وكأننا في العام 1979

09 حزيران/يونيو 2017
 
اعتاد البروفيسور ريمي لوفو، وعلى مدى سنوات تدريسه "مدخل إلى الشرق الاوسط" في "معهد الدراسات السياسية"، أن يبدأ بتحليل أحداث العام 1979 الحاسمة. لوفو الذي توفي في العام 2003، قد يكون أحد المرتكزين على نتائج العام 1979 لتفسير السياسة في الشرق الأوسط، إلا أنه من الصعوبة أن يكون قد تخيل إمكانية العودة إليه في عربة سفر عبر الزمن، كما يحدث اليوم.
ورغم الاستعادة المكثفة الحالية لذكرى حرب الأيام الستة في العام 1967، إلا أن الشرق الأوسط في العام 2017 يبدو نسخة محدثة تحاكي أحواله في العام 1979، كما لو أنهما عالمان متوازيان يتبادلان المحتوى. هزيمة العام 1967 كانت هزيمة عسكرية للأنظمة العربية "التقدمية" وللمملكة الأردنية، وهزيمة سياسية للناصرية، التي سرعان ما انقلب عليها أنور السادات، وانتقل بمصر من المحور السوفياتي إلى الأميركي. السادات بعد حرب العام 1973 واستعادته شبه جزيرة سيناء، فضّلَ سلاماً منفرداً مع اسرائيل، وخاض مفاوضات "كامب ديفيد" مع مناحيم بيغن في العام 1978 قبل توقيع اتفاق السلام في العام 1979. انقلاب مصر السادات على الناصرية، حمل فترة وجيزة من السلام مع "الإخوان المسلمين"، إلا أن انتقال مصر إلى الحضن الأميركي، وتوقيع السلام مع اسرائيل، دفع "الإخوان" إلى التصعيد، وهو الأمر الذي انتهى بمقتل السادات، بل إن القيادي والمنظّر في "الجماعة الإسلامية" عبد السلام فرج، كان متورطاً في العملية. اتفاق السلام كرّس لحظة مفصلية في تاريخ "الإخوان المسلمين"، بالابتعاد خطوة من نهج حسن البنا، والاقتراب أكثر إلى نهج سيد قطب. لحظة ستظل مركزية في وعي الاخوان لذاتهم، ومناوشتهم بين الخطين؛ بين الإحياء الاسلامي وضرورة التغيير من القاع المجتمعي والحاجة إلى الدولة من جهة، وبين العنف لتدمير "جبروت" الأنظمة العميلة للغرب والحاجة إلى العمل المسلح لقلبها وإقامة حكم اسلامي من الأعلى، من جهة أخرى.

لحظة السلام التي أفرزت مقتل السادات، مُتّهَمّاً بالخيانة، هي اللحظة ذاتها التي بدأ فيها تدخّلُ نظام الخميني في الشؤون العربية. الثورة الشعبية الإيرانية في العام 1979 قلبت نظام الشاه (شرطي أميركا في المنطقة) وأطلقت العنان للخروج على الحاكم، بتشريع ديني مضاد. انتقال شيوخ وأئمة الشيعية الاثني عشرية لمساندة الطلاب والمنظمات اليسارية وتجار البازار في انتفاضتهم على الشاه، ترافقت مع تحول اضافي أسس له الخميني: ولاية الفقيه. وتمثل الولاية في لحظتها الثورية الأولى خروجاً على الحاكم، بشرعية مستقاة من الإمام المغيّب. "كل يوم عاشوراء وكل يوم كربلاء"، كان شعار الثورة، التي عجزت عن التمدد خارج إيران، في ذلك الوقت. فالعالم المجاور، السني في معظمه، والمحكوم من أنظمة ملكية سلالية أو ديكتاتوريات عسكرية، لم يجد في النموذج الإيراني سوى التخويف. اغتيال السادات على يد خالد الإسلامبولي، لم يُحتفل به سوى في طهران.

اليوم، تبدو "ولاية الفقيه" وقد تمكنت من عبور حاجز "الثورة في بلد واحد"، والتمدد إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن. فلحظة سقوط بغداد في العام 2003، كانت حلماً تحقق للنظام الإيراني، على يد "الشيطان" الأميركي الأكبر. صدّام حسين، كان قد صار رئيساً للعراق، في العام 1979، قبل أن يدخل في حرب السنوات الثماني ضد إيران. نظام صدام، كرّس حكم أقلية عربية سنيّة، على الأغلبية الشيعية، مستعيناً بحزب "البعث العربي الاشتراكي"، وتسلطية شعبوية عسكرية، حاربت المجتمع العراقي وأذلته. الشيعة العراقيون كما بقية العراقيين، وباسم القومية العربية، قاتلوا الشيعة الإيرانيين، منذ 1980 وحتى 1988. صراع الهوية والانتماء، بين النوازع الوطنية العروبية وتلك المذهبية السنية-الشيعية، بدأ تأسيسه في تلك اللحظة. هذا عدا عن الأزمة العربية-الكردية، والتي دفعت أكراد العراق لرفض "الدولة الوطنية"، مرة واحدة وإلى الأبد.

"ولاية الفقيه" كتوكيل في فترة غياب الإمام الثاني عشر، المهدي، ربما لاقت صداها في المكان الأكثر غرابة: مكة في العام 1979. استيلاء "الجماعة السلفية المحتسبة"، بقيادة جهيمان العتيبي، على المسجد الحرام، ربما كانت خطوة لإعلان ظهور المهدي في شخص أحد رفاق جهيمان؛ محمد القحطاني. وللغرابة فإن جهيمان كان يتبع تقليداً وهابياً انتهى في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي: "الإخوان"، وهم بدو فُرضت عليهم الإقامة في هُجرٍ مخصصة لهم، وكانوا دعامة في تمدد الحكم السعودي إلى الحجاز والقطيف. مزاوجة جهيمان، المنتمي لجماعة الألفية التي تقول بظهور مصلح اسلامي على رأس كل قرن، وبين أفكار "إخوان الهُجر" و"الاخوان المسلمين"، لم يُشكل سوى فكرة هجينة بالخلاص، تعوزها الأصالة. وانتهت حركة جهيمان بمقتل المهدي، وإعدام المشاركين في العملية، الذين سيطروا على المسجد الحرام لفترة وجيزة.

 
من أحداث الثورة الإسلامية في إيران

جهيمان لم يكن وحده من حمل أفكاراً انتقائية من مدارس مختلفة. الغزو السوفياتي لأفغانستان في نهاية العام 1979، كان بداية مرحلة جديدة، تسببت في هزيمة السوفيات العسكرية وانسحابهم. هزيمة عسكرية مذلة على أيدي المجاهدين الأفغان، وحضور "العرب الأفغان"، بدعم أميركي خليجي، ساهمت على المدى البعيد سياسياً في تفكك الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي. إلا أن المشكلة لم تنتهِ هنا، فالمجاهدون الأفغان، ومعظمهم من الإثنية البشتونية من أتباع المدرسة الديوبوندية الهندية ذات الأصول الحنفية، سرعان ما دخلوا في صراعات جانبية على السلطة، لم تنتهِ حتى اللحظة. ظهور الجناح الطالباني المتشدد، ورعايته للعرب الأفغان، الذين وجدوا دروب عودتهم إلى بلدانهم مغلقة، تمخضت عن ولادة فرع جديد من السلفية الجهادية: القاعدة.

في العام 1979، كانت سوريا تشتعل، كما هو الحال اليوم. حينها أخذ الصراع على السلطة بين أغلبية سنية مقموعة وأقلية علوية حاكمة، شكل الصراع بين "الدولة" التسلطية و"الإخوان المسلمين". في سوريا وحدها، خاضت "الطليعة المقاتلة" لـ “الإخوان المسلمون" أول كفاح مسلّح مفتوح في دولة عربية بهدف قلب النظام. تيار السيد قطب يبدو أكثر وضوحاً في "الطليعة المقاتلة" في حين تراوحت اعتدالية أجنحة الإخوان بين المدرستين، وكان الجناح الدمشقي هو الأكثر اخلاصاً لحسن البنا. وإذا كان النظام السوري قد ازداد قوة بعد الحرب ضد "الطليعة" و"الإخوان"، فإن من بقي حياً من أحداث الثمانينيات عاش تحولاً مختلفاً: القطع النهائي مع مدرسة حسن البنا والانتقال إلى مدرسة سيد قطب.

هذا الأثر سيتضح بقوة في الأفغان السوريين؛ أبو مصعب وأبو خالد وغيرهم. مرحلة القتال في أفغانستان ضد السوفيات، ساهمت في تقصير المسافة وتدوير الزوايا بين مجموعة من مدراس الجهادية السلفية العربية والأفغانية، والنتيجة كانت في ظهور نسخة "القاعدة" التي قطعت فعلياً مع جذورها البعيدة، "الإخوان" والوهابية والديوباندية، وباتت الجذور الأكثر بعداً كالحنفية والحنبلية أثراً بعد عين لا يمكن ملاحظته.

وإذا كانت "القاعدة" قد تشكّلت وانطبخت بين العام 1979 و2001، لحظة الهجوم البربري على مبنى التجارة العالمي، فإن هذه الفترة كانت كفيلة أيضاً بتراجع "الإخوان المسلمين" وكذلك الوهابية. السلفية الجهادية بصيغتها القاعدية سرقت الأضواء من غيرها من النسخ الإسلامية الراديكالية، قبل أن تظهر "الدولة الإسلامية في العراق" في العام 2006 على يد أبو مصعب الزرقاوي، ونسختها الأكثر بيوريتانية "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" في العام 2014، وتجعل من "القاعدة" موضة متقادمة.

هل يمكن اعتبار وراثة "الدولة الإسلامية" لهرطقة صدام حسين ودفاعه عن العروبة والإسلام، محاولة لموازنة الرغبة الثأرية والطموحات الاستعمارية لإيران؟ يبقى السؤال قائماً في ظل المآسي التي يعيشها السنّة العرب في سوريا والعراق، بعدما باتوا مشردين تطردهم الأقليات والأكثريات، وترتسم حدود سياسية وديموغرافية جديدة، أصبحوا فيها العنزة السوداء المنبوذة.

السوفيات خرجوا من أفغانستان في نهاية الثمانينات، مكسورين، لكن الروس عادوا ودخلوا سوريا في العام 2015، ولا يبدو أنهم في معرض الخسارة. تثبيت تحالفهم مع النظام وإيران، رسم محوراً عصياً على الكسر، ولو اقتضى قتل مئات آلاف السوريين، وتدمير حواضرهم وتهجيرهم القسري. منذ العام 1979 وحتى خروجهم من أفغانستان، لم يسيطر السوفيات سوى على بعض المراكز الحضرية وعقد المواصلات الرئيسية. في سوريا، وبعدما أمّنوا "سوريا المفيدة" للنظام وكسروا معظم جيوب المعارضة، انتقلوا إلى طور الهجوم في البادية. الروس تعلموا الدرس، لكن المجاهدين العرب نسوه على ما يبدو.

بعد العام 1979، وبعد صلح السادات المنفرد، قادت سوريا محور "الصمود والتصدي" لعزل مصر عن محيطها العربي. سوريا حافظ الأسد، المتورطة حينها في حرب لبنان، والوصيّة بالقوة على القضية الفلسطينية، وجدت في العروبة سلاحاً لحصر "الخونة" في الزاوية. في راهننا، زال محور "الصمود والتصدي" وصار محوراً لـ "الممانعة"، لكن محور "مكافحة الإرهاب" وحده يتمدد ويعاد تعريفه واختيار منتسبيه. في الكوميديا الأخيرة التي نعيشها، تخوض السعودية والإمارات حرباً ديبلوماسية عنيفة ضد قطر لإخراجها من نادي "مكافحة الإرهاب". وإذا كانت قطر، مدعومة بإنتاج غازي ضخم ومردوده المالي الهائل، قد تمكنت من ايجاد دور إقليمي ودولي لها قد يبدو أكبر من حجم مصالحها الإقليمية، فإن محاولة عزلها وحصارها كما يحدث اليوم، قد لا تبدو أفضل من اجتياح العراق للكويت، ولا الاجتياح والوصاية السورية على لبنان.

المحور السعودي-الإماراتي يطالب اليوم قطر بوقف تمويل "الجماعات الإرهابية" من "الإخوان المسلمين" و"حركة حماس" الفلسطينية. وكأن "حلف مكافحة الإهاب" ورث "محور الصمود والتصدي"، لكن بعد عكس بؤرته المركزية الخطابية المعادية لإسرائيل، في حين انتقل الصراع بين شطري "البعث" العراقي والسوري على قيادة "الصمود والتصدي" إلى صراع هيمنة بين أعضاء حلف "مكافحة الإرهاب".

التاريخ إن تكرر فهو مهزلة، هكذا قال ماركس يوماً، ولكن ماذا عن عدم مغادرتنا له؟

اترك تعليق*

* إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية:

- لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية.

- التعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها.

- يرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.

Top