Print this page

تسوية الصراع السوري عن طريق المفاوضات: تعديل داخل البنية

09 أيلول/سبتمبر 2016
 
 أضافت التجربة الفلسطينية إلى نظرية المفاوضات فهماً مغايراً يتعين معه تعميق الوعي بحقيقة تجريبية، ألا وهي أن توسل مقاربة المفاوضات لتسوية الصراعات بالطرق السلمية يمثل استمراريةً لا قطيعة مع بنية العلاقات بين الخصوم. معرفيًاً تنبهت جياتري سييفاك إلى حدود التغيير في التفاوض المعرفي عندما قالت: "كل ما أعنيه بالتفاوض هنا هو أن يحاول المرء تعديل شيء فُرض عليه. لأنه مرغمٌ على الإبقاء على تلك البنيات ولا يستطيع قطعها تماماً"[1].
ولئن كانت سييفاك تشير إلى التفاوض المعرفي الذي ينطلق من اتباع أكثر من منهج واحد، نسوية وماركسية وتفكيكية، غير أن ما أشارت إليه يمكن نقله من الحقل المعرفي إلى حقل الصراعات السياسية. والمعنى أن التفاوض يُبقي على تلك البنيات التي تنتج وتعيد إنتاج المشكلات. بمعنى آخ، التفاوض هو تعديلٌ لا قطيعة، تعديل لا يطال البنية، وبالتالي فهو يُرسخ التوازنات السياسية القائمة دون القطع مع البنية التي أنتجتها.

وعليه يكرس القول بالتفاوض أوضاعاً ناتجة عن الصراع، ويميل إلى المحافظة عليها. لهذا ينزع التفاوض بحكم منطق اشتغاله إلى النظرة المحافظة الأفق.

يرمي هذا المقال إلى تناول التجربة التفاوضية الفلسطينية[2]، وتبيان حدود التغيير الذي أحدثته في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، فضلًا عما كشفته من حقائق يمكن تطبيقها في سياقات أخرى. فبالرغم من اختلاف السياق الفلسطيني عن نظيره السوري، يمكن القول أن ثمة نظرية عامة في المفاوضات تنطلق من مقولات وقضايا مجردة وعامة تشكل نسقاً معرفياً يقود إلى بناء عدد من الاستنتاجات، تثبت صحتُها بحجةٍ ودليل أو برهان وتَدعمها معطيات الملاحظة والمشاهدة، وبالتالي يبرر هذا تطبيقها في سياقات مختلفة.


وعليه سيجري تناول التجربة السورية كسياقٍ آخر تمتد إليه ما توصلت إليه التجربة الفلسطينية. وفي هذا السياق، يقارب البعض مآل الثورة السورية بالثورة الفلسطينية. فما تطرحه الأخيرة من إشكاليات هي ذاتها تُطلُّ اليوم برأسها من جديد على الثورة السورية: التدخلات الإقليمية، موقع القانون والمجتمع الدوليين، الحماية الدولية، استراتيجيات وأدوات المقاومة وأشكالها، البدائل السياسية والسياسة الثورية، مدى الحاجة إلى فاعل سياسي جديد، مصادر القوة، الأطر التنظيمية، سياسات التمثيل، وأخيراً وليس آخراً، سؤال الجغرافيا السياسية وموقع إسرائيل في كلا الثورتين.
  
وعليه، لا غرو أن الثورة السورية باتت "أشبه ما يمكن بالحالة الفلسطينية" كما يقول البعض. فمن اللافت حقًا أن الحالة السورية كحالة ما بعد استعمارية[3] تطرح نفس الإشكاليات وتصل إلى نفس مآل الحالة الاستعمارية الفلسطينية. ليس ذلك فحسب، فاستعصاء التغيير السياسي وإخفاقات قوى التغيير في حِقبة "الثورات العربية" ووصولها إلى منعرجٍ بائس كما هو مآل الحالة الفلسطينية في مواجهة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، هذا الشبه في الإشكال والمآل ليس اعتباطاً، ويجب الإنصات له، إذ يُبين إلى أي حد أن السياق الاستعماري (فلسطين) غير منبت الصلة عن سياق ما بعد الاستعمار "ثورات الربيع العربي"، وأن ما بعد الاستعمار ليس نهاية الاستعمار والإمبريالية بقدر ما هو استمرارٌ له، وأن أهم المشكلات التي تفرض نفسها على قوى التغيير في العالم العربي تعتبر امتداداً للحقبة الاستعمارية، ما يؤكد على وحدة المصير المشترك للمنطقة، وأن مسار التحرير ما زال مفتوحاً على مصراعيه.

ما يزال البراديغم الاستعماري يواصل فعله كعاملٍ مركزي في بلورة وتصميم المنطقة حتى بعد انهيار الدول الاستعمارية الكلاسيكية، من غير إسقاط المسؤولية المحلية عن الأوضاع المزرية التي تعيشها المنطقة، فالمتواطئ المحلي مكوِّنٌ رئيس من منظومة السيطرة الاستعمارية. والقصد تبيان أن التبعية والاستغلال والإمبريالية وفقدان السيادة الرمزية والمعنوية، تُذيب الحدود بين الحالة الاستعمارية وما بعدها: تمفصل المحلي والكوني، والضغوط الجيو – استراتيجية على علاقات القوة المحلية، ما يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا مما هو متصور. وذلك يستدعي الحاجة إلى استئناف سؤال التحرر من جديد. ذاك السؤال المحجوب بوهم الاستقلال الوطني، بعد أن انزوى السؤال معرفياً من الأدبيات السياسية، وبالتالي ضرورة وصل المنتج المعرفي والمشاريع التنموية بالوظيفة الكفاحية، عوض استبطان التنمية النيوليبرالية في سياق التطور الرأسمالي التابع.

 على ضوء ذلك تُختبر صلاحية تقنيات المقاومة في مواجهة علاقات القهر، والتحرر من علاقات الاضطهاد وهياكل القوة الاستعمارية وما بعدها. ومن هنا التساؤل: إلى أي مدى يمثل التفاوض مع الأنظمة المستبدة بعد الاستعمارية فعاليةً لإنتاج بديلٍ سياسيٍ ثوري ويؤسس لسلطةٍ ودستورٍ بديلين؟

اللغة والسياق الثوري

قد يكون الدافع للتفاوض خفوت الحافز الثوري وتسرب الهشاشة إلى همم القوى الثورية، وقد يكون بسبب فقدان الأمل في التغيير الجذري، أو بسبب الفشل في إنتاج توازن قوى قادر على إسقاط النظام وإنشاء سيادة بديلة، وأقلهُ إجبار النظام على تحقيق إصلاحات جدية. غير أن للمفاوضات مفرداتها التي ما تلبث أن تحتل الفضاء العام معلنةً عن بداية جديدة. اللغة قوةٌ سياسية، تكمن مفاعليها في إيهام الناس بغدٍ أفضلٍ ممكن. فالوهم ضرورةٌ لتجديد الروح وصناعة الأمل في لحظة جمود وتكلس تضرب قوى التغيير.

 بعد خمس سنوات على الثورة السورية، بدأت تحتل مفردات جديدة مكان السابقة، ما يشي بفعاليةٍ سياسية مختلفة تقطع مع الفعل الثوري وتنقله إلى عتبةٍ أخرى. في البدء كان "إصلاح النظام ودعوته للحوار"، ثم "إسقاط النظام"، والدعوة إلى "مؤتمر دولي شامل" والانتقال إلى مرحلة مفاوضات جنيف.

 لكل مرحلة مفرداتها ومنطقها وأدواتها النضالية. والمراقب لقاموس اللغة السياسية السوري الصاعد إثر الحديث عن التفاوض بين الفاعلين يلحظ صعود لغة "الواقعية"، و"الحل المرحلي" أو "المرحلة الانتقالية"، و"الحوار"، و"الحل السياسي"، والحل "الممكن". والقبول بآليات انتقال وبـ"التوافق" مع السلطة الحاكمة، والتوافق كذلك على "مرجعيات المفاوضات". وتشكيل هيئة حكم "انتقالي" بـ"صلاحيات كاملة" تضم ممثلين عن "المعارضة" وشخصيات من "النظام" ليست ضالعة في "عمليات القتل".
 

بينما ما يزال يعترض النظام السوري وحلفاؤه على تركيبة وفد المعارضة السورية، ومحاولة فرض شخصيات وفصائل "قريبة من تصوراتهم" وذلك للتحكم بمستقبل سوريا ويجري تسويق المفاوضات بين المعارضة والنظام بـ"الفرصة التاريخية" لحلٍ "محتمل" للأزمة. ويرى الفاعلون الكبار أن حل ما يسمى بـ"الأزمة السورية"، يكون عبر "مفاوضات" تنتهي بوضع خطة "واقعية قابلة للتطبيق". وتبدو المعارضة مستعدةً لدعم حلٍ سياسي "واقعي". والجميع بات مهموماً بـ "الحل بطريقة سياسية" وعبر "الحوار والمفاوضات فقط"، الأمر الذي يتطلب تشكيل "حكومة انتقالية" من قبل السوريين أنفسهم يشارك فيها "أعضاء الحكومة السورية الحالية"، وأن حل الأزمة قد يحتاج إلى "سنة كاملة".

تلكم هي المفردات التي بدأت تتسرب إلى الثورة السورية، وهي مفردات تشي بموديل سياسي يُبني كبلاغة ليتحول لاحقًا إلى واقعٍ ملومس. ويبقى السؤال مفتوحاً ما إذا كان هذا التحول يمثل عتبةً تؤسس لتحولٍ جاد يراعي تطلعات الجماعة السورية في التحرر من علاقات القهر وبناء الجماعة الوطنية على أسس جديدة، أم أنه مجرد تحوير على بنية الواقع ذاته الذي ينتج ويعيد إنتاج المشكلات السياسية الذي تسعى الثورة إلى تغييره.

المفاوضات في التجربة الفلسطينية

بالعودة إلى صيرورة الثورة الفلسطينية في السياق الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، نجد أن القول بالمفاوضات كمقاربةٍ سلمية لحل الصراعات يشترط قاموساً سياسياً جديداً يقطع مع قاموس الصراع، بحيث تنسخ القوةُ المرنة الصاعدة القوةَ الخشنة القديمة التي أكل عليها الدهر، وما عادت مناسبةً للمرحلة الجديدة، مرحلة التصالح. حيث التنازل عن الرواية التاريخية للصراع كما تمثَّلها الميثاق الوطني 1968، والتحول إلى المصالحة مع عدوٍ جذري لا يعرف المهادنة، جوهره يقوم على التوسع الإقليمي. وذلك بالانفكاك عن اللغة الثورية والتحول إلى لغة المفاوضات، والتي مهدت لها تحولات عميقة في الثقافة الوطنية الفلسطينية مأخوذة بالتفكير المرحلي والبراغماتية السياسية والأهداف الواقعية. فاختُصر التحرير إلى هدف إقامة سلطة تابعة وفاقدة السيادة على أي جزء من الأرض يتم تحريره، ولاحقاً تحول هذا الجزء إلى هدفٍ نهائي، بتحويل "إسرائيل" من حالة استعمارية إلى جارٍ وشريك في الأرض والسلام في نهاية المطاف. وذلك ما أدى إلى إخراج المقاومة الفلسطينية من حقل الثورة والمطالب الجذرية، ومن فعاليةٍ مرتبطة بطبيعة السلطة الاستعمارية التي تواجهها ومنبثقة من داخل قوانين الصراع ومشتقة من حقله، إلى مقاومةٍ مشروطة بمقررات الشرعية الدولية بحثاً عن مقاومة مقبولة دولياً، وبتبنيها شعارات متوهمة أنها أكثر واقعيةً وأكثر عملية. حيث كشفت الممارسة أنها شعارات تعني ما تقبله "إسرائيل" في نهاية المطاف، والتشكل بحسب الآخر بصرف النظر عن السؤال الفلسطيني الجوهري. وهي مفردات وأدوات أنظمة تأديبية تروم تأديب الفلسطيني وإدخاله في حقلٍ معنويٍ جديد، لتطويعه وتشريطه وجعل فعل المقاومة داخل أفقٍ مُسيطرٍ عليه في نهاية المطاف.

 كيف تعمل المفاوضات؟

للمفاوضات منطقٌ خاص، طريقةٌ معينة للاشتغال لا تسير بدونها، هويته التي تشرط الفاعلين بصرف النظر عن النوايا. إنها مجالٌ لصناعة الموافقات، لا تقبل التعاطي الجذري مع الواقع وموازين القوى القائمة. ويُشكل الاعتراف المتبادل بطاقة الدخول إلى لعبة المفاوضات، وشرطاً سابقاً لا يمكن تجاوزه. التوافقات ممرٌ إجباري لأطراف التفاوض. ويعني الدخول إلى لعبة التفاوض قبول محددات مسبقة تلقي بظلالها على المخرجات حتماً. وفي الحالات الثورية، إن التفاوض يعني الجمع بين متناقضين في تركيبٍ معين، ينتج عنه عادةً مكاسبُ لكلا الطرفين، ما يجعل هدف الثورة لتأسيس سيادةٍ ودستورٍ بديلين، يُطيحان بمقومات السلطة السابقة شكلاً ومضموناً، أمراً بعيد المنال. لذا لا تصلح مقاربة التفاوض مع المواقف الجذرية. مَن يقبل باللعبة التفاوضية يعني التسليم مسبقاً بأحقية الطرف الآخر في الوجود. المفاوضات لعبةٌ من أجل إعادة إنتاج الأطراف المتنازعة ذاتها. لذلك ليست المفاوضات آليةً لإنتاج بديلٍ ثوري، تمثل نهاية الثورة، بعد خفوت الأمل في التغيير الجذري، والتحول من المطالب القصوى إلى المطالب الممكنة، بعد تسرب أفكار ترى من غير الممكن تحقيق أبعد مما حققته قوى الثورة. وبات الانتقال إلى ساحة الحوار التفاوضي مَعبراً إجبارياً يعيد تثبيت المراكز المتنافسة ذاتها بوصفها غاية تدرك. لذا تُنحى السياسات الجذرية، في المقابل يُصعَّد ما هو عملي قابل للتطبيق. يهيمن على عملية التفاوض منطقٌ برجماتي (عملي) يضع حداً للارتجال، ويُدخل الواقع الثوري في منطقٍ محسوب ومُسَيطرٍ عليه.

تبدأ في المفاوضات لعبة الاستبعاد و/أو الحذف والتثبيت: شروطٌ مسبقة على الأشخاص المتفاوضين: أن يكونوا عمليين وواقعيين، فرض شخصيات معروف مواقفها مسبقاً تحدد شكل المخرج المعد سلفاً. لكل قضيةٍ تفاوضية ما يتناسب معها من شخصيات تفاوضية يتم اختيارها بعناية بناءً على مدى قدرتها على إنجاز القضية التفاوضية المطروحة. قد تكون المفاوضات حيلةً لشراء الوقت والتسويف والمماطلة، وقد تكون أيضاً بهدف خلق إطارٍ مناسب لصناعة الموافقات، وقد تكون أخيراً توطئةً لوأد الفعل الثوري: مطالب قابلة للإنجاز، رحيل رأس النظام أم تفكيك النظام القائم بكل أركانه، وقد يُقزم إلى حد اسم الرئيس فقط، والأنكى حين يكون الاسم المطروح من داخل الأسرة الحاكمة كما طرح بعضهم. في المفاوضات تتجلى مخاتلة سياسات التمثيل، إبداءُ حُسن النوايا من قِبل نظام يرتكب جرائم ضد الإنسانية.

وما أن يبدأ التفاوض حتى يدخل المجتمع السياسي في صراعٍ داخلي، بين مؤيدٍ ومعارض ومتشكك، بين الجذريين والبرجماتيين والمترددين، بين الحالمين والواقعيين. ينتقل الصراع على التصورات عوض الواقع ما يستنزف الجدل والقوة معاً، وتخلق أوهاماً ورموزاً تقفز على الواقع. تتجلى في المفاوضات صناعة الأوهام: حل الأزمة السورية يحتاج إلى "سنة كاملة" على سبيل المثال لا الحصر. وتكمن خطورتها عندما تتحول إلى عمليةٍ قائمة بذاتها، فآنذاك يتشكل رأس مالٍ مادي ورمزي يتغذى عليه البعض. وتبدأ صناعة المعايير وإنتاج المعاني ويتشكل الإطار الرمزي ويتحول قياس الإنجاز بمدى تحقيق القضية التفاوضية. تتمسك الناس برموز المفاوضات تحسباً من الفشل، ويغدو لسان حالهم: لأننا جربنا خيار "العنف" بلا طائل فلابد من إنجاح خيار اللاعنف، فيصبح التفاوض كعبَ أخيل. كما يبدأ التعود على الهدوء: وقف عمليات القتل شرط الدخول الى المفاوضات، هدنة مؤقتة تهدأ روع الناس وممثليهم، ويبدأ يتشكل قناعات من قبيل عدم العودة إلى المربع الأول: العنف  الولعُ بصناعة النجاح، الفشل يعني نهاية السياسي المفاوض، والنجاح يسجل في سيرته الذاتية وفرصة ليتحول من مفاوض إلى رجل دولة موعود. في لعبة التفاوض تُصنع القيادات وتُروَّضُ المواقف.

وعليه، تنعدم صلاحية المفاوضات، كتقنيةٍ قانونية سياسية، في معالجة التناقضات الجذرية معالجةً فنيةً إجرائية، بينما تكن فعاليتها في تداول الخلافات التي تحتمل التوافق، والتي تحتمل الوصول إلى صيغ مشتركة في إطار وحدة تجمع الأطراف المتنافسة. فالمفاوضات هي ميدان تحقيق التسويات. وينبه "روبرت غرين" المتخصص في الاستراتيجية والقوة إلى أن التوافق مع الآخرين مهمةٌ تنطوي على خطرٍ يتمثل في أنها تُنسيكَ من أنت[4].

ليست المفاوضات مُدرَكاً يحوز فعاليةً كونية؛ أي صالحةً لحل الصراعات كافة. إذ تفشل في معالجة الصراعات الاجتماعية الممتدة. أما تداولها في مواجهة أنظمة عنيدة مدعومة إقليمياً ودولياً فمسألة يكذبها الواقع العربي الحديث، وكل محاولة تتوسل بها في طلب التغيير الجذري فحصادها يبعث على قدرٍ عظيم من خيبة الأمل.

إن مآل الثورة السورية أقرب ما يكون لمآل الثورة الفلسطينية رغم فارق التشبيه بين سياق استعماري وما بعده. أصبح الواقع الفلسطيني بائساً، وواقع القهر  وعلاقات القوة هي ذاتها اليوم، بل وأكثر عمقاً من ذي قبل.


وبعد مرور ما يقارب العقدين من مخاتلة المفاوضات ما تزال الثورة الفلسطينية تراوح مكانها: لا هي حررت الجماعة الوطنية الفلسطينية، ولا هي قادرة على تحفيز الأمل في التحرير وتقرير المصير. فهل يمكن القول إن هذا السيناريو هو نفسه سيكون مآلَ الثورة السورية المأخوذة راهناً بتقنية المفاوضات؟ أم سيكون لها أفقٌ مختلف في تدشين تجربة جديدة تُغيرُ تصوراتنا عن المفاوضات كآليةٍ لتبديل علاقات القوة، وتأسيس بديلٍ يمثل تطلعات الجماعة الوطنية؟
 
تفكيك النظام

يشكل تفكيك النظم الشمولية إحدى أعقد الإشكاليات السياسية. فهيمنة المقاربة الاصلاحية على الخطاب السياسي المحلي إثر نهاية الحرب الباردة قد تفادت اشتمالها على رأس النظام، وعمَدت إلى الإصلاح التدريجي من خلال إدخال بعض التحسينات على الواقع القائم. كما اكتفت بترميم النظام القائم وتشفيف سياساته دون المسّ بجوهر علاقات الهيمنة.

لم يجرِ في السياق العربي تغيير النظام بالآليات الانتخابية. وشَكَّلَ الانقلاب على شخص الحاكم الثيمة التي سيطرت على مسار التغيير السياسي. والعنصر المهيمن في هذه المعادلة/ التسوية يكمن في مراكز القوى داخل النظام، ومدى إمكانية أو احتمالية التخلي عن السلطة والانحياز للقوى غير الرسمية في عملية التغيير. استمرت قيادات النظام حرةً في التصرف وفق إرادتها، وعلى هواها سيكمن نموذج التغيير السيامختلفاً أو أقرب إلى إعادة إنتاج نوع  من الحكم السلطوي.

على أي حال، ترى أدبيات تفكيك النظم السلطوية والشمولية أن المصادر المحلية تلعب الدور الرئيس. بينما تُسهم العوامل الدولية في عملية التفكيك، بيد أنها تلعب، في الأعم الأغلب، دوراً ثانوياً بالمقارنة مع العوامل المحلية، باستثناء حالة الهزيمة في الحرب[5]. غير أن هذه الأدبيات رغم تقديمها العامل المحلي فإنها في المقابل لم تقدم نظريةً متماسكة لتقويض النظم السلطوية، وافتقرت إلى تحديد أوزان العوامل النسبية من جهة، كما لم تتضمن في ذاتها أي تحديد للأسس السببية الكافية أو العلائقية التي تربط جملة المتغيرات المختلفة المؤدية إلى عملية التفكيك، في محاولةٍ لفهم مسار تلك العملية من منظور التحليل السببي من جهة أخرى.

  وتبقى الحالة السورية شديدة التعقيد، في البداية كانت حركة احتجاج واسعة ضد النظام ما لبثت أن تحولت إلى ثورةٍ عارمة اخترقتها أنظمة إقليمية ودولية متباينة المصالح. فمن جهة تسعى السعودية وحلفاؤها إلى تقويض النظام بسبب تحالفاته السياسية مع إيران وليس لأنه نظام لا يوافق وتطلعات الجماعة السورية قبل كل شيء. بينما إيران وحزب الله وروسيا يسعون إلى المحافظة عليه من أجل تحقيق توازن إقليمي يحفظ مصالحهم الجيوسياسية في مواجهة القوى الأطلسية بصرف النظر عن الإرادة الشعبية. أي أن اللاعبين الرئيسيين يرون أن الحرب ليست من أجل الديمقراطية بل من أجل الغلبة.[6]
وبسبب التدخلات الدولية والإقليمية في الثورة، تعطلّت إمكانية حدوث تحولات لصالح القوى الثورية. فالخلافات داخل النظام بقيت محدودة، كما ساهم الإسناد الإقليمي في المحافظة على تماسك النظام. كان يمكن لهذه الخلافات أن تتعمق أكثر لولا هذا الإسناد. وهو ما حسَّنَ قدرة النظام على مواجهة التعبئة الشعبية. مما طوَّع مؤسسات الحكم والدولة لتثبيط الحراك الثوري ولجم طموحاته في التغيير السياسي[7]. وهكذا فإنه من الصعوبة أن يشهد مسار الثورة تحولات داخل المؤسسة العسكرية لجهة الانحياز إلى الثوار.

على أي حال، إن البيئة الجيوسياسية ألقت بظلالها على المشهد السوري، ففي النهاية لغة الجيوبولتيك لا تراعي الإنسانية. أولاً، عمّقت من أزمة الثورة وتحولت العلاقة بين النظام والقوى الثورية من علاقة ثنائية إلى علاقة أكثر تركيباً بسبب تشابك المصالح الإقليمية والدولية. وثانياً، إن هذا التدخل وَفرَ  فرصةً للتشويش على جوهر المسألة السورية، وبخاصة دخول جماعات متطرفة على خط الثورة. كل ذلك عطلَ من فهم العملية ومسارها، وفاقم من خشية تفكيك الدولة ومن إعادة إنتاج سردية سايكس بيكو أخرى معدة للحالة السورية خصيصاً نظراً للتركيبة الاجتماعية المعقدة. فإذا كانت قوى الثورة امتشقت السلاح بسبب عناد النظام الشمولي، وبسبب دخول القوى الإقليمية على خط الثورة وتسليحها، فإن دخول جماعات مسلحة من الخارج لأغراض جيوسياسية لا علاقة لها بالقيم الإنسانية وتطلعات الإرادة الشعبية، ساهم في خلط الأوراق ووفر فرصة للتشويش على جذر المشكلة التي يتحمل النظام المسؤولية الأولى عما وصلت إليه البلاد، كونه نظاماً مغلقاً بنى نفسه على القمع والاستبداد. مما وفر للنظام فرصة لركوب الثورة، وكل ذلك  أدى إلى التباس الدوافع والمصالح، وغموض الهويات السياسية وميوعة المواقف، ودرجة عالية أيضاً من غموض هويات اللاعبين ودوافعهم وخط الفعل المرجح أن يمارسوه. وبات الخوف من القادم الغامض عاملاً مؤثراً في تقرير مسار الثورة حيث انسحبت حالة اللايقين على وضع المجتمع السوري ككل.

 
هناك من يؤاخِذون على توصيف المشهد السوري بالتعقيد[8]، ويعتبرون أن هذا الموقف يهدف إلى التغطية على أصل المشكلة الذي يحصرونه في جذر شفاف وبسيط. نعم هم محقون في أن إسباغ سمة التعقيد هو في الأصل يمكن رده إلى التكتيك السياسي الذي يتبعه النظام الأسدي بغية خلط الأوراق. عند مقارنة هذا الموقف المشدود إلى أصلٍ واضح للصراع، بما يقوله ميشيل فوكو ذات مرة عند أشار إلى ضرورة الكف عن البحث في علاقات أولية للسلطة، والبحث في المقابل انطلاقاً من العلاقة ذاتها، بوصفها المقررة للعناصر المشكَّلة، كما يجب البحث كما يشير فوكو، في كيفية أن علاقات السيطرة تصنع المواقف لا البحث عن مرجع، سواء تمثل في العقد الاجتماعي أو  الحق القانوني أو الحق التاريخي الذي يفترض أنه واضح بذاته. نعم لا يمكن الركون إلى هذا الموقف الفوكودي. لأنه ثمة صراعات ما لا يمكن تجاهل أصولها الواضحة التي تعيد الصراعات إنتاجها عبر زمنية الصراع وصيرورته بما يجعل الأصل مرجع الشي المتحول وأساسه، هو المنشئ أو المؤثر، أو هو طرفٌ في النشأة والتأثير، وسبب كينونتها ومرجع الصراع. فهذا الذي يطالب فوكو بالكف عن البحث فيه لصالح التبصر في العلاقة هو ذاته مبثوثٌ في تلك العلاقة ويُشكلِّها ويعيد إنتاجها كما الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، على سبيل المثال لا الحصر. غير أن هذا مشروط - بالضرورة- بالقدرة على منع السلطة من تشكيل الأفراد التي يراها فوكو صانعةً بالفعل ومنتجة للأفراد. عند ذلك وذلك فقط سيذوب الأصل وتُنسى أسس الصراع في زحمة العلاقة المتحولة التي صارت متعددة ومختلفة. فإن نجحت بالفعل علاقات السلطة في تصنيع الأفراد وتشكلهم وفق منطقها سيكون التضحية بالجذر الواضح هو التكلفة. ومن هنا خوض الصراع على أرضية الخصم/السلطة لن يكون إلا على حساب جذر المشكل وأصول الصراع.

وليست المفاوضات ههنا بالطريقة المناسبة للمحافظة على الأصل و/أو جذر الصراع، بل هي مقدمةٌ لتشكيل ديناميات علائقية تعيد تصنيع الأفراد وتحتويهم وفق ما تنتجه السلطة التي تصبح، والحالة هذه، الإطار المعياري الذي ينتظم فيه المتفاوضون. طالما أن الكل يقبل الاندراج في العملية التفاوضية التي تشترط تحييد البنية والتعديل في داخلها كخيارات ممكنة وواقعية وعقلانية، بسبب تشابك المصالح وضغوط الجغرافيا السياسية وعناد النظام.

لذا تبقى أية محاولة للفهم مرتبطة بما يفرزه الميدان من متغيرات. لأنه، في نهاية المطاف تبقى قدرة الميدان على الحسم العامل الرئيس من دون تهميش العامل الجيوبولتيكي. والسبب في ذلك هو أن مجموع العوامل الخارجية مكثفة داخل التشكيلة الاجتماعية - السياسية السورية، وأن كلا العاملين الداخلي والخارجي متداخلان في السياق المحلي. والمعنى أن أي فعلٍ كفاحي يبدأ من حلب على سبيل المثال، يؤثر في إيران وروسيا والسعودية. لذا فإن التحليل الراهن يرجح من دور العامل المحلي، ويرى أن أي تغييرٍ حقيقي لن ينبثق إلا من أسباب محلية[9]. بيد أن التغيير الحقيقي على ما يبدو بات أقرب إلى المستحيل في ظل واقع جيو سياسي ضاغط، وفاعلين محليين أنهكتهم الحرب، ووضعٍ مجتمعي ما عاد يستطيع التحمل.

وعليه، تذهب هذه الورقة إلى أن ترك الميدان وتحويل مركز الفعل إلى العواصم الدولية لن يكون في النهاية لصالح التغيير السياسي الحقيقي. ومن المهم في هذا السياق أن تبقى النخبة السياسية المحلية المؤمنة بعدالة الثورة فاعلاً رئيساً في المعادلة، وأن تنتبه من ألا تتحول إلى طرفٍ منفعل تابع تتلاعب به الإرادة الخارجية، وأن تبقى حريصة على محورية دورها المحلي في الصراع، وأن  تستثمر مكانة سوريا الجيوسياسية لصالح مبادئ الثورة. علماً أن النظام نفسه يقوم بهذا الأمر، لذا فإنه لم يتنازل بعد عن كونه صاحب السيادة ومازال يتصرف على أساسها، ويرفض المساومة على سلطته السيادية، ويستثمر في التوازنات المحلية والإقليمية والدولية من أجل هذا الهدف.



إن مسار الثورة الفلسطينية خير مثال بخصوص هذه الإشكالية. إن التحول إلى المسار الدولي كمركز للفعل لم يؤدِ إلى تقرير المصير الفلسطيني في المحصلة النهائية. فعندما تَركت منظمة التحرير الميدان وتحولت إلى سلطة، واضعةً ثقتها الكاملة في المجتمع الدولي، كانت النتيجة مخيبة. حيث فقدت منظمة التحرير مكانتها وصِلَتها بمجتمعها وما عادت الأطر التمثيلية اليوم تنال ثقة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. وباتت عاجزة عن الفعل حتى أصبحت فاقدةً لحدٍ أدنى ممكن لإصلاح ذاتها.

إن مسار الثورة السورية شاق ويحتاج إلى نَفَسٍ طويل أيضاً. فطبيعة الصراع في سوريا هو من نوع الصراعات الاجتماعية الممتدة[10]. وهذا يستدعي الانتباه إلى أن ظاهرة التغيير والصراع في سوريا ظاهرةٌ متحركة ومتغيرة وديناميكي. لهذا، من الخطأ الحكم النهائي عليها كالقول إنها فشلت أو نجحت؛ لأن الاحتمالات ماتزال مفتوحة على كل الآفاق. ومن جهة أخرى، إن تمفصل العامل المحلي بالعامل الخارجي أو الجيو سياسي، يفرض تحدياً مختلفاً يحمل على أكثر من معنى، ويبقى الأهم أيهما قد يتمكن من أن يشد الآخر إليه. وعلى سبيل المثال فإن بيان "المجموعة الدولية لدعم سوريا" في فيينا لا يمكن فهمة انطلاقاً من إرادةٍ دولية محضة تتسلط على الإرادة المحلية، بقدر ما جاء البيان تمثيلاً حقيقياً لما أفرزه الميدان من توازن غير مستقر وغير نهائي لم يستطع حسم المعركة لصالحه، حيث صيغ البيان مراعياً إلى حدٍ ما مصالح الأطراف المختلفة[11].

في هذا السياق، يجدر الانتباه إلى أن النظام فقدَ قدراته على ممارسة الوظيفة القهرية، والوظيفة التوزيعية، وسقطت مزاعمه في التعبير عن الإرادة الجماعية، وبات غير قادر على تسويغ نفسه بوصفه صاحب السيادة. وأصبح ليس أكثر من مركز قوة كغيره من مراكز القوى المتعددة في الوضع السوري، وهو منشبكٌ معها في الصراعات كغيره من القوى الأخرى.

والمعنى أنه لا توجد في الحالة الثورية مركز قوة يحتكر أدوات العنف. فهناك مناطق سيطرة للمعارضة، وأخرى للنظام، وثالثة لحزب الاتحاد الديمقراطية الكردي، ورابعة لتنظيم الدولة. والعلاقة بين هذه المراكز شديدة التعقيد: علاقة حرب بين تنظيم الدولة والنظام، وعلاقة احتواء بين النظام والأكراد، وعلاقة متذبذبة بين الأكراد والمعارضة تتراوح بين التنافر والوفاق، وعلاقة حرب بين الأكراد وتنظيم الدولة. والمعارضة معارضات متعددة بين وفد الرياض ووفد القاهرة ومعارضة الداخل. وثنائية التمثيل الخارجي بين جنيف وأصدقاء سورية في فيينا، بيد أن ما يجمعهم مشتركاً هو القلق من البديل. ثم مطالب مختلفة للفاعلين، بين فدرالية كما يطمح الأكراد في شمال سوريا، ومطالب النظام في استعادة سيادته، ومطالب المعارضة التي تريد تغيير النمط السياسي ككل، وتنظيم الدولة الذي يعادي النظام والمعارضة معاً.

وتبقى الجدلية هذه الأكثر أهمية في تسلسلية الأحداث، والحدود التي سترسم المنعطفات الكبرى للحدث السوري التي ستلعب دوراً على جانبٍ كبير من الأهمية في التحوّلات في الحياة السياسية. أضف إلى ذلك، ارتفاع حدة الأزمة الاقتصادية في مناطق النظام ومعاناته من نقص الموارد البشرية الراغبة في القتال[12].

وتعني هذه التشكيلة المعقدة أن الانخراط في التفاعل مع المجتمع الدولي يفرض سياسات معينة تقوم على المساومة، الأخذ والعطاء، وهو ما يعني الاضطرار للتخلي عن بعض قواعد العمل المحلية، لأن من غير الممكن التخلي عن سياسات التوازنات الدولية. وعملية تمرير الإرادة المحلية مسألة ليست بالسهلة في ظل الوضع السوري الداخلي المفكك، وغياب التوافق على تعبيرات الإرادة المحلية. إن عجز الأخيرة على إنتاج صياغة سياسية في ملفوظ عام يمثل الكل يعزز من قوة الإرادة الخارجية. وهذا قد يكون خياراً ممكناً بسبب تعقد الملفات، الأمر الذي يدفع نحو اتفاق تسوية على المستوى الإقليمي والدولي، أما أن يتم فرضها على الداخل، علماً أنه في المقابل يبقى فرضها منوطاً بالقدرة على إنفاذها بالقوة على الأرض، ما يجعل من الإرادة الخارجية طرفاً فاعلاً متغلباً على الداخل. ويتعزز هذا الخيار عندما تمسي المسألة السورية بالنسبة للخارج ليست أكثر من صراع بين طوائف سورية متصارعة تفتقر إلى مركز قوى محلي قادر على حسم الصراع لمصلحته، ومنخرطة في حربٍ وحشية حيث صارت الأهداف غير قابلة للتوفيق.

المراجع
 
[1] - جياتري تشكرافورتي سييفاك، دراسات التابع: تفكيك التابع، ترجمة سامية محرز، ألف: مجلة البلاغة المقارنة، ﺍﻟﻌﺪﺩ١٨، ١٩٩٨، ص ١٢٢ -١٥٦.
[2] - للمزيد انظر: عياد البطنيجي، قبل الخروج من منظمة التحرير، العربي الجديد، ملحق فلسطيني، على الرابط
[3] - رغم أن سوريا لم تقطع بالكامل مع الشرط الاستعماري، ويمكن اعتبارها امتداداً لحالة استعمارية من جهة ما تزال بعض أراضيها محتلة، فما يزال الجولان السوري تحت الاحتلال الإسرائيلي.  ولا أريد أن أدخل في ثنائية الاستعمار وما بعد الاستعمار، ففي الحالة العربية، وتحديدًا دول الطوق العربي، كلاهما متداخل.
[4] - التوافق مع الآخرين موهبة مهمة ينبغي أن تمتلكها، لكنها تنطوي على خطر: بالسعي دائماً إلى الطريق السهل الخالي من المقاومة، طريق كسب الود، تنسى من أنت، وتغرق في المركز مع الآخرين. بدلاً من ذلك أنظر إلى نفسك كمقاتل، كغريب محاط بالأعداء. العراك المستمر سيبقيك يقظاً وقوياً، سيساعدك على أن تعرف ما تؤمن به في نفسك وفي الآخرين. أنظر: روبرت غرين، 33 استراتيجية للحرب، ترجمة سامر أبو هواش، العبيكان، السعودية، 2009، ص40.    
[5] - غرايم جيل، ديناميات السيرورة الديمقراطية والمجتمع المدني، ترجمة شوكت يوسف، دار التكوين للتألف والترجمة والنشر، دمشق، 2009، ص28.
[6] - هنري كسنجر، النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، ترجمة فاضل جتكر، درا الكتاب العربي، بيروت2014، 130.
[7] - أنماط الحكم المحلي في سورية بعد الثورية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، مايو 2016، ص1. 
[8]- ياسين الحاج صالح، جذور خطابية للتوحش في سورية، على الرابط
[9] - في هذا السياق جدير بالإشارة إلى أن هذا الرهان على العامل الخارجي  باعتباره مصدر الفعالية يتموضع في العواصم الغربية والإقليمية وليس في الميدان، يستمد جذوره من رواسب حِقبة الاستعمار الغربي المباشر التي ما تزال تهيمن على أذهان النخبة المحلية. آنذاك لم يتشكل شجب عام شامل للإمبريالية في الغرب إلا بعد الانتفاضات الأصلانية التي بلغت مرحلة متقدمة يستحيل معها تجاهلها أو هزيمتها. وبالتالي عندما كان الاستعمار المباشر كان الضغط على الحواضر الغربية مشفوعاً بانتفاضات محلية للأصلاني يؤتي أكله. لذلك فإن استراتيجية الاستجداء بالخارج لن تجدي نفعاً إن لم يصاحبه فعلٌ محلي يفرض نفسه على العامل الخارجي.
[10]   - Edward E. Azar and Renee Marlin, The Costs of Protracted Social Conflict in, Theory and  Practice in The Middle  East, Journal Studies, USA, 1978,pp41-61
[11] - أهم ما جاء في البيان: الامتثال الكامل من قبل كافة الأطراف لشروط وقف الأعمال العدائية، وقف الأعمال العدائية على المستوى الوطني بالتوازي مع التقدم في مفاوضات الانتقال السياسي بين الأطراف، التقدم نحو عملية الانتقال السياسي السلمي، الامتناع عن ردود الأفعال المبالغ، العمل مع السلطات السورية. ويلاحظ أنه لم يحدد ما هي الاعمال العدائية، وساوى بين الاطراف جميعا، وركز على الانتقال السلمي، وعلى اشراك السلطات السورية. لم يحدد جذر المشكلة، ولا ننسى أن  الجماعات المقاتلة في سورية ساهمت في تشويش أصل المشكلة وجذرها. لذلك ان اظن ان الموقف الدولي من سورية يتحرك بناء على موازين محلية.
[12] - ابراهيم حميدي، "أصدقاء" المعارضة السورية قلقون من انتصاراتها ونكسات النظام، على الرابط

SaveSave

عياد البطنيجي

باحث وكاتب فلسطينيّ.

مواد أخرى لـ عياد البطنيجي

ذات صلة