الإسلاميون السوريون وضرورات القطيعة مع خطاب الجهاديين الشعبوي

26 آذار/مارس 2017
 

منذ بروز "التنظيمات الجهادية" الراديكالية في المشهد السوري، والمحسوبة على جماعة "القاعدة" وأخواتها، باتت ثورة السوريين، بعد عامها الأول، في وضع مختلف في طبيعتها ومظاهرها ومقولاتها السياسية.
ومعلوم أن هذه الجماعات لم تقبل الانضواء فقط في أي من أطر الثورة، السياسية أو العسكرية، وإنما هي، من الأصل، لم تحسب نفسها على هذه الثورة، إذ إن أجندتها تفيض عن الوطن والشعب السوريين، وحتى إذا كان ثمة بينها من يحسب حاله على الجهد الرامي لإسقاط النظام( كما في حال جبهة النصرة)، فإنه يميّز نفسه بادعاء مقاصد أخرى، لا علاقة لها بمطالب السوريين حول الحرية والكرامة والمساواة والديمقراطية، والتي تضمّنتها الوثائق التأسيسية للمجلس الوطني ثم للائتلاف الوطني، وحتى "وثيقة العهد والميثاق" التي أصدرتها جماعة "الإخوان" (آذار/ مارس 2012).

والحال فقد ساهمت هذه الجماعات، بالإضافة الى عوامل أخرى نحو تطييف الثورة السورية، وتغليب العسكرة، وتبني خطط عسكرية غير مدروسة، بما يفوق قدرة السوريين، أو البيئات الشعبية الحاضنة للثورة، على التحمّل، وبما يرضي أهواء الموظّفين أو المموّلين أو الداعمين. وإلى هذا وذاك فهذه الجماعات حاولت طبع الثورة بطابعها "الديني" والطائفي المتشدّد، والغريب عن طبيعة المجتمع السوري، بوسائل القسر والإرغام وليس بالرضا والإقناع، وبواقع هيمنتها العسكرية والقمعية وليس بسبب النموذج الذي حاولته في المناطق "المحرّرة".

المشكلة الأساسية في منشأ هذه الجماعات أنها حقاً بمثابة نبت غريب عن البيئة الشعبية السورية، في الفكر والبنية والإمكانات، بدليل أن معظم قادة هذه الجماعات من المقاتلين العرب والأجانب، وهذا يشمل الأفراد الذين يشكّلون الحلقات الصلبة فيها. طبعاً، هذا لا ينفي أنه بات ثمة سوريون في هذه الجماعة أو تلك، لكن وجود هؤلاء ليس أصيلاً، وإنما هو لاحق لوجود هذه الجماعات. وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى ما باتت تختبره البيئات الشعبية السورية الخاضعة للنظام، أو الخاضعة لهيمنة هذه الجماعات المسلحة. فمع التقدير الكبير للباحثين المتبحّرين في أصول منظمة "القاعدة" وتاريخها، وأخواتها كـ "داعش" و "النصرة"، وتطور فكرها، الفقهي أو السياسي، فمن السذاجة بمكان اختزال القضية على هذا النحو. ومعلوم أن تنظيم "القاعدة" نفسه لم يتأسّس على الفكر فقط، وإنما قام ونما وتوسع بفضل تدفق تمويلات مالية وإمدادات تسلح وتسهيلات استخباراتية ودولتية هائلة. ثم إن تنظيم "القاعدة" لم يعد هو ذاته إذ بات "قواعد"، تبعاً لجهات التمويل والتوظيف والإسناد.

وعليه، فإذا كان يحق لنا أن نتساءل ما إذا كان بإمكان "القاعدة" (أو "طالبان") أن يفرض حاله في المشهد الأفغاني، بمعزل عن صراعات الحرب الباردة، وعن دعم الدول العربية النفطية والولايات المتحدة وتسهيلاتها، فإنه يحق لنا أن نتساءل، بالمثل، عن إمكان بروز الجماعات الجهادية في المشهد السوري من دون الدعم والتسهيل من دول عربية وإقليمية، ما يفرض علينا أن نبحث في أجندة الدول وأدراج مكاتب استخباراتها قبل البحث في الكتب و "الفتاوى" والمساجد.

 لذا ربما كان الأجدى التأنّي كثيراً في شأن إحالة ظهور الجماعات الجهادية إلى البيئات الشعبية في سورية، المعروفة بتديّنها المعتدل، أي غير السياسي، أو إلى الحركات الإسلامية العاملة فيها، سواء في المدن أو في الأرياف، لأن هذه لم تنتج جماعات وازنة في هذا الاتجاه، وبالأخص على هذا المقدار الذي نراه من الفاعلية والنفوذ، وفي هذا المدى الزمني القصير.

ولعل من المفيد، في هذا السياق، التذكير بأن هذه الجماعات لم تظهر إلا بعد اندلاع ثورة السوريين بأشهر عدة، وأنها لم تنشط ولم تنمُ إلى هذه الدرجة، إلا في المناطق "المحررة". بل إن هذه الجماعات، فوق ما تقدم، لم تظهر بصفتها صاحبة نظرية في الإسلام، أو في السياسة، ولم تكشف عن وجود منظرين بين ظهرانيها، مثلاً، أو عن أدبيات تبين فيها آراءها الفقهية ومحاجّاتها النظرية مع الفرق الإسلامية الأخرى. لذا، فإن القضية لا علاقة لها باطلاع الإسلاميين السوريين، الجهاديين أو غير الجهاديين، على كتب ابن تيمية، أو أبو الأعلى المودودي أو سيد قطب، وتفسير هذه الظاهرة على هذا الأساس لا علاقة له بالواقع، على الأرجح، بمقدار علاقته باستنتاجات بعض المثقفين والباحثين فقط، بدليل أن الأطروحات النظرية والممارسات العملية لهذه الجماعات على الأرض، وفي المجتمع، تنمّ عن سذاجة وتهور، كما عن جهل ومزاجية، أكثر من أي شيء آخر.

وباختصار، فهذه الجماعات لم تظهر قط باعتبارها نتاجاً للمجادلات، أو للحراكات الفكرية والسياسية في إطار الجماعات الإسلامية في سورية، أو كتعبير عن التديّن الريفي أو عن ترييف الدين، لأن المسألة ليست على هذا النحو، لا بالنسبة للريف ولا بالنسبة للظاهرة ذاتها. فالريف في سورية أرياف تبعاً لتنوع المجتمع، وإذا استثنينا الشرق والشمال الشرقي، فإن الأرياف أشبه بمدن صغرى، بمقدار ما أن المدن بمثابة أرياف كبيرة، لكن مع شبكات طرق وكتل معمارية إسمنتية، ومظاهر مدنية استهلاكية وخدمية. وهذا من دون نفي وجود سلفية في سورية، هي في غالبيتها السائدة مجرد سلفية دعوية ومعتدلة.

في المحصلة، وبنتيجة تجربة سنوات عديدة، اتّضح أن هذه الجماعات أثقلت على السوريين كثيراً، إذ غيّرت صورة ثورتهم إزاء أنفسهم وإزاء العالم، وبدت بمثابة عامل تفتيت في المجتمع، لا عامل إجماع فيه، وعامل هدم لا عامل بناء، وعامل نكوص لا عامل تقدم، بحيث إن النظام استثمر فيها، وليس فقط في "داعش"، إن باختراقاته لها أو من دون ذلك، أي عبر استخدام خطاباتها وممارساتها لتقويض صدقية ثورة السوريين، وإظهارها بمظهر الإرهاب والحرب الطائفية.

ورغم أنه في الآونة الأخيرة فقط، أي بعد ستة أعوام على اندلاع الثورة، اتجهت فجأة معظم فصائل المعارضة السورية، السياسية والعسكرية والمدنية، نحو مراجعة موقفها من "جبهة فتح الشام" (جبهة النصرة سابقا)، بل والدعوة إلى القطيعة معها (كما جاء في بيان للائتلاف)، والتهديد حتى بمحاربتها إن لم تتجه نحو تغيير نهجها وممارساتها (كما جاء في بيان لبعض الفصائل العسكرية، وفي البيان الصادر عن مجموعة من رجال الدين، على رأسهم الشيخ أسامة الرفاعي، رئيس المجلس الإسلامي السوري.

مشكلة هذه المراجعة، أولاً، على ضرورتها وأهميتها، أنها أتت متأخّرة جداً، علماً أن هذه الجبهة، كما ذكرنا، لم تعترف يوما بالثورة، ولا بمقاصدها، المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، بل إنها ناهضتها العداء، وعملت بوسائل القوة والقسر على فرض رؤيتها الخاصة للدين على مجتمعات السوريين، في بعض المناطق "المحرّرة" التي سيطرت عليها، كما على إزاحة جماعات "الجيش الحر" من المشهد. وباختصار فإن هذه الجبهة، التي تعتبر "القاعدة" بمثابة مرجعية لها، والتي شكلت توأماً لتنظيم "داعش"، من نواحي عديدة، أضرّت بإجماعات السوريين وبثورتهم، وبالتعاطف الدولي معهم، منذ صعودها في المشهد السوري، بأطروحاتها المتطرفة، الدينية والطائفية والعنفية.

ثانياً، جاءت هذه المراجعة جزئية ومحدودة ومشوبة بالشبهات، لأن بعض الفصائل في حقيقة الأمر مازالت تتبنى نفس أطروحات "جبهة النصرة"، ولأن هذا التحول حصل أصلاً نتيجة ضغوط خارجية، ومع انهيار الفصائل في حلب، وبناءً على التوافق التركي ـ الروسي، وبدفع من المفاوضات التي انطلقت في أستانة، أي أنه لم يأت نتيجة قناعة ذاتية من تلك الفصائل بضرر هذه الجبهة، أو كنتيجة لرؤيتها لمصلحة الشعب السوري، أو كنتيجة لمراجعتها أفكارها.

ثالثاً، يتبيّن من ذلك أن التيارات الإسلامية، على تنوّعها، متردّدة أو غير حاسمة، إذ رغم أنها أضحت تبرّر أو تفتي بقتال "جبهة النصرة"، إلا أنها لا تذهب في قطيعتها معها (وحتى مع "داعش") إلى حد تفنيد ادّعاءاتها التي تتغطّى بالدين لفرض هيمنتها وتبرير انتهاجها القسر والإرهاب، مثل الدعوة إلى الجهاد، أو تطبيق الحدود، أو الحكم باسم الشريعة، أو الحاكمية، وغيرها من الأحكام التي تذهب حدّ تكفير المجتمع، وادّعاء احتكار تمثيل الإسلام، والوصاية على المسلمين. هكذا ظلّت ردود فعل التيارات الاسلامية، التي تقدم نفسها باعتبارها مدنية ومعتدلة، على الجماعات الإرهابية، التي تتغطّى بالإسلام، محدودة، ومضبوطة، في مجرد معارضة، أو إدانة ممارساتها، باعتبارها ليست من الإسلام، وتضر الاسلام والمسلمين، وأحيانا بإحالتها إلى أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتاريخية، وضمنه تحميل مسؤوليتها لأنظمة الاستبداد. بيد أن ذلك كله، وهو صحيح، لا يشكل إلا الحد الأدنى المطلوب أخلاقياً ومعرفياً وسياسياً، إلا أنه لا يكفي ولا يصل إلى جوهر المشكلة.

السؤال هنا يتعلق بشكل خاص بمسؤولية التيار الإسلامي الأعرض والأقدم، أي جماعة "الإخوان المسلمين" في سوريا ومصر والأردن وفلسطين، التي من المفترض أنها الأكثر تضرّراً من صعود "داعش"، إذ لا يوجد، حتى الآن، جهد نقدي لهذه الظاهرة، لتفنيد وجهات نظرها. ومثلاً، فإن فكرة "الخلافة" تم رفضها باعتبارها خطوة متسرّعة، كما جرى نقد ما اعتبر سلوكيات "داعش" و"النصرة"، ونقد الإعدامات الوحشية التي نفذّت، واقتتال الجماعات الإسلامية المسلحة مع بعضها، لكن هذا النقد لم يصل دحض فكرة الخلافة، واعتبارها مجرد اجتهاد بشري وتاريخي، ولا إلى دحض فكرة تطبيق الحدود، أو فكرة الحاكمية لله، وحكم الشريعة، وغيرها من الادعاءات التي تجعل حفنة من البشر تدعي بأنها وكيلة عن الله في حكم بشر آخرين، وفي منحهم الحياة أو الموت. وتكمن مشكلة جماعة الإخوان السوريين، في نقدها لـ “داعش"، في عدم تمسّكها بوثيقتها لـ"العهد والميثاق" (آذار 2012)، أيضاً، التي أكدت فيها التزامها بدولة القانون المدنية الديمقراطية، وبالحرية والمساواة للمواطنين، دون أن تحولها إلى ثقافة عامة في أوساطها. إذ كان من شأن ذلك تقديم صورة أخرى عن تيار إسلامي متكيّف مع الواقع والعصر، والإسهام في قطع الطريق على "داعش"، أو عزلها على الأقل، بدلاً من السكوت عنها.

رابعاً، مشكلة هذه المراجعة أنها تغفل، سهواً أو عمداً، حقيقة مفادها أن صعود هذه الجماعة أو تلك، ليس منعزلاً عن المداخلات، وبالأحرى التسهيلات، من الأطراف الفاعلة في الإقليم، بواقع التوظيفات المتضاربة لهذه الجماعات من أكثر من طرف، والتي تستجيب لها، أو تتواطأ معها، تلك الجماعات ببراغماتية لافتة، ما يثير التخوّف من إمكان أن تكون المراجعة الحاصلة جزئية وآنية. والقصد هنا أن ظاهرة "داعش" و"النصرة"، وأخواتهما، ليست نتاجاً خالصاً للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتردية في المشرق العربي فقط، بدليل أنها غير متصالحة مع البيئات الشعبية التي تتواجد بين ظهرانيها، وأنها تحاول فرض ذاتها بالقوة والإكراه والرعب حيث وجدت، وإنما هي أيضاً وليدة واقع الحرمان من السياسة، ومن الحياة الحزبية، وسيادة الاستبداد في حقبة ما بعد الاستقلال في سوريا والعراق، أي أنها نتاج تخلف الحركة السياسية العربية بكل تياراتها، علمانية كانت أو إسلامية، وفوق هذا كله فهي نتاج المداخلات الخبيثة، الدولية والإقليمية والعربية، أكثر من كونها نتيجة حراكات في إطار التيارات الإسلامية أو في قلب المجتمعات العربية.

عموماً فإن القول بغربة الجماعات الجهادية الراديكالية والتكفيرية والعنيفة، واعتبارها جماعات مصطنعة، لا يعني الاستخفاف بما تحدثه من تغييرات في إدراكات السوريين، وفي طبيعة ثورتهم. فالظواهر المصطنعة يمكن أن تعيد إنتاج ذاتها في الواقع الذي تعمل فيه، بحيث تصبح جزءاً منه، يكيّفها وتكيّفه معها، ما يمكن ملاحظته، مثلاً، في انكفاء "الإخوان"، والجماعات الإسلامية الأخرى، لمصلحة صعود جماعات السلفية الجهادية، وفي محاولة تكيّف بعض البيئات الشعبية معها. وربما يجدر التنويه هنا إلى أن الحديث عن صعود ظاهرة الجماعات الإسلامية الراديكالية والمسلحة في مجتمعات المشرق العربي، لاسيما مع "الربيع العربي"، يشمل الجماعات الإسلامية "الشيعية"، الطائفية والمسلحة (من اليمن إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا) التي تشتغل في خدمة النفوذ الإقليمي لإيران، والتي شكّل وجودها وما ارتكبته من مذابح يومية، أهم حوافز صعود الجماعات "السنية" المسلحة؛ التي استهدفت مجتمعات "السنّة" (إن جاز التعبير) أكثر من غيرها.

قصارى القول، بات يصعب تخيّل مستقبل دول المشرق العربي (بخاصة سوريا والعراق ولبنان) دون معرفة مآلات هذه الظاهرة، أو دون التخلص منها نهائياً، هذا من جهة. من جهة أخرى فإن ما يلفت الانتباه أن صعود هذه الظاهرة أثّر سلباً على تيارات الإسلام السياسي التقليدي أو المدني أو المعتدل، على شرعيتها ودورها ومكانتها، خاصة تلك المتمثلة في جماعة "الإخوان المسلمـين"، سيما أن هذه التيارات لم تكن حاسمة، إلى درجـة كافية، في مواقفها ضد هذه الجماعات (كما أوضحنا)، لا على الصعيد النظري ولا على الصعيد العملي، إذ هي لم تصل إلى حد التبرّؤ منها، وإدانتها، وعزلها. هذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد أن ثمة شوط كبير بات على هذه التيارات قطعه لإعادة الاعتبار لذاتها، كتيارات سياسية شرعية، بعد الانتهاء من الظواهر المتطرفة.
ماجد كيالي

كاتب سياسي فلسطيني / سوري، عمل في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية والإعلام الفلسطيني، له العديد من المقالات والدراسات السياسية والكتب.

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top