Print this page

حوار مع آلان ميخائيل: التداعيات الإمبراطورية للأشياء

30 نيسان/أبريل 2018
 
ترجمة: عبد الرحمن عادل
 
[ينشر معهد العالم هذا الحوار[1] مترجماً بعد أخذ إذن نشره من البروفيسور آلان ميخائيل نفسه]
 
سليم كارليتيكين: أود أن نبدأ بكتابك "الطبيعة والإمبراطورية في مصر العثمانية"، لقد تحدثت عن تحولٍ من النمط الكلاسيكي للإمبراطورية -والذي يُوْلي اهتمامه الأكبر للمحلي- باتجاه نمط الدولة البيروقراطية الحديثة. لا يخفى مثل هذا التحول على أحد، لكنك تعتمد في تناوله على طريقة مغايرة. هل يُمكنك أن تُحدثنا عن رؤيتك المختلفة لشكل "الحكم السياسي الذي خضعت له الشعوب والبيئات"؟ وما هي أهمية ذلك؟
 
آلان ميخائيل: لقد كنت مهتماً بسرد الانتقال -عموماً- من تشكُل سياسي حديث في صورته المبكرة إلى تشكُل  آخر، وهو الانتقال الذي الذي قُدمت -من قبل- عدةُ سرديات في تفسيره كما أشرت في سؤالك. وما نصفه بالتشكُل الآخر -أي الرأسمالية والحداثة والتنوير- هو موضوع شائك في تاريخ الدولة العثمانية والشرق الأوسط كما هو الحال مع تاريخ أماكن أخرى من العالم. ومن اللافت للنظر : أن مثل هذا الانتقال في تاريخ الشرق الأوسط وأماكن أخرى، دائمًا ما كان يدور في الفترة في الفترة ذاتها ما بين 1750- 1850.

لذلك، كنت مهتماً- كآخرين كُثر- بلحظة الانتقال المفترضة تلك، ولكن التفسيرات المطروحة لم تنل رضاي الكامل؛ فقد كانت سياسية -إلى حدٍ بعيد -بالمعنى المباشر للكلمة؛ فهي قصص عن الكولونيالية الأوروبية أو عن جهود الإصلاح المتنوعة، سواء تعلق ذلك بالتنظيمات أو بمشروعات محمد على لبناء دولة في مصر وهي البلد التي أوليتها أكبر اهتمامي؛ لأنها كانت البلد صاحبة العوائد الأكبر كما أنها الولاية الأهم في الإمبراطورية العثمانية. وثمة قصص أخرى عن تغيرات داخلية باتجاه عمليات بنيوية في مصر على مدار القرنين السابع عشر والثامن عشر، ولكنها عمليات تدور حول المسائل نفسها؛ الرأسمالية، والحداثة، ومحو الأمية، والعلاقات الطبقية بالإضافة إلى صعود الدولة القومية.

ولكوني طالباً درس تاريخ كلٍّ من الشرق الأوسط والإمبراطورية العثمانية ؛ فقد كنت بالطبع -وما زلت- مهتماً بهذا النوع من الأسئلة. أردت من خلال عملي الاشتباك مع الأدبيات التي تتناول هذه الأسئلة، والتي تناولها التأريخ في جميع مناطق العالم -تقريباً- بطريقة أو بأخرى خلال المرحلة الزمنية نفسها. ما أردته تحديداً هو تتبع فترة الانتقال تلك بطريقة مختلفة.

مكنتني المصادر ذاتها -وهو ما لم يكن مفاجئاً- من تحقيق تقدم كبير في أعمالي. فقد كان وضحاً من خلال قراءة المصادر الأرشيفية والمنشورة، أنّ التسخير والسيطرة على الموارد الطبيعية مثَّل جانباً هاماً من الحكم السياسي في الإمبراطورية العثمانية. وهو ما جرى في الأناضول وأجزاء من البلقان وسوريا الكبرى والعراق ومصر. وعند مطالعتي سجلات المحكمة بمصر ( وهو ما يُعد أحد المصادر الرئيسية للمؤرخين )؛ وجدت مادة ضخمة تتناول أموراً كالمياه و إمداداتها، والحبوب، وعلاقات العمل الريفية، والحيوانات الأليفة، وهي الموضوعات التي أصبحت مهتماً بها أكثر فأكثر في وقتٍ لاحق. بدا واضحاً أنّ هذه الموضوعات -الزراعية والبيئية والايكولوجية- هي اقتصادية وسياسية في آن.

أثار فضولي في البداية أنّ المصادر التي نستخدمها في مجالنا منذ عقود تُكرس اهتماماً كبيراً لموضوعاتٍ لم تبد ذا مكانة مُهمة ضمن التأريخ الذي درجت عليه. بدا أنّ شيئاً ما مفقوداً في سرديتنا، شيئاً حاضراً في كل مصادرنا، شيئاً مهماً بالقطع في المكان والزمان الذي درسته. وفي النهاية أردت جمع هذين الأمرين معاً ؛ تلك القصص القديمة عن التحول السياسي والاقتصادي إلى جانب المنظور الايكولوجي الذي وجدته أمامي عيناي في الأرشيف.
 
ساعدني على تحقيق ذلك قراءتي حول كيفية تجلي هذا الانتقال من حداثة مُبكرة إلى طور آخر، في أنماط أخرى من التحولات. وأحد أكثر الأمور التي أثارت اهتمامي هُنا هو تحول الطاقة. إذ يُمثَّل ذلك تاريخ أسئلة كيف ومتى ولماذا تتحول المجتمعات التي اعتمدت إلى حدٍ بعيد على الطاقة الشمسية إلى الوقود الأحفوري. ومن اللافت هُنا مُجدداً أننا نتحدث عن تاريخ يقع ما بين 1750- 1850. وقد اقترح المؤرخ جاك غولدستون في مقالٍ له عام 1998 إنِّه بدلاًمن الإشارة إلى الفترة ما بين 1500- 1800 بوصفها "حداثة مُبكرة"، يجب عليّنا التفكير فيها باعتبارها تتميز ببروز "مجتمتعات عضوية متقدمة" في جميع أنحاء العالم. يُجادل غولدستون وآخرون، بأنّ أحد أبرز خصائص هذه الفترة هو استناد إمدادات الطاقة والنقل والغذاء ونحوهم إلى نظام طاقة شمسي عضوي. وبحلول نهاية القرن الثامن عشر تغيَّر هذا النظام في مناطق عدة لأسباب مختلفة حتى تربع الفحم على عرش الطاقة.

وقد تعامل مؤرخون بيئيون كُثر مع هذا النوع المختلف من التحول بالذات، لكن ذلك لم يكن له كبيرُ صدىً في تاريخ الشرق الأوسط. وليس هنالك ما يدعو للدهشة أكثر من ذلك، إذا ما وضعنا في الاعتبار الأهمية الكبيرة للنفط في تاريخ الشرق الأوسط بالقرن العشرين. وقد اعتمل كل ذلك في ذهني في منتصف العقد الماضي، وأثَّر على طريقة تفكيري بمصر في نهاية القرن الثامن عشر.
 
ساعدني هذا التاريخ البيئي والاقتصادي عن الطاقة وأمور أخرى على نسج سردية من خلال المصادر التي قرأتها آنذاك. ومن أكثر الأمور اللافتة للنظر عند قراءة السجلات الخاصة بالمشروعات العامة في مصر العثمانية، هو كيفية تغيُّرِ نطاقها تغيَّراً كبيراً وصادماً -كما اتضح للكثيرين فيما بعد- في نهاية القرن التاسع عشر، فبحلول أوائل القرن نفسه شُيِّدت مشروعات عامة ضخمة لم يكن ممكناً تصورها قبل عقود قليلة آنذاك. لذلك، نجد ظروفاً بيئية وسياسية مختلفة للغاية عما ساد في القرن الثامن عشر، وقد ركَّزت في كتابي "الطبيعة والإمبراطورية في مصر العثمانية" على أحد هذه المشروعات العملاقة ألا وهو ترعة المحمودية في أواخر العقد الأول من القرن نفسه. وكانت أحد جوانب هذا المشروع هي زيادة استقلال مصر في مواجهة الإمبراطورية العثمانية، كما ارتبط المشروع بتوسيع إمكانيات التجارة في الإسكندرية من خلال توفير إمدادات وفيرة وفعالة من المياة.

هَدَفَ المشروع كذلك إلى حد من معدلات الملوحة في غرب الدلتا ومعالجة معدل ترسب الطمي فيها آنذاك، بالإضافة إلى بناء أسوار بحرية لحماية الترعة. ولا اعتقد إنَّه يُمكن التميَّز بوضوح بين هذه الجهود والإجراءات من حيث كون بعضها سياسيًا محضًا أو بيئيًا محضًا؛ إذ إنّ الحدود بينهما ليس واضحة بالضبط، على افتراض وجودها أصلاً، فالسياسي والبيئي كانا وما يزالان الشيء عينه.
 
بالطبع، ليست العلاقة المتداخلة بين السياسية والبيئة -في مصر وغيرها- بالأمر الجديد. فقد أدرك هيرودوت وكارل فيتفوجيل ذلك، وجمال عبد الناصر فهمه أيضاً، كما اهتم المؤرخون البيئيون والجغرافيون والباحثون في التخصصات البينية وغيرهم بهذه الأمور لفترة طويلة جداً. وفي نظر أولئك المفكرين المتنوعين يبدو الأمر واضحاً؛ أن محاولة الفصل بين العمليات البيئية والمشروعات السياسية تفترض ثنائية زائفة. لذا، ربما يُمكنني إجابة سؤالك مباشرة، بالقول أن ما أردته هو إلقاء الضوء على التاريخ العثماني من خلال بعض هذه الأفكار، وذلك هو مرمى وهدف هذا الكتاب.
 
في القرن التاسع عشر، نظرت الدولة العثمانية ومثقفوها إلى الطبيعة باعتبارها -إلى حدٍ ما- عائقاً في طريق الترقي. تحدث ماركس في كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" عن تحول [الإمكانات] المحدودة إلى عوائق يُمكن تجاوزها بوصفه باعثًا رئيسيًا في تاريخ الرأسمالية، كما أنّ ما وصفته "بنظام الإمبراطورية العثمانية لتوزيع الموارد" وهو الأقرب إلى كونه نظاماً لتحقيق حالة من التوازن، قد تحول في القرن التاسع عشر إلى عائق في طريق تنمية مصر. عادة ما يُكرر المؤرخون هذه الإشارة وينشغلون في إحالتهم بالربط ما بين العوائق و الرجعية/ التخلف. وعليه، كيف يسهم كتابك في التأريخ للرأسمالية في الشرق الأوسط؟
 
يحمل سؤالك الكثير من الأمور، وفيما يتعلق بالعوائق يوجد بالفعل العديد من الأبحاث التي تتناول هذه المسألة في دراسات الشرق الأوسط، ونجد جذور بعضها في عملية التحديث على شاكلة "لو أنه كان بإمكاننا الحصول على هذه التكنولوجيا أو ذاك السد أو تلك الصناعة"! ثمة اعتقاد في قوة التكنولوجيا وفي القدرة على تجاوز الحدود التي تفرضها الطبيعة، كالحديث عن حدود إمكانية الانتقال المرتبطة بحيواناتٍ مثل الحمار والجمل أو الحديث عن صعود وهبوط معدلات الأنهار التي لا يعوَّل عليها.

وقد كان أحد أهداف مشروع "الطبيعة والإمبراطورية" بالإضافة إلى أعمال أخرى، هو نقد الفكرة القائلة بأن مجرد امتلاك التكنولوجيا المناسبة، يُمكننا من التغلب على أي عوائق. ويبدو واضحاً أنّ ذلك يُفصح عن توتر قديم للغاية في تاريخ الفكر السياسي: هل توجد حدود للموارد التي تستلزم إدارة وتوزيعًا وتقاسمًا، أم أنها بلا حدود؟ هل ثمة قدر ثابت من الثروة في العالم، أم إنّه قابل للتمدد؟ هل النمو اللانهائي مُحتمل؟ بطبيعة الحال يرى أغلب الرأسماليون أن بالإمكان دائماً الحصول على المزيد فالمزيد، وهو ما لا أعتقد صوابَه.

تتجلى هذه الرؤية بنسختها التكنولوجية في القول بأنّ التكنولوجيا المناسبة سوف تخرجنا دائماً من أزماتنا "إذ لا نحتاج إلى التقليل من انبعاثات الكربون؛ سنجد من خلال الهندسة الجيوتقنية حلاً لأزمة المناخ" على سبيل المثال. وغالباً ما تكون طريقة التفكير تلك خاطئة، إذ نجد أولاً مجموعة من العواقب غير المقصودة، فكل التكنولوجيات التي اعُتقدت ترياقاً شافياً قد أنتجت مشاكلها الخاصة، وسد أسوان حالة نموذجية بهذا الصدد. ثانياً، دائماً ما تُنتج هذه التكنولوجيات توتراتٍ وتفاواتاتٍ اجتماعيةٍ، وبالتالي فهي تُعزز [التكنولوجيا] فحسب من المُشكلات التي كان يُفترض منها -وإنّ كان ظاهرياً على الأقل- حلها.
 
بإمكان التكنولوجيا أيضاً إنتاج مسارات تبعية مُحددة لا تتضح إلا في لحظة لاحقة. وبعبارة أخرى: فإن الخياراتٍ المتعلقة بالتكنولوجيا تُقيد المجتمع بطريقة ما. وتُعد شبكة الطرق السريعة في الولايات المتحدة مثالاً على ذلك، حيث آلاف الأميال من الأسفلت، والعمل الشاق سعياً لتسوية وتمهيد الأرض، والكميات الكبيرة من المواد التي استهلكتها البنية التحتية وهلم جرا. فمن الصعب حقاً تصور تغَّيير هذا النظام بأي طريقة واقعية.

إذ تُتيح البنية التحتية إمكانيات مُحددة للحركة والفعل والسياسة والتفكير. وهذا هو ما أطلق عليه مارك إلفين المؤرخ البيئي الصيني "الاستحكام التكنولوجي"، إذ تؤسس المجتمعات بنيتها التحتية (بالمعنى الواسع للكلمة) على نحوٍ متماسك فتُشكِّل بذلك مستقبلها السياسي. يُعدينا ذلك الطرِّح إلى الثنائية الزائفة ما بين الطبيعة والثقافة التي تعرض لها برونو لاتور وآخرون كُثر، وقد طُرح  السؤال نفسه حول العلاقة ما بين السياسة والإيكولوجي.

إن السياسة والطبيعة لا يستقل أي منهما عن الآخر، فالمشروعات العامة والبنية التحتية البيئية يلعبان دوراً في إنتاج السياسة والاقتصاد، والعكس صحيح. ولا يرمي ذلك إلى القول بحتمية بيئية، بل الاعتراف فحسب بدور العوامل البيئية -كما هو حال العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية- في تشكيل التاريخ. والهدف من ذلك هو محاولة التعرف على تفاصيل تلك العلاقة بين البيئة والمجتمع/ البيئة ورأس المال في أزمنة وأماكن مختلفة. وهناك العديد من الأمثلة الجيدة على هذا النهج، مثل اهتمام تيموثي ميتشل بالبترول أو ريتشارد وايت بالسكك الحديدية.
 
بصفتك مؤرخاً بيئياً، هل يُمكنك أنّ تُحدثنا عن علاقتك بمسألة الدراسات البينية (interdisciplinarity). إذ يبدو أنّ هناك مقاومة معنية لذلك النهج في مجال دراسات الشرق الأوسط بحُكم هيمنة السياسة عليه. فعلى سبيل المثال، الدراسات عن البنية التحتية العثمانية عادةً ما تدور حول اختبار مدى حداثة هذه البُنى، ولذا فإن هذه الدراسات لا تُلقي بالاً للتفكير بالأشياء في حد ذاتها؟
 
كثيراً ما نتحدث بالطبع عن الدراسات البينية- على نحوٍ أقل مما اعتدنا عليه سابقاً في ظني- ولكن الاستفادة منها وتنفيذَها هو الأصعب إلى حد ما. إذ يعني ذلك التواصل مع أشخاصٍ ليسوا مؤرخين- كما في حالتي مثلاً- أو ليسوا بالأحرى مؤرخين مهتمين بالشرق الأوسط. يسهل قول ذلك في مقابل فعله على نحوٍ ذي مغزى.  فإذا ما أردنا العمل على موضوعات معينة، أو بعبارة أخرى إذا وضعنا في اهتمامنا موضوعات معينة وفقاً للشروط التي تفرضها علينا واتبعناها إلى حيث تقودنا- فإنَّ علينا حينها تجاوز الطرق الاعتيادية التي يُنظر بها إلى السياسة والاقتصاد والتشكُلات الاجتماعية في الشرق الأوسط. بالنسبة إلىّ كنت مهتماً بالتاريخ الريفي وكنت أُفكر في كيفية ارتباطه بقضايا أكبر في تاريخ الإمبراطورية العثمانية. إذن، ما الذي يفعله سكان الريف؟  لقد حظي هؤلاء بحَيَواتٍ مُعقدة ومتنوعة وبعوالم جوانية كذلك كما هو حال سائر البشر، وذلك أمر لا يحتاج لتوضيح.  وقد دار جزء كبير من عملهم اليومي ما بين زراعة الغذاء، ورعاية الحقول، والتعامل مع حيواناتهم، والتجارة بالإضافة إلى ضمان رخاء مجتمعهم.

والسؤال هو: كيف ارتبط هذا النوع من الكدح اليومي في الريف بالإمبراطورية العثمانية؟ تُمثل الضرائب إحدى الإجابات بلا شك، ولدينا العديد من الدراسات المتميزة بهذا الصدد في تأريخ الدولة العثمانية. بالنسبة إلىّ، صرت أنظر إلى التركيز على الري باعتباره طريقة أخرى للربط ما بين الريف والإمبراطورية. وكان هذا التحول نحو التركيز على الري هو الذي دفعني حقاً لقراءة أعمالٍ تخرج إلى حدٍ بعيد عن نطاق تاريخ الشرق الأوسط. وبطبيعة الحال، دفعتني قراءة هذه الأعمال في جميع الاتجاهات الأخرى المُمكنة. وما أقصده هنا هو أنني إذا ما أردت فهم أنظمة الري والمياه، فعليَّ أن أحاول فهم هذه الأشياء فهماً عميقاً، ولم تكن دراسات الشرق الأوسط لتقدم لي عوناً في هذه المسألة. لا عيب في ذلك، فالقراءة خارج حدود مجال دراستنا يجب أن يكون اعتيادياً وغير مفاجئ. ومع ذلك، اعتقد إننا عادة ما نُهدر فرصاً للربط ما بين الأعمال المُميزة في حقلنا وأعمال الحقول والتأريخات الأخرى.
 
فعلى سبيل المثال، كانت أحد الأشياء التي طالما أدهشتني هو امتلاكنا لتاريخٍ اقتصاديٍ ضخمٍ عن الشرق الأوسط، ولكن هذه الأعمال نادراً ما تشتبك مع علم الاقتصاد اشتباكاً جاداً.  غير أني أؤكد على وجود استثناءات هامة. لا شك أن تعلم بعض الرياضيات والاقتصاد الكُلي والجزئي يستغرق وقتاً طويلاً، ناهيك عن محاولة التوصل لربط هذه الأعمال بمجالنا.  شاركت مؤخراً في تدريس إحدى المقررات التي تضمنت مقالاً لويليام سيويل عن مارك بلوك والتاريخ المقارن، تناول فيه مسألة الفرضيات القابلة للاختبار وتجاهل المؤرخين عادة لوضع معايير دقيقة للبحث في التاريخ المقارن. نعتمد في أبحاثنا على لغةٍ تجعل عنصر المقارنة حاضراً، ولكن دون أنّ نجد ما يُمكن اعتباره فرضيات قابلة للاختبار. وبعبارة أخرى:لِمَ نستخرج بعض النتائج من ظروفٍ معينة وليس غيرها؟ فعندما نصل إلى سردية ما نذهب بها بعيداً دون النظر إلى أي تاريخ بديل مُحتمل، ودون تبرير تفسيرنا وإثبات أفضليته في مقابل كل التفسيرات الأخرى.

بالطبع نستخدم لغة مقارنة دائماً، ولا يُمكننا التعامل مع كل مقولة باعتبارها فرضية قابلة للاختبار. لا نزال حتى الآن في التاريخ العثماني وفي دراسات الشرق الأوسط عامةًَ نقول عادة أشياء عموميةً -وأنا أيضاً أحمل وزراً في ذلك بالتأكيد- كالقول بأن ممتلكات تاجر ما أكثر من غيره، لا بأس في ذلك، ولكن أكثر إلى أي درجة؟ ولماذا نعُد ذلك مهماً؟ فهل يختلف حال ذاك التاجر عن غالبية أقرانه؟ وهل تغيَّر الأمر بمرور الزمن؟ وما هو سياق هذه المقولة؟ وهل هي مهمة بالفعل للسردية التي نرويها؟ الالتزام  بهذه الأمور ليس هيناً، ولكن علينا أخذ هذه الأسئلة على محمل الجد حتى نفهم ما الذي تعنيه أشياء مثل "أكثر" و "هامّ".

ربما أكون قد أستطردت قليلاً هُنا، ولكن ما أرمي إليه هو أنّ علينا بوضوح وضع معايير دقيقة لعملنا؛ إذ أننا نجيد التدقيق في بعض الأمور كتطبيق النهج الإمبريقي على سبيل المثال، في حين نُحفق في أخرى مثل التدقيق في مقارنتنا و قراءة أعمال الحقول الأخرى حتى ننظر في إمكانية وجود صلة بيننا وكيفية ذلك. إنَّها مسألة صعبة ومثال علم الاقتصاد والفرضيات القابلة للاختبار هي ببساطة أحد الطرق المُمكنة لإنتاج دراسات مقارنة متجاوزة للتخصصات، وهو ما كان سؤالك في البداية.
 
سأحاول وضع حديثي هُنا في سياق أكثر واقعية. كتبت مؤخراً كتاباً بعنوان الحيوان في مصر العثمانية وهو يبحث في تاريخ العلاقات ما بين الحيوان والإنسان في مصر منذ القرن السادس عشر حتى التاسع عشر، وكيف يُساعدنا ذلك في فهم بعض من التغيرات الهائلة التي حدثت للإمبراطورية خلال هذه الحقبة. وإذا سألتني: لِمَ الحيوانات؟ سأُجيبك أولاً بأنَّها كانت حاضرة دائماً في كل مصادري! ثمَّ أجيبك ثانياً بأني قرأت عمل ريتشارد بوليت حول الحيوانات ورأيت أنّ الكثير من الأمور المهمة يُمكن قولها عن هذه المسألة وعن الشرق الأوسط من خلال مثل هذه الأعمال. وقد كان لدي الأمثلة والكثير من الأعمال الإمبريقية. كان ذلك في البداية مجرد ملاحظة، وفي نهاية المطاف قادني التوفر الهائل للمواد الإمبريقية إلى فهم أن لذلك بالضرورة أهمية حقيقة بالنسبة للعالم الذي كنت مهتماً به، وهو ما يرتبط أيضاً بالقضية التي أثرناها حول البدء من المصادر.

لذا، بدأت في كل حالة بدراسة كل ما أستطيع عن الحيوانات، لاسيما وأنّ الدراسات التي تتناول الحيوان نابضة بالحياة. وكأي حقل تنتظم دراسات الحيوان في شكلٍ وتاريخ وحدود وإمكاناتٍ مُحددة. تشكلت أسئلتي في البداية من خلال دراسات الشرق الأوسط ومن مصادري، ولكن القراءة في دراسات الحيوان جعلتني أرى مجموعة أخرى من الأسئلة، وبالتالي بدأت أدرك كيف تبدو دراسات الشرق الأوسط مختلفة من هذا المنظور، وكيف يُمكننا الاشتباك مع هذا الحقل وبعض المجالات الأخرى ذات الصلة.  ورُغم أن العنصر الاقتصادي كان مفقوداً في كثيرٍ من الأدبيات المتعلقة بتاريخ الحيوانات والعلاقة ما بين الإنسان والحيوان، إلا أن دارسي التاريخ العثماني محظوظون بتوفر قاعدة معلومات إمبريقية عميقة للغاية.

وفي حالتي، كنت محظوظاً جدًا بالعثور على سجلات تفصيلية للحيوانات في كل القرى بعضها تلو بعض بالنسبة لمصر، بالإضافة إلى بيانات بالأسعار، وحسابات العمل وغيرها. وقد كان ذلك أحد المنظورات التي أتاحت قصة مختلفة عن الشرق الأوسط، كما أتاح ذلك إمكانية وجود تاريخ اقتصادي للحيوانات في المجتمعات البشرية، ومرة أخرى نذكر هنا أن ذلك كان أمراً مهملاً في أدبيات دراسات الحيوان. بالنسبة لي، وبالنظر إلى اهتماماتي وخبرتي المحددة، كانت هذه طريقة للمساهمة عملياً في معرفتنا بالإمبراطورية العثمانية ومحاولة للاشتباك مع دراسات الشرق الأوسط وحقول أخرى تتجاوز نطاقها.
 
 دعني أوضح المسألة بطريقة أخرى: إذا سألت أحد زملائي في حقل آخر تسمية كتاب واحد في دراسات الشرق الأوسط، دائماً ما يأتي الرد ذاته : "الاستشراق" . ولذلك أسباب وجيهة بالطبع، ولكن عليَّنا أنّ نذكر أن إدوارد سعيد لم يكن منتظما في حقل دراسات الشرق الأوسط، وهكذا نجد أنّ أحد أهم كتبنا -وربما الأهم على الإطلاق- لم يكتبه أحد دراسي الحقل. وبالطبع لا يعكس هذا المثال حقيقة الأمر برمته، فالبعض يعرفون مثلاً أعمال تيموثي ميتشيل -ربما هي أشياء صدرت عن كولومبيا أو ما شابه!- كما يوجد آخرون غيره، ولكن النقد ذاته لايزال قائماً.

إن مجال دراستنا واسع وعلينا التعامل مع هذا الوضع. وتتمثل أحد الطرق التي يُمكن من خلالها ربط مجالنا بنقاشاتٍ تأريخية أوسع في الاشتباك مع أدبيات أخرى مثل التاريخ البيئي والاقتصادي. إننا لا نتحدث هُنا عن مجرد استعارة بل عن رؤية نقدية. فمن خلال الاطلاع على الحقول الأخرى يُمكننا التوصل إلى طرقٍ تُتيح قراءة جديدة لموضوعاتنا ولموضوعاتهم أيضاً عبر عدسة مصادرنا وأسئلة دراسات الشرق الأوسط. وبطبيعة الحال، لست الشخص الوحيد الذي يدفع في ذلك الاتجاه. إذ يُمثل باحثو الأنثروبولوجيا نموذجًا هاماً على تجاوز نطاق الحقل. وربما يكون السبب في ذلك هو ارتباط الشرق الأوسط الوثيق بتشكل حقل الأنثروبولوجيا على أنحاء متعددة تغاير طبيعة الوجود التاريخي للشرق الأوسط، وتتفرد بها الأنثروبولوجيا عن سائر التخصصات، وفي نهاية المطاف، تحمل محاولة التعرف على حقول أخرى فائدة عظيمة، صحيح أن ذلك يستلزم جهداً ويُجابه بعقباتٍ مُتكررة، بيد أنه هدف يستحق العناء.


أحد الأشياء التي تتبادر إلى ذهني  هي انطواء دراسات الشرق الأوسط على ذاتها؛ فبداخل الحقل يوجد تغليب للتحليل على حساب النظرية و الوصف الدقيق.
 
لا اعتقد أن بإمكاني القول بأن ثمة "مقاومة" للنظرية في دراسات الشرق الأوسط. فقد كان لدينا موجات متنوعة من الأعمال المستندة إلى لحظات نظرية مختلفة، كما كان لدينا أدبيات في "دراسات النوع والجنسانية" في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. وقد اشتبك كثير منها مع أسئلة خارج نطاق حقلنا ولكنها كانت نظرية للغاية بطرقها الخاصة. ولم تتقاطع -عادة- "دراسات ما بعد الكولونيالية" معنا أو ربما لم نتقاطع نحن معها، في حين أدهشني دائماً انبثاق "دراسات التابع" عن أعمالٍ حول الفلاحين وتاريخ الطبقة العاملة في جنوب آسيا. ورُغم أن لدينا تقليدًا راسخًا من الأعمال حول تاريخ الطبقة العاملة بالشرق الأوسط، بالإضافة إلى العديد من الأبحاث المتميزة عن تاريخ الفلاحين، إلا أنه لم يكن لدينا ما يضارع دراسات التابع في توسُّلها بالدراسة المتشعبة في حقول متعددة.

لِمَ حدث ذلك إذن؟ عملياً؛ أعتقد أن جزءا من الجواب يكمن في حقيقة أننا لم يكن لدينا ذاك النمط من الجماعية الموجودة في دراسات التابع، عندما يعمل مجموعة من الباحثين معاً حول عدد من القضايا ويجتمعون بانتظام لمناقشتها مناقشة مُركزة. كما أنّ لديهم مجلة خاصة، وهو ما لم نحظ بمثلهٍ أبداً. ربما نعتبر ميريب MERIP[2] أو مجلة طلال أسد وروجر أوين[3] في سبعينيات القرن الماضي أقرب شئ إلى هذا المثال، ولكن يبدو واضحاً مدى الاختلاف الشديد ما بين المثالين.
 
ربما يكون مفيداً إنتاج دراسة مقارنة على مجالات دراسات المناطق، ويعمل البعض على ذلك بالفعل. فالبنسبة لنا في دراسات الشرق الأوسط يبدو أن خِناق "دراسات المناطق" أكثر اشتداد مما هو عليه في دراسات جنوب آسيا. فقلة هم من ينتظمون في دراسات الشرق الأوسط ثمَّ يتركون الحقل، ومرة أخرى، أُشير هُنا إلى وجود العديد من الاستثناءات مثل طلال أسد وتيموثي ميتشيل وصبا محمود، وهناك آخرون أيضاً. ربما يجب علينا تأمل حال مجالنا بعض الشئ. يبدو واضحاً أن جيلي من الباحثين لم يكن بإمكانه السير في طريقه لولا العمل الذي أنجزته أجيال سابقة من الباحثين في دراسات الشرق الأوسط، فنحن نستند على إرث عظماء. ورُغم ذلك، ثمة فارق كبير بيننا وهو التزام كثيرين منَّا بترك بصمة على مجالاتنا المختلفة.

ومرة أخرى، هذا السعي هو إلى حدٍ كبيرٍ ثمرة لجهود الباحثين السابقين الذين قرعوا أبواب المعرفة إلى أن تبوأت دراسات الشرق الأوسط مكانها، كما يرتبط ذلك جزئياً بمآل دراسات المناطق. فقد أصبح لدينا الآن فروع/تخصصات لم توجد بهذا الشكل من قَبل، ونحن بحاجة لإثبات إنتمائنا. لذلك أعتقد أن بعض الأعمال المتعلقة بالجنسانية وبدراسات النوع والتاريخ البيئي والعلمانية وما إلى ذلك هي جزء من هذا الجهد، إذ تُصاغ الأسئلة حول القضايا المفاهيمية، فالتمرُّس على العمل بالحقل أمر هام ويُساعدنا في وضع الشرق الأوسط ضمن أجندات أوسع لحقول مختلفة. للشرق الأوسط سردية هامة للغاية لتروى، كالتاريخ البيئي على سبيل المثال، سواء كان ذلك عملاً من نوع ما أنجزه سام وايت في كتابه "مناخ التمرد" أو عملاً على غرار اهتمام ريتشارد بوليت بالحيوانات. والإمبراطورية كوحدة تحليل هي طريق آخر- من بين عدة طرق أخرى- لتحقيق الهدف ذاته.
 
إحدى المشاكل التي تظهر في بعض أدبيات دراسات الشرق الأوسط هي اختزال المنهجية الماركسية إلى صيغ جاهزة، ومراحل، وأنماط للإنتاج بالإضافة إلى قائمة لرصد بعض الأشياء. وكما بيَّنت روزا لوكسمبورغ، فإنَّ ظهور الرأسمالية غير مُمكن  دون أسلافها، ولذا، أعتقد إنَّ كتابك مثال رائع في فحص التصنيف التقليدي لرأس المال، إذ تبرز طرق تتفاعل من خلالها الأشكال القديمة [لرأس المال] ولاحقتها الأحدث. رُغم ذلك، تظهر كلمة الرأسمالية بكتابك في اقتباسين فقط،  كما أنك لم تذكر ماركس،  لا أعتقد أن هذا يُمثل نقصاً على الإطلاق، ولكنني أتساءل عن انتقادك للماركسية والتاريخ الماركسي.  وبالطبع  يوجد تقليد ماركسي راسخ في تاريخ دراسات الشرق الأوسط.
 
أذكرت الرأسمالية مرتين فقط؟ ولم أذكر ماركس؟! لم ألحظ ذلك. رداً على سؤال الاختزال، أرغب في توضيح اتفاقي الجوهري مع أفكار ماركس. فقد كانت أفكاره جزءا أساسياً في طريقة تكويني كمؤرخ. فماركس كان هواء أتنفسه في الدراسات العليا ببيركلي، كما أنّ بعض مُعلميَّ ولجوا إلى الحقل في ذروة النقاشات الماركسية -في بعض الأوقات- حول التاريخ الاجتماعي والثقافي.

فقد كانت الأفكار الماركسية عن التاريخ جزءا دائم الحضور في تشكُّلي المعرفي حد استعصاء فصلها عن غيرها. فدائماً ما تناولنا التاريخ من أسفل؛ تاريخ العمل والفلاحين وثنائية البنية/ الذات. لذا، اعتقد أن عملي تأثر بوضوح بالوعي الماركسي، وإن لم يظهر ذلك بشكل صريح كما أشرت في سؤالك.

يظهر تأثري من خلال تعاملي مع الحيوانات بوصفهم رأسمال، ومن خلال تركيزي على تجريد أشكال معينة من العمل، وأيضاً من خلال معالجتي لمسألة للدولة. لا اعتبر نفسي مدافعاً عن الماركسية، لكن أفكارها أثَّرت بوضوح في عملي إلى درجة إنَّها ربما تكون كامنة أحياناً. لا أظن أني قرأت ماركس منذ أنهيت الدراسات العليا، واعتقد أن ذلك واضحاً من خلال قائمة مراجع كتابي الطبيعة والإمبراطورية، ورُغم ذلك يوجد اقتباس من ماركس في كتابٍ آخر. وبعيداً عن عملي، فمن نافلة القول إن دراسات الشرق الأوسط -وعلم التاريخ عامةَ- قد تأثرت إيجاباً بالاشتباك مع الأفكار الماركسية.
 
كما ذكرنا قبل ذلك، اعتقد أن أحد أكبر الاختلافات بين دراسات الشرق الأوسط ودراسات التابع هو الاشتباك النقدي للأخيرة مع الماركسية، فقد طوُّروا النظرية.
 
بالضبط، ولكن لِمَ هذا الاختلاف؟ إحدى النقاط الهامة هُنا هي استجابة دراسات التابع فردياً وجماعياً لعجر دراستهم عن تفسير تجاربهم.  فقد كانوا يدفعون ضد أشكال مُحددة كُتِبَ تاريخ جنوب آسيا  من خلالها بمنظور كولونيالي. إذ نشأ كثير من هؤلاء الباحثين في النظام التعليمي الهندي و ضمن الحركات السياسية بجامعتهم في بعض الأحيان. وكان لديهم ارتباط قوي -كحالنا جميعاً- بتاريخهم ولم يروا انعاكساً لذلك في التاريخ الكولونيالي بمدرسة كامبريدج. لذا، بدأوا في العمل على ما كان غائبًا من موضوعات تُعبر عنهم مثل تواريخ الفلاحين، والنبذ[4]، والنوع، والعمال، والعنف.

هكذا بدأت القصة، على حين أتى العمل النظري لاحقاً إلى حدٍ ما. ثم أخذوا بتطوير هذا الأمر في ضوء اهتمامهم بالكيفية التي يُكتب بها تاريخهم. اعتقد أيضاً أن انتقاداتهم للإمبراطورية قد تقاطع مع لحظة تَهَدُّم الاتحاد السوفيتي، وكان هناك شعورٌ بأن العوالم التي تمخضت عنها الإمبراطوريات القديمة على وشك التداعي، وضربت أعمالهم- بوعيٍ أو بدونه- على هذا الوتر.
 
أما عن نَسَب تقليد التاريخ الماركسي في دراسات الشرق الأوسط فقد كان الأمر مختلف للغاية. بعض الباحثين في تركيا ومصر كان يكتبون أعمالاً سياسية وتاريخية منشغلين دائماً بما يفرضه الصراع السياسي المُلح لحياتهم اليومية. كتب هؤلاء بالعربية والتركية بشكل عام، لذلك لم يتمكنوا من الوصول إلى الجمهور الذي يُمكن لمن يكتب بالإنجليزية الوصول إليه فغيروا طريقتهم في نهاية المطاف. كما لم يكن أمام هؤلاء الباحثين شئ جَسيِم مثل مدرسة كامبريدج ليواجهونه. وعلى أية حال، ربما نكون مرة أخرى في لحظة يظهر بها من جديد ذلك التشابك بين الدراسة العلمية والانشغال السياسي، ورُغم أن هذا الأمر ليس واضحاً لي كفاية، إلا أنه يرتبط بالماركسية إلى حدٍ ما.
 
هل توافر المصادر يُمثل أحد المشكلات التي يواجهها الباحثون في تاريخ الإمبراطورية العثمانية؟
 
نعم ولا. يتمتع مؤرخو الإمبراطورية العثمانية بتخمة من المصادر مقارنة بكثير من التأريخات لمناطق أخرى بما في ذلك جنوب آسيا. ومع ذلك ربما تظل المصادر مشكلة في بعض الأحيان خاصة بالنسبة لهؤلاء الذي يعملون على حقبة القرن العشرين. فالوصول إلى المصادر الأرشيفية عن الشرق الأوسط في القرن العشرين يُمثل مشكلة عظيمة. بطبيعة الحال، ترتبط المسألة بالسياسي. إذ لا يوجد لدينا بعض المصادر الأرشيفية، سواء تعلق ذلك بتاريخ الأرمن في بداية الجمهورية التركية أو أي من الحروب العربية في القرن العشرين.

ففي مصر، على سبيل المثال، لا توجد أصلاً مواد أرشيفية يمكن الوصول إليها فيما يخص الفترة ما بعد عام 1940. لذلك إذا ما اتفقنا بأن عليَّنا التنظير من خلال مصادرنا؛ فإن هذا يُمثل مشكلة رئيسية. ومرة أخرى، فإن وضع بداية العصر الحديث والقرن التاسع عشر مختلفة للغاية عن المثال السابق، كما أن المصادر الأرشيفية التي تعود إلى القرن العشرين ليست غائبة تماماً (من المثير للاهتمام هنا أن شبه الجزيرة العربية والخليج الفارسي يبدو أنهما مساحة لم توطأ بعد في هذا السياق)، ولكن كم الصعوبات ضخم للغاية.
 
أظهر كتابك الطبيعة والإمبراطورية ببراعة فائقة كيف انخرطت الإمبراطورية العثمانية في أمورٍ مثل تدفق النيل والتفاصيل الدقيقة للريف المصري، والعلاقات اليومية للفلاحين ببيئاتهم المحلية. هل يُمكن أن تحدثنا قليلاً عن مشكلة مركزية الدولة في التاريخ العثماني؟ إذ يبدو أن هناك نوعاً من  القبول الساذج للمصادر الأرشيفية باعتبارها محض انبثاق عن الدولة وباعتبارها حقائق وردت مباشرة من السلطة الإمبراطورية. لذا، ربما يُمكننا الحديث عن الكيفية التي يُمكن من خلالها إعادة  توجيه سؤال الدولة عبر المقاربة الإيكولوجية؟
 
عادة ما يوجد نوع من مركزية الدولة في حقلنا. يرتبط ذلك جزئياً بحقيقة أنه حتى وقتٍ قريب -أو ربما حتى الآن- نجد في الشرق الأوسط دولاً وطيدة للغاية، سواء تعلق ذلك بالإمبراطورية العثمانية أو بنظام مبارك في مصر. ومن الواضح أن ذلك أثر وسيظل مؤثراً على معرفتنا حول المنطقة. ولكن ذلك ليس بالأمر الهين يقيناً، فأنا لا أشير أبداً إلى أن أحدهم باستطاعته التحدث عن الإمبراطورية العثمانية مجملاً من القرن الثالث عشر حتى القرن العشرين ومصر منذ ثمانينيات إلى تسعينيات القرن الماضي- باعتبارهما وبطريقة ما الشئ ذاته.

فمن وجهة نظري أرى أن السؤال التالي هو الأكثر الأهمية وإلحاحاً -وهو ما نحتاج إلى طرحه دائماً- : ما الإمبراطورية العثمانية. ما الذي كانت تعنيه في وقتٍ ومكانٍ محددين؟ فقد طالها التغير زمانيًا ومكانيًا. فتلك الإمبراطورية بمصر عام 1587 لم تكن هي ذاتها في صوفيا بالعام ذاته، وأيضاً كانت إمبراطورية مختلفة بمصر في عام 1588. كثيراً ما جادلت في أعمالي بأن مصر كانت أهم ولاية في الإمبراطورية، وذلك لعدة أسباب. فقد كانت البلد صاحب العوائد الأكبر بالإمبراطورية، وتضم ثاني أكبر مدينة، وحافظت على صلات إدارية وفكرية هامة مع اسطنبول، وكانت نقطة محورية للإمبراطورية في شمال أفريقيا، وشرق البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهندي.

ولكن حتى في مكان مثل مصر، كما هو الحال في جميع ولايات، كانت هناك أماكن لم تطأها الإمبراطورية. ولكن ماذا الذي أعنيه بـ "لم تطأها"؟ عندما نقرأ نصوصاً تأريخية معينة صدرت في مصر خلال فترة الحكم العثماني ( وعلى سبيل المثال أفكر هُنا في في نص يوسف الشربيني الشهير "هز القحوف")[5]، نادراً ما نجد -وفي بعض الأحيان لا يوجد على الإطلاق- ذكر للإمبراطورية. فلا يوجد ذكر لمسؤولي الإمبراطورية، أو لضريبة سنوية، لا ذكر لاسطنبول أو للسلطان. فأين هي الإمبراطورية؟ كيف يُمكننا نعت هذا المكان "بالعثماني؟" ؟ ما "العثماني" هنا؛ إن كان هناك شئ كهذا ابتدءا؟ قد ننتقل إلى سجلات المحكمة لبلدٍ أو منطقة ما، وهناك قد نجد الكثير مما يُشير إلى وجود الإمبراطورية. ولكن ما الذي كان يجري بهذا المناطق التي بدا أنها تقع حيناً داخل الإمبراطورية وأحياناً أخرى خارجها، أو تلك التي كانت عثمانية أحياناً وفي أحايين أخر غير ذلك؟ هل كانوا عثمانيين؟ وما الذي قد يعنيه ذلك في مثل هذه الحالات؟ هناك مقال رائع الكسندر موتيل.

"هل شملت الإمبراطوريةُ كل الأشياءَ؟ هل كان كل شيئٍ إمبراطوري؟"، أنا لا أعتقد أن الإمبراطورية تغولت في كل شيء. وبالعودة إلى سؤالك حول مركزية الدولة، أقول أن الدولة ليست دائمة الحضور. فالدولة العثمانية ومعظم الدول الحديثة في مهدها حضرت في أحايين وغابت في أخرى. يتمثل جزء من عملنا في اكتشاف طبيعة هذه العلاقات الخاصة بمناطق وشعوب مختلفة في أوقاتٍ مختلفة. كيف تتفاوض جماعات معينة ومناطق حول علاقتها بالدولة؟ وكيف تُموضع ممارسات معينة شعباً ما خارج أو داخل نطاق الدولة؟ أين، كيف، لماذا، ومتى تحدث تشابكات معينة لسلطة الإمبراطورية؟ ويبدو واضحاً أن معرفة الأجوبة الأجوبة عن هذه الأنواع من الأسئلة ينتج عن كمٍ هائلٍ من التأريخ في مجال الدراسات العثمانية وغيرها من المجالات.
 
وبالطبع، أظهر تأريخ آخر في مناطق مثل سوريا وتونس ومصر وفي ولايات عثمانية أخرى، بداية التاريخ الحديث للمنطقة كما لو أن الإمبراطورية العثمانية لم تَفِد على الإطلاق. وقد تبنت العديد من الكتب وجهة نظر واحدة فحسب من المصادر، وهي تعرض صورة لمجتمعٍ  يبدو ألا أثر فيه للإمبراطورية. وقد كان بعض هؤلاء المؤرخين قوميين عرب من روافد متنوعة، ولكن الأهم أنهم ليسوا جميعاً قوميين. في الوقت نفسه، كان هناك أيضاً نظماً من التأريخ القومي التركي لا تشمل فيه الإمبراطورية العثمانية العالم العربي. وبحركة بهلوانية، أصبحت الإمبراطورية العثمانية صدفة متطابقاً مع حدود الجمهورية التركية. وعلى النقيض، لدينا نهج آخر للتاريخ العثماني تبدو من خلاله الإمبراطورية مسؤولة عن أي شيء وكل شئ حدث داخل حدودها. وفي الواقع، فإن أعمال المؤرخين الذين ذكرناهم -الشربيني وآخرين -لا تحتمل أياً من ذلك. والنقطة هنا تتمثل في أن الإمبراطورية العثمانية لا تتلائم مع أي من هذه الخصائص. وكما هو الحال معظم الأشياء، تكمن الحقيقة في منزلة وسط بين نقيضين وعلى الدوام كانت هدفاً متحركاً.
 
وهذا يقودنا إلى فائدة المنهج الإيكولوجي. في مقدمة كتابي عن الحيوانات في مصر العثمانية، أذكر صراحة ضرورة التفكير في الإمبراطورية العثمانية (والإمبراطوريات الأخرى) باعتبارها نُظماً إيكولوجية. ما الذي أعنيه بذلك؟ إن النظر في الإمبراطورية من خلال الاقتراب الإيكولوجي يطرح أمامنا روابطها. والفكرة هي أن أصغر التغييرات في جزء واحد من النظام قد تترتب عليه تداعيات بعيدة للغاية تجاه النظام بأكمله، وهي التداعيات التي يُمكنها التأثير حتى في مناطق وشعوبٍ خارج النظام. والنظم الإيكولوجية، كما حال الإمبراطوريات، ترتبط باكتشاف طبيعة العلاقات التي تسمح للنظام بالعمل. لا أرمي من وراء هذا الاقتراب إلى وضع نظرية شمولية، بل إلى تحويل انتباهنا نحو العلاقة التبادلية ما بين بنية وطرق استمرارها عوضاً عن التفكير بتدفق سلس للسُلطة. بعبارة أخرى، عند التفكير في العلاقات الإمبراطورية، قد نتتبع تلك التي تصل بنا إلى الدولة، ولكننا قد نجد أيضاً مجموعة كاملة من العلاقات تتفاعل خارج أي علاقة بالعاصمة أو المسؤولين الرسميين أو المحاكم.

فالتحرك داخل وخارج الدولة -إن أمكن القول- يساعد في إلقاء الضوء على قدراتها وحدودها ويفتح عوالم كاملة أخرى. بالنسبة لي، كانت دراسة نظام الري إحدى طرق إنجاز هذا النوع من العمل. يُصبح الري متأصلاً في مكان معين وجزءا لا يتجزأ منه حيث عدد لا حصر له من الاختلافات بينه وبين كل الأماكن الأخرى. إذ لا يوجد بيئتين متماثلتين، أو قُل إذا شئت إنك لن تضع قدميك في النهر مرتين، أو قُل أي شئ آخر لكن في النهاية تُحدث التفاصيل فارقاً هاماً. وتلك هي إحدى أوجه النظر التي يُمكن استعارتها من الإيكولوجي.
 
فكل ما يحدث بأي أمر يتعلق بالري سواء كان ذلك قناة أو مَصْرِف أو سدّ كانت له تداعيات على مستوى الإمبراطورية. وإذا لم يجر صيانة الري في مصر لأي سبب، تَبُور الحقول، ويتدهور الإنتاج الزراعي، وتتضرَّر شبكات الشحن الإمبراطورية والتجارية، ويتضوُّر الناس جوعاً. وقد يتسبب مكان ضئيل المساحة بمصر بتداعيات خطيرة على أُناسٍ وأماكن بشمال أفريقيا والأناضول وغيرهما. وقد كنت مهتماً بالكيفية التي تجعل لهذه المناطق الريفية "الثانوية" عواقب إمبراطورية واسعة، وبكيفية عملها في إطار النظام البيئي البيروقراطي للدولة العثمانية وكجزء منه، وكذلك كنت مهتماً بما كشفته عن ماهية الدولة الإمبراطورية الحديثة في مهدها. بهذه الطريقة، تأرجحت واقتبست واستفدتُ من تقليدي التأريخ اللذان ذكرتهما دون الالتزام بأحدهما، ما بين الإمبراطورية العثمانية التي لم تشمل يوماً العالم العربي وتلك المسئولة عن كل شئ.

أردتُ أيضاً تقديم وصف إمبريقي لكيفية عمل الأشياء على أرض الواقع لفهم بيئة الري في مصر. كانت مساهمتي ضئيلة للغاية، وبالطبع لست الشخص الوحيد الذي يُنتج مثل هذا النوع من العمل. إذ نحاول بشكل جماعي اكتشاف العلاقات داخل الإمبراطورية، سعياً لاستيعاب تاريخ الإمبراطورية العثمانية المشوش. ومرة أخرى، دائماً ما يثور بذهني السؤال نفسه: ما هي الإمبراطورية؟ ما الذي كانت تعنيه في وقتٍ ومكانٍ محددين؟ ما الذي كانت تعنيه لفلاحين يحرثون حقولهم في جنوب مصر؟ عادة ما مثلت لهم طريقاً لإصلاح سدودهم. فقد قدمت الإمبراطورية الموارد اللازمة لإصلاح البنية التحتية للري، وفي أحيانٍ أخرى كانت مقصدهم حيث تُرفع المطالب فتتم الإصلاحات. هذا هو ما بدت عليه الإمبراطورية العثمانية بالنسبة لموضوعاتها. وغنى عن البيان أن هذه العلاقة سوف تختلف باختلاف المكان والزمان داخل الإمبراطورية. ومن الجيد أن لدينا الآن في الدراسات العثمانية مجموعة من الدراسات تبحث في هذه الأمور بطرق عدة مختلفة،إنها مرحلة جيدة بالفعل.   
 
 
دعنا نتحدث عن غياب جوهري آخر في التأريخ العثماني وفي الكتابة التاريخية عموماً: الحيوانات. أين هم؟ نجدهم حاضرين دائماً في الأرشيف كما ذكرت، وغالبا ما يكونون أكثر حضوراً من البشر، لكنهم لا يظهرون في السرديات التي نرويها عن الماضي. يبدو أننا نشهد "تحولاً نحو الحيوان" في العلوم الإنسانية في الوقت الراهن. ولكن هناك الكثير من المتشككين، سواء كان ذلك من المؤرخين النقديين أوالتقليديين، ممن يبدو أنهم لا يرغبون في مشاركة الفاعلية التاريخية (historical agency) مع غير البشر.  فعلامَ الخلاف هُنا؟ ولِمَ هذا الرفض للحيوانات؟
 
تُصدق الحقائق الواقعية على حضور الحيوانات في كل مكان، وعلينا أخذ ذلك على محمل الجِّد وهو ما يبدو منطقياً. كما أننا نحن أيضاً حيوانات، لذلك يُمكن اعتباره تصنيف الحيوان مجالاً يفوق في سعته تصنيف الإنسان فيما يتعلق بكتابة التاريخ. وعلاوة على ذلك، يُعد تاريخ الحيوان من أوجه مختلفة تطور طبيعي تماماً في كتابة التاريخ من أسفل.  ومن زاوية هذا التقليد (كما في دراسات التابع)، أصبحت النساء والأقليات والعمال والفقراء والفلاحين -وأي مجموعة أٌخرجت من نطاق الدراسة التاريخية -محور التركيز في فهم المجتمعات، والبُنًى الثقافية، والتشكَّلات السياسية. لقد أصبحنا نلتفت الآن إلى الأهمية التاريخية للحيوانات التي طالما عاشت بيننا.

في هذا السياق، تتمثل الضربة هُنا -أو كما تُسميها إيريكا فودج مستعيرة تعبير والتر بنيامين "مُخاتَلَةٌ يسارية"[6]- في تجاوز عزل ما هو غير بشري. فهل يختلف ذلك حقاً عن تجاوز عزل الطبقة والنوع واللغة والزمن؟ أيعقل ألا امتلك قدرة كبيرة للتوصل إلى رؤية الكلاب للعالم -بافتراض وجودها جدلاً- وهي التي شاركتها منزلي طيلة خمسة عشر عاماً مقارنة بمعرفتي برؤية إنسان يعيش في مكانٍ لم أزره قط ويتحدث لغة بالكاد أعرفها؟ يتشبث المؤرخون- بوعي أو بدونه- بالنظر إلى البشر باعتبارهم الفاعلين الوحيدين في التاريخ. لا بأس في ذلك، فقد كتبنا ونكتُب التاريخ ولا نزال نستمر في سرده عن البشر وحدهم.
 
ولكنَّ هناك فاعلون آخرون في التاريخ أيضاً. الكثير من الأعمال في التاريخ البيئي، والدراسات الحيوانية والجغرافيا، وغيرها من الحقول تُشير إلى فاعلية غير البشر، سواء كان ذلك نهراً أو زلزالاً أو حيواناً، لكنهم يؤثرون على العالم الذي نعيش فيه والتي عاشت فيه موضوعاتنا التاريخية. فما هي الفاعلية التاريخية؟ أيجب أن تنطوي على القصدية؟ هل للزلازل قصدية؟لا على الأرجح. هل قصد كولومبوس قتل 90% من سكان الأمريكتين؟ أيضًا على الأرجح لا. إذا كانت الفاعلية التاريخية تنطوي على كلٍ من القصدية و إنتاج آثار تاريخية، فلنفحص إذن كلا العاملين بالنسبة للحيوانات. وفقاً للأدبيات العلمية -ومعظمها عن الكلاب والفيلة والشمبانزي -فإن الحيوانات تشعر، وتفكر، وتتواصل، وتتذكر، وهي واضحة حيال هذا الموضوع.

فالكلاب تختبر العاطفة، وتخلق روابط اجتماعية، وسلوكها ينتج عن قصد. هل من شيئاً آخر يجعل الإنسان مميزاً؟ هل هي اللغة؟ كلا، إذ أن الدلافين والكلاب والفيلة جميعاً يتواصلون فيما بينها. إن السؤال عن الحيوان، حتى لو لم يجد إجابات قاطعة، يتحدانا بطرق مختلفة، ويدفعنا نحو العديد من الاتجاهات المثمرة. ليس في هذه الأسئلة جديد، فالإغريق، وفلاسفة التنوير، والمفكرين الجادَّيين تأملوا في الاختلافات ما بين البشر والحيوانات الأخرى. وطرحوا أسئلة على غرار  ما هي طبيعة الإنسان؟ وما الذي يجعله مميزاً؟
 
يُمكن للمرء البحث في موضوع الحيوانات من خلال العديد من الطرق المختلفة. إذ يُمكنك دراسة التاريخ الاقتصادي لعمل الحيوانات بطرق إمبريقية للغاية، كالتساؤل عن عدد عزم الدوران الذي يبذله الجاموس المصري؟ وكما ذكرت، هناك أعمال نظرية كثيرة في تأسيس وتعريف ثانية الإنسان/ الحيوان، وقد قدم دريدا الكثير في هذا الاتجاه. فهناك أعمال عن المشاعر الحيوانية، وعن الحيوانات والمدن، والحيوانات في الأدب، وفي الفن، وهلم جرا.

بالنسبة للعديد من البشر في عالم اليوم، أو في أوروبا والولايات المتحدة على الأقل -لا ترتبط علاقاتهم الأكثر حميمية بالبشر بل الحيوانات . فهناك روابط مؤثرة، وعلاقات عضوية، ورعاية للحيوانات، إنها مسألة كبيرة. يكفيك عشر دقائق سيراً على الأقدام في نيويورك أو لندن حتى تكتشف ذلك بوضوح. إذ يعامل الكثير من البشر كلابهم كما يعاملون أطفالهم. إنه أمر جاد، وأعتقد أن علينا نحن الباحثين أن نُوليه اهتماماً يتناسب مع جديته.
 
ولنضرب مثالاً أخيراً عن الكلاب. هناك عدة سلالات من الكلاب الأليفة التي لم تكن لتوجد دون تدخل البشر. يولد 80% من كلاب البلدغ من خلال العمليات القيصرية، وذلك لأن البشر قد تدخلوا بالهندسة الوراثية لتصبح رؤوسهم كبيرة للغاية ولا تناسبهم الولادة من خلال أحواض أمهاتهم. إنه أمر مذهل، فقد جعلنا نحن البشر حرفياً وجود هذه الكلاب ممكناً، ولا يمكن أن تحل على العالم إلا من خلال تدخل البشر. ولكننا لسنا بحاجة إلى الكلاب على أي نحو جوهري في الحياة السياسية أو الاقتصادية. إذن، من هو الحيوان المُستأنس هنا؟ البلدغ أم البشر؟ يمكن للمرء الجدال بأنهم هم من استَأنَسَنا من خلال جاذبيتهم ووداعتهم، حتى نولدهم ونطعهم ونأويهم.
 
في كتابك الحيوان في مصر العثمانية لا يتوقف عملك على الكلاب فحسب، أليس كذلك؟

أجل، فقد كانت فئة الكلاب فئة واحدة ضمن ثلاث فئات من الحيوانات التي ركزت عليها، والفئتين الأخيرتين هما الحيوانات المستأنسة في العمل والحيوانات الضخمة. في البداية، شرعت في عملي بالتركيز على حيواناتٍ مثل الثيران والحمير والأبقار والجمال، فقد كانت هذه هي الأنواع الأكثر انتشاراً في الريف المصري. والسبب الرئيس الذي دفعني لكتابة هذا الكتاب هو  كثرة ورود هذه الحيوانات في سجلات المحكمة حينما اطلعت عليها أثناء عملي على كتابي الأول. أتى ذكرهم في السجلات بوصفهم رأسمال ريفي، فقد كان امتلاك الحيوانات أهم مصدر للثروة الفلاحية في مستهل الحقبة العثمانية بمصر. إذ ساهمت في إنتاج العمل ونقلت البضائع ووفرت الطعام، كما كانت مصدراً للحرارة. بدأت بالاطلاع على هذه الحيوانات وجمع أكبر قدر ممكن من الوثائق وغيرها من المصادر.


يُمكن قول الكثير عن الكلاب، فقد دعمت السلطات العثمانية وجود الكلاب بالقاهرة وبمدنٍ أخرى في القرن السابع عشر والثامن عشر؛ وفروا لهم الطعام والمياه، وعاقبوا الناس على ضربهم. لِمَ؟  لأن الكلاب تستهلك القمامة، وبالتالي كان وجودها مهماً للحفاظ على نظافة المدن. كما أنها استخدمت في رعاية الماشية، والصيد، والحراسة. بَيْدَ أنه وكما بينتُ، فقد تغيَّرت الأفكار حول الصحة والتخطيط الحضري والمرض في نهاية القرن الثامن عشر. وأصبحت القمامة والكلاب مشكلة في القاهرة، تتبعت هذه المسألة وصولاً إلى الجهود الهادفة بنهاية المطاف لاجتثاث الكلاب من المدن، وشهد مطلع القرن التاسع عشر عدة حملات واسعة النطاق للقضاء على الكلاب في القاهرة والإسكندرية (وفي مدن عثمانية أخرى أيضاً). وقد بدلت هذه الأفكار والممارسات المتغيرة بطبيعة الحال طبيعة العلاقات بين البشر والكلاب في القرن التاسع عشر.   
 
آخر فئة من الحيوانات في كتابي هي الحيوانات الضخمة، أو الحيوانات "الغريبة" إن شئت القول. في هذا القسم، أشرح كيف تغيرت شبكات المحيط الهندي القديمة التي نقلت هذه الحيوانات بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا في القرن التاسع عشر مع ظهور مؤسسات حيوانية جديدة مثل حدائق الحيوان ومدارس الطب البيطري. وناقشت كذلك دور التجارة العالمية المزدهرة آنذاك، والتي عملت على نقل هذه الحيوانات إلى حدائق الحيوان في القرن التاسع عشر.
 
أما عن غرض الكتاب، فهو يهدف -كحال الطبيعة والإمبراطورية- إلى فهم الانتقال من أوائل العصر الحديث إلى شيء آخر في القرن التاسع عشر، سمِيه الحداثة إن شئت. وبطبيعة الحال، يحاول الكتاب باستمرار النظر إلى العلاقة بين الإنسان والحيوان بوصفها أحد محركات تاريخ الإمبراطورية العثمانية وبدايات العالم الحديث بشكل عام.
 
أرغب إذا سمحت لي في العودة للحظة للتفكير في سؤالك الذي طرحته عن المقاومة التي تواجهها الدراسات الحيوانية والتاريخ البيئي في الشرق الأوسط. أود الإشارة  إلى أننا بحاجة للاعتراف بأن العديد من الباحثين في مجالات التاريخ العثماني ودراسات الشرق الأوسط قد تقبلوا للغاية مثل هذا النوع من العمل. وبالطبع، فإن ذلك أمراً طيباً بالنسبة لأولئك الباحثين الذين يعملون على هذه الموضوعات، ولكن الأهم من ذلك، وما نجده مثيراً للاهتمام ومصدراً للإلهام هو رؤية أعدادٍ كبيرة من طلاب الدراسات العليا والباحثين المرموقين وقد تحولوا إلى الاهتمام بالأسئلة البيئية. ومع ذلك، ما زلت أعتقد أنك محقٌ في رصد درجة من التحفظ، بل والشك أيضاً، من جانب البعض عندما يتعلق الأمر بالتاريخ البيئي.

ويمكنني الإشارة إلى سببين أتفهمهما تماماً بهذا الصدد. الأول هو استخدام الأدبيات الإثنوغرافية العنصرية أو الكولونيالية للعوامل البيئية في "شرح" أشياءَ مثل "الخمول الشرقي" المزعوم أو "الجنسانية الشرقية" أو ما شابه ذلك. فقد ذَكر مسؤولون كولونياليون إن الشرق كان متخلفاً لأن مناخه حار، وإن الإسلام "دين صحراوي" ولذا وضع سياسات عائلية معينة أو أفكار عن الحياة الآخرة، كما ذكروا أن أنواعاً من السياسة وُجِدت بالمناطق الاستوائية فقط، أو أن الاستبداد الشرقي يقترن بنظام الري في الصين والعراق ومصر.

وكثيراً ما تتخذ هذه المفاهيم العرقية إلى جانب العديد من الأفكار غير المنطقية الأخرى، ذريعة لخدمة مشاريع أوربية للهيمنة سياسياً واقتصادياً. وتلك الأفكار الشائنة لا تزال فاعلة بطريقة علنية أوغير واعية، لذلك من المهم بالنسبة لنا تبين تأثيرها ومقاومته. وبالتالي، اعتقد أن رد الفعل التلقائي للبعض هو الرفض المطلق  للأفكار التي تحاول ربط الطبيعة بالتاريخ والناس بالبيئة. فهناك طرق خبيثة  لكتابة التاريخ البيئي كما هو الحال كتابة أي تاريخ آخر. ولكن هناك أيضاً طرق رشيدة ومثمرة للتفكير في العلاقات ما بين البشر وباقي الطبيعة.
 
أما عن السبب الثاني لتشكُك الكثيرين في التاريخ البيئي فهو متعلق بالطريقة التي اكتسب بها نموذج التحديث صورته النمطية في الشرق الأوسط بالقرن العشرين. فقد كانت أحد آثار إعادة تشكيل المجتمعات العربية والتركية والفارسية على صورة البرجوازية الغربية هي إبعاد الفلاحين، ناهيك عن الحيوانات. إذ أن الفلاحين الكُسالى (ألا يبدو ذلك مألوفاً؟) عائقاً في طريقنا، كما أن تقلبات النيل مشكلة للتنمية وهكذا، بل أصبحت مجرد كلمة فلاح إهانة.

فالخطابات القومية -ليس في الشرق الأوسط فحسب- تُركز عادة على المدن والتكنولوجيا والمصانع، ما يضع مسافة بين الأمة والفلاحين في الريف. لذا، فإن إعادة الفلاحين، أو الحيوانات، للسردية التاريخية يتعارض تماماً مع نماذج التحديث التي هيمنت على الشرق الأوسط ومجال دراساته  لوقتٍ طويل. والتحدي الذي حاولت أنا وآخرون مواجهته هو شرح الفوائد المحتملة من دراسة التاريخ البيئي بغرض دفع عمل المجال إلى الإمام وفي اتجاهات مختلفة.


عطفاً على ذلك، أكثر ما أعجبني في عملك هو انفتاحك على ما يظهر أمامك طوال الوقت. فعادة عندما ندرس تاريخ المفاهيم نلتزم بنطاق المفهوم محل الدراسة. وبطريقة ما، يصبح ذلك شكلاً من أشكال الحتمية ويحول دون التدفق الكامل للماضي لنلتقطه بكل تعقيداته وفوضاه. ففي كثير من الأحيان، يطرح الباحثون أسئلة بطرقٍ تُحدد نتائجهم مسبقا. وبعبارة أخرى، فهم لا يُفسحون المجال لنتائجهم كي تقود طريقهم. وبدلاً من الاكتفاء بمجرد تلخيص المراسيم الإمبراطورية، يبدو أنك مهتماً أكثر بالنظر في أشكال محددة من البنية التحتية. عندما تُفكر في مشروعك البحثي، كيف استفدت من انفتاحك وكيف تفاعل ذلك مع تحليل الإمبراطورية؟
 
ذهبت إلى الأرشيف معتقداً أن الري سيُساعدني على التفكير في الروابط ما بين المحلي والإمبراطوري، كما شرحت طيلة الحوار. وبالتالي، كنت آمل في العثور على بعض المواد الخاصة بالري. هذا الموضوع الغامض، والرغبة في العمل على سجلات المحاكم المحلية في مصر والوثائق الإمبراطورية في إسطنبول، هو ما دار بخلدي عندما بدأت عملي. كنت محظوظاً كفاية فعثرت على الكثير من المواد التي أسعى إليها: قصص حول تَحَطّم السدود، فلاحون يأخذون أكثر من حصتهم في المياه، أوامر بالعمل، قضايا عن التجريف تنظرها المحاكم، وهلم جرا.

كان هناك قدر كبير من الاحتمالات المفتوحة يكفي لتبديد أملي في العثور على أي شئ، أو لإفساح المجال للنتائج التي توصلت لها كي تدفعني -وهو ماحدث بالفعل- في اتجاهاتٍ جديدة. فقد وجدت، على سبيل المثال، روابط عديدة بين المياه والخشب، وهو ما يبدو واضحاً للغاية بالنسبة لي الآن، وربما كان يجب أن يكون واضحاً لي حينها، ولكني لم أفكر أبداً في أهمية الخشب لمشاريع الري. فقد جُمع من أجزاء مختلفة في الإمبراطورية من جنوب غرب الأناضول وسوريا غالباً، ثمَّ نُقل إلى مصر حيث تندر الأخشاب.

ويمكنني ضرب أمثلة أخرى أيضاً، فأي شخص عمل على الأرشيف يعلم كل تلك المتع، والمفاجآت، والإحباطات، والأفراح التي قد يجدها هناك. وفي نهاية المطاف، ليس بوسعنا سوى سرد القصص التي وجدناها فحسب. وأنا أفترض أن ذلك هو غاية كتابة التاريخ، فهو طريقة معينة تتعلق بالأرشيف والمواد التي نجدها. وعلينا أن نكون منفتحين على التجول في المصادر، وأن نضل الطريق ونجانب الصواب، يجب علينا الانفتاح على الاحتمالات المختلفة، ونتقبل تغيير آرائنا. علينا الاقتراب من الأرشيف بعقل مفتوح، وهو ما يستدعي تواضعاً ويتطلب وقتاً. كلما قضيت وقتاً أطول في الأرشيف، كان خيراً لك.

ولكن قد يختلف البعض، إذ يقولون أنك كلما قضيت وقتاً أطول، تضاءلت الفوائد، بيد أني لم أجد الحال على هذا النحو أبداً. إذ لطالما كان الأرشيف مصدراً لتوليد الأفكار بالنسبة لي. ولكن مرة أخرى نجد الزمن أمامنا؛ فمع التقدم في السن وزيادة المسؤوليات، يصُعب قضاء سنوات في الجلوس على كرسي غير مريح، ولكن هذا هو عملنا.   

الهوامش:

[1] أجرى الحوار سليم كارليتيكين طالب دكتوراه بجامعة كولومبيا، قسم دراسات الشرق الأوسط، وقد نُشر في مجلة Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East (CSSAAME) عام 2015. كل الهوامش من المترجم.
 آلان ميخائيل هو مؤرخ مهتم بتاريخ الدولة العثمانية بالتركيز على مصر ويحاول في أعماله استخدام اقتراب مختلف عن السائد -ضمن اقترابات أخرى- يرتبط بالتاريخ البيئي وأثره على تشكيل الأنظمة السياسية و الاجتماعية في الشرق الأوسط، ويعمل أستاذًا بقسم التاريخ بجامعة يال. صدر له ثلاثة كتب هي Nature and Empire in Ottoman Egypt: An Environmental History) تصدر ترجمته العربية قريبًا، The Animal in Ottoman Egypt، Under Osman's Tree: The Ottoman Empire, Egypt, and Environmental History.
[2] The Middle East Research and Information Project (MERIP)
[3] Review of Middle East Studies
[4] أو حظر المساس هو ممارسة اجتماعية دينية تقوم على نبذ جماعة أقلية بإقصائهم عن السياق العام بحكم العادات الاجتماعية أو الأحكام القانونية. ترتبط هذه الممارسة بمعاملة جماعة "داليت" من بين شعوب جنوب آسيا.
[5] يوسف بن محمد بن عبد الجواد ابن خضر الشربيني هو كاتب وشاعر مصري، عاش في السابع عشر وكتابه المُشارإليه هو "هز القحوف بشرح قصيدة أبي شادوف".
[6] إريكا فودج هي أستاذ الدراسات الإنجليزية في جامعة ستراثكلايد، ومحاضر في كلية الدراسات الإنسانية والثقافية في جامعة ميدلسكس، لندن. ويُشير النص هنا إلى بحثٍ لفودج بعنوان " A left-handed blow: Writing the history of animals"، وتستعير فودج تعبير والتر بنامين في كتابه "شارع ذو اتجاه واحد" عندما شبه كل التغيرات الحاسمة بضربة باستخدام اليد اليسرى، في إشارة إلى بروز تلك التغيرات من حيث لم يتوقع أحد.

عبد الرحمن عادل:
مترجم من مصر تخرج في كلية العلوم السياسية جامعة القاهرة، مهتم بدراسات ما بعد الكولونيالية. يصدر له قريبًا ترجمة كتاب الشريعة وتحديات الحداثة تحرير إيفون حداد.
آلان ميخائيل

مؤرخ مهتم بتاريخ الدولة العثمانية بالتركيز على مصر ويحاول في أعماله استخدام اقتراب مختلف عن السائد -ضمن اقترابات أخرى- يرتبط بالتاريخ البيئي وأثره على تشكيل الأنظمة السياسية و الاجتماعية في الشرق الأوسط، ويعمل أستاذًا بقسم التاريخ بجامعة يال. صدر له ثلاثة كتب هي Nature and Empire in Ottoman Egypt: An Environmental History) تصدر ترجمته العربية قريبًا، The Animal in Ottoman Egypt، Under Osman's Tree: The Ottoman Empire, Egypt, and Environmental History.

ذات صلة