Print this page

ازدهار وانهيار السياسة في مصر 2000-2013

17 أيار 2018
 
"أنا في موقع المسئولية. وأنا لديّ السلطة لاتخاذ التدابير. لديّ كل خيوط اللعبة بينما أنتم لا".
الرئيس المصري الأسبق محمد حسنني مبارك، في خطابه بمناسبة عيد العمال 1 مايو 1988.
يتناول هذا المقال السياق السياسي الذي تفجرت فيه ثورة 25 يناير ويسلط الضوء عل خريطة القوى السياسية الفاعلة فيها وتاريخها ومآلها سواء تلك التي تأسست قبل الانتفاضة وساهمت في خلقها أو لم يكن لها دور فيها وحاولت استغلالها، بالإضافة إلى القوى التي خلقتها الثورة في ظل السيولة السياسية الناتجة عن تحطيم الحزب الحاكم الذي احتكر الحياة السياسية والاقتصادية والإطاحة برأس النظام، خاصة بعد إلغاء لجنة الأحزاب التي ظلت عائقاً لأكثر من ثلاث عقود أمام فتح المجال السياسي ومنح الشرعية للقوى الطامحة للعب دور سياسي من مختلف التيارات.
 
إرث السبعينيات في يناير

ظهر على مسرح السياسية عقب 25 يناير مجموعة من السياسيين المخضرمين ينتمون جميعاً إلى جيل السبعينيات، الذين جرى إقصائهم من اللعبة السياسية على مدار العقود الأخيرة (وإن تحركوا على هامش السياسة الرسمية في إطار أحزاب تحت التأسيس والحركات الاحتجاجية) فرأوا في يناير فرصتهم المنتظرة في تولي مهام القيادة السياسية التي طالما أعدوا أنفسهم لها وراكموا خبرات حركية وتنظيمية من أجل هذه اللحظة.

كان بعض هؤلاء يقفون على رأس أحزاب موجودة وإن كانت غير معترف بها من قبل النظام مثل حزبي الكرامة والوسط أو جماعة تنظيمية كبرى كالإخوان المسلمين أو اعترف بها النظام وفتّتها مثل حزب الغد، وبعضهم هو المؤسس الفعلي لما عرف بالمجتمع المدني في مصر؛ ففي كل التيارات السياسية (1) أسس جيل السبعينيات تنظيماته الخاصة التي عبرت عن ظرف تاريخي متميزة جداً يتعلق بشكل مباشر برفض الوصاية السياسية من قبل النظام ومن قبل الأجيال الأكبر في المعارضة وشكلّت قطيعة (غير نهائية) مع الكيانات التاريخية التي تعبر عن تلك التيارات وقتها(2).

فحين ترشح حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح لرئاسة الجمهورية في 2012 واعتبرهم الجميع "ممثلي الثورة" وكانوا ينتظرون أن ينسحب أحدهما للآخر حتى لا تسقط الثورة في حِجر الإصلاحية الإخوانية عبر مرشحها خيرت الشاطر ومن بعده محمد مرسي، أو يتم احتوائها كلياً عبر رجال النظام القديم الذي يمثله أحمد شفيق، وعمرو موسى.

المفارقة تجلت في نسيان الجميع أن عبد المنعم أبو الفتوح كان ينتمي قبل أشهر معدودة إلى "الإخوان" الذين يحذر شباب الثورة من فوزهم بالرئاسة، وتعتريهم شكوك عميقة في مدى احترام الجماعة لقواعد الديمقراطية، ولا يعود ذلك إلى اعتدل أبو الفتوح الديني فحسب، بل يرجع، وفي الأساس، إلى تبنيه خطاباً سياسياً يتشارك فيه جيل السبعينيات بمجمله، وهو خطاب يؤمن بالتعددية ويدعو للحوار ويطالب بالديمقراطية كما أن أبو الفتوح يمتلك خبرة سياسية تشكلت في سنوات الحركة الطلابية ويتقاسمها معظم أفراد هذا الجيل المحوري في التاريخ السياسي لمصر.

لكن الأهم هو أنه لم يتوصل أحد إلى تفسير مقنِع لمسألة ثبات صباحي وأبو الفتوح على موقفهما وترشحهما باسم "الثورة" في خضم منافسة جدية للغاية وحاسمة إلى درجة أن هناك من يعتبرها أحد الأسباب الرئيسية لفشل ثورة يناير. لكن يمكنا أن نجد تفسيراً لذلك عبر استكشاف معالم الثقافة السياسية لجيل السبعينيات الذي قاد حراك المعارضة على مدار 40 عاماً وحمل شعلة الرفض وقاموس التمرد وحلم الديمقراطية، الطامح أبداً لتبوء مكانته القيادية (وبالتالي كان من الصعب على أيِ من المرشحين التنازل عن حلمه القديم في القيادة) وهو الصانع السياسي، بشكل أو بآخر، للجيل الذي فجر انتفاضة يناير.
 
 
بالعودة إلى الوراء، وبالتحديد منذ إغلاق المجال السياسي عقب اغتيال السادات ومجيء حسني مبارك وحتى مطلع الألفية الجديدة ظل جيل السبعينيات مهمشاً وانسحب جزء كبير منه من الساحة السياسية إلا أن الانتفاضة الفلسطينية التي أعادت الشارع العربي إلى السياسة والحراك التعبوي (3) الذين انتظموا في اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية التي استقطبت عدداً من الكوادر الشبابية الذين قادوا الحراك السياسي فيما بعد، فضلاً عن اقتباس بنائها التنظيمي الذي يتسم بدرجة عالية من الـ لا هرمية في معظم الحركات الاحتجاجية التي تأسست في الفترة ما بين 2004 و2008 ومنها كفاية وشباب من أجل التغيير التي ضمت الكتلة الشبابية لـ كفاية و 6 إبريل وتضامن وهما استمرار وتجاوز في آن لـ كفاية.

فالانتفاضة أعادت هؤلاء مجدداً إلى الفعل الاحتجاجي الذي عمّقه الاحتجاج ضد الحرب على العراق عام 2003 والاحتجاجات العمالية التي بدأت في المحلة عام 2006 وما لبثت أن انتشرت في جميع أنحاء مصر لتشمل أكثر من مليون وسبعمائة ألف عامل، وقد ساهم كل ذلك في تقريب المصريين من إطلاق ثورة 25 يناير من خلال كسر حاجز الخوف وتسيس آرائهم حول قضايا محددة (4).

كان جيل السبعينيات هو مؤسس الأطر والقوالب الفكرية التي من خلالها استطاع الجيل الجديد التحرك والاحتجاج؛ فمن خلال الخطاب السياسي والبرامج السياسية التي صاغها بالإضافة إلى إسهامه في خلق نموذج تحدي السلطة من خلال العمل التنظيمي والحركي وسط الجماهير، وتطويره لاستراتيجية العمل المشترك والتنسيق بين التيارات وخلق أرضية مشتركة للعمل السياسي هو الإطار الأمثل للدفاع ضد مخاطر الاستبداد في ظل نظام بيروقراطي يقصي السياسيين ويحاول استئصال السياسة، في ظل حماية المؤسسة العسكرية له. كل ذلك جعل من إمكانية وجود حراك سياسي في 2011 ممكناً.

والنظر إلى الطريقة التي جرى بها الحشد لاحتجاجات 25 يناير تؤكد أنها قائمة على استراتيجية العمل المشترك بين التيارات المتباينة في مواجهة النظام، وإن كان هناك فارق نوعي بين وعي جيل السبعينيات بإمكانية أن يشكل العمل المشترك خطراً على التمايزات السياسية والفكرية بين التيارات المختلفة، وبين ضعف وعي الجيل الجديد بأهمية الفروق الإيديولوجية وتباين البرامج السياسية. لذا فإن حركة "كفاية" الذي مثلت التجسيد النموذجي لاستراتيجية العمل المشترك السبعينية كانت تشترط أن ينضم إليها العضو باعتباره فرداً وليس معبراً عن تيار ما، بهدف الحفاظ على المسافة الإيديولوجية بين التيارات السياسية المختلفة، وظل كل كوادرها يحتفظون بانتماءاتهم القديمة.

وذلك على عكس 6 إبريل التي تأسست على ضوء تجربة كفاية، حيث تبنت الاستراتيجية السبعينية بشكل أكثر حدة، فحملت منذ البداية خطر ذوبان الفروق الإيديولوجية بين أعضائها الذين اعتبروا أنفسهم ينتمون أولاً وأخيراً إلى "الحركة الشبابية" التي تتكون من الأفراد غير المنتمين إلى تنظيمات إيديولوجية وربما إلى أي نسق فكري متبلور الملامح من الأساس، كحالة "ثوار يناير" بشكل إجمالي وبالغ العمومية.

كما كان الإسهام المهم أيضاً لجيل السبعينيات هو إعادة تحديد العمل السياسي خارج الأطر الحزبية والاتحادات الطلابية والنقابات المهنية، وإنشاء التجمعات والائتلافات كأساس للعمل الجماعي وتعميق الوعي بوجود قضية مشتركة. وقد شهد جيل يناير وجسَّد تحولاً في العمل السياسي لا يعتمد على التنظيمات الإيديولوجية؛ فكان امتداداً سياسياً وتجاوزاً في الوقت نفسه لجيل السبعينيات بحكم التأثير الكبير لثورة الاتصالات التي أحدثت تحولاً نوعياً في المجال السياسي غاية في السيولة السياسية والدينامية الحركية والهشاشة الفكرية، لم يأخذ وضعه النهائي حتى الآن.

إرث السبعينيات هذا وتمهيده لـ 25 يناير هو ما يبدد الأساطير القائلة بأن 25 يناير بنت وسائل التواصل الاجتماعي وأن الفاعل الرئيسي للتعبئة السياسية فيها كان "الفيس بوك" و"تويتر" أو أنها "ثورة شباب" أو أنها اندلعت بشكل مفاجئ (5) وليست استمراراً وتتويجاً للحراك السياسي الذي انطلق قبل أكثر من عقد وله جذور حية تعود إلى ما بعد النكسة مع مظاهرات 68.

سياسة جديدة ونهايات متشابهة

بسبب ضعف الهياكل السياسية الموجودة من قبل اندلاع 25 يناير وهي المنوطة بتأطير وتوجيه العملية الثورية ومأسستها في النهاية، نشأت عشرات الائتلافات التي لا يجمع بين أعضائها أي رابط إيديولوجي أو مصالح مشتركة بل بمجرد السعي لتحقيق مطالب الثورة وشعاراتها بالغة العمومية مثل ائتلاف شباب الثورة ومجلس أمناء الثورة وتحالف ثوار مصر وائتلاف مصر الثورة وشباب 25 يناير والأكاديميين المستقلين، وكان آخرها المجلس الوطني الذي أسسه الناشط ممدوح حمزة المهندس المعماري المشهور، وذلك بعد ظهور بوادر الانقسام العلماني الإسلامي.
 
وانضافت تلك الائتلافات إلى أشبهاها ائتلافات ما قبل 25 يناير مثل حركة كفاية التي تأسست في 2004 وهي ائتلاف عابر للإيديولوجيا والانتماء السياسي والتي حلّت نفسها بعد بروز الاصطفاف السياسي وعدم الحاجة إلى كيانات تنسيقية بين التيارات السياسية التي انخرطت في مواجهة سياسية/ثقافية مفتوحة منذ استفتاء 19 مارس 2011، وكذلك حركة 6 إبريل التي تأسست في 2008 وشهدت انشقاقاً قاتلاً بسبب الخلافات التنظيمية، وخرجت من رحمها حركة شباب 6 إبريل الجبهة الديمقراطية، فما عرفت المجموعة الأولى باسم 6 إبريل جبهة أحمد ماهر واستمر التراشق بين المجموعتين من بدء الانشقاق في إبريل 2011 إلى مجيء 30 يونية وبعد 3 يوليو تعرض معظم كوادر المجموعتين لملاحقات أمنية زجت ببعضهم في السجون ودفعت بالبعض الآخر إلى الهجرة للخارج أو إيقاف ناشطهم السياسي في الداخل.

ومن الكيانات السابقة على يناير الجمعية الوطنية للتغيير التي تأسست في 2010 وضمت عدداً من السياسيين من مختلف الأحزاب والائتلافات فضمت كبار قيادات من حركة كفاية وكوادر من حزب الجبهة الليبرالي والاخوان المسلمين وبعض الشخصيات العامة أبرزهم الدكتور محمد البرادعي المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأحد أشهر دعاة التغيير في مصر، وما بين 2011 و2013 حاولت الجمعية الوطنية الإبقاء على دورها كهيئة جامعة لأقطاب المعارضة السابقة (6) إلا أن مصيرها لم يكن أفضل من مصير كفاية.

وهناك الأحزاب "الأليفة" التي لم تكن تتوقع اندلاع الانتفاضة والتي لم تتسامح مع استبعادها من اللعبة البرلمانية التي جرت في الأشهر الأخيرة للنظام، وحاولت استغلال الحرية الواسعة التي أتاحتها يناير في طرح نفسها وتوسيع نصيبها من المكاسب السياسية معتمدةً على بنيتها تحتية من مكاتب وهيكل تنظيمي، وخبرات انتخابية، مثل حزب الوفد الجديد الذي يمتد تاريخه إلى أواخر السبعينيات وهو حزب ليبرالي، وشارك في تأسيس جبهة الإنقاذ كبرى التجمعات التي دعت لمظاهرات 30 يونية وأعلن تأييده لخارطة الطريق التي وضعها السيسي لإدارة حقبة ما بعد الإخوان، وعاد الحزب لموقعه الطبيعي في المعارضة المروَّضة؛

وكذلك حزب الغد الذي ظهر نتيجة انشقاق قاده السياسي أيمن نور مع بعض أعضاء الوفد، وانتهى الحزب بتأييد قائده أيمن نور لمحمد مرسي في مواجهة عاصفة 30 يونية واضطراره للهرب إلى تركيا خوفاً من الملاحقة الأمنية، وحزب الجبهة الديمقراطية الذي شارك بحماسة في ثورة يناير و30 يونية وأصبح مهمشاً أكثر من أي وقت سابق، وحزب التجمع الذي رفض المشاركة في ثورة يناير وانشق بعض كوادره وأسسوا أحزاب التحالف الشعبي الاشتراكي، وحزب الناصري الميت سريرياً وحزب الكرامة المنشق عنه قبل عقدين، والذي ارتبط مصيره بترشح قائده حمدين صباحي للرئاسة عامي 2012 و2014 واختفى بعد الهزيمة المدوية التي مني بها أمام المشير عبد الفتاح السيسي. وهناك حزب الوسط الذي بدأت محاولات تأسيسه في منتصف التسعينات بانشقاق مؤسسيه عن حركة الإخوان المسلمين، ولم يكن يتمتع بحضور كبير قبل الثورة وقد تحطم مع انقلاب 3 يوليو حين اصطف سياسياً مع الإخوان.
 
 
أما عن الأحزاب الجديدة فقد ظهر على السطح حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الاخوان المسلمين، والتي تتمتع بقوة تنظيمية وخبرة سياسية تفوقان بقية الحركات السياسية والتي لم تشارك في يوم 25 يناير لتبنيها نهجاً إصلاحياً عبر التغيير التدريجي للمجتمع وعزوفها عن الراديكالية السياسية (7) لكنها لحقت بالاحتجاجات واسعة النطاق في يوم 28 يناير، وتحطم الحزب مع الإطاحة بمحمد مرسي وواجه قياداته وكوادره الاعتقال أو الهرب إلى الخارج، بينما انقلب التيار السلفي على مواقفه السابقة قبل الثورة والرافضة لأي مشاركة بالعملية السياسية، وأسس حزب النور الذي يعبر عن الدعوة السلفية في الإسكندرية، وتعرض لانشقاق فتت بنيته التنظيمية بوقوفه مع المعارضة العلمانية مع الجيش ضد الإخوان، ويلعب الحزب حالياً دور الممثل المرضي عنه للإسلام السياسي في البرلمان ويؤيد حكومة السيسي على طول الخط، وبشكل عام كانت الاختلافات الإيديولوجية بين السلفيين سبباً محورياً في عدم قدرتهم على لعب دور أكثر خطورة واستمرارية في مصر، فاستغرق صعودهم وسقوطهم السياسي مدة عامين فقط.
 
في المقابل أنشأ رجل الأعمال نجيب ساويرس حزب المصريين الأحرار وهو حزب بهدف الحيلولة دون سيطرة الاسلاميين على مقاليد الحكم في مصر، واستفاد الحزب من الإمكانيات المالية والاعلامية الهائلة لساويرس ومن دعم غالبية المسيحيين له (7) واستفاد الحزب من 30 يونية بالفوز بعدد كبير من مقاعد البرلمان إلى أنه تعرض للتفتيت على يد الأجهزة الأمنية مؤخراً، كما ضم التيار الليبرالي حزب مصر الحرية الذي أسسه عمرو حمزاوي، المعلق السياسي وكبير الباحثين في معهد كارنيجي، ورغم الحضور الإعلامي الكثيف لحمزاوي خلال تلك الفترة إلا أن حزبه لم يتمتع بأي قاعدة جماهيرية واختفى الحزب بانتقال حمزاوي إلى ألمانيا بعد 3 يوليو.
 
كما أسس مجموعة من قدامى السياسيين والنشطاء الشباب والشخصيات التي تتمتع بسمعة طيبة في مجال العمل العام مثل محمد أبو الغار والدكتور محمد غنيم والفقيه الدستوري محمد نور فرحات المصري الحزب الديمقراطي الاجتماعي والذي يتبنى إيديولوجيا الطريق الثالث، وأحد وجوه جيل السبعينيات وهو فريد زهران مؤسس المركز الديمقراطي الاجتماعي الذي اقتبس اسم الحزب منه، وانسحبت القاعدة الشبابية للحزب عقب 3 يوليو، وتأسس في المنطقة نفسها بين الليبرالية واليسار حزب العدل الذي نأى بنفسه عن الاستقطاب العاصف بين العلمانيين والإسلاميين، وكذلك حزب التيار المصري الذي كونه المنشقون عن الإخوان واختفى الحزبان بعد 3 يوليو أيضاً.
 
 
 
وفي اليسار ظهر حزب العمال الذي ضم عددا من الرموز اليسارية التقليدية وقيادات عمالية لعبت دورا في الاحتجاجات الاجتماعية العديدة التي شهدتها البلاد على مدار العقد الأول من القرن العشرين. وأخفق الحزب في أن يصبح تنظيماً لملايين العمال والفلاحين المصريين الذين يحاول مخاطبته، وانتهت التجربة السياسية للحزب بانقلاب 3 يوليو، وضم اليسار كذلك حزب التحالف الشعبي الاشتراكي الذي عصفت به الانشقاقات إبان المواجهة المفتوحة مع الإخوان في 30 يونية، والحزب الشيوعي المصري الذي أعيد احياؤه بعد الثورة والآن يدور في فلك السيسي، وحزب مصر الاشتراكي الذي تحول قائده أحمد بهاء الدين شعبان إلى موقع المعارضة المرضي عنها، وحركة الاشتراكيين الثوريين التي عانت بعد 3 يوليو من تشويه إعلامي ومضايقات أمنية لا تطاق.
 
أما ائتلاف شباب الثورة وهو أهم مجموعة شبابية التي تأسست في خضم العملية الثورية فقد ضم ممثلين عن تيارات مختلفة منها شباب 6 ابريل وممثلين عن شباب جماعة الإخوان المسلمين وحزب الجبهة والحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير ومجموعات أخرى، وحلّ نفسه مع أول انتخابات ديمقراطية في مصر في أواخر 2011.
 
كما لجأ بعض مرشحي رئاسة الجمهورية في 2012 لتحويل حملاتهم الانتخابية إلى كيانات سياسية جديدة كحزب مصر القوية المتحول عن حملة عبد المنعم أبو الفتوح والذي يعاني من حصار أمني مكثف منذ 3 يوليو وحزب الحركة الوطنية المتحول عن حملة الفريق أحمد شفيق الذي يؤيد السيسي بلا تحفظات.
 
كانت الثورة هي من صنعت القوى السياسية في الغالب وليس العكس، وكان الصدام السياسي بين الإخوان المسلمين وأغلب الكيانات السابق ذكرها سبباً رئيسيّاً في مصادرة الطغمة العسكرية للسياسة وتصدع كل الكيانات السياسية الفاعلة في اليمين واليسار على حدٍ سواء.
 
ما وراء المواجهة

توج الانفجار السياسي في مصر في 30 يونية مسيرة الصدام بين القوى العلمانية وجماعة الإخوان المسلمين الذي انطلق منذ استفتاء 19 مارس الهويتاتي وتعمّق مع طرح محمد مرسي رئيس الجمهورية "الإعلان الدستوري" الشهير، فاندفعت جميع القوى لتدمير البيئة السياسية تماماً. ويعد هذا الصدام تحولاً عنيفاً في السياسة المصرية منذ أربعة عقود على الأقل، فحتى استفتاء 19 مارس 2011 كان يٌنظر إلى الإخوان من قبل ممثلي كافة الحساسيات السياسية (مع استثناء بعض العناصر العليا من الإنتلجنسيا) كضحايا لسلطة استبدادية وكجزء "مختلف" من الحركة الوطنية، إلا أن المرحلة الانتقالية قوضت تلك النظرة، وتغيرت المواقف والرؤى، وأصبح ينظر إلى الجماعة كقوة تريد استثمار الثورة في خدمة مصالحها السياسية وإقامة نظام سياسي في النهاية يستغل هيكل الدولة في فرض تصوره الديني على الدولة والأخلاقوي على المجتمع.
 
في المقابل كان الخطأ الاستراتيجي الذي سقطت فيه جماعة الإخوان ناتجاً عن القراءة الرغائبية للمشهد، فظنت الجماعة أن الحكم آل إليها بمجرد سقوط مبارك، وعبّرت عن نفسها كحركة تنشد لعب دور المؤسسة المحتكرة لصفة الإسلامية، والثورية أيضاً، خاصة منذ التظاهرة الحاشدة التي نظمتها الجماعة في 29 يوليو 2011 حين حشدت كافة فصائل العمل الإسلامي من المتشددين والمعتدلين على حدٍ سواء ورفعت شعار "مصر إسلامية" بينما أطلقت باقي القوى السياسية على التظاهرة "جمعة قندهار" للتذكير بمصير أفغانستان على يد الإسلاميين، وترتب على كل ذلك وضع الجماعة في موقع من يهدد طبيعة الدولة وهويتها ووضع باقي القوى السياسية في الضفة المقابلة التي تنشد الحفاظ على الدولة المصرية بما في ذلك الطغمة العسكرية التي نظر إليها كحصن أخير لعلمانية الدولة ولبقائها. إن الافقتار إلى الثقة في جماعة الإخوان المسلمين قبل وبعد وصولها إلى السلطة وفر الدعم الشعبي المطلوب واللازم للتدخل العسكري المباشر.

كانت قدرة نظام الإخوان مرهونة بأمرين: أولاً الطريقة التي يتعامل بها مع الأزمات المحلية ومدى استجابته للمطالب الاجتماعية للطبقات الفقيرة والمطالب السياسية للطبقة الوسطى، وقدرته على استيعابها ضمن العملية السياسية من خلال الأحزاب والمؤسسات، وبالتالي احتواء الغليان السياسي وبناء قاعدة شعبية حقيقية تضمن استقراره وتحميه من انقلاب عسكري محتمل، وهو ما لم يحدث. والأمر الثاني هو مأسسة السيطرة المدنية على الجيش عن طريق تغييرات تنظيمية تعزز الاحترافية داخل المؤسسة العسكرية وتوجه مواقف النخبة العسكرية بعيداً عن دور الوصي على الحياة السياسية، وإلغاء الامتيازات المادية الضخمة التي تجعل من القوات المسلحة القوة الاقتصادية، ومن ثم السياسية، الأولى في البلاد، أجرى الرئيس المعزول محمد مرسي تغييراً تنظيمياً محدوداً على مستوى كبار موظفي القوات المسلحة لكنه لم يقترب من المصالح الاقتصادية الكبيرة للجيش.
 
وفي مقابل تغلل النزعة الأصولية لدى الإخوان وعجز الجماعة عن تجديد جهازها المرجعي وتطوير مهاراتها السياسية بما يسمح لها بحكم دولة بالغة المركزية ومجتمع شديد التعقيد مثل مصر، فإن نزعة الدولتية (غير المٌدركة) تخترق القوى الليبرالية واليسارية والناصرية حتى النخاع، رغم أن تلك النزعة لا تظهر إلا في اللحظات الحاسمة التي تكون فيها الدولة في خضم مواجهة مصيرية مع جماعة تشبه "الدولة الموازية" تحمل تصوراً بديلاً لشكل الدولة ووظائفها، وهو ما يفسر (نظرياً على الأقل) طبيعة التحالف الغريب بين "القوى المدنية" والجيش والشرطة في 30 يونية، فعلى الرغم من ضجيج الصدام السابق بين التيارات السياسية المعلمنة والدولة أثناء حكم المجلس العسكري، إلا أن تلك القوى في أعماقها تعتنق "دين الدولة" بإخلاص وهو ما ظهر في 3 يوليو.

ويمكن تفسير اتجاه حمدين صباحي للعب دور المنافس الهزلي أمام السيسي في انتخابات 2014 رغم تيقنه من الخسارة المهينة بأن "الإله - الدولة" دفعه للتضحية بمصداقيته السياسية على مذبح "سمعة " مع الأخذ في الاعتبار جذرية الإيمان بالدولة عند الناصريين، وصباحي قائد جيل السبعينات الناصري.

ويجب ملاحظة أن النزعة الدولتيّة تتمظهر في مفهوم "القوى المدنية" نفسه والذي يستخدم لتعبئة المتعاطفين مع "مدنية الدولة" وإقصاء الإسلاميين الذين يمثلون تهديداً للدولة في الظاهر وفي العمق يمثلون تهديداً لموقع تلك القوى على المسرح السياسي.

ما جنته يناير

بشكل أعم كان أقصى ما يمكن الوصول إليه بعد 25 يناير، بحكم تركيبية القوى السياسية الموجودة على الساحة ذات الطابع الليبرالي والأصولية اليمينية، هو الديمقراطية الإجرائية (ديمقراطية الصندوق) وليست ديمقراطية الإصلاحات السياسية والاجتماعية العميقة التي تحمي مصالح العمال والفلاحين وصغار الموظفين والعاملين بالقطاع غير الرسمي، والتي من شأنها تهديد مصالح أصحاب الأعمال (وعلى رأسهم أساطين الاستيراد) وأصحاب المصالح الزراعية التجارية الموجهة للتصدير(8).
 
ومع ذلك، حتى هذا الشكل المحدود والمقيّد من الديمقراطية لم يتحمله هؤلاء، خوفاً من أمرين: زيادة قوة العمال السياسية في ظل المزاج الثوري السائد. وكذلك منافسة أصحاب المصالح التجارية من الإخوان الذين اقتربوا من السيطرة على أجهزة الدولة التشريعية والإدارية (التي تمنح العقود وتوزع الصفقات التجارية وتوفر الوظائف) وكذلك القدرة على تصميم القوانين وفقاً لمصالحهم. لذا سخّرت شريحة "رجال الأعمال" كل إمكانياتها المالية وأدواتها الإعلامية للقضاء على أي شكل للديمقراطية، وليس فقط الإطاحة بالإخوان، عبر اللجوء إلى الجيش الذي تعد قيادته صاحبة المصلحة الكبرى في استعادته السلطة.
 
ولم يكن أصحاب المصالح الاقتصادية وحدهم من أن أحس بخطورة الديمقراطية الإجرائية، فنظراً لاعتلال الثقافة السياسية (9) ولأن المنافسة لم تكن ذات طابع مؤسسي، رأت القوى السياسية الليبرالية أيضاً في تلك الديمقراطية خطراً يهدد بحرمانها من أي مكسب سياسي، في ظل ضآلة قاعدتها الشعبية، فأعطت الجيش إشارة بقبولها وصايته وذلك منذ ديسمبر 2012 بالتزامن مع صدور الإعلان الدستوري فوافقت على مبادرة السيسي بالتدخل "كوسيط أعلى" بين طرفي الأزمة، كاشفةً عن رغبتها في أن يخوض الجيش معاركها السياسية على أن تحصد ثمرة تدخله، وهو ما فعلته في 1 يوليو 2013 حين وافقت على مهلة 48 ساعة قررها عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع وقتها، لحل الأزمة السياسية التي انتهت بعزل مرسي، دون وضعهم في السلطة كما كانوا يأملون، بعد أن شاركوا في مشهد محكم يؤكد إجماع كل الأطراف السياسية في البلد على الإطاحة بالإخوان وبالمسار السياسي نفسه الذي نجحت الجماعة في تصدره، واستعاد الجيش السلطة كاملةً وصادر السياسة تماماً.

وكرد فعل على الصعود الصاروخي للحركات الإسلامية واستمراراً لعملية عزل الأقباط عن المجتمع، كانت الكنيسة القبطية (الممثل السياسي للأقباط منذ منتصف الثمانينيات) في طليعة المطالبين بتدخل الجيش لتعيد ترميم العلاقة بينها وبين الدولة القائمة على الاعتماد المتبادل كما تؤكد نادين سيكا (10) كما ساند الأزهر تدخل الجيش خوفاً من تهميشه على يد الإسلام السياسي الذي تغلغل بين مؤسساته التعليمية والتوجيهية وكاد أن يحولها إلى قاعدة للإسلام الحركي.

أما الطبقة الوسطى التي دعمت الحكومة التمثيلية والمسار الديمقراطي، فكانت، وعلى مدار المرحلة الانتقالية، تخشى على مصالحها من الضغوط الطبقية الآتية من أسفل فعارضت مطالب العمال وكشفت عن خوفها من أبناء المناطق العشوائية على أمنها، وخوفها المبالغ فيه على نمط حياتها اليومية من تصاعد دور الإسلاميين وخاصة بعد تسييس الحركات السلفية وعودة رموز الجماعة الإسلامية إلى المشهد مثل عاصم عبد الماجد ، لذا وافقت ضمنياً وبشكل متردد على تدخل القوات المسلحة وبسط سيطرتها عل الحياة السياسية، مع أمنيات وردية بالسماح لها بالمشاركة في اللعبة السياسية.

كانت تلك القفزة من المسار الديمقراطي المحدود إلى الكابوس الاستبدادي واردة في ظل هشاشة الديمقراطية التي أفرزتها 25 يناير، والناتجة عن اهتراء البنية الاقتصادية وضعف الأحزاب السياسية، وقوة التركة السلطوية المتجسدة في ضعف المؤسسات القضائية وتبعيتها، وانحياز الجهاز الإداري للعسكريين، وهو الجهاز الذي تحكمه ثقافة الانتفاع والبرجزة من الفساد والتحايل ومحاباة الأقارب، وضعف التجربة البرلمانية (11) وبالتالي كانت ديمقراطية عاجزة عن إخضاع القوات المسلحة للسلطة المدنية فضلاً عن تهديد المصالح الاقتصادية المقدسة لكبار العسكريين، وأعطى كل ذلك الجيش فرصة ذهبية في العودة إلى المشهد الذي لم يخرج منه أصلاً، وإن كان جرى تحييده جزئياً ومؤقتاً، لتستمر السلطوية البيروقراطية بعناد وتحقق هدفيها في الانتقام ممن صنعوا الثورة والحفاظ على مكاسبها المالية والسياسية، مدعمةً بجهاز إكراهي جبار يمتلك اقتصاده الخاص فضلاً عن اقتطاعه نسبة كبيرة من ميزانية الدولة وحصوله على مساعدات خارجية ضخمة، أعني الجيش، الذي يغرد الآن وحيداً على أطلال السياسة المصرية.
 
 
الهوامش:
 
(1) عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان استثناء من ذلك حيث استمرا في انتمائهما للإخوان المسلمين، حتى خرج أبو الفتوح من الجماعة في 2011 بينما ظل العريان مع الجماعة حتى الآن.
(2) انظر الأجيال في السياسة المصرية، دراسة حالة لجيل السبعينيات، أحمد التهامي عبد الحي الهيئة العامة للكتاب 2009 القاهرة.
(3) العربي صديقي، البحث عن ديمقراطية عربية: الخطاب والخطاب المقابل، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 2007) نقلا عن بهجت قرني ورباب المهدي، الشرق الأوسط الاحتجاجي من كتاب الربيع العربي في مصر الثورة وما بعدها تحرير بهجت قرني ط1 2012 مركز دراسات الوحدة العربية.
(4) بهجت قرني ورباب المهدي، الربيع العربي في مصر مصدر سابق.
 (5) نفسه
(6) خالد عز العرب، خريطة الأحزاب السياسية في مصر بعد الثورة، بي بي سي، 23 يونية 2011
(7) نادين سيكا، ديناميكيات الخطاب الديني وازدياد حركة العلمانية في مصر، الربيع العربي في مصر، مصدر سابق
(7) عز العرب مصدر سابق
 (8) استفاد هؤلاء من النمو الاقتصادي السريع قبل 2011 وتستميلهم الدولة إلى جانبها دائماً وبينهما توافق على تبني نمطٍ اقتصادي غير إنتاجي، وكذلك تقييد الطبقة العاملة، وقد ساندوها على طول المرحلة السابقة بكل تطوراتها ضد النزوعٍ الثوري الناتج عن السخط السياسي لدى الشرائح الاجتماعية التي تم إقصاؤها.
(9) لم تحقق الثقافة السياسية التي تشمل التيار الديني الملتزم بقيم تراثية أو محلية، والتيار العلماني الملتزم بقيم غربية الطابع، إجماعاً في مسائل بالغة الأهمية مثل طبيعة الهوية القومية وشكل الدولة ومدى تدخلها في المسائل الدينية والأخلاقية، ودور ومكانة القوات المسلحة، بالإضافة إلى مسألتي المرأة والأقليات، ومن ثم لم تكن هناك إمكانية للتوافق والحلول الوسط أو الاعتدال في الخطاب السياسي، وهو ما يعرض أي شكل من أشكال الديمقراطية للتقويض.
(10) نادين سيكا، مصدر سابق
 (11) بي سي سميث، كيف نفهم سياسات الشرق الأوسط، ط1 المركز القومي للترجمة 2011.
محمد جبريل

باحث من مصر.

مواد أخرى لـ محمد جبريل

ذات صلة