البوطي: الفتوى والثورة

05 كانون1/ديسمبر 2018
 
ملاحظة: كُتب هذا البحث في الشهر السادس من الثورة السوريّة ٢٠١١
 
يتناول هذا البحث مكونات ثلاثة، هي: الشخصية وتتمثل بالشيخ محمد سعيد رمضان البوطي. والفتوى وتتمثل بالفتاوى التي أصدرها البوطي خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية وتحليلها في ضوء بيانه عن مقتل الحريري. ومسار حضور البوطي في الفضاء الالكتروني.

الاتجاهات الدينية في سوريا:


تحوي الخريطة الدينية السورية طيفاً واسعاً من الأديان والطوائف والمذاهب. المكون الأكبر فيها هم السنّة الذين يحتلون حوالي 75% من الشعب السوري.[1] يحتوي هذا المكون -في سوريا في العقدين الأخيرين- تقريباً على أربعة اتجاهات: السلفي: وهو على رغم تجذره في البنية الفكرية الدينية السورية عبر المدرسة الإصلاحية التي كان من روادها جمال الدين القاسمي،[2] (1866-1914) إلا أن هذا الخطاب خلال سلطة البعث هُمِّش وأقصي، ولم يعرف من الخطاب السلفي في سوريا إلا الخطاب السلفي العلمي[3] الذي أقصي بدوره أيضاً. واشتهر به الشيخ عبد القادر أرناؤوط، (1928-2005) والشيخ ناصر الدين الألباني (1914-1999) وهو الأبرز.

أضف إلى ذلك أن البنية الدينية المعتدلة للمجتمع السورية -التي غالباً ما اتسمت بالتوجه الصوفي- بالإضافة إلى العامل السياسي حيَّدت هذا الخطاب وعزلته عن العامة. الصوفي: وهو امتداد لتاريخ طويل من تقليد مشى عليه الكثير من علماء بلاد الشام عبر الطرق الصوفية الشهيرة كالشاذلية والنقشبندية. ودعمه الوجود العثماني ذو التوجه الصوفي في بلاد الشام. وهذا الخطاب لقي قبولاً واسعاً وهائلاً لدى الشرائح الشعبية وأحياناً النخبوية.

كما أن مجمع "أبو النور" الذي كان يديره الشيخ أحمد كفتارو (1912- 2004) المفتي الأسبق في عهد حافظ الأسد كان على رأس الطريقة النقشبندية، بالإضافة إلى مشايخ تصوف آخرين استطاعوا أن يلقوا القبول الكبير في الداخل والخارج السوري. التقليدي: وهو تيار يميل إليه طلاب العلم الشرعي والجامعيون التقليديون المتخصصون بالعلوم الشرعية. من أهم مقولاته: نقد بعض الممارسات الصوفية، والتشكيك في الاتجاهات الحداثية، ونبذ الأفكار السلفية بل ومعاداتها.

ومن أبرز داعميه في الوقت الحالي كتابات الشيخ البوطي الذي يتبع الطريقة النقشبندية، ولكن في الوقت نفسه نجده يعارض بعض الممارسات الصوفية، ويرى أن المسلك الذي فيه نجاة الأمة هو المذهب الأشعري خاصة إذا أخذنا بالاعتبار كتاباته التي تأسست على الرؤية الأشعرية الكلامية ككتاب "كبرى اليقينيات الكونية" وكتاباته الأخرى التي هاجمت الرؤى الماركسية ككتاب "نقض أوهام المادية الجدلية" وأخيراً كتاباته التي نقد فيها مقولات الخطاب السلفي ككتاب "السلفية مرحلة مباركة".

التجديدي: ويقوم على تقديم قراءة جديدة للنصوص الإسلامية هدفها إعادة الروح للأمة الإسلامية. ويضم طيفاً واسعاً من الرموز كالشيخ جودت سعيد الذي اشتهر بمقولاته عن اللاعنف، والأكاديمي محمد شحرور المعروف بمنهج القراءة المعاصرة للنص القرآني، والدكتور محمد الحبش. ويتهم الاتجاه الأشعري هذا الخطاب بأنه اتجاه منحرف عن الإسلام، بل هو في بعض الأحيان لا يعدو أن يكون إلا مؤامرة ضد الإسلام الصحيح.

السلطة الدينية الرسمية في سوريا:

تتحكم بهذه الاتجاهات الأربعة -السالفة الذكر- سلطةٌ دينية رسمية تراقبها وتضبط نشاطاتها لتكون متوائمة مع الخطاب السياسي للبلد.  تتجلى هذه السلطة عبر "وزارة الأوقاف والشؤون الدينية والدعوة"[4]  وفروعها في مختلف المحافظات السورية وينضوي تحتها قانونياً المفتي العام وفقاً لقانون صدر عام 1952،[5] الذي يشغل منصبه الآن الشيخ أحمد حسون ذو التوجه الصوفي والمعروف بعلاقته المباشرة بالنظام السوري قبل وبعد شغله لهذا المنصب. تتبنى وزارة الأوقاف الرؤية التقليدية لكن بخطاب تزعم أنه "خطاب عصري"، وترى أن سوريا هي النموذج الأفضل للإسلام في العالم.[6]

تشكُّل المرجعية غير الرسمية ومقوماتها:

بالتوازي مع المرجعية الرسمية للإفتاء في سوريا نجد أن هناك ثقلاً قوياً لمرجعية أخرى أخذت بالتشكل والتجذر منذ عقدين تقريباً، حاولت هذه المرجعية أن تكون بعيدة عن تسنُّم المناصب الرسمية الدينية، ونجدها في الوقت نفسه أكثر حضوراً في المجال الشعبي والنخبوي.

تجلَّت هذه المرجعية غير الرسمية عبر شخصية الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي[7] الصوفي النشأة الأشعري المعتقد الشافعي المذهب، وهي شخصية اتسمت بمزايا ومكونات يمكن وصفها بالمعقدة مما خولها أن تكون أكثر ثقلاً من المرجعية الرسمية، بل وأكثر من ذلك يمكن أن تعتمد عليها المرجعية الرسمية أحياناً في ترسيخ فكرةٍ ما أو تعزيز قضيةٍ ما.

مقوِّمات مرجعية الشيخ البوطي:

من أهم مقومات شخصية الشيخ البوطي -التي جعلته مركز ثقل لا يستهان به في الخطاب الديني السوري- أنها شخصية شرعية تقليدية نهلت بغزارة من العلوم الإسلامية خاصة علم الكلام والفقه وأصوله. وبالإضافة إلى هذه النشأة التقليدية، تمتع البوطي بسمعة عالية في الوسط الجامعي خاصة في "كلية الشريعة"، المكان الذي حقق له انتشاراً واسعاً بين الطلاب والجامعيين داخل سورية وخارجها، وانخراطه في عديد من القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التي حاول أن يتجنبها كثير من أقرانه، هذا الانخراط سمح له بإيجاد فضاء واسع له من الجمهور المتنوع الذي وجد بدوره في شخص البوطي شخصية مقنعة إلى حدٍ ما، وأخيراً شخصيته الصوفية الخاصة،[8] وهي الأهم من حيث القبول الشعبي الذي يركز على مسائل الإخلاص ونقاء السيرة وتصحيح العبودية لله.

بتحليل شخصيته الصوفية نلحظ نقطتين بالغتي الأهمية من حيث قوة الاستقطاب، أولاً: حديثه عن الله والاصطلاح معه في كل مناسبة، فنراه يغتنم الفرصة في أي مناسبة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ليذكِّر الناس بأن ما يجري معهم من خير أو شر إنما هو نتيجة أحد هذين السببين: بُعد عن الله، أو قرب من الله، فيستثمر السبب الأول ليحفز الناس على الاصطلاح مع الله، ويستثمر السبب الثاني ليدلل على أن الخير الحاصل ما هو إلا نتيجة الاصطلاح مع الله، ليوصل رسالة إلى المجتمع أن أساس النجاة هو العبودية لله.[9]

هذا الخطاب جعل أغلب الشرائح الشعبية مقتنعة بأن ما يقوله الشيخ البوطي نابع من إيمان واعتقاد ومحبة فائضة وليس من رؤى ونوازع نفسانية. ثانياً: أنه يركز في كل مناسبة على أن المصلحة العامة هي التي يجب أن تكون الرائد في اختيار الأمور، وأن المصلحة الشخصية ما هي إلا مصلحة آنية ستكون عاقبتها تدمير الشخص نفسه صاحب المصلحة.[10]ومع كل نجاحاته وسجالاته الفكرية الرابحة شعبياً يمكن القول إن الشيخ البوطي لم يستثمر هذه النجاحات في تعزيز مصلحة شخصية خاصة به، وإنما على العكس أراد من كل ذلك أن تكون هذه الأرباح دعماً للصالح العام، وللتأكيد على الناس بضرورة الاصطلاح مع الله.

هذه الشخصية الصوفية جعلت أغلب ما يقوله الشيخ البوطي مصدراً مهماً لعموم الجمهور السوري المتدين. وكان من نتيجة التلقي الشعبي والرسمي الواسع لشخصية البوطي أن أصدرت وزارة الأوقاف السورية في الفترة الأخيرة قراراً يقضي بتسليمه منصب الخطابة في الجامع الأموي الكبير، بل وأكثر من ذلك، وفي خطوة تعزِّز من سلطته غير الرسمية أعادت "وزارة الأوقاف" إحياء "الزاوية الغزالية" سنة 2008 في المسجد الأموي ليقوم الشيخ البوطي بالإشراف عليها علمياً من خلال تأسيس برنامج في المسجد نفسه على مدار الأسبوع لدروس أهمّ العلماء الذين يحظون بالقبول العلمي والشعبي لدى الناس.[11]

البوطي والشاشة:

يمكن القول إن الشيخ البوطي لا يعد واحداً من هؤلاء الرموز الدعوية الذين يطلق عليهم -نتيجة ظهورهم المفاجئ على الفضائيات- لقب "ستار"، فقد أسس لمرجعيته العلمية منذ زمن طويل، فوجوده على المحطات الفضائية كان نتيجة لثقله الشرعي واتساع جمهوره. كما يمكن القول إن بعضاً من هؤلاء الشخصيات التي ظهرت فجأة في الفضائيات والتي عرفت بخطابها الدعوي بنَت علاقة قوية مع الشيخ البوطي لتحظى بقبول واسع لدى الجمهور، الأمر الذي يؤكد ثقل مرجعية الشيخ.

أول خروج رسمي للشيخ البوطي على التلفزيون كان من خلال الشاشة الرسمية للتلفزيون السوري عبر برنامج دوري بدأ في مطلع التسعينات كل يوم أربعاء يتناول فيه دراسات في القرآن، وقد استمر هذا البرنامج منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا.[12] ولكن مع دخول الفضائيات الجديدة التي تعنى بالشأن الديني في السنوات العشرة الأخيرة، نجد أن حضور البوطي لم يقتصر على الشاشة الرسمية السورية، بل صار حضوره منتشراً في هذه المحطات الجديدة.

البوطي والفضاء الالكتروني:

مرَّ حضور البوطي عبر الفضاء الالكتروني بمراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: الفردية وحالة الفتوى:

كان المجال الأرحب للتواصل مع الشيخ البوطي بالإضافة إلى اللقاءات الشخصية التي كانت تحدث هنا وهناك هو موقعه الالكتروني[13] الذي سمي باسمه الشخصي www.buti.com. هذا الموقع الذي ضمَّ عدة زوايا: أهمها: دروس الشيخ البوطي بالصوت والصور، فتاويه، خطبه، كلمته الشهرية، أخباره.

وإجراءات الفتوى فيه كانت تمر عبر سؤال يطرحه المستفتي على الموقع الالكتروني ويرسله بشكل شخصي، وعند الإجابة عليه يظهر السؤال مع الفتوى. وأغلب الأسئلة كانت تتعلق بالجانب الحياتي في قضايا العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وأحياناً قضايا الاعتقاد.

المرحلة الثانية: المؤسسة وظاهرة البيانات:

نتيجة لعوامل عديدة -سآتي على ذكرها لاحقاً- نشأت فكرة تأسيس موقع الكتروني يضم بالإضافة إلى الشيخ البوطي شخصيات أخرى تتسم بالمنحى الفكري نفسه الذي عليه البوطي، كما أنها تحظى بالقبول الشعبي لدى عامة الناس وطلاب العلم الشرعي. سمي هذا الموقع باسم "نسيم الشام" naseem alsham ويقوم على إدارته حفيد الشيخ، بالإضافة إلى بعض تلامذة الشيخ. وأغلب جمهوره من طلاب العلم الشرعي في الشرق والغرب، وكذلك عموم الناس الباحثين عن الفتوى الموثوق بها من الناحية الفقهية التقليدية.

يُعرِّف موقع نسيم الشام بنفسه بأنه:

"ينتمي إلى بيئة الشام المباركة،وأنه يحمل بركة هذه الأرض وبركة الخير الذي فيها وبركة مجالس العلم وأهل الصلاح والتقى، وأنه يتصف بصدق الانتماء وصدق الولاء والاستقامة على النهج وحمل الأمانة، وأنه يعتمد على نهج الاعتدال البعيد عن الإفراط والتفريط. وأنه منهج فيه العلم والتحقيق والرقة والحزم. وهو موقع يجمع ولا يفرق ويسعى لوحدة الأمة. وهو مرجع لكل مسلم يبتغي معرفة الحكم الشرعي من ثقات العلماء الذين اختيروا من أدق وأورع من عرفتهم بلاد الشام في معرفتهم العلمية بمختلف الاختصاصات الشرعية"

من أهم العوامل التي أدت إلى تأسيس هذا الموقع:

  • بروز النزعة المؤسساتية التي اصطبغت بها بعض المواقع الالكترونية الإسلامية التي أرادت من ذلك إيجاد جمهور واسع وطيف متعدد من القضايا. وفي الحالة السورية تكاد أن تكون هذه الحالة المؤسساتية شبه معدومة بينما نجد نماذج متعددة في بلدان أخرى كموقع "إسلام أون لاين"، وموقع "الإسلام اليوم". فربما أتت الفكرة من مؤسسي موقع "نسيم الشام" لتكون النموذج السوري البديل أو الموازي للمواقع الأخرى.

  • حدوث نوع من الصلات والارتباطات الفكرية التي ولدت نوعاً من الانسجام الروحي والفكري بين الشيخ البوطي وبعض علماء الداخل السوري وبعض الدعاة في الخارج السوري. ومن أهم هؤلاء الدعاة في الخارج السوري الحبيب عمر بن حفيظ والحبيب علي الجفري اليمنيان والشيخ علي جمعة والشيخ عبد الحكيم مراد (تيموثي وينتر أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة كمبرديج) وآخرون غيرهم لديهم التوجه نفسه.[14]

  • نتيجة الإقبال الشديد على دراسة الإسلام والعلوم الشرعية التقليدية في الغرب من قبل أبناء الدين نفسه أو من قبل محبي التعرف على الدين الإسلامي أو من قبل دارسي الإسلام في الأكاديميات والمعاهد جاء موقع "نسيم الشام" ليقوم بالوفاء بغرضٍ بالغ الأهمية لمن يُعنَون بالبيئة الشرعية الدمشقية وعلمائها. فمن المعروف أن الخطاب الديني الجاذب لكل هؤلاء الدارسين إما أن يتعلق بقضايا الاعتقاد أو قضايا الفقه أو قضايا التصوف. فمن الناحية الاعتقادية هناك خطابان رئيسيان في العالم المعاصر أولاً: الخطاب السلفي، وأغلب المهتمين به يلجأون إلى علماء المملكة العربية السعودية ودول أخرى لينهلوا منه أو يقوموا بدراسته وتحليله. ثانياً: الخطاب الأشعري التقليدي الذي ينتشر عبر مساحات واسعة من العالم الإسلامي، وليس له مركز واحد، وقد تكون بلاد الشام أحد أهم مراكزه، ولذلك تجد المهتمين به يلجأون إلى سوريا بشكل خاص ليدرسوا هذا المذهب الكلامي ويتعلموه.

    أما بالنسبة لقضايا الفقه، فيتجاذبها عدة مذاهب فقهية أهمها المذاهب الأربعة وما يدور حولها، فمن يهتم بالمذهب المالكي مثلاً يتجه إلى موريتانيا أو المغرب كما هو حال الشيخ حمزة يوسف بتتلمذه على الشيخ عبد الله بن بيه، ومن يهتم بالمذهب الحنبلي يذهب غالباً إلى الحجاز، ومن يهتم بالمذهب الشافعي غالباً ما يذهب إلى مصر أو بلاد الشام، ومن يهتم بالمذهب الحنفي يتجه غالباً إلى بلاد الشام أو الهند وباكستان. وبخصوص التصوف فإن روَّاده غالباً ما يتوجهون إلى بلاد الشام أو مصر أو بلاد المغرب العربي ليتتلمذوا على أيدي شيوخ الطرق الصوفية في تلك البلاد.
وبسبر هذه المناحي الثلاثة نجد أن بلاد الشام تحتل قسطاً كبيراً من حيث الاهتمام لدى الغربيين، فدروس العلم في دمشق تملأ المساجد، وهي متنوعة، وتغص بالزائرين. 

كل هذا دعا إلى ضرورة تأسيس موقع الكتروني يضم بالإضافة إلى الشيخ البوطي عدداً من الشيوخ السوريين[15] يغطون هذه المناحي الثلاث العقدية والفقهية والصوفية.

وبتأسيس هذا الموقع نجد أن هناك ثلاث ظواهر بدأت بالبروز:
  • المرجعية الجماعية غير الرسمية لدى الداخل والخارج، حيث صار من الممكن لدى طيف واسع من الشرقيين والغربيين المسلمين ممن يبحثون عن فتوى موثوق بها تقليدياً أن يذهبوا إلى موقع "نسيم الشام" ويستفتوا شيوخه. والجواب على الفتوى لا يكون من شيخ واحد وإنما يعود إلى صاحب الاختصاص بالموضوع المستفتى فيه، فالفتوى المتعلقة بالقضايا الاقتصادية يجيب عنها من هو متخصص بقضايا الاقتصاد، إلا في حالة واحدة وهي أن يطلب السائل مفتياً معيناً كما يحدث غالباً في حالة الشيخ البوطي.

  • ظاهرة البيانات، وهي ظاهرة بدأت بالانتشار منذ عشرة سنوات، وتقوم على إصدار بيان يتعلق بموضوع له صبغة عامة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية من عدة شيوخ مشهورين يشجبون من خلاله عملاً ما أو يصححون قضية ما.[16] كما هو حال البيانات التي صدرت أعقاب الرسوم الدانماركية وحرب غزة وغير ذلك. تنتشر هذه البيانات في أغلب المواقع الالكترونية التي لديها ارتباطات فيما بينها كموقع "نسيم الشام" وموقع الحبيب علي وموقع مفتي سوريا وموقع "كلمة سواء".

  • الدورات المتخصصة في العلوم الشرعية وتسجيلها وترجمتها أحياناً إلى اللغة الانكليزية. وهذه الدورات مجانية في موقع "نسيم الشام".

 
المرحلة الثالثة: التواصل مع الجمهور

رأى القائمون على كثير من المواقع الإسلامية أن يكون هناك منتدى موازي للموقع يتم من خلاله نقاش كثير من القضايا، بحيث لا يكون فيه صوت واحد وإنما قد يصل الأمر في بعض المواقع إلى سجالات ونقاشات مستفيضة كما هو الحال أحياناً في موقع إسلام أون لاين أو منتدى عمرو خالد أو طريق الإسلام.[17]  لم يكن موقع نسيم الشام بعيداً عن هذا التوجه، فقد رأى القائمون عليه منذ نهاية سنة 2010 أن يكون هناك نافذة يمكن من خلالها التواصل مع رواد الموقع كما يمكن طرح بعض رؤاهم، وقد تأسست هذه النافذة عبر موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك"[18] ففيها نجد نفس أخبار الموقع من خطب ومقالات ودروس وبيانات ونشاطات بالإضافة إلى تعليقات حية من الزوار. وقد جاءت هذه النافذة خطوة طبيعية من القائمين على إدارة الموقع الذين هم في مرحلة الشباب والذين يتميزون عن الجيل القديم من حيث الفعالية وطريقة الطرح.

البوطي والسلطة: العلاقة الملتبسة

تناول كثير من ناقدي البوطي وخصومه علاقته الملتبسة بالسلطة، وتراوحت هذه الانتقادات بين اتهامه بأنه رجل النظام وعالم السلطة الذي يأتمر بأوامرها، أو أنه منتفع منها، أو أنه شيخٌ مغلوب على أمره، أو أنه يفتقر إلى الرؤية السياسية البصيرة.

وللوقوف على هذه العلاقة الملتبسة بالسلطة وتحليلها ينبغي علينا أن نلقي الضوء على أمرين مهمين، الأول: مراجعة فتاوى البوطي خلال الأشهر الأولى من الثورة، الثاني: تحليل هذه الفتاوى في ضوء البيان الذي أصدره بشأن مقتل رئيس الوزراء اللبناني "الحريري" وتداعياته على سوريا.

فتاوى البوطي خلال الأشهر الأربعة الأولى من الثورة:

خلال الأشهر الأربعة الأولى من الثورة السورية، أصدر البوطي مجموعة من الفتاوى وألقى عدداً من الخطب والدروس المثيرة للجدل التي ولدت نقاشات واسعة وسجالات كبيرة بين مؤيدي النظام السوري ومعارضيه. وقد تكون أبرز الفتاوى التي أصدرها تلك الفتاوى التي تناولت السجود على صورة بشار ومعنى الفتنة والموقف في زمن الفتنة، والخروج على الحاكم، وحكم المظاهرات، وحكم قتل المتظاهرين، وشتم الذات الإلهية، وإكراه المعتقلين على تأليه الرئيس السوري. وقبل الدخول في تفاصيل هذه الفتاوى، قد يكون من الأفضل بيان الإطار النظري الذي سار عليه البوطي في رؤيته للثورة السورية والذي يقوم على مرتكزين أساسيين:

الأول: أنه –كما بينت سابقاً- شيخ تقليدي يتبع المذهب الأشعري كلامياً والمذهب الشافعي فقهياً، ولذلك فإن رؤيته للأمور تنبع من هذه التصورات الكلامية والفقهية، والتي منها فهمه التأويلي والدلالي للنصوص التي أنتجت –كما سنرى لاحقاً- مفهوم "سد الذارئع"، وقطعية دلالات النصوص التي يستدل بها وعمومها في الزمان والمكان.[19]
 الثاني: يرى البوطي أن الثورة السورية كما الثورات الأخرى تدخل في مفهوم الفتنة الذي ينبثق عن مفهوم آخر هو الخروج على الحاكم.

هذه المفاهيم الأربعة (سد الذرائع، قطعية النصوص المستدل بها وعمومها، الفتنة، والخروج على الحاكم) تعد الأساس النظري لفتاوى البوطي خاصة تلك التي تتعلق بالثورة السورية، والتي بتحليلها والتدقيق فيها نرى مساراً دقيقاً يعزز مرجعية البوطي لدى المهتمين –وخاصة المتدينين- بتأصيل المسائل من خلال النصوص الدينية والقواعد الفقهية.

مفهوم الفتنة والخروج على الحاكم:

يرى البوطي أن الخروج على الحاكم المسلم غير جائز ما لم يظهر منه كفر بواح، ويعتمد في هذا الحكم على إجماع نقله النووي[20] ويستند بذلك إلى حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه مسلم في صحيحه:[21]

"يكون بعدي أئمة، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس" فيقول حذيفة: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع"[22]

هذه الوصية بالسمع والطاعة يكررها البوطي في فتاوى أخرى ويرفقها بحديث آخر  "عليك بخاصة نفسك" كما نجد في تعليقه على سؤالٍ مؤرخ في موقع نسيم الشام بتاريخ 14/6/2011 :

"واجب المسلمين جميعاً في هذه الحال الاستجابة لأمر رسول الله الذي يحرم الانقياد لجهة أو لجهات خارجية مجهولة، ويأمرهم بالعكوف على إصلاح شؤونهم الخاصة بهم. ألم يقل لكل واحد منهم: "عليك بخاصة نفسك"؟"[23]

هذه الوصية لاقت معارضةً على ما يبدو لدى عدد من متابعي موقع "نسيم الشام" مما دفع بأحدهم لأن يلقي الضوء على مسألة بالغة الأهمية وهي مفهوم "الكفر البواح"، متسائلاً: هل يوجد كفر بواح أكثر من قتل المسلمين؟ وبالتالي متى سنقول كلمة الحق عند ذلك السلطان الجائر بل القاتل؟ وهنا تأتي فتوى البوطي ليشرح مناط الكفر فيقول:

"مناط الكفر الاعتقاد أو ما يدل على الاعتقاد كالسجود لصنم، أما قتل النفس بدون حق فمعصية كبيرة من المعاصي، إن كان القاتل مستحلاً لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلاً كان مرتكباً لكبيرة. وإذا لم نعلم عقيدة القاتل أهو مستبيح أم لا، لم يجز تكفيره بالإجماع" [24]

واقعياً، يشير هذا التأصيل إلى أن ما يقوم به النظام من أعمال قتل يدخل في إطار مرتكب الكبيرة لأن قتل النفس أولاً معصية ولا يدخل في مناط الكفر، وثانياً لأننا لا نعلم عقيدة القاتل. إلا أن هذا التفسير لم يُرضِ أحد المستفتين ورأى فيه تناقضاً بين توصيف البوطي للحالة السورية وتوصيفه للحالة الليبية التي حكم فيها البوطي على أنها خروج على حاكم كفر كفراً بواحاً. الأمر الذي دفع المستفتي للسؤال: "ما الفرق بين الشعب الليبي والشعب السوري الذي خرج سلمياً"؟ وهنا نجد البوطي عالماً تقليدياً يتبع التقليد الفقهي المتعلق بتحقيق مناط الكفر بقوله:

"إن كل من يقول بحذف كلمة من القرآن، على سبيل التصحيح له، كالذي يقول بضرورة حذف "قل" من كل ما ورد في القرآن يعد كافراً بالإجماع....وهذا ما يصر عليه القذافي جهراً أمام الناس والسلطات"[25] وبالتالي، ففي الحالة السورية –وفقاً للبوطي- لم نجد مثالاً أو نموذجاً لمثل ذلك الكفر البواح الذي صدر من القذافي.

ولارتباط الخروج على الحاكم بمفهوم الفتنة، فإن أغلب فتاوى البوطي تقوم على التحذير منها والابتعاد عنها، وهي –أي الفتنة وفقاً لرؤية البوطي- "كل حالة يغيب فيها سلطان العدل، ويفلت فيها زمامه، وينجرف فيها الناس إلى التهارج والقتل دون ضوابط ولا اختيار"[26] وبالتالي فإن ما يحدث في سوريا يعد فتنة وفقاً لرؤية البوطي لأن كل خروج على الحاكم يؤدي إلى غياب سلطان العدل وفلتان زمام أموره، لا أن غياب سلطان العدل سببٌ ومبرر مهم للخروج على الحاكم.
بمعنى آخر، فإن البوطي يرى أن الخروج على الحاكم سبب يقود لغياب سلطان العدل، لا أن غياب سلطان العدل سبب يقود للخروج على الحاكم. ربما هذا التفسير دفع بأحدهم لسؤال البوطي عن خروج الحسين على يزيد، ألا يعد خروجاً على الحاكم في ضوء أنه سبب وطريق لغياب سلطان العدل؟ وهنا يرجع البوطي ليركز على ارتباطه بالتفسير الفقهي لمقولاته، حيث يرى أن خروج الحسين على يزيد ما كان إلا خروجاً على حاكم لم تتم له البيعة الشرعية، وبالتالي لا يعد حاكماً شرعياً.[27]

مفهوم سد الذرائع:

على الرغم من أن سد الذرائع مبدأ أصولي عام وشهير اعتمد عليه كثير من الأصوليين، إلا أن البوطي اعتمد عليه بشكل واضح في سياق فهمه لفكرة الخروج على الحاكم وارتباطه بمؤدياته "الفتنة". رداً على سؤالٍ يلقي الضوء على مظاهرة حماة الشهيرة التي خرج فيها مئات الآلاف، هل ينطبق على هؤلاء جميعاً أحاديث الخروج على الحاكم ومسألة سد الذرائع أم يمكن أن يكون لهم عذر باعتبار أنهم تعرضوا لظلم سابق؟[28] هنا نجد البوطي يعتمد مفهوم "سد الذرائع" الأصولي ليربط بين فكرة الخروج على الحاكم والفتنة، فيقول:

"المطالبة الكلامية بزوال الحاكم ولو في الشوارع، لا يعد خروجاً عليه بالمعنى الشرعي المعروف، إذا لم يكن جزءاً من خطة مرسومة تنتهي باستعمال القوة. ولكن المطالبة الكلامية في الشوارع وحدها محرمة حتى ولو لم تكن جزءاً من خطة مرسومة، لا لكونها خروجاً على الحاكم، ولكن لأنها ستجر إلى احتكاك فمقاومة فهرج فقتل. وهو ما نهى عنه رسول الله بشدة في أكثر من حديث صحيح"[29]

مفهوم سد الذرائع أو ما سماه البوطي أحياناً "معالجة السبب أولى من النتيجة"[30] هو المفتاح لحل عدد من الإشكالات التي تولدت من فتاوى البوطي خاصة فتوى تحريم المظاهرات،[31] والفتوى المتعلقة بشتم الذات الإلهية،[32] أو الفتوى المتعلقة بالأشخاص المنتفعين الذين يأخذون الأموال من الدولة لضرب المتظاهرين[33] أو الفتوى المتعلقة بتأليه بشار الأسد حيث يستند البوطي إلى الآية القرآنية الشهيرة والتي يكررها في أغلب فتاويه السابقة: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم" [الأنعام:108] وبالتالي –وفقاً للبوطي- فإن الله "حرم على المؤمنين سبَّ الأصنام إذا جرَّ المشركين إلى سب الله، مع العلم بأن سب الصنم في أصله مباح، فكيف إن تسبب عن مثل هذا المباح قتل البرآء واصطدام الأحقاد والنزوات!

قرر العلماء اعتماداً على هذا النص وأمثاله في كتاب الله أن من تذرع بفعل مباح في أصله إلى قتل بريء اعتبر في حكم الشريعة الإسلامية قاتلاً، وتحمل مسؤولية هذا الجرم كاملاً عند الله عز وجل" ومن هنا فإن الذي يقومون بالمظاهرات –وفقاً لهذه الرؤية- يتسببون بقتل الأبرياء، ولو كانوا هم أنفسهم المقتولين. وكذلك الأمر بالنسبة لرجال النظام الذين ينتفعون مادياً بقتل المتظاهرين أو الذين يجبرون المتظاهرين على تأليه بشار أو الذين يشتمون الذات الإلهية، فإن أفعالهم –وفقاً لرؤية البوطي- تعتبر نتيجةً للمظاهرات المحرمة أو نتيجة للخروج على الحاكم، وبالتالي فإن وزرها "يتحمله قضائياً في دار الدنيا وعقاباً لهم يوم القيامة المتظاهرون نتيجة أعمالهم الذرائعية."[34]

قطعية النصوص وعمومها:

يكرر البوطي وصيةً ويرفقها بأغلب فتاويه المتعلقة بسد الذرائع "عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة" ويرى أنه لو استجاب هؤلاء المتظاهرون لهذه الوصية لما حدثت كل هذه الانتهاكات.[35] نلاحظ هنا أن البوطي يؤكد بشكل دائم عند هذه الوصية -وعند غيرها من النصوص والأقوال الفقهية التي يستند عليها- على قطعيتها وعمومها لكل الأزمنة وهي المرتكز الرابع في فتاويه، وذلك كقوله: "وهذا حكم شرعي ثابت لا نعلم خلافاً فيه"[36] إشارةً إلى مسؤولية المتظاهرين عن الانتهاكات التي تنتج عن المظاهرات. ورده على من سأله عن حكم المظاهرات: "عندما يكون الحديث قاطعاً في دلالته، لا يحتمل عندئذ الاختلاف في تفسيره وفهمه....هل اختلف أئمة المسلمين من قبل في معنى قول رسول الله .....لم يختلفوا طوال القرون الماضية في معنى هذه النصوص القاطعة الدلالة"[37]

لا حاجة للقول إن منطلق البوطي الأساسي في كل هذه الفتاوى هو النصوص الفقهية والكلامية التقليدية، ولذلك نجده بجانب تلك الفتاوى أصدر فتاوى أخرى حرم من خلالها قتل المتظاهرين من قِبل من أُجبِروا على القتل، وذلك تحت فتوى بعنوان: "القاتل الملجأ يعتبر مجرماً شرعاً وإن كان مجبراً"، حيث سأله جندي في الجيش السوري عن جواز قتل المتظاهرين امتثالاً لأوامر الضباط وخوفاً من قتله إن لم يمتثل للأمر.
وذلك بناء على نص فقهي يمنع المُلجأ إلى القتل بدون حق الاستجابة لمن يلجئه إلى ذلك؛ "لأن كلا الجريمتين في درجة الخطورة سواء"[38] وكذلك فتواه بتحريم قتل المتظاهرين عموماً مستشهداً بحديث النبي: "ومن خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها، ولا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي لذي عهد بعهده، فليس من أمتي"[39] وكذلك فتواه التي اعتبر فيها الجندي الذي تجاوز حد وظيفته إلى ممارسة عمل غريزي كانتهاك الأعراض أو ما شابه ذلك أنه صائل ويجوز قتله.[40] وكذلك فتواه الشهيرة المثيرة للجدل بجواز السجود لصور بشار لمن أُجبِر على فعل ذلك، حيث قال: "اعتبِر صورة بشار الموضوعة على الأرض بمثابة بساط، وقف عليه ثم اسجد فوقه لله عز وجل، يكتب الله لك أجر السجود له بدلاً من الكفر"[41] وهي فتوى معنونة بـ "إنما الأعمال بالنيات" إشارة إلى المستند الفقهي الذي اعتمدت عليه الفتوى.

البوطي وعلماء سوريا:

خلال الثورة السورية، سلك علماء سوريا مسالك عدة في استجابتهم لأحداثها، فبينما اشتهر البوطي بفتاويه التي تُلقِّيت على أنها دعم واضح للنظام السوري، سلك علماء آخرون مسلكين، مسلك التزم الصمت والابتعاد عن العامة، ومسلك قام على دعم حقوق المتظاهرين ومطالبهم وأحقية المظاهرات. وكان من بين من سلكوا المسلك الثاني الشيخ كريم الراجح والشيخ أسامة الرفاعي والشيخ أبو الهدى اليعقوبي وآخرون. تعدد هذه المسالك دفع بالبعض إلى التحري عن حقيقة موقف العلماء وأسباب فرقتهم.
نجد هذا التحري والمتابعة واضحة في عدد من الأسئلة التي وجهت للبوطي والتي تعبر عن حيرة المستفتين من وجود خلاف بين العلماء السوريين حول موقفهم من الثورة السورية، وذلك كسؤال أحدهم: "في ظل تفرق كلمة العلماء عن حكم واحد، يجد المرء نفسه محتاراً تائهاً، فلا يدري في أي سرداب يسير..."[42] للجواب عن هذا السؤال يرى البوطي أن مهمة العالم أن يوجه خطابين، خطاب للمسؤولين، وهو خطاب ينبغي أن يكون خاصاً ومباشراً يحضهم على القيام بمسؤولياتهم وينبههم على تقصيرهم ويدعوهم إلى تحكيم الدين وإصلاح الحال، وخطاب للعامة يذكرهم فيه بواجباتهم المنوطة في أعناقهم ويدعوهم فيه للتوبة. هذه المهمة الملقاة على عاتق العالم لم يتبعها بعض العلماء كما يرى البوطي، فهم عندما يتحدثون للعامة يركزون على تقصير المسؤولين ويذكرون بمعاصيهم وأخطائهم، وعندما يلتقون المسؤولين لا يذكرون أمراً من تلك الأمور التي يذكرونها أمام عامة الناس.[43] وبالتالي فإن هؤلاء العلماء وفقاً للبوطي شركاء في الفتنة.

تحليل البوطي لتداعيات مقتل الحريري على سوريا:

لبناء إطار عام يمكن من خلاله فهم رؤية البوطي لكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية قبل الثورة السورية وخلالها وفهم البواعث التي دفعته إلى إصدار هذه الفتاوى نحتاج إلى أن نعود إلى الكلمة الشهرية "قضية الحريري وعلاقتها بمخطط القضاء على الإسلام" التي اختار البوطي من أجلها أن يوقف الدرس الدوري الذي كان يلقيه على مستمعيه في كتاب "رياض الصالحين"[44]. فهو يرى -من موقعه كعالم دين- أنه من الواجب عليه أن يبين أخطار وأبعاد اغتيال الحريري على الإسلام في المنطقة، ولذلك يصف بيانه هذا بأنه بيان ديني تاركاً الشأن السياسي لأهله.
والسبب الذي دعا البوطي للخوض في هذه القضية المثيرة للجدل هو مرتكزان شديدا الحساسية في فكره: المؤامرة والخصوصية السورية. وبالتالي، فإنه عندما لاحظ الاهتمام الغربي الكبير بمقتل الحريري، أدرك بحدسه خيوط المؤامرة الكبرى التي تحاك بيد القوى الغربية ضد المنطقة. المؤامرة التي ترمي إلى تحقيق هدف استراتيجي بعيد واحد -حسب تحليله- يتمثل في "القضاء على البقية الباقية لفاعلية الإسلام في العالم العربي أولاً، والعالم الإسلامي ثانياً، ومن ثم القضاء على الحضارة الإسلامية التي يقول الغرب إنها تهدد الحضارة الغربية."[45]

ولتحقيق هذا الهدف لابد للقوى الغربية أن "تجتاز دهليزين" الأول: هيمنة إسرائيل مع أمريكا على العالم العربي أجمع، وذلك يكون عبر الدهليز الثاني المتمثل بإزالة العقبات التي تصنعها سياسة سورية كونها المناوئ الوحيد للسياسات الغربية في المنطقة. وبالتالي فإن قضية اغتيال الحريري تعد –بالنسبة للبوطي- الشماعة التي تريد أمريكا من خلالها جر سوريا وإرباكها بمحاكمات. سبب اهتمام البوطي بهذه الحادثة يعود إلى إيمانه بدور المرجعية الدينية الموازي للسلطة السياسية في حماية الأمة، فـ"السياسيين غالباً ما يتناولون الحديث عن الدهليزين فقط، أما الهدف البعيد فهو غائب عنهم، وهو ما يجب أن نتكلم فيه...

وربما كانت الأدوار لابد أن تتوازعها الأمة"[46] أي أن الدور الديني الذي يقوم به البوطي يوازي فاعلية الدور السياسي الذي يقوم به النظام السوري في مشروعه المقاوم والممانع للمخطط الأمريكي الصهيوني في المنطقة. ولمواجهة هذه المؤامرة، يرى البوطي أن الواجب الديني الذي على المسلمين اتباعه هو التركيز على الوحدة الإسلامية وعدم التشتت بين فئات الأمة الإسلامية ومنظماتها الشعبية، وتغليب مصلحة البلد العامة المتمثلة بمشروعه المقاوم الممانع على المصالح الشخصية ولو كانت على حساب صبر المواطن السوري على الضيم والظلم الحاصل من قبل النظام مبرراً ذلك بأن فشل مشروع المقاومة يؤدي إلى دمار سوريا بما فيها من المصالح العامة والمصالح الشخصية.
 
 
اغتيال الحريري ومنظمات الأسرة السورية:

هذه المكانة الكونية للإسلام التي تعمل على اجتثاثها وتشويه صورتها المخططات الغربية هي الدافع للبوطي لمعالجة كثير من القضايا الداخلية والخارجية، فهي الميزان الذي به يزن البوطي القضايا والمسائل. ولذلك فهو يرى أن هذه المخططات لها جناحان خارج سوريا وداخل سوريا.
يقول البوطي: "الآن هذه المعضلة لها جانب خارجي هو الذي تحدثنا عنه الآن، هذا الذي يجري من حولنا، هذه الدائرة التي تُضيَّق شيئاً فشيئاً علينا، هذا شيء خارجي، لكن هذا الوضع الخارجي لا يمكن أن يجدي، ولا يمكن أن ينجح إلا إذا كان معه خط آخر داخلي. ما هو الخط الآخر الداخلي؟ تمزيق نسيج وحدة الأمة"[47] وهنا يذهب البوطي في شرح هذا الخط الداخلي ويوظفه بشكل دقيق لخدمة اتجاهه التقليدي ضد خصومه في سوريا المتمثلين بجمعيات حقوق المرأة والطفولة والأسرة السورية الذين وصفهم بأنهم يقومون بنشاطات مريبة وغريبة والذين يهدفون إلى بث روح التفرقة في المجتمع السوري.
 
مسلسل "ما ملكت أيمانكم" والثورة السورية:

الخط الداخلي هذا ربما يكون التفسير المناسب لشن البوطي حملته الشهيرة على المسلسل السوري "ما ملكت أيمانكم"،[48]  الذي ألقى الضوء على قضية الإرهاب وقضية المجتمع النسائي المتدين، والذي رأى فيه البوطي حلقة من حلقات بث الفرقة بين المسلمين، وتشويه صورة الإسلام عبر تضخيم صورة المسلم الإرهابي، وتشويه صورة المرأة المحجبة وخاصة جماعة "القبيسيات" النسائية السورية، وخلْق مؤيدين ومعارضين يرتجى من خلالهم تشتيت الوحدة الإسلامية.
ناهيك عن الرؤيا الشهيرة "الكابوس" الذي تداولته المواقع الالكتروينة[49] والذي دفع بشكل مباشر البوطي إلى هجومه الشديد على المسلسل. ومضمون الرؤية يقوم على أنه رأى بين اليقظة والنوم وباء نازلاً من السماء بمظهر مادي مرعب ذي بقع سرطانية حمراء تنتشر وبسرعة فوق دمشق تهجم من السماء على بلاد الشام. الرؤية التي استدعاها البوطي مراراً وتكراراً في تحذيره من الثورة السورية وأنها مقدمة لفتنة عظيمة ألمح إليها كابوسه المتعلق بمسلسل "ما ملكت أيمانكم"، وأن ما يحدث من اضطرابات في سوريا ما هو إلا دليل على صحة رؤياه.[50]

ختاماً:

إن المسار الفكري الذي خطَّه البوطي بدءاً من كتاباته الشهيرة ضد خصومه التقليدين: الماركسيين والإخوان والسلفيين، والذين يعتبرون خصوم نظام البعث السوري أيضاً، مروراً بانخراطه بالشأن العام السوري وبناء دور ديني موازٍ للدور السياسي كما رأينا في بيان اغتيال الحريري والاعتماد على هذا الدور فيما بعد في الهجوم على خصومه الجدد المتمثلين بمؤسسات المجتمع المدني ومنظمات الأسرة وحقوق المرأة من خلال ربطه حادثة اغتيال الحريري بتهديم بنية المجتمع السوري، وانتهاءً بفتاويه وخطبه ومحاضراته بشأن الثورة السورية المثيرة للجدل، هذا المسار الفكري خلق لدى الرأي العام السوري قناعةً راسخة بوجود سلطة دينية غير رسمية توازي السلطة الرسمية وتتفوق عليها أيضاً.
ومن هنا، فإن شخصية البوطي -بما تشكل من ثقل مرجعي في نفوس المسلمين في سوريا وخارجها- يمكن لها أن تكون مفتاحاً يلج من خلاله الناقد والمحلل والباحث بل والمؤرخ إلى رصد تاريخ سوريا الحديث دينياً وسياسياً[51] نظراً إلى أن عدداً من أفكار البوطي وكتاباته ومقولاته ترتبط بشكل أو بآخر بالحقبة السياسية والدينية الأخيرة من تاريخ سوريا الحديث.

الهوامش:
[1] وهو معدل وسطي لعدد من الإحصائيات التي تدرس المكون السني في سوريا.
[2] وهي فرع عن السلفية الإصلاحية المصرية التي نشأت علي يد محمد عبده ومحمد رشيد رضا.
[3] وهو خطاب يعنى بالعودة إلى النصوص الصحيحة وترك التعصب للمذاهب، ولا يدخل في الشأن السياسي العام. لمعرفة المزيد عنه انظر مقدمة الشيخ ناصر الدين الألباني لكتابه "صفة صلاة النبي"
[4]- كانت تعرف باسم "وزارة الأوقاف السورية" ولكن وزير الأوقاف السوري مؤخراً غيَّر هذا الاسم لتصبح "وزارة الأوقاف والشؤون الدينية والدعوة" رغبة منه بأن تشمل سلطاته ما وراء الأوقاف العمرانية والممتلكات الوقفية، الأمر الذي يمكن أن يشير إلى القلق الأمني والسياسي من النشاطات التي كانت تحدث باسم الدروس الدينية والفعاليات المسجدية.
[5]- وهو قانون يعنى بتقنين الأوقاف السورية وشؤون المساجد والأماكن الدينية والإفتاء.
[6] وهي رؤية تعتمد على الأخبار الواردة في فضائل بلاد الشام. انظر على سبيل المثال الفتوى التي أصدرها البوطي في موقعه "نسيم الشام" عن فضل الشام في وقت الفتن: الرابط
[7]- شغل الدكتور البوطي المرتبة الثالثة والعشرين ضمن كتاب "500 شخصية" الذي كتبه كل من الأستاذ جون اسبوزيتو والأستاذ عبد الله كالن. والكتاب صادر عن المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية "مبدأ" بالتعاون مع مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون الأمريكية. والكتاب ضم سياسيين ومفكرين مسلمين ورؤساء دول. وجاء في الكتاب: "أن البوطي يتمتع باحترام شديد من الكثير من العلماء المسلمين البارزين في العالم كله ... كما يتمتع البوطي بمكانة متميزة لكونه رمزاً إسلامياً مركزياً في المؤسسة العلمية الإسلامية. وهو مدافع مخلص عن المذاهب، كما أنه أحد أبرز المنتقدين للحركة البارزة التي تسعى إلى ترك وهجر هذه المدارس ... وقد عقد مناظرات هامة مع أبرز علماء السلفية أدى فيها أداءً جيداً مبيناً لمستمعيه أهمية المعرفة في الإسلام. في واحد من أروع كتبه "الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟" يبين البوطي كيف أن الفهم السطحي السيئ لمفهوم الجهاد أدى إلى إساءة الظن به من المسلمين ومن غير المسلمين. ووجهة نظره أن هؤلاء الذين لا دراية لهم بالفقه قاموا بالتلاعب بمفهوم الجهاد لخدمة أغراضهم الشخصية مؤكداً على أن الجهاد يجب أن يتم وفقاً لأسس الفقه الإسلامي."
[8] وهي إحدى المقومات المهمة التي أشار إليها الحبيب علي الجفري في لقائه مع مجلة الوعي الإسلامي:  الرابط
[9] انظر على سبيل المثال خطبته التي ألقاها بتاريخ 3-6-2011 في الجامع الأموي الكبير والمعنونة بـ:"المخرج من المصائب عندما تحدق بنا": الرابط
[10] وهو أمرٌ أكد عليه في مرات كثيرة، إحداها ما سيأتي لاحقاً عند الحديث عن اغتيال الحريري.
[11] كالشيخ نور الدين عتر وأسامة الرفاعي ومحمد شقير وآخرين.
[12] أي إلى وقت كتابة هذه الورقة
[13] - الذي كان برعاية دار الفكر الدمشقية التي تعود لصاحبها "عدنان سالم".
[14]- نجد في زاوية الروابط لموقع نسيم الشام: موقع الحبيب عمر بن حفيظ، موقع الحبيب علي الجفري، موقع حياة أمة، موقع صدى زيد، موقع الحبيب حسين السقاف، موقع المستنير، موقع الأصلين، مؤسسة طابة، منتدى الأزهريين. وهي مواقع الكترونية تنتمي إلى الخطاب التقليدي الصوفي.
[15]- كالشيخ محمد هشام برهاني،والشيخ محمد شقير، والشيخ توفيق رمضان ابن الشيخ سعيد البوطي، والشيخ عبد الرحمن الشامي.
[16]- لمعرفة المزيد عن دور هذه البيانات وأهميتها انظر تعقيبات الدكتور محمد سليم العوا على الدكتور علي جمعة مفتي مصر خلال فعاليات مؤتمر" منهجية الإفتاء في عالم مفتوح" الذي انعقد بالكويت في الفترة من 26- 28/5/2007م. تجد هذه التعقيبات في الموقع الرسمي للدكتور القرضاوي تحت عنوان: "أمران يسهمان في ظهور فئة "علماء السلطان". الرابط
[17]- هذه المنتديات كانت محل دراسةٍ متعمقة لمن يهتمون بالفضاء العام، انظر على سبيل ما كتبته الدكتورة سحر خميس والدكتور محمد النواوي في كتابهما: "إسلام دوت كوم: الخطابات الإسلامية المعاصرة في الفضاء الالكتروني". وهي محاولة لتطبيق نظرية الفيلسوف الألماني يورجين هابرماس "Jurgen Habermas" ولنكولن دالبرج "Lincoln Dahlberg" في كتابه "الانترنت والخطاب الديمقراطي" وهي نظرية تدعو لتواصل نقدي عقلاني خارج الحدود المؤسساتية للسلطة. ويعرف هابرماس الفضاء العام بأنه يقع بين المجتمع المدني والدولة حيث تستحوذ المناقشات النقدية على اهتمام عام من قبل الأفراد. وتساعد دراسة الفضاء العام أيضاً على محاولة التعرف على ما إذا كان توسع الأمة الإسلامية اليوم يساعد على ولادة اتجاهات عامة تحقق الإجماع بين المجتمعات الإسلامية المختلفة. أما فكرة دالبرج فتتكلم عن متطلبات أخرى لخطاب الفضاء العام تشمل التبادل العقلاني للحوار والنقاش، وإعادة تقييم الأعراف الثقافية الفردية والمجتمعية، والحوار البناء، والإخلاص في اطلاع الآخرين على المعلومات المطلوبة للقضايا موضع النقاش، والمساواة بين أفراد الحوار والنقاش، وأخيراً الاستقلالية عن الدولة والقوى الاقتصادية.
[19] هذه القطعية والعمومية التي يؤكد عليها البوطي في النصوص التي يستدل بها تستلزم ضمنياً ظنية النصوص التي يستدل بها الخصم وخصوصيتها.
[20] في شرحه لصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء ج12. ص229 (المطبعة المصرية بالأزهر. الطبعة الأولى. 1930م
[21] انظر شرح صحيح مسلم للنووي، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن. ج12 ص237
[28] إشارة إلى أحداث الثمانينات التي جرى جزء كبير منها في مدينة حماة.
[43] المصدر السابق.
[44] تجد الكلمة منشورة على موقع دار الفكر: الرابط
[45] المصدر السابق.
[46] المصدر السابق.
[47] المصدر السابق.
0 تعليق 276 قراءة
كلمات مفتاحية :
عصام عيدو

أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في قسم الدراسات الدينية، في جامعة فندربلت، وأستاذ زائر سابق في كلية اللاهوت في جامعة شيكاغو. ومحاضر سابق في كلية الشريعة في جامعة دمشق. وهو زميل وعضو في عدد من المراكز الأكاديمية منها مركز الدراسات السورية في جامعة سانت أندروس، والأكاديمية الأمريكية للأديان، ومجتمع المستشرقين الأمريكان، وسبق أن كان زميلاً في صندوق العلماء الدولي في نيويورك، ومعهد نيوباور كوليجيوم في جامعة شيكاغو، ومعهد الدراسات العابرة للأقاليم في برلين. صدر له "نشأة علم المصطلح والحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين" و"منهج قبول الأخبار عند المحدثين" له عدد من الأبحاث والمقالات باللغة العربية والانكليزية.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.