Print this page

فلسطين وإصلاح الدولة العربيّة: مصر وسوريّة نموذجاً

28 شباط/فبراير 2018
 
قدحت نكبة فلسطين عام 1948 عوامل واقع سياسي واجتماعي جديد في العالم العربي، ودخلت الثقافة السياسية العربيّة مراحل مختلفة منذ ذلك الحين ورافقها بالطبع خطابات مختلفة تسيّد منها الثقافةَ السياسية خطابان منذ عام 1979 يبدوان متناقضين بخصوص فلسطين، ولكنهما في الواقع متقاربان في عمقهما، كما أنهما يخصّان ويعبران أكثر عن أيديولوجيا النظام العربي.
الجديد في اللحظة التاريخية الراهنة (منذ 2011) هو أن هذين الخطابين ينتعشان وينموان في الصدوع السياسية والهويّاتية التي تتعاور المجتمعات العربيّة بفعل الثورة والثورة المضادة على التوالي، ومن هنا تمثل إعادة فتح النقاش النقدي حول قضيّة فلسطين خطوة هامّة على مستويين: مستوى دعم القضية فلسطينية بإعادة موضعتها في مجمل السياق القومي والقُطري، وعلى مستوى فهم ونقد وتحليل النظام العربي وإدارته للمجتمع في لحظة انتعاشه بعد هزّات الثورات الأخيرة.

وفي هذا المقال  سنناقش موضوع الدولة العربيّة والقضية الفلسطينيّة باتخاذ كل من دولتي مصر وسوريّة كأمثلة رئيسة.
 
أولاً: صورة فلسطين في خطابين
 
قبل فحص العلاقة التي يفترضها هذا المقال بين قضية فلسطين وإصلاح الدولة العربيّة ويستخلص في النهاية استنتاجات بشأنها، من المفيد مناقشة صورة فلسطين عند كل من تيار "الاعتدال" بقيادة مصر وتيار "الممانعة" بقيادة سوريّة (1)؛ فهذه المناقشة ستقودنا في النهاية إلى إدراك أن التكامليّة الواضحة بين مكوّنات النظام العربي تتعدى تطابق سياسات القمع واللبرلة الاقتصاديّة في الداخل إلى القضيّة الفلسطينيّة على المستوى القومي.
 
- تيار التطبيع: شعب بلا أرض
 
منذ زيارة السادات للقدس عام 1977، نشأت وتطورت بلاغة سياسيّة عربيّة بخصوص فلسطين تعتمد على فكرة رئيسة: فلسطين باعتبارها "عبئاً تاريخياً" يحول بين الدولة العربيّة والتنمية ومواجهة التحديات الاجتماعيّة "الجديّة" والتي تأجّلت كثيراً بفعل استنزاف الصراع العربي الإسرائيلي لموارد الدولة وخزينتها العامّة.

حاول تيار التطبيع بقيادة النظام المصري تجميل هذه الفكرة بإكسابها طابعاً علمياً وعاطفياً محموماً عبر آليات دعاية واسعة تعتمد على أرقام ودراسات غربيّة وشعاراتيّة مشحونة بالنزعات الشوفينيّة الرثة. ولهذا، نعتقد أن مواجهة هذه البلاغة السياسيّة تستلزم عدم الاكتفاء بإصدار أحكام قيميّة أو تعبيرات تخوينيّة والاعتماد أكثر على النقد الجدّي للخطاب السياسي، خاصة وأن الأخير قد شهد انتعاشاً ففي الآونة الأخيرة في سياق ما يعرف ب "صفقة القرن".

لنقد هذا الخطاب، علينا وضع بعض التمييزات الأساسيّة، وأولها تمييز إزاء الحروب العربية الإسرائيليّة؛ فباستثناء حرب 1948، لم يخض النظام العربي أي حرب لـ"تحرير" فلسطين، وكل حروبه كانت درءاً لاعتداء إسرائيلي: حرب 56 وحرب 67 وحرب الاستنزاف (1967-1970) وحرب 73 وحرب 82 وحرب 2000 وحرب 2006. وهذا يعني أن إسرائيل كانت تاريخياً هي المشكلة والعبء وليس "النضال" لتحرير فلسطين من الاحتلال، وهذا فارق كبير يمكن أن تتأسس عليه رؤى استراتيجيّة مختلفة للدولة العربيّة.

بمواصلة مدّ خطوط التمييز السابق، نستخلص تمييزاً ثانياً وهو أن القضية الفلسطينيّة أحد الأعباء الثقيلة على "النظام" العربي، بينما إسرائيل هي إحدى مشاكل المجتمعات و"الدولة" العربيّة، ومحاولة إلقاء النظام السياسيّ العبء الأخلاقي عن كاهله تتصل مع محاولات سياسية واقتصاديّة داخلية تمس البنيّة الأيديولوجيّة الغائرة في جينالوجيا النظام.

في الجمهوريات العربيّة، قلب أيديولوجي صلب يضخ آخر دفقات الشرعية إليها ويتكون بالدرجة الأولى من "تقديس الثورة والجمهوريّة"(٣) واعتبار العرب "أمة واحدة" (٤). وقد حاول النظام العربي الخلاص من هذا المكوّن الصلب بسياسات مختلفة، مثل مشروع التوريث الذي يُصفّي عملياً آخر معالم الجمهوريّة، ومحاولة اختراع هويّات من ماضٍ حضاريٍ سحيق من جهة أخرى (مثل الحِمْيَرية والفرعونيّة والفينيقيّة والبابليّة)، والوظيفة الأساسيّة لهذه الأخيرة تحريرُ النظام العربي من أي ضغوط قوميّة ونزع قضية فلسطين من إطارها الواقعي العربي، وبالتالي إلقاء هذا العبء الأخلاقي من على كاهل النظام؛ فإذا كنّا فراعنة وفينيقيين، يصبح الفلسطينيون كنعانيين وهكذا تُحل المشكلة وتصبح قضية فلسطين مشكلة "أناس آخرين". وعموماً، فشلت كل هذه المحاولات -على خطورتها- لأسباب عديدة منها رثاثة وانعدام كفاءة الأدوات التي استخدمت لعملية تغيير التكوين الإيديولوجي الصلب للنظام.

الجزء الثاني من صورة فلسطين عند تيار التطبيع هو القول بوجود فلسطينيين بدون فلسطين؛ أي بوجود شعب بلا أرض، والخطوة اللازمة لذلك هي نفي الصفة الإنسانية عن هذه المجموعة من البشر بتحويلها لجوهر لا يتأثر بالتاريخ؛ فالمتابع للإعلام المصري منذ بدء مشاركة نظام مبارك في حصار غزّة وحتى اليوم يرى أن النقاش يدور حول الفلسطينيّ بدون فلسطين، ويظهر هذا الفلسطيني في الصحافة باعتباره جاحداً للمعروف، ومثيراً للمشاكل، وغيرَ وطني، وطفيلياً، ومؤخراً باعتباره إرهابياً (تماشياً مع المعايير الأميركيّة). وكل الأحاديث والدعايات الصحفيّة حول بيع الفلسطينيين لأرضهم تصب في مجرى التنميط: شعب لا تاريخي بدون أرض.
 
 
- تيار الممانعة: أرض بلا شعب
 
لا يختلف جوهر تصور النظام السوريّ ومن معه من دول ومليشيات عن تصور تيار التطبيع كثيراً؛ فالنظام السوري يصوّر القضيّة الفلسطينيّة عبءاً "واجباً" على المجتمع السوري، وخطورة هذا التصوير أنه عملي ويوظف ضمن أدوات أخرى في بناء بيئة أمنيّة وسياسيّة واقتصاديّة كاملة. فالقول إن التنمية والإصلاح السياسي وإنهاء التعامل الأمني مع المواطنين وإيقاف التعذيب والديمقراطية كلها مؤجلة بسبب قضية فلسطين هو أكثر خطورة من خطابات أنظمة التطبيع العربيّة.

فخطاب الأخيرة دفاعي أساساً، بينما الخطاب الثاني هجومي ويربط بالممارسة بين يوميّات الدمار الاجتماعي والقضيّة الفلسطينيّة. وقد رأينا فاعليّة هذا النوع من الخطابات السياسيّة في أوروبا الشرقيّة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي: فرغم الإمبراطوريات الإعلامية الضخمة والمؤسسات الصهيونيّة والتيارات البروتستانتيّة المتطرفة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربيّة وعملها المتواصل في تنميط الفلسطينيين والعرب والترويج لإسرائيل، ورغم التعاون التاريخي والسخي بين حكومات هذه الدول وإسرائيل، فإن أقوى التيارات السياسيّة المتعاطفة مع إسرائيل والمتوددة للولايات المتحدة والمتبنية للتصورات العنصرية إزاء العرب والأكثر تطرفاً في النزعات اليمينيّة القوميّة هي تلك التي ظهرت في المناطق التي حكمها الاتحاد السوفياتي وليس في أوروبا الغربية: الاتحاد السوفياتي الذي كان يربط سياساته القمعية والاقتصادية بحق الشعوب في التحرر (ومنها الشعب الفلسطينيّ) وبالعداء للولايات المتحدة وبالمساواة الإنسانيّة وبالنزعة الأممية والتشكيك في القوميات.

الدمار الذي ألحقه النظام السوري وإيران والحركات المسلحة التابعة لهما بالدعم الاجتماعيّ في دول المشرق العربي للقضية الفلسطينيّة يشبه الذي ألحقه الاتحاد السوفياتي بالدعم الاجتماعي في أوروبا الشرقيّة للقضايا والمبادئ العادلة ومنها القضية الفلسطينيّة. وإن كان هذا مجرّد تقديرات نظرية منّا، فلا توجد مسوحات وقياسات رأي عام متواترة في سوريّة ولبنان واليمن والعراق لإثبات هذه التقديرات، وفي كل الأحوال سيحتاج مناصرو القضيّة الفلسطينيّة من الديمقراطيين العرب خوض معارك رأي عام ضروريّة لوضع تمييزات بين دعاية النظام الممانعاتيّ الاستغلاليّة والمضللة وأخلاقية القضية الفلسطينية أولاً ووزنها الاستراتيجي ثانياً(5).
 
الجزء الثاني من صورة فلسطين في خطاب الممانعة هو القول بوجود فلسطين بدون فلسطينيين؛ أي بوجود أرض بلا شعب، والخطوة التالية هي إما نفي الفلسطينيّ أو تنميطه، ويصوّر الفلسطيني مؤخراً باعتباره بطلاً، وشجاعاً(6)، وذا ألمٍ نبيل تصغر أمامه آلام أي عربي آخر. وإذا كانت عملية التنميط تخدم السياسات الخارجيّة لأنظمة التطبيع بالدرجة الأولى، فإنها تخدم السياسات الداخليّة لأنظمة الممانعة بالدرجة الأولى.

المتابع للصحافة المرئية والمقروءة التابعة لأنظمة الممانعة يلحظ الجزء الآخر من الصورة وهو نفي الفلسطيني تماماً بحيث يدور النقاش حول فلسطين/الأرض فحسب؛ فالنظام العراقي يصنف من قبل سورية وإيران سياسياً وإعلامياً ضمن محور الممانعة الذي يفشل "المخططات الأميركية والإسرائيلية"، وهو النظام نفسه الذي أصدر مؤخراً قرارات بحرمان الفلسطينيين من مميزاتهم التي نعموا بها قبل الاحتلال الأميركي(7). وفي لبنان، هناك تيار طائفيّ يستمد جزءاً من شرعيته الاجتماعيّة وشعبيته العربيّة من القضية الفلسطينية، وهو ذات الطرف الذي لا يحرك ساكناً في مظلمة اللاجئين الفلسطينيين التاريخية في لبنان، بل ويتحالف مع تيارات طائفيّة تعبّر علناً عن كراهيتها العنصريّة للفلسطينيين وإصرارها على حرمانهم من أبسط حقوقهم الآدمية(8).

هذان المثالان وغيرهما كثير تبدو كتناقض، ولكنها لا تفهم إلا باستبطان الفكرة القائلة إن هذا التيار يتحدث عن أرض بلا شعب، وفي حال وُجِد هذا الشعب فهو أقرب إلى المجرّد الصرف منه إلى واقع تاريخي وإنساني.
 
وهكذا نجد أن بنية الصورة عن فلسطين في الخطاب السياسي تتماثل عند تيّاري الاعتدال والممانعة؛ ففلسطين عبء تاريخي والفلسطيني منفيّ في نماذج وأنماط.
 
 
ثانياً: انقطاعات تاريخية
 
في الدراسات التي تتناول موقع فلسطين من صيرورة المجتمعات العربية في القرن العشرين، نجد ربطاً بين حرب 48 والإجهاز على المرحلة الليبراليّة العربيّة في فترة بين الحربين العالميتين، وهذا صحيح ولكنه يحتاج بعض الفحص.

ابتداءً، نكبة 48 كانت فقط القادح للعوامل والمشاكل التاريخية والمعقدة التي رافقت الدولة العربيّة منذ نشأتها الحديثة عقب انتهاء الحرب العالميّة الأولى، وبالتالي فالعلاقة بين نكبة فلسطين والانقلابات العسكريّة في مصر والمشرق العربي ليست علاقة سببيّة؛ فأول انقلاب عسكري عربي كان انقلاب بكر صدقي في العراق عام 1936(9)، وحدثت أول محاولة انقلابية في اليمن الشمالي -كان آنذاك يسمى المملكة المتوكليّة- في فبراير من عام 1948.

الفارق الرئيس الذي أحدثته نكبة فلسطين هو أنها قوّت التيارات السياسيّة الجذرية؛ مما جعل الانقلابات التالية للنكبة انقلابات من داخل النظام تُغيّر من طبيعته وقواعده الاجتماعيّة وشكل المجال السياسي وعدم الاكتفاء بالإطاحة بالحكومات مع الإبقاء على بنية النظام وشكله كما في العراق واليمن الشمالي قبل النكبة. وهكذا، بعد نكبة فلسطين ومع انقلاب حسني الزعيم في سوريّة عام 1949 ثم انقلاب يوليو 1952 في مصر، انكسرت النخبة الليبرالية العربية وحدث أول انقطاع في التراكم السياسي العربي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وبدأت مرحلة جديدة قسماتها قيادة الجيش لعملية التحديث وإنهاء مسألة الإقطاع وتدشين رأسمالية الدولة والسياسات الأمنية وإنهاء الحكم النيابي.
 
- انتهاء المد القوميّ
 
وبعد أقل من عشرين سنة، حدث الانقطاع الثاني وظهرت فلسطين المحتلة مجدداً بإنهاء حقبة المد القومي إثر هزيمة حرب 67، وكما الهزيمة الأولى كان الانقطاع نتيجة أزمات دولة الاستقلال العربيّة ونخبها الحاكمة وفشلها المخجل في السياسة والبيروقراطيّة، ويكفي أن نشير إلى إحدى الفضائح التاريخيّة في هذه الحرب وهي إعلان الجيش السوري -بقيادة حافظ الأسد الذي كان آنذاك وزير الدفاع- في البيان 66 سقوط القنيطرة بيد الاحتلال الإسرائيلي قبل أن تصل إليها القوات الإسرائيليّة(10).

عند هذا المستوى، تتفق آراء كثيرة على أننا لا نزال نعيش عقابيل هذا الانقطاع الثاني، وأن ما تلا ذلك من تطوّرات حتى عام 2011 لم يكن إلا هزّات ناتجة عن الانقطاع الثاني. ولكن رأينا هنا أن ثمة انقطاعاً ثالثاً لتراكم ظهرت بواكيره الخجولة بعد الانقطاع الثاني إثر هزيمة 67، وهذا الانقطاع كان على يد النظاميْن المصري والسوري منذ نهاية السبعينيّات من القرن الماضي.

بعد هزيمة 67، وكما يحدث عند انهيار الأيديولوجيا المسيطرة على المجال العام بفعل ضربة واحدة، انفتحت أبواب المجال السياسيّ-الاجتماعيّ أمام تيارات السياسة والثقافة؛ لأن ذاك الفشل المدوي احتاج إلى العقلنة والتحليل حتى تُنزع منه صفة الصدمة، وتنفتح أبواب الأمل أمام الناس. رأينا مثلاً انتعاش الحركات الإسلامية وازدياد شعبيتها خاصة مع تشكّل الجناح الراديكاليّ منها داخل زنازين الأنظمة القوميّة، ولا يمكن تفسير الصعود السياسي للإسلاميين في السبعينيّات وتمددهم داخل شرائح طبقيّة جديدة بالرهان الساداتيّ عليهم أو بحرب أفغانستان والضخّ المالي والسياسي الذي نعموا به من قبل الأنظمة العربيّة المحافظة والولايات المتحدة فحسب؛ فالإسلاميون كانوا تياراً موجوداً في المجتمع قبل كل هذه المتغيرات.

ولكن الدفعة الحيويّة التي حصلوا عليها كانت هزيمة 67 قبل أي شيء آخر، وفي سوريّة تحديداً تَظهر سلامة هذا التحليل؛ فجماعة "الإخوان المسلمين" في سوريّة انتعشت في السبعينيات قبل وأثناء حرب أفغانستان وبدون توسيع نظام الأسد هامش حركتهم. والجناح الذي تصادم مع النظام منهم -الطليعة المقاتلة- كان بقيادة مروان حديد، الذي انتسب لحركة فتح  وقاتل في الأردت تحت تأثير هزيمة67 (11). وإذا كان التيار الإسلامي تياراً اجتماعياً-شعبياً في المقام الأول، فقد كان التيار النخبوي المُعادل والذي تسيّد المشهد الثقافي منذ 67 هو التيار الثقافويّ الذي يتعالى -مثل الإسلاميين- على السياق التاريخي والاجتماعي وعوامل الاقتصاد ويفسر الهزيمة برثاثة الثقافة الاجتماعيّة وسوء الثقافة العليا وبعلم النفس الاجتماعي(12)، في حين فسر الإسلاميون الهزيمة بأفكار دينيّة. وظهرت كذلك تحليلات يساريّة راديكاليّة للهزيمة باعتبارها هزيمة سببتها البرجوازية الصغيرة التي تمثلها الناصريّة(13)، وترتّبت على بعضها تحولات في حركات سياسية كفاحيّة أهمها تَمَركُس حركة القوميين العرب وولادة الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.
 
- انقطاع واتصال

هذه عادةً هي التيارات والتحولات التي تُذكر عند مناقشة مرحلة ما بعد 67. ولكن تبقى التحولات الأخرى -والتي لا تذكر كثيراً- خارج مثلث اليسار والإسلاميين والخطاب الثقافي: تحولات جهاز الدولة والقاعدة الاجتماعية للنظام، والتي كانت تحتاج مساحة زمنيّة حتى يشتد تيارها الاجتماعي وتنضج عواملها الطبقيّة؛ فالانقطاعات التاريخيّة عربياً في القرن العشرين لا تعني "ظهوراً مفاجئاً" لتيار سياسي معين من اللا شيء، بل هي أقرب إلى التحول التاريخي عن خيار سياسي ذي تيّار وإعادة الاتصال بتيار موجود قبلاً في المجتمع، بغض النظر عن شدّته وعرض قواعده.

وهذه التحولات هي التي نسميها التراكم الثالث (بعد التراكمين الليبراليّ والقوميّ الاشتراكيّ) وهي تراكم المطالبة الشعبية بالديمقراطيّة من جهة، وضرورة ذهاب النظام نحو الإصلاح المؤسساتي من جهة أخرى. ونرى أن هذا التراكم قُطع على مرحلتين: الذهاب نحو السلام والهدنة العملية مع إسرائيل بالنسبة لدول الطوق العربيّة، ثم الثورة المضادة وإحياء الطائفيّة السياسيّة بعد ثورات 2011.

بالنظر إلى الحالتين المصريّة والسوريّة، يمكننا رصد بزوغ هذا التحول الثالث بقراءة تفاعل النظام مع الهزيمة والجدل الاجتماعي حولها.

في مصر، استطاع نظام عبد الناصر أخيراً أن يكرس احتكار مؤسسة الرئاسة لإدارة البلاد منفردة بعد انتهاء مشاركة الجيش في "حُكم" مصر مع انهيار الجيش في هزيمة حزيران ورحيل عبد الحكيم عامر، كما زاد وزن المدنيين في التشكيل الحكومي على حساب العسكريين(14). وحاول النظام إجراء بعض الإصلاحات في النظام التعليمي، هذا بالإضافة إلى إعادة بناء وتسليح مؤسسة الجيش. وكان هذا أقصى ما تخيله نظام عبد الناصر من إصلاحات في الدولة، ولم يقبل بأي إصلاحات أبعد مدىً قد تهدد قوّة السلطة أو نفوذ مؤسسة الرئاسة، كما اتضح في اعتقالات المتظاهرين عام 1968 وفي الإقالات الجماعية للقضاة في 1969.

شعبياً، يمكن اعتبار مظاهرات الطلبة والعمال عام 1968 البداية المرتبكة والرمزيّة لهذا التحول. ولم تكن تلك المظاهرات فقط بخصوص الأحكام القضائية الخفيفة على الضباط المتورطين في الهزيمة كما صوّرت في الدراما المصريّة، بل نادت بمطالب إصلاحيّة وديمقراطية (15)، وقد صدرت هذه التحركات من تكوينات اجتماعيّة تدين بتوسعها للناصريّة، أي أنها خارجة من رحم الممارسات الأيديولوجية للنظام (16). على كل حال، ينبغي هنا ألا نبالغ في تقدير حجم وتنظيم هذا التيار بعد 67؛ ففي نهاية المطاف لم تُسند هذه المظاهرات بقاعدة اجتماعيّة صلبة بسبب التجريف الذي لحق بمجال التداول السياسي في فترة رأسمالية الدولة والمد القومي، وما ميّزها من سياسات أمنيّة. وأهمية هذه المظاهرات في رمزيتها وليس في عرض قاعدتها الاجتماعيّة.
 
 
أما في سوريّة، فقد كان الجدل الاجتماعي ضبابياً ولا تدل عليه تحركات جماهيريّة وإنما يمكن التقاط إشارات ضعيفة من هنا وهناك. ويكفي للدلالة على طبيعة المجال العام السوري آنذاك أن حافظ الأسد قاد انقلاب تشرين الثاني -الحركة التصحيحيّة- عام 1970 وأصبح رئيساً للبلاد التي كان هو شخصياً وزير دفاعها المسؤول عن أفدح هزيمة عسكريّة بتاريخها الحديث! ولهذا دلالة على فداحة الأضرار التي لحقت بمؤسسة الجيش جرّاء الانقلابات العسكريّة السوريّة المتوالية طوال عشرين سنة والتي منعت تكوّن حد أدنى من "الأساطير المهنية" -مثل الشرف العسكري- وأجهضت نشوء تقليد احترافي في مؤسسة الجيش كما أن تسيُّس الجيش حوّل الانقلابات من تغيير داخل النظام إلى عمليّة تجريف متواصلة للبيئة السياسيّة وضرب القوى السياسيّة أولاً بأول وبدون نشوء بيروقراطيّة عاتية أو ظل للمؤسساتيّة في الدولة.

ومع ذلك، نلحظ مثلاً أن التنظيم الفلاحي -وهو مؤسسة مولودة من رحم السياسات البعثيّة- وقف مع الجناح المدني عام 1969 ضد الجناح العسكري بقيادة حافظ الأسد (17). وحاول الأسد بعد وصوله إلى السلطة  -كما فعل السادات - فتح هامش ضيّق لبعض الأحزاب السياسية عام 1972 للمشاركة في الحكومة ومجلس الشعب (18).

ورافق هذه السياسات المهدئة للناس انتعاش اقتصادي بسبب المساعدات الخليجيّة في السبعينيّات والطفرة النفطيّة في نفس العقد والتي انعكست إيجاباً على الاقتصاد السوري الريعي بسبب تحويلات العمال السوريين المغتربين (19)، كما أُعيد بناء الجيش تحضيراً لحرب 73.
 
من المهم هنا أن نفهم هذه التغيرات في سياسات النظام ليس فقط في سياق رغبة النظامين السوري والمصري في توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام، ولكن هروباً من الإصلاح المؤسساتي الذي فرضته هزيمة 67، وسيتبع النظام العربي لاحقاً النمط نفسه في مواجهة الأزمات الماليّة في الثمانينيات وما بعدها: فتح هامش ديكوري للإصلاح هروباً من الإصلاح المؤسسي والديمقراطي الذي فرضته الأزمة المالية وبدء تحلل العقد الضمني بين المجتمع والنظام جرّاءها (20).

كان هدف السادات والجناح التابع له في النظام من حرب 73 هو إنهاء التهديدات الاجتماعيّة لاستقرار النظام السياسي وليس تحرير كامل التراب الوطني والعربي من الاحتلال الإسرائيلي (21). وثمة فارق كبير بين الأمرين، وبعد وقف اطلاق النار حاول نظام السادات خلق قواعد اجتماعية جديدة له بسياسات الانفتاح الاقتصاديّ الفاسدة والتحول النوعي في التحالفات الاجتماعية والدوليّة، ولكن هذه الأخيرة أو أي عمليّة أخرى تهدف للإبقاء على النظام بدون إصلاح مؤسسي لا يمكن أن تتم في ظل البقاء تحت طائلة تهديد عدو متفوّق تكنولوجياً وعسكرياً، وهكذا لم يكن أمام النظامين المصري السوري إلا خياران اثنان: إمّا التضحية بالنظام والحفاظ على الدولة من خلال قيادة النظام الإصلاح التدريجيّ لأجل الصمود في الحرب مع إسرائيل، أو التضحية بالدولة بالهروب من الإصلاح في سبيل الحفاظ على النظام، وقد اختار كلا النظامين -وكل النظام العربي لاحقاً- الخيار الثاني، والاختلاف كان فقط في الشكل والتكتيكات، أما البواعث والأهداف والنتائج فهي ذاتها.

كانت المشكلة التي طرحتها هزيمة 67 أن الأنظمة التي هزمت أنظمة شعبويّة قمعيّة، وبالتالي لم يكن بالإمكان إقناع المجتمع بسياسات قمعيّة وشعبويّة بحجة أننا في حالة حرب، لأن هذه السياسات هي تحديداً التي هُزمت وفسرت قطاعات اجتماعيّة واسعة الهزيمة بها (22). وبالتالي فما أحدثته حرب 67 في قطاع من الثقافة السياسية هو معكوس أثر الحروب في الدولة الديمقراطية التي تؤدي فيها الهزائم والحروب إلى تعطيل الحكم الديمقراطي، وفي هذه الزاوية تحديداً يمكن استحضار النموذج اليوناني وأثر الهزيمة في حرب قبرص على السلطة العسكرية الحاكمة ذات الخطاب القومي في سبعينيات القرن الماضي (23).
 
هذا الإشكال هو أحد بواعث الدعايتين المصرية والسوريّة لحرب اكتوبر 73 -لا يزال نظام الأسد يسميها حرب التحرير رغم بقاء الجولان محتلاً!- فالمبالغة في تعظيم نتائج الحرب رغم مآسيها المحزنة التي بدأت بعد أيام قليلة فقط ونتائجها المتواضعة، لها وظيفة أساسيّة تتفرّع منها باقي الوظائف: أن النظام لا يحتاج للإصلاح. ولكن كما هو معلوم فإن دعاية الأنظمة شيء، وحقائق الواقع الصادمة التي تدركها جيداً هذه الأنظمة شيء آخر (24): فالثابت أن دمشق بعد حرب 73 تقع تحت رحمة المدافع الإسرائيليّة في الجولان المحتل والذي يبعد عن العاصمة دمشق 60 كم فحسب، وأن القوات الإسرائيليّة كانت على بعد 101 كيلومتر فقط من القاهرة بعد حصار الجيش الثالث. والاستنتاج البسيط من هذه الحقائق أن أي حرب قادمة مع إسرائيل مع بقاء النظام العربي كما هو يعني زوال هذا الأخير بسقوط عواصمه بيد الاحتلال الإسرائيلي، ولهذا حُصر النظام بين الخيارين المذكورين أعلاه.

اختار نظام السادات السلام العلني المباشر مع استلام الأرض منقوصة السيادة، بينما اختار نظام الأسد المناورة السياسية الحذرة مع إعلانه أن السلام مع إسرائيل "خيار استراتيجي" وأصبح واضحاً -خاصة مع نظام الأسد الابن- أن مقابل السلام رجوع الأرض السورية المحتلة فقط كاملة السيادة (25).

كما أثبت عملياً -ولمّا تنقضي على حرب أكتوبر عشر سنوات بعد- أن النظام ليس في وارد الاحتكاك العسكري بإسرائيل لا على الجبهة السوريّة -التي تعد من أهدأ جبهات القتال في التاريخ المعاصر- ولا في لبنان، كما أنه مستعد للتفاهم المشترك وأثبت ذلك في دعم النظام السوري لحلفاء إسرائيل في لبنان وفي اشتراك القوات السوريّة والإسرائيليّة في ضرب قوات ياسر عرفات في الثمانينيّات.
 
خلاصة ما نصل إليه هنا، هو أن مواصلة الحرب مع إسرائيل بعد هزيمة 67 ونتائج حرب 73 كانت تنطوي على إمكانيّة -وليست حتميّة بالطبع- لدفع الدولة العربية نحو قيادة إصلاح مؤسسي على الأقل للحفاظ على نفسها، وترافق ذلك مع تخلّق تيار مرتبك وغير منظم كان يطمح ليس فقط للإصلاح المؤسسي والتنميّة بل إلى الإصلاح الديمقراطي وكان يحتاج وقتاً لكي يحقق التراكم اللازم لتجذير تيّاره السياسي-الثقافي في الطبقتين الفقيرة والوسطى، خاصة تحت ضغط إدراك النظام العربي لضرورة الإصلاح المؤسسي إذا تم اختيار مواصلة الحرب. 

ولكن النظامالعربي قطع هذه الإمكانية واختار أن تكون حرب 73 آخر حروب جيوشه ضد إسرائيل وتخلّى عملياً عن القضيّة الفلسطينيّة، واتخذ تيار الإصلاح الطريق الأطول للتراكم والذي وصل إلى مداه في شتاء 2010 واندلاع الثورات العربيّة.
 
- ثالثاً: فلسطين ومستقبل الإصلاح العربيّ
 
- الثورة
 
مثل كل قضايا المجال العام العربي، دخلت قضيّة فلسطين مرحلة انتعاش قصيرة بعد ثورات عام 2011، ثم دلفت إلى نفق مظلم بعد نجاحات الثورة المضادة في مصر واليمن والإبادة الجماعيّة في سوريّة، وفي سياق الثورة والثورة المضادة الكثير ليُقال ويُناقش، ولكن ما سنركّز عليه هو نقاش علاقة القطاعات الاجتماعيّة الثوريّة بالقضيّة الفلسطينيّة والاستنتاجات التي تفرضها المرحلة العربية الراهنة.

لا تستطيع العين المتابعة أن تنكر الحضور الواضح لفلسطين في الحراك الثوري العربي عام 2011، ابتداءً من الأعلام الفلسطينيّة المرفرفة في الاعتصامات ومروراً بالشعارات الجماهيريّة وانتهاءً بجعل فلسطين المحتلة موضوعاً للمظاهرات. ولهذا الحضور أسباب عديدة، منها أولاً أن فلسطين كانت أحد روافد شرعيّة دولة الاستقلال العربيّة، وبالتالي فهي حاضرة في الفضاء الإيديولوجي للدولة والمجتمع أياً كان خطاب النظام. وثانياً لأن التواطؤ مع إسرائيل -بعض النظر الآن عن عدالة القضية الفلسطينيّة- كان ولا يزال جرحاً نازفاً في الكبرياء الوطني.

نضيف هنا أمراً آخر ذا صلة بالعمل الاحتجاجي، وهو أن قضية فلسطين كانت منذ السبعينيّات تقريباً هي المنفذ الوحيد المُتاح للممارسات الاحتجاجيّة، وسمحت بعض الأنظمة العربيّة بهذه المظاهرات على حساب المظاهرات الاحتجاجيّة المطلبيّة ظناً منها أنها بذلك تفتح باباً آمناً للتنفيس الاجتماعي الذي لن يضر بها. لا شك أن هذه المظاهرات الآمنة غالباً خلقت كوادر حزبيّة نظمت المظاهرات الثورية لاحقاً؛ فتنظيم المظاهرات ليست عملية سهلة وعفوية تماماً بل تحتاج كوادر تعرف أزقة المُدن وأفضل الساحات للاعتصام وأقصر الطرق إليها والمناطق المكتظة بالسكان وأفضل الوسائل لمواجهة قمع الأجهزة الأمنيّة وتجنب الاعتقال وغيرها.
 
- الثورة المضادة
 
كما كان متوقعاً منذ بدايات النجاح المدوي للثورة المضادة في العالم العربي مع ذهاب النظام السوري نحو الخيار العسكري عام 2012، وانقلاب 2013 في مصر، وسقوط صنعاء بيد الحوثيين عام2014، ذهب النظام العربي نحو الإجهاز التام على القضيّة الفلسطينيّة وإقفال هذا الملف لتثبيت النظام دولياً من جهة، والتفرّغ لتعبيد البيئة السياسيّة تماماً دون ضغط أو تدخل الحلفاء في أوروبا والولايات المتحدة الأميركيّة من جهة، وبتفريغ آخر قضيّة لها طابع قومي مُلح يخترق المجتمعات القُطرية العربيّة وهي القضيّة الفلسطينيّة من جهة أخرى. وهكذا يعتقد النظام العربي أنه بإعادته تعريف العربي على أساس طائفي (ويقود هذه العملية تيار الممانعة)، وبإحلاله إيران مكان إسرائيل كتهديد وجودي، سينجح أخيراً في تغيير قلبه الإيديولوجي الصلب، وهي العملية التي فشل فيها طوال الأربعين عاماً الماضية، وينجح في تجنّب زلزال مشابه لذاك الذي ضرب النظام عام 2011. هذه هي أهم علامات سياق ما يُعرف إعلامياً بـ"صفقة القرن".

كما ذكرنا في مقدمة هذا المقال، ما يميّز خطابي التطبيع والممانعة حالياً هو اختراقها جماهير الثورة أولاً، وانجدالها مع الطائفيّة السياسيّة بفعل الثورة المضادة ثانياً.

أولى علامات انتعاش خطاب التطبيع في القطاعات الثورية المحبطة بعد هزيمة الثورة هو ضرورة "الانتباه لمشاكلنا" الآن وهنا حيث تنهار المجتمعات وتزول الدولة. وهذا الخطاب الذي يحقق نجاحاً نسبياً عند القطاعات الثوريّة المحبطة الآن رغم فشل خطاب أنظمة التطبيع منذ عام 1979 في ترويجه هو أحد علامات نجاح الثورة المضادة؛ فهذا الخطاب في نهاية المطاف نتاج دعاية وليس استنتاجاً منطقياً محترماً، وعامله الحفّاز ليس خطاب التطبيع القديم بل خطاب الممانعة.

فمن قال إنّ القضايا تمتلك رصيداً محدوداً أو أن القوة الاجتماعيّة لا تُطيق تناول قضاياها الداخليّة من ديمقراطيّة وعدالة اجتماعيّة وتنميّة بالتوازي مع تناول قضيّة فلسطين؟ من الواضح ألا مانع منطقي مقنع لهذا التوازي، ولكن المانع المتوهم هو من صنع نظام الممانعة الذي يربط عضوياً بين بقاء النظام وقضيّة فلسطين، ويجعل من النظام بوّابة حصرية لها، وهكذا تندفع قطاعات ثوريّة محبطة تحت ضغط خطاب وممارسات نظام الممانعة تحديداً نحو الاستنتاجات التي روّج لها نظام التطبيع.

أما جماهير الثورة المضادة، فهي كذلك تقع فريسة تكامل خطابي التطبيع والممانعة ولكن بطريقة مختلفة؛ فالربط الذي قامت به إيران ومليشياتها العربيّة بين فلسطين والطائفيّة السياسيّة يكاد يُعطّل الوظيفة القوميّة للقضيّة الفلسطينيّة وهي الربط بين العروبة وفلسطين والذي ساعد -جزئياً- المجتمعات العربيّة على تجاوز الهويات ما قبل وطنيّة التي يسهل الانتكاس نحوها بسبب طبيعة السلطة وفشل الدولة في التحديث وانهيار العمل القومي.

بالإضافة إلى ذلك، تمتاز نُخَبُ النظام العربي عموماً بأبويّة وذكوريّة متجذرة (26) ترى المجتمع قاصراً لا يدرك مصالحه جيداً، وبالتالي تصبح الديمقراطيّة خطراً إما على قضايا "الوطن" أو على قضايا "الأمة"، ومنها طبعاً قضيّة فلسطين. ويحدث هذا -مرة أخرى- بتكامل كلا الخطابين: نظام التطبيع ونُخبه تروج للخارج (لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تحديداً) بأن المجتمع العربي في ظل الديمقراطية سينحاز لفلسطين وبالتالي فمن الأفضل أن يبقى النظام لحماية مصالح الخارج، ونظام الممانعة ونُخبَه تروّج للداخل بأن الديمقراطية ستعطي "الخونة والعملاء" في ظل الديمقراطيّة إمكانية طرح قضيّة فلسطين كموضوع تداول سياسي واجتماعي، وتروج للخارج (إسرائيل والولايات المتحدة) بأن أسلوبها المناور المُحتكر لقضيّة فلسطين يضع حدوداً واضحة لا تهدد المصالح الغربيّة والإسرائيليّة الحيويّة (27).
 
خاتمة: ملامحٌ لخطاب جديد
 
في اعتقاد كثيرين -ومنهم كاتب هذه السطور- يجب على المجتمع العربي عامة، والقطاع الثوري خاصة، أن يخرج من حقل الثنائيات الذي وضع النظام العربي قضية فلسطين فيه، ليس فقط لأن عالم الثنائيات بدائي ومسطّح للواقع غالباً فحسب، بل ولأن هذه الثنائيات وهميّة وكاذبة، وقد رأينا في مقاطع هذا المقال التكامليّة المذهلة بين خطابي التطبيع والممانعة في موضوع فلسطين.
ولكي نخرج من حقل الثنائيات ونستطيع الربط بين فلسطين وإصلاح الدولة العربيّة علينا نقد خطاب النظام العربي الراهن ليس سياسياً ولكن أخلاقياً أيضاً، ونقد بعض المسلمات التي كرّستها مناهج التعليم المدرسي والصحافة والإعلام وكثير من الأعمال الأدبيّة حول فلسطين.

أولى الأفكار الأساسيّة في هذا السياق تقول إن علينا تجاوز الخوف من الرأي العام العربي و"مكانة فلسطين"؛ فرغم اعتقادنا بمركزيّة القضيّة الفلسطينيّة في الوعي السياسي والفضاء الأخلاقي العربي، علينا الاستعداد نفسياً لمعارك رأي عام يخوضها الديمقراطيّون والمناصرون لقضيّة فلسطين لإقناع قطاعات اجتماعيّة عربيّة تقف مع التطبيع بأهمية وأخلاقية هذه القضيّة. إذا أردنا تحقيق إنجازات على مستوى المسألتين القُطرية والفلسطينيّة، علينا الاعتراف بالمجتمع بوصفه تيارات وآراء واتجاهات ومعارك، وبديل هذا الاعتراف هو تحويل فلسطين إلى أداة لتعبيد المجتمع وجعله "متجانساً" بالقمع والقهر، ونرى اليوم كم الكوارث والأضرار التي لحقت بقضية فلسطين وبالمجتمعات العربيّة جرّاء هكذا سياسات.

وعلينا الاعتراف بالفلسطيني بما هو إنسان أولاً، وعربي ثانياً، وهذا ليس واجب النخب العربية في عمومها فقط بل وواجب النخبة الثقافية الفلسطينيّة خاصة. فصورة المناضل النبيل أو المظلوم الذي تُحقّر أمام رزاياه كل مصائب الآخرين، والتي يُختزل فيها الفلسطيني،ليست نزعاً لإنسانيّته فحسب، بل وثبت أنها أداة فعّالة في تحطيم وانتهاك حياة الإنسان العربي وتشويش نقديّته الأخلاقيّة تجاه الواقع بما فيه الاحتلال الإسرائيلي. الفلسطيني إنسان عربي واقع تحت ظلم احتلال مجرم من قبل حركة عنصريّة مدعومة دولياً لأغراض وأسباب معقدة. وكل مظاهر ونتاجات حركة المجتمع الفلسطيني محكومة بعوامل الاحتلال ونظام الفصل العنصري من جهة، والسياقات الاجتماعيّة والسياسية التي تميّز مجتمعات المشرق العربي عموماً من جهة أخرى.

وعلينا نفي التعارض الذي يفترضه بعض الليبراليين العرب بين قضية فلسطين وتنمية ودمقرطة الدول العربيّة؛ فالأساس الأخلاقي لقضايا المجتمع العربي والقضيّة الفلسطينيّة واحد: الحريّة والعدالة، والفضاء الجيو-سياسي والحضاري الذي تتحرك فيه فلسطين هو ذاته الذي يتحرك فيه بقية العرب، بالإضافة إلى أن الدول العربية متصلة جغرافياً. وبالتالي لا يصمد افتراض وجود تعارض أخلاقي أو براغماتي بين فلسطين والدولة العربية كثيراً أمام التدقيق والفحص. ولكن ما يمكن استغلاله في الترويج لذاك التعارض هو جعل القضية الفلسطينيّة مصدر أحكام قيمة ومواقف شاملة إزاء الظواهر السياسيّة المختلفة(28).

فلسطين ليست معياراً تُقاس به أخلاقيّة أو أهليّة كل فعل سياسي، بل قضيّة لها أساس أخلاقي وقومي، وثمّة فارق حاسم بين الأمرين، وجعلها معياراً لتقييم كل شيء هو مدخل النزعة الوثنيّة التي تجعل بعد ذلك النظام السوري مثلاً أهم من الفلسطينيّين والسوريين معاً، ولا ترى في نظام كوريا الشماليّة إلا أنه قدّم يوماً السلاح للمقاومة الفلسطينيّة، وتقف مع التشكيلات الطائفية المسلحة أياً كانت ممارساتها وجرائمها حتى ولو كان ذلك على حساب "وجود" المجتمع العربي.
 
وأخيراً، ظهر في هذه المرحلة أن العلاقة بين فلسطين والإصلاح العربي أمتن من أي وقت مضى؛ فبعد هزيمة 67، كان بإمكان النظام العربي الصمود أمام إسرائيل بالإصلاحات المؤسسيّة، أمّا اليوم، وبعد التمزق الاجتماعي والهويّاتي الذي قاده النظام العربي برعاية أميركيّة كردٍ على الثورة، وبعد عقود من اللبرلة الفاسدة التي أدت إلى تكديح المجتمع، لم يعد إصلاح المؤسسات كافياً، بل يتوجب بناء الأمة وخلق مجتمع من المواطنين في دولة مؤسسات قُطريّة ديمقراطيّة وفيها خطط تنمية عقلانية-  حتى تتمكن دولة كهذه من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهكذا ليس أمام كل من مناصري فلسطين والديمقراطيين العرب إلّا بناء دولة ديمقراطية وطنيّة عربيّة، أو نسيان فلسطين... ونسيان العرب معها لفترة طويلة قادمة.
 
الهوامش والمراجع
 
1- يلتزم المقال بالتصنيفات الرسميّة للأنظمة العربية (أنظمة معتدلة: مصر والأردن والخليج العربي والسلطة الفلسطينية، ومحور ممانع: إيران وسوريّة والمليشيات التابعة لهما في لبنان والعراق) لفحص خطابها نقدياً، وفي خضم النقد يتضح تهاوي هذه التوصيفات.
  
3- رغم أن الثورة ليست قيمة، ويمكن نظرياً الاعتراف بوجودها والوقوف ضدها، نلاحظ أن خطاب كل الأنظمة العربيّة في عام 2011 في سوريّة ومصر واليمن وتونس وليبيا حمل سمة مشتركة وهي القول إن الحاصل ليس ثورة بل تجمعات لمرتزقة وعملاء؛ فالنظام الجمهوري العربي لا يطيق رفض الثورة لأنه نتج أصلاً عن انقلابات سمّاها ثورات لكسب مشروعيّة شعبيّة ولم يتجاوزها إلى شرعية ديمقراطيّة. 
 
4- ومن هنا نجد هذا الإصرار على بقاء مؤسسة الجامعة العربيّة رغم ترهلها وفشلها التاريخي. والإصرار على بقاء "الشكليّات" المهترئة يدل على الكثير من الأمور التي تقبع وراءها.  
 
5- نلحظ مثلاً الاستجابة الاجتماعية لخطاب النظام الإيراني الذي يستخدم القضيّة الفلسطينيّة كأداة إيديولوجيّة في الداخل؛ حيث ربطت القطاعات الاجتماعيّة الغاضبة في المظاهرات الإيرانية الأخيرة -مستبطنة استراتيجية النظام- بين "غزة ولبنان وسوريّة" وتدهور الأوضاع الاقتصادية، انظر الرابط (تاريخ الاطلاع: 15-01-2018): انظر الرابط.
 
6- تُنمّط المرأة الفلسطينيّة بسهولة تفوق عملية تنميط الرجل الفلسطيني لأسباب كثيرة، وتبدو المرأة الفلسطينية في خطاب الممانعة شرسة الطباع ومناضلة حديديّة وتكاد تكون بلا أنوثة. وعملية التنميط هذه صادرة عن وعي ذكوري خالص تظهر فيه ميول ميزوجينيّة مراوغة لا تعترف بالمرأة إلا حين تثابر للتحول إلى "الذكر الفلسطيني المنمط" في الجسم واللهجة والمظهر.   
 
7- أنظر الرابط (تاريخ الاطلاع: 14-01-2018) 
 
8- وباستحضار هذا السياق نفهم قول الكاتب اللبناني إلياس خوري -وهو أحد أهم الرموز الثقافية المناصرة للقضيّة الفلسطينيّة- "أنا لا أحب فلسطين، أنا أحب الفلسطينيين" انظر الرابط (تاريخ الاطلاع: 16-01-2018). 
 
9- الدوافع العموميّة لانقلابات ما قبل النكبة هي ذاتها دوافع الانقلابات بعدها، مثل فساد القصر الملكي وتزوير الانتخابات وسيطرة كبار الملاك على الأرض الزراعيّة والأحزاب السياسيّة ووقوع البلد تحت الاستعمار الأجنبي. للمزيد حول أنظر: 
عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكالات نظرية ونماذج عربيّة، ط1 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،  أبريل 2017) ص 63- 75. 
 
10- حنا بطاطو، فلاحو سوريّة: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم، ترجمة: عبد الله فاضل- رائد النقشبندي، ط1 للمركز (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أكتوبر 2014) ص 374. 
كما يتوجب هنا أن نذكر أن تورّط القيادة المصرية في أزمة 67 كان نتيجة استجابتها للمزايدات البعثيّة السوريّة، وهكذا وقع النظام المصري -بصبيانيّة مخجلة- في فخ إيديولوجيّته تحديداً. للمزيد حول الفكرة الأخيرة أنظر: 
شريف يونس، الزحف المقدّس: مظاهرات التنحي وتشكل عبادة ناصر، ط1 (القاهرة: دار ميريت، 2005).   
 
11-  بطاطو، ص 484 
 
12- رغم معاداته للتيار الإسلامي، يشترك هذا التيار الثقافي النخبوي معه في كثير من طُرُق التفكير. جدير بالذكر أن هذا التيّار ظل متسيّداً المجال الثقافي منذ حرب 67 وحتى عام 2011، ونعُدّ صادق العظم وأدونيس وهشام شرابي من أهم رموزه. 
 
13- هذا هو التحليل اليساري الذي تم التوصل إليه في حركة القوميين العرب على سبيل المثال لهزيمة 67. أنظر: 
باسل الكبيسي، حركة القوميين العرب، ص 61، الكتاب متوفر إلكترونياً على الرابط.
 
14-للمزيد أنظر:  عزمي بشارة، ثورة مصر- الجزء الأول: من جمهوريّة يوليو إلى ثورة يناير ، ط1 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مايو 2016) ص 126- 129. 
 
15- أنظر دراسة شريف يونس عن الحركة الطلابيّة في السبعينيّات في: 
شريف يونس، سؤال الهويّة: الهوية وسلطة المثقف في عصر ما بعد الحداثة،  ط1 (القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات، 1999)
 
16- يونس، سؤال الهويّة، ص 174- 185. 
 
17- بطاطو، ص 467 
 
18- بطاطو، ص 386 
 
19- محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سوريّة: جدلية الجمود والإصلاح، ط1 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مارس 2012) ص 31. 
 
20- للمزيد حول علاقة النظام العربي بالإصلاح الديمقراطي، أنظر الرابط (تاريخ الاطلاع 16-01-2018).
 
21- تدل على ذلك خطوات السادات منذ أيام الحرب الأولى، مثل إرساله للرسالة السرية التطمينية إلى كسينجر في 7 أكتوبر، والقرارات العسكرية الكارثيّة -مثل "الوقفة التعبوية"- التي أدت في نهاية المطاف إلى انفراد القوات الإسرائيلية بالجبهة السورية وتمكنها من محاصرة الجيش المصري الثالث. أنظر: 
محمد حسنين هيكل، أكتوبر 73: السلاح والسياسة، ط1 (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993)  ص 582.
 
22- ليس ثمّة علاقة متينة بين غياب الديمقراطيّة وهزيمة حزيران، ولكن ما يهمنا هنا هو وجود مثل هذه التحليلات عند قطاعات اجتماعيّة عربية بعد الهزيمة. أما انتشار هذه الأفكار على مستوى النخب فنحن نرى فيها تجنباً لنقاش أسباب الهزيمة المباشرة والمتركزة أصلا في فشل البيروقراطيّة وانعدام كفاءتها، والمراهقة السياسية التي ميّزت النخب الحاكمة في حقبة المد القومي. 
 
23- للمزيد أنظر المقال على الرابط (تاريخ الاطلاع: 16-01-2018).
 
24- في حواره مع المذيعة همت مصطفى عام 1980، قال السادات إن استمرار العرب في الصراع مع إسرائيل لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوسع الإسرائيلي! وهذا هو التعبير الصافي والخالص عن فكرة النظام العربي حول حقيقة ضعفه أمام إسرائيل وتفضيله بقاء النظام على إصلاح الدولة للصمود أمامها.
 شاهد المقابلة على الرابط (تاريخ المشاهدة: 14-01-2018).
 
25- شاهد مقابلة الرئيس بشار الأسد مع قناة الجزيرة على الرابط (تاريخ المشاهدة: 16-01-2018).
 
26- هذه الأبوية صفة بنيويّة في نخبة النظام العربي -السياسية والثقافيّة- حتى عندما حاولت "التنظير" للثورة تحت ضغط عام 2011، على سبيل المثال أنظر: يوسف زيدان، فقه الثورة، ط1 (القاهرة: دار الشروق، 2013).
 
27- وهذا هو المعنى الكامن في تصريحات رامي مخلوف عن أن أمن إسرائيل من أمن سوريّة، انظر الرابط (تاريخ الاطلاع: 16-01-2018).
 
جدير بالذكر أن إسرائيل كذلك، سواء القيادة السياسية أو الرأي العام، تتفق مع تخوّف النظام العربي من تأثير الديمقراطيّة على المصالح الإسرائيليّة، أنظر المقال على الرابط (تاريخ الاطلاع: 16-01-2018).
 
وأنظر كذلك تصريحات نتنياهو أمام الكنيست بمناسبة ذكرى زيارة السادات للقدس، على الرابط (تاريخ الاطلاع: 16-01- 2018).
 
28- يصر بعض المثقفين الفلسطينيين على هذا الفهم الكارثي للقضيّة الفلسطينيّة. أنظر مثلاً موقف الشاعر تميم البرغوثي من الاحتجاجات الأخيرة في إيران، على الرابط (تاريخ الاطلاع: 16-01-2018).
أيمن نبيل

باحث يمني، ويقوم بالكتابة الأكاديميّة والصحفية في عدّة أماكن.

مواد أخرى لـ أيمن نبيل

ذات صلة