سوريا: حرب "الخارجين عن القانون" (٢-٢)

08 كانون2/يناير 2018
 
[هذا الجزء هو الثاني من دراسة للكاتب، نشرنا الجزء الأول منها قبل ثلاثة أيام، يمكن مطالعة الجزء الأول بالنّقر هنا]
 
الأقلمة، ونزع الأقلمة: وجوه اللانظاميّة
 
"يروي همداني عن الطريقة التي أرسل فيها إلى سوريا، فيقول: يوم الثلاثاء، الثالث من كانون الثاني/ ینایر 2012 تلقيت مأمورية في ذلك البلد، كنت وقتها مسؤولاً للحرس في طهران، وكانت آثار فتنة عام 2009 والمشكلات الناشئة عنها لا تزال باقية، وكنا في الوقت نفسه نقوم بتوسعة فيلق محمد رسول الله التابع للحرس، ليصبح موجودا في 22  موقعاً بدلاً من ستة مواقع، وبينما كنت غارقاً في هذه المهمات، استدعاني القائد العام للحرس الثوري محمد علي جعفري، وبعد تقديم تقرير عن حال الحرس في طهران، سألني: هل تذهب إلى سورية؟ توقفت لبرهة وسألته: لماذا أذهب إلى سورية؟ قال: النظام والجيش السوري طلبوا العون والمساعدة، وأنت تذهب إلى هناك بصفتك قائدا في الحرس. [في السرد] يشرح همداني دوافعه للذهاب وتبدو دوافع مذهبية دينية: "لأنّ لديّ دافعاً قويّاً للوجود في سورية والدفاع عن حرم عمة الأسياد وحضرة رقية وافقت على الذهاب"" [فاطمة الصمادي، مجلّة سياسات عربيّة،العدد 22، پیغام ماهیها (رسائل الأسماك) ما تقوله مذكرات الجنرال همداني: الوصاية الإيرانية علی سورية].
 
سوريا هي قتلُ "الخارجين من القانون" للمصنفيهم "خارجين على/عن القانون".  ثمّة وضعيّة محدّدة مُعبَّر عنها سياسيًّأ في القانون أو العرف الدوليّ العام السائد اليوم تشكل وسطاً مناسباً لحروب اللانظاميّين أو لحروب المرتزقة والحروب بالوكالة والحروب المخصخصة؛ أو الحروب الهجينة. ومن جانب آخر ثمّة واقعة تقنيّة قديمة متجددة تستحكم بطبيعة الحروب الحديثة، وتعيد تعريف الحرب جذرياً كما توقّع كلاوزفتز، وترسم المعالم المهولة والقاتمة لعقابيل مثل هذه الحروب على الاجتماع البشريّ. يفيدنا هنا، لكي ننظر في الأمر بطريقة مختلفة، ولو قليلاً، تناول أقلمة الحرب السوريّة بوصفه يأتيّ في سياق نزع الأقلمة في السياسة والقوانين الدوليّة.  إنّ الحربين العالميتيّن الأولى والثانية أعادتا تشكيل عالمنا، ليس فقط على مستوى الجيوسياسيّ، بل على مستوى القانونيّ السياسيّ أيضاً، ومن جملة أثار ذلك، هو إعادة تعريف "السيادة" و"المصالح" للدول، وإعادة ترسيم العلاقة الجدليّة بين المجال الحيويّ للدول، الأقليم، والنظام الدولي بعامّة. ومن المفترض أن يعطي هذا الترسيم الدول أوليّةً في حفظ توازن أقاليمها. لكن، الأمر ليس بهذا الوضوح. فلقد  تدهور مع صعود الإمبرياليّة البحريّة، وتقنيّة الحرب والمعلومات، والرأسماليّة المعولمة وثقافتها، ومن ثم الإمبرياليّة الجويّة والفضائيّة. يجادل شمت بأن القوانين والأعراف الدوليّة الجديدة منذ الحربين، قد ألغت أو خربّت الأرضيّات الإقليميّة السابقة للقوانين والأعراف بين الدول، والتي يجادل بأنّها كانت أكثر فعاليّة في ضبط التوازنات الميّالة فطرةً للاضطراب الدوريّ أو غير الدوريّ.

ما يهمنا هنا ليس تفصيل القول في ذلك وتجاوز طابعه الجدليّ بتعميمات سريعة، وإنّما فقط النظر في الحالة السوريّة كحالة مثلت القطرة التي فاض منذ بدايتها على إثرها إناء الخراب الإقليميّ في المشرق العربيّ والذي يمكن العودة به خلفاً إلى حروب الخليج، والتي انتهت بتدمير العراق وتفكيكه. إنّ التدخليّة الدوليّة، باسم القانون، التي تمارسها القوى العظمى في الأقاليم المختلفة، لا سيما أكثرها وضوحاً في المشرق العربيّ، والشرق الأوسط، قد قوضّت تماماً دور الدول الإقليميّة، التلقائيّ منه والمضبوط، في ممارسة دورها المتوقع والأوليّ، وأدت إلى اضطراب توازن شديد. هنا لا يتم الحديث أساساً عن قانون دوليّ ذي طابع إقليميّ، وهذا مستوى بعيد المنال اليوم، وإنّما فقط عن قدر من الاحترام للمجال الإقليمي يصون السلامة العامة للكيانات السياسيّة والاجتماعيّة فيه. القانون الدولي، والنظام الدوليّ،والطبيعة العامّة للسياسة الدوليّة وسياسات الحرب الراهنة تخترق اليوم بشكل مباشر من قبل الدول مختلفة الحجم، من قوى وسطى وعظمى. في واقع الأمر يمكن تعريف حالة تزداد سفوراً في السنوات الأخيرة تتسّم بالخروج الاعتياديّ على هذا القانون لصيانته، فيما يشبه توصيف أغامبين شارحاً شمت لحالة الاستثناء: أنّا من أعلّق القانون، وأقف خارجه؛ أفعل ذلك لأنّي أريد صيانة هذا القانون.

القانون والنظام الدوليّ يعيش [كغيره من أنظمة وقوانين الدنيا] حالة استثناء أساسيّة ومستدامة –مستدامة عبر بؤر ضرورية من الفوضى واللانظام والأسواق السياسيّة والماليّة والحربيّة السوداء-؛ حالةً متفاقمة هذه الأيام؛ ترسم المعالم العامّة للاستقرار والاضطراب، والرفاه والشقاء، والأمن والخوف، والهيمنة والتبعيّة، في توزّع قاريّ، وخلال قاريّ أقاليميّ، فيه ثباتيّة ظالمة لحقبة طويلة على وجه المعمورة.  والحال أنّ كلّ الفاعلين يدركون بأنّ القانون أو النظام الدوليّ المعمول به يتم اختراقه يوميّاً وعلى نحو سافر، ولكنّهم جميعاً يمارسون خديعة مكشوفة بضرورة مراعاة القوانين والأعراف الدوليّة، الجملة التي يكررها الساسة يوميّاً لإملالنا. وفيما يتعلّق بسوريا وذلك، احترام سيادة وسلامة الاراضي السوريّة، والتي يكررها الساسة الروس بدورهم وكأنّها تميمة حرب.

في هذا السياق تفيد مقارنة السياسة التركيّة مع السياسة الإيرانيّة في سوريا، ثم لاحقاً السياسة الروسيّة. إنّ ما يجعل القانون والنظام الدوليّ المعمول به سيئّاً ليس تطبيقه أو تطبيقه السيئ  أو عدم تطبيقه أو اختراقه؛ وإنّما وجوده من الأساس على هذا النحو.
 
 
كي أكون أكثر تحديداً، في الحالة السوريّة كان يمكن للثورة والحرب أنّ تجد نهايات مقتضبة، لا يمكن بطبيعة الحال توصيف ملامحها، لو بقي الأمر في النطاق المحليّ فعلاً. "الجيش" في سوريا، لا يمتلك سلاح جوّ قويّ، ولا يمتلك بحريّة قويّة، والبحريّة أساساً غير متصورة في حالة بريّة تماماً، حرب طرفها الآخر الأساسيّ الأوليّ مقاومون وثوّار ومجاهدون، محليّون أساساً لهم حواضن شعبيّة قويّة، حملوا السلاح على أرضيّة تقلقل سياسيّ اجتماعيّ ضرب أرضيّة هشّة، محمولين على موجة انتفاضة بمطالب عاديّة تعرضت أساساً للاستباحة السياسيّة المقوننة والمرسمنة كتمهيد للتصفية الجسديّة الواسعة التي وقعت مبكراً بأشكالها اللانظاميّة [أنظر اقتباس العدوّ لهم بشار الأسد أعلاه، معترفاً بأن المشكلة سوريّة أساساً، وواسعة وهائلة، مستخدماً قاموس مفرداته بطبيعة الحال]؛ والأساسيّ الثانويّ جهاديوّن أو عقائديّون، محليّون وغير محليّين بدورهم، و"المهاجرون" -كما يعرف بأدبيّاتهم هم- النواة الفكريّة والقتاليّة القياديّة، العابرة للحدود والقادمة من مناطق "فوضى وتوحش سابقة للحدث السوري" تداخلت فيها عوامل داخلية وخارجية مشابهة من جوانب محددة ومعتبرة.

كان الخروج على النظام القائم أقوى بوضوح من النظام القائم، لقد تبيّن بسرعة للثائرين والمتمرديّن والمقاومين بأنّ قوّات الجيش والمخابرات تعاني فساداً وضعفاً وفوضى وقصوراً وخيماً، وأنّ "الدولة"، ليست إلّا النظام هنا أو الدولة الأسديّة، يمكن أن تهزم وتنتهي  في غضون أشهر، وأنّها غير كفؤ ولا على أيّ مستوى لمواجهة حرب لا نظاميّة، ولا لدخول حرب نظاميّة بطبيعة الحال. والمعنى، أنّ الواقعة التقنيّة لم تكن عاملاً حاسماً بيد الأسد، وأنّ الحرب في ملامحها الأوليّة بدت مجردّ حرب بريّة وتقليديّة يشوبها سلاح جوّ  قاصر ومعوّق. وأمَا الوضعيّة السياسيّة والدستوريّة، والشرعيّة والمشروعيّة، التي لا يحظى بها نظام الأسد فدليل فقرها ونقصها الوخيمين هو حاجته الاساسيّة لكلّ هذا القدر من القوّة والعنف، ولاحقاً، وهذه اللاحقاً كانت ظرف أشهر، إلى حاجته لكلّ هؤلاء الأجانب، واللانظامييّن منهم بشكل غالب. إنّ الحالة التي تبيّن أنّ النظام فيها ينهار كانت الحالة التي برز فيها مقدّرات التوازن المحليّ، الوطني مجازاً، في الثورة والحرب، والتي يمكن بقوّة توصيفها بأنّها نظام وأجهزته بمكوانته وصفاته، وثورة وفصائلها بمكوناتها وصفاتها، والصدوع عبر الدولة والمجتمع والجغرافيا من جراء ذلك. إنّ أقلمة الحرب السوريّة غير متمايرة زمانيّاً، وغير متمايزة عموماً عن التدويل بالمعنى الواسع. لكنْ، من المفيد كما قدّمت أن نحاول فهم أنّها جاءت في سياق أو على أرضيّة مزمنة من نزع الأقلمة السياسيّة والقانونيّة. في هذه الحالة، فإنّه ومنذ حرب العراق 2003، وتكامل الهيمنة الإيرانيّة على العراق وسوريا ولبنان، أخذ النفوذ الإيرانيّ الطابع اللانظاميّ في جانبه الأكبر، وهذا أساسه أنّ الاحتلال الأميركيّ للعراق، لم يكن احتلالاً بالمعنى التقليديّ، ولم يكن فتحاً، ولم يكن استعماراً. هو في أساسه كان محمولاً قانونيّاً وسياسيّاً بوصفه حرباً عقابيّة وانتقاميّة تنال من بلد "مجرم وخارج على القانون الدوليّ"، مارق، له مشروع أسلحة دمار "لا تصلح لدولة بحجمه"، يحتضن "الإرهاب".

إضافة إلى ذلك، أو في الحقيقة، يتأسس في ذلك، طبيعة الحرب التقنيّة، الحربّ الجويّة التي لا تفهم ولا تتفاهم مع الأرض، والحرب البحريّة التي لا تفهم ولا تتفاهم مع الأرض إلّا قليلاً؛ هي حروب مدمرّة بشكل خطير وقرب تام للأرضيّات السياسيّة والاجتماعيّة وللبنى والمقولات القانونيّة الثاوية فيها، أو المتعشقّة في العلاقات الجدليّة بين مكوناتها المختلفة، بين تعدديتها واختلافها الاساسيّ والطبيعيّ. لقد اخترقت حكومة الولايات المتحدّة الأميركية القانون الدوليّ، بشكل سافر ووقح، ورغم اعتراض دوليّ كبير، معلّقة إياه، أو جاعلة للأستثنائيّ المعياريّ، وهو ما هو منذ تأسسّه، بدعوى صيانته. وفي هذا التعليق/الخرق، وهو ليس بالجديد، الذي يمارس بوصفه تطبيقاً للقانون؛ في هذا أقول تخرّب النظام الأقليميّ تخربّاً متعدد المستويات والمعاني، وفيه تأسسّت أو تعززت "اللانظاميّة"، أو أدوار الفاعلين من غير الدول الذين تقوم الدول ب"خصخصتهم" مع "أدلجتهم السابقة أو اللاحقة أدلجة زائفة".
 
إلى ذلك، إنّ نهاية الحرب الباردة قد شكلّت المقدّمة لنوع من الحروب التي تنتاب الكيانات الدولتيّة الضعيفة بشكل تفضيليّ [thomas Mandrup عن Fleming 2009]. وهذا أنتج افتراقاً في الحرب، الحرب بوصفها واقعاً اجتماعياً، والحرب بوصفها أمراً أو قطاعاً تحتكره الدولة [السياديّة] كما يقول ماندرب. فوفقاً لهذا المنطق، فإنّه صار من المألوف بالنسبة للدول الضعيفة أو القاصرة أو الفاشلة والتي تستمر بتحصيل الاعتراف بشرعيّتها الرسميّة كدول في "المجتمع الدوليّ"، دون الشرعيّة التجريبيّة [المجرّبة]، وذلك فقط لأنّ القوى الدوليّة والإقليميّة تخشى من حالة اللادولة، فالدولة أو الحاكم القائم كسلطة أمر واقع، ولو كانت مهترئة، في سياقنا نظام الأسد، يمثل الحاجز الأخير حيال الانهيار التام. هذا التفضيل الأساسيّ لحالة الدولة حيال الحالات الأخرى، هو سمة عصر مدولن ذهنيّاً وجسديّاً، إلى هذا الحدّ. وهذا ما يجعل الأمر في الحالات المخصوصة، ومنذ البداية، واضحاً بالنسبة للدول الفاعلة على المسرح الجيوسياسيّ لجهة من هو "الصالح" لأن يقبل به رغم كلما سيحدث وسيفعل وسينتهك. والحال، بأنّ مثل هذه الظروف التي تمّ توصيفها في المدونة الاكاديميّة ذات الصلة، قد قادت إلى نوع من الخصخصة للحرب، عبر توظيف الشركات الأمنيّة والعسكريّة الخاصة PMSC، العابرة للقارات ومتعددّة الجنسيّات، للزج فيها في مهام تقع أساساً في السوق السياسيّة السوداء، حيث يزداد الطلب عليها من قبل الحكام الفاشلين.

إنّ هذا قد أدى لنمو هذا القطاع ماليّاً وسياسيّاً. ولكنّه من ناحية اخرى أخذ أشكالاً مختلفة تماماً في الصراعات المختلفة، كما أبيّن تالياً في حالات المليشيّات الطائفيّة الممولّة إيرانيّاً وخصوصيتّها بوصفها ذات امتداد إيديولوجي واجتماعيّ، فهي ليست من جنس شركات توريد المرتزقة التي تتعاقد مع دول صغيرة أو كبيرة لتزويدها بخدمات قتاليّة وأمنية قليلة الكلفة ماليّاً وسياسيّاً، وذلك بسبب طابعها الإثنيّ أو المذهبي أو العقديّ الأساسيّ، وهذا ما يجعل سوق الحرب اللانظاميّة في العراق وسوريا واليمن سوقاً متغايرة المحتوى وواسعة الطيف، وسوقاً كبيرة  وسوداء فعلاً.  لكن الملاحظة الثابتة التي يوردها Mandrup هي؛ »في المنافسة على سيطرة الدولة فإنّ القادة المعترف بهم دوليّاً يحظون بأفضليّة على منافسيهم من غير الدولتيّين، فــهم [القادة أو الحكام] يمكنهم السعي لطلب المساعدة الأجنبيّة بموافقة المجتمع الدوليّ وبما يتفّق مع القانون الدوليّ«[Privatisation of Security: thomas Mandrup: 2012:  7 and 8].  
 
الساسة الإيرانيّون فهموا ذلك جيداً وفهموا أنّ هذه الوضعيّة، هذه التركيبة، "تقونن" اللانظاميّة،بما فيها العابرة للحدود منها، أو تجعل من لا نظاميّتها الورقة الأقوى في صيانة مصالحها في نظام عالميّ مفرط في لا توازنه ولا عدالته. إنّها أرضيّة "لا قانونيّة" تمارس عليها سياسات الظلّ المكشوفة، بدعوى صيانة "القانون". وتبدو هذه الأرضيّة اليوم السوق السوداء لممارسة السياسات اللارسميّة الضروريّة للقول إنّ القانونيّ والسياسيّ، العام والرسميّ، يحترم في مكان آخر، على خشبة المسرح المنارة والمصوبة إليها كاميرات غزيرة. كان يمكن إذاً، في أوضاع أقل جنفاً أنْ نتصوّر بأنّ "اللجوء الطبيعيّ" للمتحاربين بسوريا للبحث عن "حلفاء" في مجالهم الإقليميّ، أو على نحو أحسن، بما أنّ الحرب السوريّة هي من طبيعة الحرب الهجينة [بمعنى اختلاط بين الدولتيّ وغير الدولتيّ من المتحاربين]، في حالة غير طبيعيّة من الأساس، وهنا فرق "الحرب الهجينة" في سوريا عن حالات أخرى قد تعرض للمقارنة إنّ صح أنّ المقارنة والمماثلة لغير الدرس العام معتبرة في مقاربة الأحداث والشؤون التاريخيّة، والفرق هو الطبيعة المتطرفة والخاصّة للحالة الأسديّة؛ فكان من الطبيعيّ تصوّر أنّ تتدخل "الدول الإقليميّة" [أو لا تتدخّل] وفق منطقها وقوانينها وتوزاناتها وحساسياتها الإقليميّة، في هذه الحرب، وأنْ يكون هذا التدخل "تدخل فاعلين من الدول" تحكمه حسابات وأعراف أكثر قابليّة للتعامل معها.

ويمكن للمرء أن يجادل بأنّ طبيعة الفروق بين تركيا وإيران، في حالة نظاميّة، سيفضي إلى توازن يؤدي مرّة أخرى لسيرة مقتضبة للحرب في سوريا، لا يمكن تحديد ملامحها الصعبة. وربّما هنا يمكن تلمّس الفارق الأساسيّ بين المنطق السياسيّ الإيرانيّ والتركيّ الذي ساد مؤخرّاً، والذي أدى في المحصلّة إلى استقرار أو استمرار هيمنة إيران على سوريا، وإنْ أتى منقوصاً بعد التدخل الروسيّ، حيث عجزت إيران عن كسب الحرب لوحدها، لأسباب عدّة أبرزها قوّة الثورة في سوريا النابعة من عمق واتساع الصدع السياسيّ والاجتماعيّ. لكن الهيمنة الإيرانيّة على أي حال استمرّت واستقرّت، وهي اليوم هيمنة كامنة وخفيّة، تتسم بمرونة الادوات واختلاف التظاهرات. وأمّا الدور التركيّ، فلم ينحسر فحسب، بل ارتد تأثير انحساره على الأمنّ القوميّ التركيّ، المتمثّل في صعود قوى انفصاليّة معاديّة تاريخيًّأ ووجوديّاً لتركيا. تركيا ظلّت تمارس، أو تحاول ممارسة سياسة على المسرح، أو في الحرم كما نعتها ذات مرّة أحد الأصدقاء؛ لأنّها لا تجيد ولا تمتلك أدوات، مثل إيران، ومثل روسيا؛ اللعب على تلك الأرضيّة "اللاقانونيّة"، أو تلك السوق السوداء. إن تركيا مندمجة جيداً في "النظام الدوليّ"، وفي القسمة المنهارة الموروثة من زمن الحرب الباردة.

والحال أنّ تركيا فشلت حتى في "الاستثمار السياسيّ" في القوى "اللانظاميّة" المعادية للأسد ولإيران، التي تشكلت بمعزل عنها [بمعزل عن تركيا وبدون جهودها]، في خضّم الثورة وبين شقوق الصدع في سوريا، مع أن هذه القوى حظيت بشرعيّة ومشروعيّة غير قليلة، حتى على صعيد دوليّ عام وتعميميّ، وإن بمعانٍ تحتاج لتفصيل أكثر في القول.  في المحصلّة ترجم هذا الأمر بأن الحكومة التركيّة بقيت تنتظر "الوسائل القانونيّة" التي لا يعبأ بها أحد، وطبيعة هذا الانتظار لم تكن إلّا انتظار سيدّ الناتو، أوباما، لاتخاذ "إجراءات قانونيّة" تشارك تركيا فيها بسلامة.

وحتى في المراحل المتقدّمة، جاء التدخل التركيّ شبه رسميّ، تفاهمات مع القوى الكبرى الفاعلة، لم تكن إلّا "السماح" لتركيا، عبر جيشها النظاميّ رسميًّا، بدعم قوى رديفة من لا نظاميّين، هم في هذه الحالة تشكيلات، ألاكثر موثوقيّة لتركيا منها كانت تركمانيّة، متطورّة و"مرسمنة" من "الجيش الحرّ"؛ وذلك للقيام بعمليّات محدودة ومحددة النتائج مسبقاً، فلا تؤثر بالمشهد الجيوسياسيّ العام.
 
 
إن التواجد الإيرانيّ "الرسميّ" في سوريا، كما بيّنت آنفاً، أخذ منحى مختلفاً منذ غزو العراق، ومروراً بتقليع النظام السوريّ من لبنان. وإنّ طابع التواجد الرسميّ المرئي والملموس، بالنسبة لي كأحد السوريّين الذي يمكنهم تقديم رواية عن ذلك، قد صار مرئيّاً ملموساً بشكل مستفز أو مثير للقلاقل في السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد ما قبل ثورة 2011. انتشر استثمار إيران في سوق المراقد والأضرحة والعتبات في سوريا، في دمشق بشكل أساسيّ، مع انتقال إلى كلّ محافظات سوريا، بما في الرقّة ودير الزور واللاذقيّة. لقد تُحدّث أكثر في الكلام اليوميّ وغير الرسميّ، بما أن سوريا معدومة المجال العام والحياة السياسيّة ومعدومة الصحافة والإعلام فمن الصعب تظاهر ذلك على شكلّ جدل عموميّ او اعتراضات سياسيّة، فهو يروى عادة بوصفه "كشف أسرار"، هي في طبيعتها معلوم بالضرورة وحادثة عامّة تتناقلتها الألسن بوصفها إشاعة عامّة.  وفي مرحلة ما، لم يعد بالإمكان الفصل بين الطابع الرسميّ و"القانوني" لمثل هذا التواجد والنشاطات، الثقافيّة والتجاريّة، والتي توصف "بالتشييع"، وبين طبيعتها اللانظاميّة، أو امتداداتها اللانظاميّة، غير الرسميّة وغير "القانونيّة"، حتى بالنسبة للدستور والقانون المعمول به في سوريا، أو بالنسبة لإيديولوجيا ودعاية الدولة الموروثة من الزمن القوميّ والبعثيّ. وبالنسبة لثورة 2011 في سوريا، فلم يكن الموقف الإيرانيّ، ومنذ البداية، من طبيعة المواقف السياسيّة المعتادة، كما يحلو للبعض مناقشة الأمر.

لم تتخذ إيران موقفاً سياسياً من "الحدث" السوريّ، رفضاً أو قبولاً، كما تفعل أي دولة تعترف بشكل متبادل بالسيادة الكاملة حقّاً لدولة أخرى، ولا يتصوّر بالنتيجة أنّ "التدخل الإيرانيّ" اللاحق بكل أشكاله هو نتيجة أو استمرار "لاتفاقيّات التعاون المشترك بين البلدين" إثر مثل هذا الموقف. لقد قادت طبيعة النفوذ الإيرانيّ في سوريا الحكومة الإيرانيّة، للتصرح الواثق بنفسه بأنّ هذه الثورة هي ثورة عليها، وتواتر إسهال تصريحات الساسة والقادة والعسكريّين والملالي الإيرانيّين من الصف الأول والثانيّ حول ذلك وبلغ حدّاً من الوقاحة المتعريّة حين وصفت سوريا بأنّها مجرّد محافظة إيرانيّة.  وفي السياق، قبض على"الخبراء الإيرانيّين" في مرحلة مبكرة من الصدامات المسلحّة في حمص، 2012. و"الخبراء الإيرانيون" هي كلمة كان يبرر بها  الساسة في طهران القبض على "عملاء" لهم في الخطوط الأماميّة لأولى الصدامات، ويبرر بالنتيجة التفاوض عليهم وفديتهم. وتزايد تواتر ظهور التواجد الإيرانيّ أو المحسوب على إيران صراحة، التواجد والنشاط غير النظاميّ وغير الرسميّ، فلا هو  بالدولتيّ المنفّذ بشكل رسميّ وقانونيّ ومعلن عبر الأجهزة الرسميّة لدولة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، ولا هو حتى بالتواجد المخابراتيّ الكلاسيكيّ، أي التواجد القليل الذي يتقصى وينفّذ عمليات قليلة ونوعيّة.

نحن نتحدث عن تواجد لمقاتلين غير نظاميّين يمتدون في عشوائيّات حول المراقد، أجانب، في دمشق أساساً، والتي تشكل ما يشبه المربّعات الخارجة عن السيادة الكليّة "للدولة السوريّة"، على هيئة مربع الضاحيّة في بيروت. تواجد له مركّبات  مذهبيّة طائفيّة صريحة متزايد ومنتشر. محمول على خطاب رسميّ [يتبناه ربّما فقط قادة وساسة الصف الأولّ في إيران] تتحدث عن سيادة سوريا وضرورة احترام القانون الدوليّ و"خروج القوّات الاجنبيّة"، ودعم "الحكومة السوريّة" لانقاذ "مؤسسّات الدولة". تواجد ونفوذ ونشاط غير نظاميّ، مذهبيّ وطائفيّ، يتحرك على أرضيّة "غير قانونيّة" ويمارس ممارسات "غير قانونيّة"، لكن، وهو يُقبل أو يُتجاهل او يُسكت عن نظراً لهذا، في سبيل محاربة و"قتل" الخارجين على القانون" السوريّ، وربطاً معه، الدوليّ. ويتقاطع مع الحالة الروسيّة من وجوه عدّة، بالإضافة لمصالحه الأساسيّة والحيويّة بطبيعة الأمور، ومنها مفهوم السيادة كدعاية أو حامل للمشروع الإمبرياليّ المصغّر، ومنها الحرب الهجينة، والتي توظّف [في الحالة الإيرانيّة] لانظاميّين مشايعين لهم هذا الامتداد العقديّ/الإيديولوجيّ الوظيفيّ والعضوي.
 
اللانظاميّة، الخصخصة، المليشياويّة [طائفيّة الأساس] صار يتم تنظيمها على أرض سوريا، أو يتم نقلّها من تنظيمات وأحزاب معروفة خارج سوريا، من العراق ولبنان. لقد أعلن "رسميّاً" في القصير [قرب حمص] في صيف 2013، الصيف الذي نفذ فيها هجوم الغاز على غوطتيّ دمشق، عن التدّخل العسكريّ لمليشيا حزب الله اللبناني. وهذه، بطريقة أو بأخرى، حالة خرق غير مسبوق "للقوانين والأعراف الدوليّة"، تم السكوت العلنيّ عنها، والطريف الملفت، بأنّه حتى مليشيا "لا نظاميّة" مثل حزب الله، تدّخلت في سوريا، بحجّة مقاتلة ومكافحة، "التكفيريّين الإرهابييّن القتلة والمجرمين". وهذا يمثل مفارقة سخيفة. فهذه المليشيا، تقدّم نفسها في السوق الدوليّة، عبر استخدام خطاب الهيمنة، وإيديولجيّة الهيمنة، وذريعة الهيمنة الراهنة، المؤسسّة قانونيّاً على المستوى الدوليّ؛ وهي "الحرب على الإرهاب"، وعبر اللعب على الأرضيّة اللاقانونيّة وفي السوق السوداء ذاتها، التي يتمّ "رعايتها دوليّاً" بوصفها سوق غسيل الأموال السياسيّة، والحالة التي يتمّ فيها تصفيّة "الخارجين على القانون" ب"وسائل لا قانونيّة"، ضروريّة على ما يبدو.
 
 
بعض خصائص تدويل المسألة السوريّة؛ ونزع السياسيّ

إنّه لنمطيّ في نموذج السلميّة الجنيفيّ أنّه جعل من السلام خيالاً قانونيّاً. شمت، مفهوم السياسيّ.

هل كان يمكن أنْ نرى "قوات حفظ سلام دوليّة في سوريا"؟. المشكلة في هذه الحالة ليست في التدخليّة الدوليّة فقط، وفيما إذا كان مبدأ التدخليّة الإنسانيّ ناجع أساساً في تخفيف مستوى العنف في صراع ما، أو إذا ما كان هذه التدخل تدّخل منزوع السياسيّ أو تدخلّ مفرط التسيس بشكل انتقائيّ. المشكلة تكمن في إنّ "قوننة" التدخل الإنسانيّ، و"تجريم" التدخل السياسيّ، بوصفهما مجالين مختلفين متضاديّن؛ هي في جوهرها وصفة لتصاعد العنف اللانظاميّ و"اللاقانونيّ"، الفوضى، في الأقاليم المضطربة. هذا التأسيس يقود إلى تفريغ للقضايا السياسيّة بشكل تفضيليّ من صفتها السياسيّة وتعريفها بوصفها "قضايا إنسانيّة"، تتضمّن مركبين، الأول مركّب يستحق الشفقة فقط، والثانيّة مركّب خارج عن الإنسانيّة أو معادٍ للإنسانيّة.

هذا التنازع حول "الإنسانيّ"، أو من هو الضحية التي تستحق الشفقة، يتضمّن منذ البداية نزع الصفة السياسيّة والوجاهة القانونيّة لقضيّة المعرف ضحيّة، أو يحوّل موقع "الضحيّة" نفسه إلى موقع شاغر معرّف قانونيّاً بتعريف لاحق له، يشغله من لا صفة سياسيّة ولا حليف سياسيّاً له، ومن لا فرصة له لاستحقاق وتحصيل الاعتبار والحليف السياسيّ في السياقات الممكنة تلقائيّاً من دون التدخليّة الدوليّة/الإنسانيّة، المشروطة والمعرفة بشكل لازم بأنّها قانونيّة ولا سياسيّة، بمعنى أنّها قانونيّة تلاحق أعداء لا يشغلون مواقع الضحيّة وفق هذا الفرز المزاجيّ المحكوم بمحددّات سابقة لابدة في أسس النظام الدولي ما بعد الحرب. وتُطالب الضحيّة عبر خطاب مهيمن وملزم واعتباطيّ، بتقديم مستندات تثبت صفة "الضحيّة السلميّة" فيها، وما يبقى من ملامح سياسيّة على هامش ذلك يخصّص له أروقة "المرافعة أمام المنظمّات الدوليّة" عديمة الفاعليّة، التي هي مؤسسات الشفقة على من يشغل موقع الضحيّة فحسب.

منذ البداية، تتكون ملامح أساسيّة لمن هو المقبول قطعاً في "النظام الدوليّ العام"، ومن يمكن المفاوضة على مصيره واعتباره غير ملائم لهذا الزمن أو لتلك الأرض.  لكن هذه الملامح لا تظهر على ساحة المسرح السياسيّ المقونن–الدبلوماسيّ - في هذه الحالة، وإنّما في الباحات السياسيّة الحقيقيّة التي تتنشّأ بشكل مواز لكلّ صراع أو قضيّة، لأنّ السياسيّ لا ينتهي من العالم. وفي الهوامش الحيويّة هذه الباحات تنشط السياسة، اللانظاميّة واللاقانونيّة أشبه بأسواق سوداء.
 
يمكن إذاً تعريف اللانظاميّ، أو اللاقانونيّ، والحروب اللانظاميّة والهجينة؛ بأنّها الممارسة للسياسيّ المشوَّه أو المكبوت من أثر التدخليّة أحاديّة القطب، إمبرياليّة الطابع بعد نزع مبدأ حقّ الاحتلال [بتبعاته السياسيّة – القانونيّة] من القانون والعرف الدوليّ [إمبرياليّة بدون التزامات الاحتلال الاستعماريّ]، فهو في هذه الحالة لا نظاميّ ولا قانونيّ فقط من جهة محددّة، وبشكل انتقائيّ. إنّ اللانظاميّة والهجنة هي فوضى تنكّس وتشوّه السياسيّ.  موقع الضحيّة يشغله أو يمكن أن يشغله، ضحايا الحرب، أي ضحايا كلّ الأطراف، وموقع مجرمي الحرب أو مرتكبي الجرائم ضد الإنسانيّة، تشغله أو يمكن أن تشغله شخصيّات أو مجموعات أو منظمّات كلّ الأطراف. ويبدو هذا التركيب، مشوقاً في ظاهره، ولكنّه يحمل في باطنه، حملاً خبيثاً. إنّه لا يعرف الصراع تعريفاً سياسيّاً إلّا في معنى ضيّق ومعتّل، وبالتالي، فهو ينزع عن الأطراف الأحقيّة والأهليّة السياسيّة المتساوية لتعريف قضيّتهم بأنّها قضيّة سياسيّة أوّلاً وأخيراً، وبالتالي الأحقيّة والقانونيّة والأهليّة والإمكانيّة لإعلان الحرب وتكوين الحلفاء، حلفاء الحرب.

إنّ نزع السياسيّ إعاقة تكوّن أحلاف سياسيّة وحربيّة تكوناً تلقائيّاً أو مضبوطاً كاستجابة للصراعات وللحروب التي ستحدث حكماً. وهو إعاقة تدافع الناس تدافعاً يمنع فساد الأرض. فهو بهذا المعنى يمنع الضعفاء والضحايا من استمداد حقّ المقاومة/الحرب من شرط النظام غير العادل بشكل أساسيّ. فيتيح للأقوياء مواصلة تضخيم اللاعدالة الأساسيّة في النظام بشكلٍ متمادٍ.  وهنا، يتمّ في واقع الأمر، حرمان الضحيّة، فتبقى ضحيّةً، من حقها في الدفاع عن نفسها، عبر تكتيكيّ الدفاع والهجوم. وهنا كذلك الأمر، أعني في هذا السياق، وفي سياقات الصراع العنفيّة وغير العنفيّة، يتم تحديد من هو الخارج على الإنسانيّة تحديداً لاحقاً استنسابيّاً، أي لاحقٍ لنزع السياسة عن الصراع، ولاحق على جوهر القضيّة التي تفجرّ على إثرها الصراع، الحرب. أي في "ظروف التوحش" أو من "ظروف التوحش"، بحسب تعبيرات الجهاديّين، يتم تحديد من هو "عدوّ الإنسانيّة"، والذي يجب إبادته إبادة تامّة، وهو في هذه الحالة، وبالتعريف، الخارج على "قواعد اللعبة"، والخارج على "إنسانيّة" الدول العظمى التي تحدد، وتحتكر حقّ وشرعيّة وأهليّة تحديد، مواقع المجرم والضحيّة، بشكل منفصل عن السياسيّ، وتحتكر "قانونيّة إعلان الحرب".

ويتمّ تحديد من هو الذي لا صفة سياسية قائمة له بذاته، أو لا يتمكن من تقديم مشروعه السياسيّ،والعمل عليه وفق ممكنات الحلف والحرب الملغاة بسبب هذه التدخليّة الدوليّة النازعة للسياسيّ، وللإنسانيّ في العمق. هذا يعنيّ عمليّاً بأنّه فقط المقبول دوليّاً، بمعنى ينتمي ويحترم قواعد اللعبة، أو المندمج في الحالة الدوليّة، ويكون كفؤاً، أي القويّ نسبيّاً والمقبول بقوّته وفق تنميطات تفضيليّة، والذي بالضرورة يمتلك الأدوات والتقنيّات والعملاء والأساليب والخدع والمكائد،  للعب في الباحات "اللانظاميّة" و"اللاقانونيّة"، وفي الأسواق السياسيّة السوداء، الضروريّة على ما يبدو لشرعنة وطبعنة استمرار الحالة الدوليّة، أو الوضع الدولي القائم، على ما هو عليه. الضعيف يبقى ضعيفاً، ويُمنع على نحو منهجيّ، حتى حين تتوفر له الإمكانيّة، ويحوز في مجاله المشروعيّة والشرعيّة؛ يُمنع من أنْ يخرج من حالة ضعفه، حيث يلزم فقط بشغل موقع الضحيّة، وتحويل قضيّته السياسيّة، إلى مؤسسّات الشفقة، وإلى منتديات عمليّات التفاوض الأبديّ.  والقويّ، يبقى قويّاً، وفي سياق معيّن وغزير، يصبح دوماً أكثر لا نظاميّة وأكثر هجينيّة، فيما يتعلق بالسياسيّ والحربيّ.
 
تفيد العبارة الفقهيّة التقليديّة بـ"أنّ احترام القانون الدوليّ العام هو أمر اتفاقيّ والتزاميّ، نادراً ما يعاقب على خرقه". فمبدأ التدّخل الإنسانيّ، أيّاً كان الموقف منه، ليس مبدأً  مطلقاً بطبيعة الحال، أي أنّ التقييدات التي تحول دونه ليست تقييدات تقنيّة أو لوجستيّة فحسب، أو معقوقّات سياسيّة أو اقتصاديّة داخليّة أو خارجيّة. وإنّما تقييدات مترجمة ومعبر عنها أيضاً بمبادئ أو أعراف أو قوانين دوليّة إشكاليّة أساساً. لقد ظلّ مبدءا عدم التدّخل المستمدّ من السيادة واحترام السيادة المطلقة للدولة، ومبدأ توازن القوى، على سبيل المثال؛ عرضة للتفعيل والتعطيل الظرفيّ والاستنسابيّ في الحالة الأوربيّة في الحداثة المبكرّة. وللمرء دوماً أن يجادل نظريّاً بأنّ قانوناً أو مبدءاً يُخرق أفضل من عدم وجوده. لكن، كما قدمّت أعلاه، فإنّ محاذير التدّخل المترجمة في مفاهيم السيادة، توظّف هي الأخرى بدورها، في مشاريع الهيمنة، طالما أنّ السيادة مفهوم سياسيّ،أو يتناول عادة انتقائيّاً على أنّه مفهوم سياسيّ تم قوننته - مع اسقاط الجوانب السسيواقتصاديّة والجوانب الأخلاقيّة والإنسانيّة المتعلّقة فعليّاً بهذا الأمر-  خاضع بدوره منذ البداية لمحددّات وشروط تتعلق بموازين الدول على المسرحين الإقليميّ والدوليّ.  في سوريا بُرر "انتهاك السيادة" بحماية هذه "السيادة" من "التدخل الإنسانيّ".

وإذ كان من قبل مبدأ عدم التدخل محترماً إلّا من اختراقات تشكل حالة الاستثناء، فإنّ نهاية الحرب الباردة، و"التدخل الإنسانيّ"، الذي تقدمتّه القوى الغربيّة في كوسوفو وتيمور الشرقيّة،وغير مكان، قد استقبل روسيًّأ على نحو خاص بوصفه انتهاكاً يتواتر ويصير اعتياديّاً لسيادة الدول. وتفاقم هذا الأمر بعد احتلال العراق الذي أرادت فيه إدارة بوش فرض مبدأ التدّخل منفردةً، وإقراره كأمر واقع يتم تدويله عبر إجماع واسع خارج أروقة المؤسسّات الدوليّة، مجلس الأمن. ومن هنا، فهمت روسيا أنّ ثورات العالم العربيّ هي مجرّد نفوذ غربيّ، وشعرت بأنّها خدعت في ليبيا حيث أقرّ  "التدخل الإنسانيّ". فعرقلت هي بدورها على إثر ذلك، بحجّة  وذريعة واضحة ومعلنة ومتكررة، كما أسلفت، صدور أيّ قرار يخصّ سوريا؛ وهي ذريعة صيانة مبدأ السيادة. ولقد ذهبت كلّ من روسيا وإيران مذهباً غريباً ومسفّاً وإجراميًّا في صيانة هذا المبدأ. 
 
 
تعقيب في الختام
 
حاولت مقالتي موظفةً بشكل أساسيّ النقد والمفهوم الشيمتي للسياسيّ والحربيّ النظر في جوانب عدّة للحرب في سوريا، أو بالأحرى، بالمسألة في سوريا منذ اندلاع ثورة 2011. وأعتقد بأنّي تمكنّت إلى حدّ ما في الإشارة للمواضع الإشكاليّة التي تتعلق بما أراه، ويراه غيري من كتّاب سوريّين، نزع السياسيّ عن هذه القضيّة الجلل. ولكن الإضافة التي حاولت الإحاطة بجوانب مختلفة منها، ولا أدري أحالفني النجاح في ذلك أم لا، هي توضيح إشكاليّة نزع السياسيّ من الحرب، والحربيّ من السياسيّ، وتفشيّ اللانظاميّة والهجنة في العمل الحربيّ نتيجة لذلك. إذ يمكن تمييز نمطين طرفين مختلفين للحرب: (1) الكلاسيكيّ الدولتيّ في سياقه وزمنه السياسيّ القانونيّ، و(2) الحرب اللانظاميّة والهجينة غير الدولتيّة في سياق وزمن مختلف، وبينهما أشكال متداخلة وهجينة تزداد ضراوة وشيوعاً، وتهيمن كما يلاحظ كثيرون على العمل الحربيّ منذ مدّة، لا سيما بعد نهاية الحرب الباردة _دون إقامة مفاضلة مبدئيّاً.

وتمييز نمطين طرفين لــ اللانظاميّة والهجنة، بينهما تداخل وتشابه من حيث البنى والوظائف؛(1) الإرتزاقي التعاقديّ البحت والذي يتمثل في الشركات الأمنيّة، و(2) العقائديّ البحت [إثنيّ أو عرقيّ أو مذهبيّ الأرضيّة]. بوصف هذه اللانظاميّة والهجنة السوق السوداء لممارسة الأعمال الأمنيّة والقتاليّة شبه الحربيّة بالمفهوم الكلاسيكيّ للحرب، من قبل تلك الدول التي تتهدد مصالحها بطريقة أو بأخرى، أو تفهم أن مصالحها وأمنها مهدد، ولكنْ يحول بينها وبين "إعلان الحرب" بوصفه حقّاً وإجراءاً سياسيّاً قانونيّاً نظام وقانون دوليّ تحتكر تفسيره وتطبيقه أوليغارشيا حاكمة عالميّة بذريعة صيانة هذا القانون وهذا النظام. وهذا برأيي، أدى إلى تخلخل أو انهيار البنى والأنظمة الإقليميّة حيثما اشتعل صراع وحرب أو اندلعت ثورة.
 
كراهة الحرب أو كراهة العنف واستنكارهما من حيث المبدأ، كمقابل لتمجيد السلميّ وثقافة الحوار ومبادئ التفاوض؛ لم يكن، وليس هو [فقط] محصلة فلسفات أو مذاهب سياسيّة كالتي على السنن الليبراليّة. وإنّما هو في الوجه الآخر له خطاب هيمنة وخطاب قوّة ممأسس في النظام الدوليّ الحديث ومؤسس تأسيساً قانونيّاً -سياسيّاً. في الأوضاع السابقة لعصبة الأمم لذلك كان [الحق في الحرب] و[الحق في السلام] و[قانون الحرب] و[القانون في الحرب] تنظم العداوة والصراع في السياسيّ، وكان يمكن الحديث عن الحروب بين متساويي الكرامة والأهليّة والحقّ للحرب من حيث المبدأ، وكانت الحروب جزءاً من الوجود الاجتماعيّ الطبيعي، ليس المطبعن، وإنّما الطبيعيّ. تتّم اليوم معاملة "الأمم المستضعفة"، على نحو تميزيّ كأمم طائشة وعنيفة ولا عقلانيّة فيما يتعلّق بقضايا وصراعتها السياسيّة والاجتماعيّة أو انقساماتها الإثنيّة والاقتصاديّة، حيث يتمّ إنكار وجاهة وعظمة هذه القضايا وغنى جوانبها، واختزالها إلى الشفقة أو الوعظ أو فرض الوصاية على فهم وتشخيص هذه القضايا وحلولها عبر هيئات خبراء دوليّين ومحليّين، أو التعامل معها فقط من جهة كونها مجرد تعكير للصفو العالميّ وللأم المتقدّمة وللسلم العالميّ [منتجة أو مصدرّة للإرهاب وما إلى هذا].

من جانب ثمّة أزمة الدولة في الأمم المستضعفة التي يبدو انسانها عارياً أمام النظام الدوليّ وأمام السلطة في بلده، ويبدو [لذلك] يمارس عنفاً غير سياسيّ، لأنّه عنف [يُستقبل على هذا النحو] غير منظم أو غير "معقلن" أو غير مجد أو غير ملائم للذوق السائد. ومن جانب آخر ثمّة كما أسلفنا "خطاب هيمنة" إمبرياليّ المنشأ مؤسس قانونياً وسياسياً، يصنف أي حرب لا تشنها القوة ألامبرياليّة الكبرى [وربّما الوسطى] بوصفها خروقاً للقانون وجرائم وانتهاكات. وهذا الموقف الكاره أو المستنكر أو المزدري للمقاومة والحرب، والنظر لهما كـ"جرائم غير مجدية"، يتغلغل في النخب السياسيّة والثقافيّة العربيّة، والعالمثالثيّة، ولا يتوقف ذلك على الحالة الفلسطينيّة وكفاح الفلسطينيّن، والتي يمكن تفسيرها بهيمنة اللوبيّات الصهيونيّة في العواصم ذات القرار [بما فيها موسكو]، بل يمتد بشكل مبهم الحدود لحالات مختلفة، مثل نشوء مقاومة السوريّين ضد "دولة الأسد"؛دولة الأسد أعلنت حرباً شاملة، لا ضد أعداء سياسيّين -وبالطبع هي لم تتعامل أساساً مع الأمر كانتفاضة شعبيّة يجب أن تحلّ دستوريا [منذ البداية] وليس الآن- وإنّما ضد مجرمين وإرهابيين وخارجين على "الدولة السوريّة"، وعلى "القانون الدوليّ"، وهذا الأخير صار لاحقاً محلّ اتفاق دوليّ كما فصّلت، وهو محلّ اتفاق رخيص مع الدعاية الأسديّة والإيرانيّة، ولاحقاً الروسيّة، حول طبيعة المسألة السوريّة بعامّة ومنذ البداية.

مواد أخرى لـ طارق العلي

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.