في معنى الثورة تاريخاً ومآلات: من سوريا إلى العالم

15 آذار/مارس 2018
 
[هذه هي المادّة الأولى من ملف ينشره موقع العالم عن سوريا في ذكرى ثورتها]

أول الكلام: في حضرة الثورة


لم يكن ثمة بدٌ من انطلاق الثورة السورية، بنَسقها المعروف إلى الآن، لكي يمكن الانتقال إلى مرحلةٍ أخرى، لامبالغة في إطلاق وصف الثورة الثانية عليها.
فالثورة، في واقعها الراهن، تُصيب السوريين بدرجات متفاوتة من الحيرة واليأس. وهي، بمآلاتها وتفاصيلها الحالية، تُثير من الأسئلة أكثر مما توحي بالإجابات.

وسنظل جميعاً مُحتارين في فهم الظاهرة، فضلاً عن التعامل معها، مالم نُدرك، بعد سبع سنوات من عمر الثورة، بعض الحقائق الصعبة، ومالم نعترف بها بكل وضوحٍ وصراحة.

لم تنطلق الثورة السورية من تراكمٍ ثقافي وحضاري وصل إليه الإنسان السوري ودَفعهُ إلى الدخول الواعي والمُخطَط في عملية تغييرٍ كُبرى.

ليست هذه طبيعة الثورات في جميع الأحوال.

والذين يعيبون على السوريين تشبيههم ثورَتهم بالثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية يقفزون بِدَورهم فوق حقيقة تبدو بديهية. فالتاريخ يُخبرنا أن الثورات كانت دوماً مراحل انتقالية. وأنها نتجت عن مزيجٍ عنصرين: وصولُ بعض المجتمعات إلى درجةٍ من الاحتقان لم يعد ينفع التعاملُ معها من قبل سلطة الأمر الواقع بواسطة المؤسسات والهياكل التقليدية، ووجودُ شرائح من تلك المجتمعات امتلكت مؤهلات صارت تدفعها دفعاً للخروج بشكلٍ صاخب من الواقع السائد، دون أن يكون لديها بالضرورة تصورٌ نهائي ومُتكامل لطبيعة البديل المطلوب.
 
 
بهذا المعنى، تكون الثورة الحقيقية خروجاً من مشهدٍ للاجتماع البشري لم يعد استمرارهُ ممكناً وفق قوانين ذلك الاجتماع وسُننه التاريخية، ودخولاً في عملية بحثٍ جدﱢية عن مشهدٍ يمكن أن يستوعب المستجدات والمتغيرات التي لاتنفك تتكرر في التاريخ الإنساني.

الثورة هنا عملية (انخلاع) جذرية من حاضرٍ صار مرفوضاً على جميع المستويات، وكُلّما كان الحاضرُ مُصِراً على الاستمرار بأي ثمن، كانت عملية الانخلاع منه أكثر عُنفاً وصخَباً.

أما الرفض الذي نتحدث عنه فهو في جوهره رفضٌ نفسيٌ عميقٌ جداً يطرح على أصحابه التساؤلات حول جدوى الوجود والحياة في ذلك الحاضر أصلاً. وعندما تصل الشعوب إلى هذه المرحلة يُصبح لديها دافعٌ قويٌ للقبول بتضحياتٍ لايمكن تفسيرُها على الإطلاق في الأوضاع العادية.

فهنا، يُضحي الأمل في بديلٍ مستقبليٍ، وفي محاولة إيجاده، أكبرَ من الحرص الآني على الوجود، وعلى الحياة نفسها، في حاضرٍ لم يعد ثمة معنى للحياة فيه. في حين أن هناك (احتمالاً) بأن يكون لدى البديل المنشود مايُعطي للوجود والحياة معنىً وقيمة.

لهذا تكون الثورة الحقيقية طويلة. ولهذا تكون على مراحل. ولهذا تكون عنيفة.

وهذا ما حدثَ في الثورة السورية إلى درجةٍ كبيرة، حين اجتمعت مجموعة عناصر لم يكن ممكناً انطلاقُ الثورة إلا باجتماعِها.

لا تشبه الثورة شيئاً آخر في حياة الناس. لا تسري عليها العادات والأعراف والقوانين التي يتآلفون عليها في أيامهم العادية. وحين نتحدث عن الثورة السورية تحديداً فإننا نحاول ملامسة ظاهرةٍ جديدةٍ كلياً، خاصةً إذا أخذنا بالاعتبار كل مافيها من خصوصيات سياسية وثقافية واجتماعية وجغرافية. ربما يطول الحديث ويتشعّب، لكن الأمر ينتهي عند (الملامسة) وهو أبعد ما يكون عن (الإحاطة).

قد يكون هذا سبباً لكثيرٍ من المشاعر المتناقضة التي تراود السوريين وغيرهم هذه الأيام. فمنذ بضعة أعوام من عمر الزمان كانت سوريا، بسياستها الخارجية وأوضاعها الداخلية، كتاباً مفتوحاً سهل القراءة. لكنها اليوم تكاد تكون لغزاً يُحيّر الكثيرين. وإذا بحثنا عن شيءٍ حققته هذه الثورة فقد يتمثل في كشف كثيرٍ مما كان مستوراً في سوريا وعنها.
 
 
كشفت الثورة أولاً حقيقة نظامٍ كان يملك أكثر من وجه. فوجهٌ يدّعي الوداعة والتحضّر، وآخر يبدي ملامح المقاومة والممانعة، وثالث يتلبّس لبوس المعاصرة والتقدم. أفلح النظام السوري ماهراً في اللعب على تناقضات المنطقة والنظام الدولي عقداً من الزمان، واستخدم تلك الوجوه بشكلٍ متناوب، إلى درجةٍ أصبحت فيها شعبيته بين بعض دول المنطقة كبيرة.

كان المشهد سوريالياً بكل معنى الكلمة، لكن الكذبة كبُرت حتى أصبحت في نظر الكثيرين حقيقةً واقعة، وصار النظام أشبه بسرطان لبس قناع الحياة وبات وجوده طبيعياً وعادياً. لهذا، لم يكن ممكناً كشف حجم الزيف والتزوير والادّعاء في هذا المجال بممارسةٍ عادية أياً كانت وفي أي ساحةٍ جاءت.

كان الأمر بحاجةٍ لثورة. وما إن أشعلها الشعب السوري حتى سقطت الوجوه والأقنعة، وظهرت حقيقة النظام الأصيلة واضحةً كالشمس، بكل مافيها من ملامح القبح والبشاعة والتشويه على جميع المستويات.

الخطير في الموضوع ليس جانبه الأخلاقي، رغم معانيه المعبّرة، وإنما أهميته الفائقة كتطورٍ استراتيجيٍ إقليمي وعالمي بالغ الأهمية، لأن لسوريا دوراً حضارياً يجب أن تلعبه وستلعبه في نهاية المطاف، بما لها من رصيدٍ تاريخي وإمكانات بشرية وموقع مميز في الجغرافيا السياسية. وهذا ماكان مستحيلاً في ظل الواقع السابق، وانفتحت أبوابه الآن رغم كل التضحيات. وستظهر ملامح صدقيته خلال أسابيع بغض النظر عن كل ما يجري الآن.

كشفت الثورة السورية أيضاً، وتكشف باضطراد، الحاجة لنظامٍ إقليمي وعالمي سياسي مختلف. وإذا كانت الثورات في مصر وتونس واليمن وليبيا قد وضعت هذا النظام أمام استحقاقات جديدة، فإن الثورة السورية أكّدت بما لا يدع مجالاً للشك الحاجة إلى بلورة نظامٍ مغاير لا يتعامل مع هذه الظاهرة بعقلية (الاستيعاب والالتفاف). فهذه الممارسة لم تعد كافيةً على الإطلاق. وإذا استمرّت فإن العالم بأسره سيواجهُ تحديات ضخمة لن يمكن مقارنة تحديات العقد الماضي أمامها في قادم الأيام. ثمة حسابات جذريةٌ يجب أن توضع على طاولة البحث والتحليل في هذا المجال..وربما بات مطلوباً إعادة النظر في كل قواعد العلاقات الدولية، وارتباطها بالسياسات الداخلية للكثير من البلدان.

لكن أعظم ما كشفته الثورة السورية، خاصةً في مراحلها الأولى، يتمثل في قدرة الشعب السوري على استخراج مخزونه الحضاري الهائل وإحداث نقلة في منظومة القيم والمعاني، وفي القدرة على التنسيق والابتكار والتنظيم، وعلى استيعاب المراحل وتوزيع الأدوار، وعلى خلق وتأمين شبكات فريدة ومتطورة للعلاقات الاجتماعية باتت ترسم ملامح نسيجه الوطني.

دع عنك كل الظواهر السلبية التي يغرق البعض في ملابساتها بعد أن أفلح النظام في أن يجعلها أجندةً إعلاميةً ذات ضجيج.

لا نقلل هنا من قيمة التحديات وحجمها أياً كانت، وبعناوينها الكثيرة المعروفة. لكن هذا لايجب أن يلهي العقلاء عن حجم الكمون الذي أظهرته الثورة، وعن ملامح سوريا الجديدة التي سيُظهرها هذا الكمون في آخر المطاف.

لا تعدم سوريا هؤلاء العقلاء، وهم كثرٌ رغم ضجيج شرائح أخرى.

من هنا تأتي الضرورة القصوى والأساسية لاستعادة معنى الثورة السورية بين السوريين، لأنها مفرق الطريق.

هل يحصل هذا؟ نعم. لكن من يقوم به ليس أبداً تلك الجهات التي يُفترض بها أن تقوم بتلك المهمة. بل إن الهيئات الرسمية التي يُفترض بها أن تفعل ذلك تساهم، ولو عن غير قصد، في قتل نظام معاني الثورة السورية بممارساتها. أما (المثقفون) فقد تجد فيهم من يحاول، وهؤلاء قلائل جداً، ثم إن خطابهم (النخبوي) لايصل إلى جمهور الثورة الواسع.

تبقى النماذجُ التي أوجَدَها، للمفارقة، نظام معاني الثورة السورية نفسهُ، ممن يمارسون هذا الدور بلغةٍ هي أقرب لمشاعر الناس. ثمة نماذج عديدة على ذلك، ولا يمكن ادعاء الكمال في نشاطها وخطابها، لكنها أقرب لمن يؤدي هذه المهمة الحساسة.

في السطور التالية، ونستميح العذر في نقلها كما هي وبالعامية، عبّر أحد هؤلاء، زياد الصوفي، منذ زمن، عن كل ماذكرناه أصدق تعبير، مخاطباً السوريين بقوله:

"حالة من اليأس تجتاح صفوف السوريين المؤيدين للثورة نتيجة الإحساس المتزايد يومياً بفقدان قدرتهم على التغيير.. هالشي ما إجا نتيجة لقوّة الاسد أو قدرتو على إسقاط الثورة، ولكن هالشعور إجا كنتيجة طبيعية لإحساسنا بعدم امتلاكنا أي أداة من أدوات التغيير اللازمة لإسقاط الاسد..

‫يا جماعة..

‫ما بحياتها كانت الثورة لاسترداد أراضي محتلة، او تحرير أراضي و بسط السيطرة عليها..

‫ما خرج الشعب السوري للشوارع ونادى في بداية الثورة" الشعب يريد استرداد دمشق". طلبنا وشعارنا كان واضح وبسيط، "حرية وبس"..

شعار الحرية خوّف الجميع، من أقرب جار إلى أبعد صديق.. حاربنا نفوسنا لتطلع كلمة الحرية من صدورنا،  واجهنا كل صنوف الحقد لاستجرار أنفاس الكرامة من قلوبنا..

اللي كان معتقد انو ثمن الحرية للشعب السوري رح يكون رخيص، فهاد إما إنسان رومانسي او انسان ما بيفهم بالسياسة، او الاثنين معاً..

خمسين سنة والنظام عم يحبك كل المؤامرات لمواجهة مطلب الحرية..

خمسين سنة والمجتمع الدولي عم يمرر أخطاء النظام الواحد بعد الاخر بحجة دعم الاستقرار في منطقة تعج بالمتناقضات..

منشان حرية سوريا. شفنا المجازر والبراميل والكيماوي، وحضرنا تلاتة فيتو واجتماعين دوليين في جنيف وشهدنا على وجود حالش وداعش ..

منشان حرية سوريا. شفنا العراق عم يتفكك، واليمن كيف صار اتنين، ولبنان اربعة ومن دون رئيس ..

منشان حرية سوريا. شفنا المشوّه بو تفليقة رجع يحكم الجزائر ، وانقلاب بعد التاني في ليبيا، و وحل سياسي في شوارع اسطنبول..

منشان حرية سوريا. شهدنا ولادة الخلافة بالأنابيب، تقهقُر الاميركان قدّام مفترق الانسانية، وانهيار مؤسسة مجلس الأمن، وتخبّط مؤسسات الامم المتحدة..

منشان حرية سوريا. خسرنا مليون شهيد، ومتلهون معتقل ومفقود، واتشرد عشرة مليون عن بيوتهون..

منشان حرية سوريا. انهار مفهوم العروبة، وانمحت مرتكزات القومية العربية، وتعرّت المؤسسات الدينية ورجالها..

منشان حرية سوريا. اكتشفنا انو في سوريين مو سوريين، وعرب مو عرب، ومسلمين ما بيتبعوا رحمة الاسلام، ومسيحيين بعيدين عن سلام المسيح..

منشان حرية سوريا.. انهارت مفاهيم المقاومة، وهرّت ورقة توت الممانعة، وانتست القضية المركزية..

 
يا أبن بلدي..

لا تيأس.. فحريتك الغالية عم تحاربها كل قوى العالم، لأنهون ببساطة بيعرفوا شو يعني يكون السوري حر.. بيجوز تقلّي صارو تلات سنين ونص ولسّا النظام ما سقط، بس رح جاوبك فوراً ومن دون تردد، صارو تلات سنين ونص والعالم ما قدر يكسر إرادتنا.. حرية وبس..".

انتهى النقل، ويبقى مطلوباً من السوريين الذين يُعجَبون بهذا الكلام بالآلاف.. ألا يقف (فِعلُهم) عند هذا الإعجاب.

كلامٌ معبّرٌ يُعبر عن روح الثورة السورية، فالمعطيات التي لدينا تؤكد بأن الأيام حُبلى بالكثير..

من هنا.

وكي لا يجلد السوريون أنفسهم ليل نهار.

كي لا يقعوا فريسة الأحلام الوردية والتوقعات الكبيرة قصيرة الأجل.

كي لايعيشوا على وقع ردود الأفعال النفسية والعاطفية الناجمة عن طول عملية التغيير وصعوبتها.

كي لا يسقطوا في قبضة اليأس والإحباط من حجم التحديات الراهنة والقادمة.

كي لا ينقلبوا كل يوم، مع اختلاف الوقائع، بين طرفي نقيض، فلايقذفوا أنفسهم من أقصى مشاعر الأمل إلى أعلى درجات اليأس، مع تتابع الأحداث والوقائع.

كي لايصبح توقّعُ الإنجازات الكبيرة دافعاً للاستعجال في العمل والقرارات، ولا يكون ظهور التحديات على حقيقتها سبباً للانسحاب والسلبية.

كي يعيشوا لثورتهم بواقعية وفعالية وإيجابية.

وأهم من هذا كله، كي يعطوا تضحياتهم القيمة الحضارية الكبرى التي تستحقها.

لا مفر من فهم الحقيقة الكبرى الكامنة وراء هذه الملحمة البشرية التي بدأت في سوريا منذ أكثر من سبعة أعوام.

ربما ينطبق على الثورة السورية أكثر من غيرها التحليل الذي ذكره المثقف العربي خالد الحروب حين قال: "الوصف الذي أستخدمه وأراه جامعا لإجمال حالة الثورات العربية وما ثارت عليه وما قد يترتب عنها هو (النهر ضد المستنقع).. الأنظمة الحاكمة أضاعت على شعوبنا عقودا طويلة وثمينة من ناحية تاريخية من دون أن تعمل على إدراج تلك المجتمعات في شكل الدولة الدستورية والقانونية المعاصرة، بل نامت على ما هو قائم من بنيات ما قبل الدولة الحديثة. والأسوأ من ذلك أن تلك الأنظمة كانت مستبدة وتعزز استبدادها مع الزمن ما فاقم من العفن الموجود في قاع المستنقع. الثورات العربية هي النهر الذي يجرف هذه المستنقعات ويكشف العفن الراكد ويعريه تحت الشمس، وهو البداية الحقيقية وربما الوحيدة لمعالجته، ومن ذلك العفن الطائفية والقبلية والجهوية.

النهر يجلب الماء الجاري الصحي، لكنه يجرف العفن المتراكم دفعة واحدة وهو ما نراه الآن من مشكلات وأمراض وتخوفات. كما قد يجرنا هذا النهر في بداية الأمر إلى اتجاهات ومسارات فيها مخاطر كبيرة، وهي مخاطر لا بد منها إن كنا نريد الإندراج في المستقبل والتاريخ وننقطع عن التكلس. الآن بدأنا المرحلة الثانية من الاستقلال حيث تتصارع القوى الاجتماعية والسياسية والدينية داخل كل مجتمع للوصول إلى معادلة التعايش فيما بينها على قاعدة المواطنة والديمقراطية بعيداً عن أوهام استقرار المستنقع. في المرحلة الراهنة، سوف تختلف الجماعات والتيارات السياسية بشكل جذري وربما دموي، وسوف نرى كل أنواع الشعارات القصوى بما فيها الانشقاق والتجزئة أو الاقصاء.

لكن في نهاية المطاف سوف تصل كل المجموعات المتصارعة إلى خلاصة لا مناص عنها وهي أنه لا بد من التعايش السلمي في ما بينها، وأفضل وسيلة للتعايش هي بناء أنظمة سياسية ومجتمعات قائمة على قاعدة المواطنة التي تساوي بين الجميع بغض النظر عن الطائفة والدين والقبيلة والمدينة. بكلمة أخرى بدأنا المسيرة الطويلة للبحث عن صيغة الاستقرار القائم على الحرية بديلا من الاستقرار القائم على الاستبداد، استقرار مع حرية الناس وليس على حسابها".

فحين كسر الشعب السوري حاجز الخوف وخرج إلى الشوارع كان يعلم أنه خرج يطالب بالحرية والكرامة، وكان يعلم جيداً أنه يواجه نظاماً همجياً، وأنه سيقدم الكثير من التضحيات.

لم يكن ثوار سوريا واهمين حين أطلقوا شرارة الثورة. كانوا يدركون أنهم يعيشون في ظل نظامٍ لايمكن مقارنته من جهة الوحشية والقمع بنظامي بن علي ومبارك. كانوا يعرفون أن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي هي لونٌ من ألوان (الترف) بالنسبة للنظام، وأن استخدامها في نظره هو مجرد مضيعةٍ للوقت لاأكثر ولاأقلّ. ورغم كل هذا، حملوا أرواحهم على أكفّهم، وخرجوا بحثاً عن كرامة لم يعد هناك طعمٌ للحياة بعيداً عنها.

لكنهم لم يكونوا يعلمون، في حقيقة الأمر، أن ما يواجهونه أكبرُ كثيراً من النظام، وأنهم يبدؤون عملية تغييرٍ كبرى ستكون لها أبعادها الحضارية، وليس فقط السياسية. وأن النظر إلى نتائجها سيكون بمقياس أعمار الأمم والشعوب وليس بمقياس أعمار الأفراد. من هنا، يغدو معيباً أن نشعر بمثالية مفرطة، إذا قلنا أن ثمة احتمالاً بأن مايزرعه جيلُ الثورة السورية اليوم سيجني ثماره الحقيقية أبناؤهم.

قد يدّعي البعض أنهم كانوا يعرفون هذه الحقيقة منذ البداية، وقد يبرر آخرون رفضهم للثورة أو عدم تأييدها بهذا المبرر، لكن مثل هذه التحولات التاريخية لاتأتي محسوبةً بمعادلات رياضية ودراسات هندسية تقوم بها الشعوب. والاعترافُ بعفوية ماجرى لدى الغالبية العظمى من الشعب السوري الثائر ليس مدعاةً للندم أو الاعتذار أو التراجع.

وهناك دلائل تؤكد بأن هذا الشعب كان يشعر في أعماقه أنه يُقدم على أمرٍ يتجاوز حسابات جيلٍ واحد. لاغرابةً إذاً حين يقول أحد الشباب من ثوار دمشق أمامي: "لقد ورثتُ هذا الواقع عن آبائي ولن أدعه ترِكةً لأبنائي بأي حالٍ من الأحوال". ولاغرابة أن تسمع من جيل الآباء والأجداد السوريين قولهم: "لو فعلنا ما علينا وقمنا بواجبنا في شبابنا، لما وصلنا إلى هذا اليوم".. هكذا تتكامل أفكار الأجيال بأن سوريا العقود الماضية لم تكن سوريا التي تليقُ بحضارتها وثقافتها وخبرتها عبر القرون.

لكن البعض قد يشعر بالحرج لمجرد التفكير بهذه الطريقة. يخجل هؤلاء، وهم يرون الكمّ الهائل من تضحيات مواطنيهم، من الحديث عن إمكانية التأخير في كل مايتعلق بأهداف الثورة: من سقوط النظام إلى تحقيق الديمقراطية، مروراً بتأمين الاستقرار والأمان والوحدة الوطنية، وانتهاءً بإعادة الإعمار وانطلاق عمليات التنمية الحقيقية. وأهم من هذا ومعه، ظهور ثورةٍ شاملة في ثقافة السوريين وأفكارهم تعيدهم من هامش التاريخ إلى متنه.

ما من شكٍ أن هذا الحرج مشروعٌ في أبعاده الإنسانية المباشرة. لكن الواقعية تُعيدنا إلى المعنى الحقيقي الذي تحدثنا عنه للثورة السورية: نهراً يجرف المستنقعات ويكشف العفن الراكد ويعريه تحت الشمس، وهو ما نراه الآن من مشكلات وأمراض وتخوفات، لكنها البداية الحقيقية، وربما الوحيدة، للعلاج والولادة الجديدة. نهراً قد يجرنا في بداية الأمر إلى اتجاهات ومسارات فيها مخاطر كبيرة، لكنها مخاطر لا بد منها إذا أراد السوريون إعادة تعريف أنفسهم وتعريف وطنهم، والعودة إلى دخول التاريخ من أوسع أبوابه.
0 تعليق 3174 قراءة
وائل مرزا

رئيس التحرير والمشرف العام على موقع معهد العالم للدراسات.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.