العبارة في موضع آخر فاعتبر عبده ورشيد رضا من أساتذته! وهو يعرف صداقة رشيد مع الزهراوي ويذكرها. ناجي علوش، مدخل إلى قراءة عبد الحميد الزهراوي، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995م، ص76 و21 و51 على التوالي.
[78] عبده، الأعمال الكاملة، 3/213-214.
[79] عبده، الأعمال الكاملة، 3/216-217.
[80] الزهراوي، الفقه والتصوف، ص63.
[81] الزهراوي، ص80.
[82] الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت: دار المعرفة، 1/32.
[83] الزهراوي، الفقه، ص93-94.
[84] الزهراوي، ص60.
[85] الزهراوي، ص63.
[86] الزهراوي، ص64.
[87] الزهراوي، ص72.
[88] رشيد رضا، مجلة المنار، مجلد 19، 3/170. وانظر سرد أحمد نبهان الحمصي صديق الزهراوي للقصة في أثناء ترجمته له في المنار، مجلد 21، 3/150.
[89] أوضح رشيد رضا أن السبب الباطن للاعتقال: أن الزهراوي كان نشر في المقطم مقالة في الخلافة بإمضاء (ع . ز) -وهو إمضاؤه الرمزي لكل ما كان ينشره بمصر- وقد وُجِدَتْ تلك المقالة معه عند القبض عليه، وحاول تمزيقها. وكلام عبده في: الأعمال الكاملة، 3/330.
[90] انظر: محمد عبده، الأعمال الكاملة، 2/371.
[91] مجلة المنار، مجلد 4، 21/838-839 (1902م).
[92] انظر: كومنز، الإصلاح، ص102-103.
[93] كومنز، ص105، ويحيل إلى: البيطار، حلية البشر، 2/792.
[94] كومنز، ص105.
[95] منير موسى، الفكر العربي في العصر الحديث، بيروت: دار الحقيقة، ط1973م، ص230.
[96] فهمي جدعان، أسس التقدم، ص310 وما بعد.
[97] أحمد نبهان الحمصي، السيد الزهراوي، مجلة المنار، مجلد 21، 4/207.
[98] رشيد رضا، مصاب مصر والشام: ترجمة القاسمي، المنار، مجلد 17، 8/628. ولعل من المفيد هنا –استطرادًا- أن نذكِّر بكتاب "فقه السنة" لسيد سابق الذي كتبه بتشجيع من حسن البنا، وطريقته فيه التي لم يلتزم فيها بمذهب، واعتنى فيه بذكر الأدلة، وهي الطريقة التي اتبعها لاحقًا الشيخ يوسف القرضاوي. فهذا كله استمرار لهذا التقليد الإصلاحي السلفي القديم.
[99] قال ديفيد كومنز في كتابه "الإصلاح الإسلامي" ص104 حكاية عن الزهراوي: "ووجه نقده بشكل خاص إلى قاعدتين من قواعد الفقه السني هما: القياس والإجماع، مدعيًا أنه ليس ثمة حجة لجعلهما مصدرين للأحكام الشرعية". فتأمل هذا الخطأ الغريب!.
[100] الزهراوي، الفقه والتصوف، ص87-93.
[101] في تعليقه على رسالة المصلحة لنجم الدين الطوفي التي نشرها رشيد رضا في مجلة المنار، مجلد 9، 10/721.
[102] الباني، علماء الشام كما عرفتهم، ص103.
[103] الباني، علماء الشام، ص105.
[104] حازم محيي الدين، الشيخ طاهر الجزائري، ص71.
[105] أباظة، جمال الدين القاسمي، ص310.
[106] مجلة المنار، مجلد 9، 10/721.
[107] عبد القادر المغربي، البينات: النهضة الدينية في الأمة الإسلامية، 1916م، 2/6.
[108] انظر تفاصيل الرؤية الإصلاحية عند المغربي في: جدعان، أسس التقدم، ص440-444.
معتز الخطيب

أستاذ مساعد في "مركز التشريع الإسلامي والأخلاق"- جامعة حمد بن خليفة.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top